إسلام ويب

تفسير سورة الزخرف [84 - 89]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الله سبحانه هو الإله الحق، له ملك السماوات والأرض وما بينهما، له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وكل ما يعبد من دونه فهو باطل، وقد كان كفار قريش يقرون بأن آلهتهم لم تخلقهم، ومع ذلك لا يؤمنون بربهم، وقد أمر الله رسوله أن يصفح عنهم وهددهم بما سيلاقونه جزاء كفرهم في الدنيا والآخرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ..)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في آخر سورة الزخرف: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ * وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ * وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ * فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الزخرف:84-89].

    يذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات أنه وحده لا شريك له، الإله الحق الذي يعبد في السماوات في الأرض، فهو الإله المعبود في السماوات وهو المعبود في الأرض، وإن كره المشركون، وإن كفر الجاحدون، فهو الإله الحق وما دونه فباطل.

    والإله هو المعبود، وقد اتخذوا من دون الله آلهة كلها باطلة، وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ [يس:74]، أي: لعلهم يتعززون بهذه الآلهة، وقالوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3]، والله سبحانه وتعالى يخبرنا بأن هذا الذي يقولونه باطل، فذرهم يخوضوا ويلعبوا، أي: يخوضون في باطلهم، ويلعبون في دنياهم، حتى يلاقوا الذي يوعدون، وذرهم في خوضهم، مثل إنسان يخوض ويمشي في الماء، والذي يمشي في الماء لا يدري ما الذي يكون تحته من حفرة أو شيء يؤذيه، وكأنها استعيرت هذه الكلمة للباطل الذي لا يدري صاحبه ما يوصله إليه أمر لبسه وإبطاله، وكيف تكون نهاية خوضه، يقال: خاض فلان في الكلام إذا تكلم كثيراً في أشياء يلبس بها.

    ويأتي الخوض بمعنى: المفاوضة والمقاولة، هذا يقول، وهذا يرد عليه، وكأنهم يريدون الإبطال بقولهم لدين رب العالمين سبحانه، فـذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ [الأنعام:91] أي: في مخاضتهم، وفي لعبهم الذي يقولونه ويصنعونه، حتى يلقوا يومهم الذي يوعدون.

    وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ [الزخرف:84]فهو إله الحق، وإن كفر هؤلاء واتخذوا من دونه آلهة، فهو وحده الذي يستحق العبادة في السماوات وفي الأرض وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ [الزخرف:84].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وتبارك الذي له ملك السماوات والأرض ..)

    قال الله تعالى: وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [الزخرف:85].

    (تبارك) تفاعل من البركة، فبركته كثيرة، وتبارك بمعنى: تمجد وتعالى، فهو يستحق التسبيح وحده لا شريك له، قال سبحانه: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الملك:1]، وقال سبحانه: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان:1]، وهنا قال: َتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الزخرف:85] أي: تعالى وتمجد سبحانه، وكثر خيره، وكثرت بركته سبحانه وتعالى، الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الزخرف:85]، فهو الإله وهو الرب سبحانه، والرب هو الذي يملك، ويخلق ويرزق ويربي، فذكر ربوبيته بقوله: الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الزخرف:85]، وذكر ألوهيته بأنه إله في السماوات وفي الأرض سبحانه وتعالى.

    والملك الملكوت، فهو ملك له، هو ملكه سبحانه والمالك له، وهو الملك سبحانه وتعالى.

    قوله سبحانه: وما بينهما [الزخرف:85]، أي: ما بين الأرض والسماوات، والمعنى: الذي يملك كل شيء سبحانه وتعالى.

    قوله سبحانه: وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ [الزخرف:85]، هو كما قال: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان:34]، فعنده وحده علم الساعة، ومتى تقوم، وإن كان أعطى لأنبيائه شيئاً من علم هذه الساعة كعرفة علاماتها، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها تكون في يوم جمعة، لكن في أي جمعة؟ لا يدري أحد، ولكن قبلها أمارات، مثل طلوع الشمس من مغربها، والدخان، وخروج المسيح الدجال ، ونزول المسيح عيسى بن مريم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وخروج يأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف في المشرق وخسف في المغرب وخسف بجزيرة العرب، فهذه أمارات وعلامات، أما متى تقوم الساعة، فهذا علمه عند الله وحده لا شريك له، فمن ادعى أنه يعلم متى تقوم الساعة فهو كاذب؛ لأن الله لم يجعل علمها لأحد من خلقه دونه.

    قوله سبحانه: وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [الزخرف:85] أي: إليه المرجع، وهذه قراءة الجمهور: أي: بالبناء للمجهول، وقرأها بالبناء للفاعل يعقوب على وجهين: (وإليه يَرجِعون) من رواية رويس ومن رواية روح : (وإليه تَرجِعون) والمعنى: تَرجعون أنتم أيها الناس إلى الله عز وجل، وتُرجعون أي: يعيدكم إليه سبحانه وتعالى، كما بدأكم أول مرة يعيدكم مرة ثانية لترجعوا إليه وتلاقوا جزاءكم وحسابكم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة ..)

    قال سبحانه وتعالى: وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف:86].

    الله في السماء إله، وفي الأرض إله، وهو الرب الذي يملك ويحكم في السموات وفي الأرض، أما ما يدعون من دونه فليسوا بشيء، لا يملكون شيئاً، والكفار يشهدون أن هؤلاء الذين يدعون من دون الله لا يملكون شيئاً، وهم يعلمون أن هذه الآلهة التي يعبدونها لا تملك شيئاً، لكن يزعمون أنها تملك الشفاعة، فيعبدون الأحجار ويقال لأحدهم: هل هذا الحجر ينفعك؟ يقول: لا، لا ينفع ولا يضر، فيقال: لماذا تعبده؟! قال: من أجل أن يقربني إلى الله زلفى، فهذا هو الذي أثبته الكافر، فهو يعرف أن الصنم لا يملك شيئاً، فلا ينفع ولا يضر، ولكن يزعم أنه ينفعه عند الله يوم القيامة، ويشفع له فالله عز وجل ينفي هذا الذي زعموه فيقول: وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ [الزخرف:86]، فهم لا يملكون شيئاً، ولا يملكون هذه الشفاعة المزعومة، فالشياطين تدلس على الإنسان، تجعله يفتري على الله سبحانه وتعالى، فهذا الكافر الذي عبد الأحجار يزعم في نفسه أنه متواضع، وأنه لذلك لا يتقرب إلى لله عز وجل مباشرة، فهو أحقر من ذلك، لكن يعبد هذا الصنم، وهذا الوثن، وهذا الحجر، مع أنه يعرف أن الحجر حقير، فهو يدوس عليه، وهو الذي صنعه بيده، فيعبده ويزعم أنه متواضع، وأنه يعبد الحجر لأنه أذل من هذا الحجر، فيعبد الحجر حتى ينفعه الحجر عند الله! فالشيطان يزين له هذا الباطل والكذب، مثلما زين لهؤلاء المشركين أن يطوفوا بالبيت عراة نساءً ورجالاً، والمرأة كانت تطوف بالبيت عارية، تنتظر الليل من أجل أن تطوف بالكعبة، وتقول: كيف أطوف بالبيت في ثياب عصيت الله فيها؟! والرجل يقول: لا أطوف بالبيت في ثوب عصيت الله فيه، وما ذنب الثياب؟! فالشيطان كان يضحك عليهم، ويلبس عليهم بذلك.

    فالإنسان أحياناً يتظاهر بأنه متواضع وأنه خاشع ومخبت، وهو كاذب في هذه الدعاوى كلها، مثلما يجيء جاهل إلى إنسان ويقول: يا سيدي فلان اعمل لي كذا، وأعطني كذا، واجعل ربي ييسر لي كذا، وأنت لماذا لا تدعو الله مباشرة؟ لماذا تدعو سيدك فلان؟ وماذا يملك هو لنفسه حتى يملك لك أنت؟! وهذا نبينا صلوات الله وسلامه عليه يدعو ربه: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد)، يدعو الله عز وجل أن يحفظ التوحيد في حياته وبعد مماته صلوات الله وسلامه عليه، ويبرأ إلى الله عز وجل من قوم يدعونه في قبره صلى الله عليه وسلم، فالذي يدعى هو الله سبحانه وتعالى وحده، فلا يدعى أحد معه سبحانه، فالشيطان يوسوس للإنسان ويزين له الباطل الذي هو فيه، ويقول له: أنت حقير، وعاص، وأنت كذا وكذا، فكيف تعبد ربنا؟! لا، اذهب اعبد الصنم وهو يوصلك إلى الله عز وجل، ادع سيدك فلان وسيدك فلان فهو الذي يوصلك إلى الله، اجعل واسطة بينك وبينه! والله عز وجل يقول: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ [البقرة:186]، فأجاب الله عن نفسه سبحانه وتعالى، وكأنه يقول: أنا قريب من عبادي، فلا تدعوا شيئاً مع الله سبحانه، ولا تتخذوا وسيلة بينكم وبين الله إلا ما شرعه سبحانه، فاتخذوا إليه الوسيلة بأن تعبدوه وحده سبحانه، فوسيلتكم إليه توحيدكم ربكم سبحانه، وحبكم وطاعتكم له، وتنفيذكم أوامره، وحفظكم لكتابه، ومحافظتكم عليه، وحفظكم لسنة النبي صلى الله عليه وسلم واتباعكم له، فهذه هي الوسيلة، أي: أن تتبع النبي صلى الله عليه وسلم، وتدعو ربك سبحانه متوسلاً إليه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، فهذا هو التوسل إلى الله عز وجل الذي ينفعك، وهذا التوسل مبني على عمل منك أنت، وليس من غيرك، فتتوسل إليه لأنك حفظت أسماءه الحسنى وعرفت صفاته، وهذا عمل منك أنت تعمله، فحفظك لذلك ودعاؤك له سبحانه وتعالى، وتوسلك إليه باتباعك للنبي صلى الله عليه وسلم؛ هذا عمل أنت تتوسل به إلى أن يعفو الله عز وجل عنك، وأن يستجيب لك، وأن يغفر لك سبحانه وتعالى.

    أما هؤلاء المشركون فقد زعموا التواضع المكذوب فقالوا: نحن أحقر من أن نعبد الله، فنعبد هذه الأصنام من أجل أن تقربنا إلى الله سبحانه؛ لأنها تملك الشفاعة، فقال الله عز وجل: وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ [الزخرف:86]، وإلا هنا استثناء، إما أن يكون استثناءً متصلاً بما قبله، أي أثبت شيئاً وأخرج منه آخر، وهذا استثناء متصل، أو أنه نفى شيئاً ولم يخرج منه شيئاً فهذا استثناء منقطع بمعنى: لكن.

    وهؤلاء الذين يعبدون من دون الله هم: الملائكة، والجن، والأصنام، وعزير، والمسيح، وكل هؤلاء لا يملكون الشفاعة إلا من استثنى الله سبحانه وتعالى أن يأذن لهم، فيأذن لمن أطاع، ويأذن للمسيح أن يشفع للمؤمنين الموحدين الذين لم يعبدوه من دون الله سبحانه، فالمعنى: إلا من شهد بالحق، أي: شهد شهادة التوحيد أن لا إله إلا الله، ولا يستحق العبادة إلا الله سبحانه وتعالى، وشهد بالحق لله سبحانه وتعالى، وهم يعلمون.

    فقوله: وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف:86] أي: بتوحيد الله سبحانه، موقنون أنهم رسل الله عليهم الصلاة والسلام، وأنهم عبيده سبحانه، فالله يأذن لهم في الشفاعة بإذنه سبحانه وتعالى.

    فالذين يشهدون بالحق من هؤلاء كرسل الله عليهم الصلاة والسلام، وهم يعلمون أن الله يأذن لهم يوم القيامة في الشفاعة بالحق، فهؤلاء فقط هم الذين يشفعون بعد إذن الله عز وجل لهم في ذلك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ..)

    قال الله: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف:87]، أي: ولئن سألت هؤلاء المشركين الذين اتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزاً: من خلقكم أيها المشركون؟ ومن خلق هذه الآلهة التي تزعمون؟ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ [الزخرف:87]، واللام لام القسم، يعني: والله ليقولون ذلك، واللام المؤكدة قبل الفعل المضارع والنون المثقلة في آخره دليل أن هذا واقع في جواب قسم، أي: والله ليقولون ذلك، تأكيداً أنهم يوم القيامة سيعترفون، والآن هم مقرون أن الخالق الله سبحانه وتعالى.

    قال تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ [الزخرف:87] أي: كيف يصرفون عن توحيده، فالمشرك انصرف عن توحيد الله، يقال: انصرف عن الشيء، والمعنى: فكيف ينصرفون عن توحيد الله إلى عبادة غير سبحانه!!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون)

    قال الله: وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ [الزخرف:88] يذكر الله سبحانه وتعالى هنا قول النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدعو ربه سبحانه، وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ [الزخرف:88]، وهذه قراءة الجمهور، وكأن هذا معطوف على شيء سبق قبل ذلك وهو قوله: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ [الزخرف:80]، وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ [الزخرف:88]، أي: هل يحسبون أنا لا نسمع ما يسرون مع بعضهم بعضاً، وما يكيدون للنبي صلى الله عليه وسلم في السر والخفاء؟ وهل يحسبون أنا لا نسمع ذلك، وأنا لا نسمع دعاء النبي صلى الله عليه وسلم متضرعاً لربه؟ وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ [الزخرف:88]، والقيل بمعنى القول، القيل والقال كله بمعنى القول، فهل يحسبون أنا لا نسمع قول النبي صلى الله عليه وسلم متضرعاً إلى ربه: يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ [الزخرف:88].

    وقيل: وَقِيلِهِ [الزخرف:88]، معطوف على قوله: وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ [الزخرف:85]، أي: وعنده علم قِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ [الزخرف:88]، فالله عز وجل عنده علم الساعة، وعند الله علم قول النبي صلى الله عليه وسلم: يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ [الزخرف:88]، فهو يشكو إلى ربه سبحانه أن هؤلاء لا يؤمنون ولا يتابعونه صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون)

    قال الله عز وجل: فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الزخرف:89]، معنى: اصفح عنهم، أي: أعرض عنهم، أعرض عن المشركين الآن لغاية ما ربنا سبحانه يحكم بعد ذلك في أمرهم، قال كثير من المفسرين: هذه الآية منسوخة بآية السيف، يعني: الآن وأنت في مكة أعرض عن هؤلاء الذين يؤذونك، حتى يقضي الله أمراً، فقضى بعد ذلك فقال: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ [التوبة:5]، وقيل: هي باقية على معنى من المعاني، أي: اصفح عن هؤلاء لتدعوهم، فأعرض عما يقولون، وداوم على دعائهم إلى الله سبحانه وتعالى، لعل منهم من يؤمن بعد ذلك.

    وقوله: (وقل سلام) (سلام) هنا بمعنى: المتاركة، وليس المعنى سلم على المشركين وقل لهم: السلام عليكم، لا، بل كما قال ربنا سبحانه في عباد الرحمن: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا [الفرقان:63] يعني: قالوا قولاً فيه مسالمة ومتاركة، يعني: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون:6]، ابتعدوا عنا لا نريد منكم شيئاً إلا أن تستجيبوا لدعوة الله عز وجل، فمعنى قل سلام، أي: المتاركة بيننا وبينكم، تسلمون منا ونسلم منكم إن لم تستجيبوا، فدعونا ندعو إلى الله سبحانه وتعالى، وكان هذا في مكة، وقد أمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن يصبر، وأن يجاهدهم بهذا القرآن العظيم، ويجاهدهم بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، فلما كان في المدينة أمر بالجهاد بالقول وأمر بالجهاد صلوات الله وسلامه عليه، وهذه سورة مكية، ولم يكن قد أمر بجهاد السيف، وإنما أمر بأن يعرض عن هؤلاء وأن يصفح عنهم حتى يأمره الله عز وجل فيه بما يشاء.

    قال الله: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [الزخرف:89] هذه قراءة الجمهور، وقراءة نافع وأبو جعفر وابن عامر : فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [الزخرف:89]، بالخطاب لهؤلاء الكفار، أي: سوف تعلمون حين يأتيكم العذاب في الدنيا، وحين يأتي نصر الله عز وجل فينصر المؤمنين عليكم، وحين تأتيكم ساعتكم، وحين تأتيكم القيامة؛ سوف تعلمون من الذي معه الحق ومن الذي يملك أن يعذب هؤلاء، ومن الذي يقضي بينهم، كنتم في الدنيا تنكرون العودة إلى الله، وتزعمون أنكم حتى ولو رجعتم فالأصنام تنفعكم، فسوف تعلمون أنه لا ينفع إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:89].

    نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

    أقول قولي وهذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.