إسلام ويب

تفسير سورة الزخرف [65 - 71]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يوم القيامة هو يوم الفصل بين أهل الجنة والنار، إذ يتبرأ كل إنسان من قريبه وصديقه، وكل منهم يقول: نفسي نفسي، إلا المتحابين في الله فيشفع بعضهم لبعض، ويكرمهم الله عز وجل بالارتقاء مع إخوانهم إلى أعلى الدرجات في الجنة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فاختلف الأحزاب من بينهم... وأنتم فيها خالدون)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الزخرف: فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ * هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ * يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ * ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [الزخرف:65-71] .

    لما ذكر الله عز وجل مناقشة المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم وجدالهم بالباطل معه في شأن المسيح عيسى بن مريم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ثم أخبر الله عز وجل أن المسيح: إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ [الزخرف:59].

    ثم ذكر الله عز وجل أنه دعا قومه إلى عبادة الله سبحانه وتعالى، وقال: قد جئتكم بالبينات وجئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه، فأمرهم بطاعة الله قال: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [آل عمران:50] أي: اتقوا الله وأطيعون فيما جئتكم به من عبادة الله سبحانه، فاعبدوه وحده ولا تشركوا به شيئاً.

    تفسير قوله تعالى (فاختلف الأحزاب من بينهم...)

    قال الله تعالى: فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ [الزخرف:65] أي: اختلفوا على فرق، منهم من يصدقه ومنهم من يكذبه، والذين يصدقونه اختلفوا فيما بينهم، منهم من قال: هو بشر، ومنهم من قال: هو الإله، ومنهم من قال: هو ابن الله، وغير ذلك من افتراءاتهم وأكاذيبهم فقال الله سبحانه: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا [الزخرف:65] أي: أشركوا بالله عز وجل، قال تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] .

    وقال تعالى: هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [الزخرف:66] هؤلاء الظلمة، هؤلاء المشركون، هؤلاء الكافرون ماذا ينتظرون؟ هل ينتظرون إلا الساعة؟ الساعة أدهى وأمر، الساعة إذا جاءت جاءت بغتة، ولا إنذار قبلها، ستأتي الساعة بغتة وهم لا يشعرون إلا والموت قد انقض عليهم فسقطوا موتى.

    تفسير قوله تعالى (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين)

    وقال تعالى: الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف:67] أي: إذا جاء الموت وقامت القيامة وحشروا للحساب والجزاء فإذا بالأخلاء يهرب بعضهم من بعض، بل من أقرب الأقربين، الابن يهرب من أبيه، والزوج يهرب من زوجته، والأم تهرب من ابنها وابنتها وهكذا، وكل إنسان مشغول بنفسه، وكلٌ يهرب لا يريد إلا نفسه، يقول: نفسي نفسي.

    قال: الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف:67] فإذا أذن لهم، فشفع بعضهم في بعض، فالله عز وجل استثنى من هؤلاء من ينتفع بعضهم ببعض، فالمؤمن يحب أخاه فيجمع الله عز وجل بينهما يوم القيامة في جنته وفي رحمته.

    فقوله: الأَخِلَّاءُ [الزخرف:67] أي: المتحابون في هذه الحياة الدنيا، إما تحابوا للدنيا وإما تحابوا للآخرة.

    فإذا كانت محبتهم من أجل الدنيا يهرب بعضهم من بعض يوم القيامة، وإذا كانت في الله عز وجل أذن الله بالشفاعة فانتفع بعضهم ببعض يوم القيامة.

    سبب نزول قوله تعالى (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين)

    ذكروا أن هذه الآية نزلت في أمر رجلين من الكفار وإن كان العبرة بعموم اللفظ ولكن من ضمن هؤلاء كان رجلان من المشركين أمية بن خلف الجمحي وعقبة بن أبي معيط خليلين، وكانا متصادقين متصاحبين متحابين على كفرهما، وكان عقبة بن أبي معيط يذهب ويستمع إلى النبي صلوات الله وسلامه عليه، يسمع منه وهو يتلو القرآن ويأمر وينهى صلوات الله وسلامه عليه ويأمرهم بطاعة الله، وينهاهم عن الشرك بالله.

    فلما ذهب الرجل مرة واثنتين وثلاثة يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم إذا بصديقه أمية بن خلف لعنة الله عليهما يقول: وجهي من وجهك حرام إن لم تقطع مجلسك. يعني: إذا كنت أنت تحبني اقطع مجلس النبي صلى الله عليه وسلم، بل وأمره أن يذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأن يتفل في وجهه عليه الصلاة والسلام.

    فإذا بالآخر يفعل ما أمره به صديقه، ونذر النبي صلى الله عليه وسلم قتل عقبة بن أبي معيط ، ولما فتح مكة أمر بقتله حتى وإن كان متعلقاً بأستار الكعبة فقتل قبل ذلك، وأما أمية بن خلف قتله النبي صلوات الله وسلامه عليه، وأما الآخر هو عقبة بن أبي معيط قتله المسلمون، ونزلت فيهما هذه الآية: الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف:67] .

    إذاً: هذا كان خليلاً لهذا وأمره بهذا المنكر فإذا بالله عز وجل يقتل الاثنين في الدنيا ويجعلهما أعداءً يوم القيامة، قال تعالى: الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف:67] .

    إذاً: الخليل مع خليله إذا كانا مؤمنين، إنسان يحب الآخر في الله ينتفع به يوم القيامة، وكل من الاثنين يجعل الله عز وجل له درجة في الجنة ويجمعهما، ولعل أحدهما يكون أقل من الآخر في العمل، ولكن بالتحاب في الله يجعل الله عز وجل من هو أدنى مع من هو أعلى.

    أما من كانت التواد والمودة بينهم في الدنيا لأمر الدنيا فهؤلاء يتعادون يوم القيامة، وبعضهم لبعض عدو إلا من اتقى الله سبحانه وتعالى.

    تفسير قوله تعالى (يا عباد لا خوف عليكم اليوم ... وكانوا مسلمين)

    قال الله تعالى: يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ [الزخرف:68] هذا نداء من رب العالمين يوم القيامة هذا المشهد سيكون أمامك.

    فيوم القيامة الأخلاء بعضهم لبعض عدو، وترى الناس يهرب بعضهم من بعض ويقول: نفسي نفسي، وكل منهم يتهم الآخر بأنه السبب في هذا الشيء، والآخر يقول: أنت، ولو أن لي كرة فأراجع أمر ربي مرة ثانية، لكن المؤمنين يوم القيامة يناديهم الله عز وجل: يا عبادي، والجميع ينصتون، يقولون: كنا عباد الله، فينصت الجميع، فيقول الله عز وجل: يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ [الزخرف:68-69].

    إذاً: هنا عباد الله هم الذين اختصهم الله عز وجل بفضله وبرحمته، والجميع يشرئب لذلك يوم القيامة ونحن نعلم أن كل الخلق عباد الله، ولكن الله يقول: الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ [الزخرف:69] فلا يرفع رأسه إلا من كان مؤمناً مسلماً لرب العالمين سبحانه.

    إن هذه الآية: يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ [الزخرف:68] قرأها بكسر الدال ابن كثير وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف ، وكذلك روح عن يعقوب قرأها: ( يا عبادِ لا خوف ) بكسر الدال عند الوصل، وعند الوقف يقرأ: ( يا عبادْ ) بسكون الدال.

    وقرأها باقي القراء بالياء في آخرها: ( يا عبادي ) عند الوقف، وقرأها نافع وأبو جعفر وأبو عمرو وابن عامر وكذلك رويس عن يعقوب : ( يا عبادي لا خوف ) عند الوصل.

    ويقرأها شعبة ورويس عن خلف : ( يا عباديَ لا خوف ) عند الوصل، وكل القراء يقرءون: لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ [الزخرف:68] ما عدا يعقوب يقرأ: ( لا خوفَ عليكم ).

    فقوله تعالى: لا خَوْفٌ [الزخرف:68] يعني: لا تخافون، ولا أحد من المؤمنين يخاف عليكم.

    فقوله تعالى: لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ [الزخرف:68] معلوم أن الإنسان يخاف دائماً، إذاً: الخوف دائماً من المستقبل، حتى لو كان بجريرة ماضية يخاف من جزاء هذه الجريرة بعد ذلك، والحزن دائماً على الماضي، والإنسان يتذكر مأساة حصلت يحزن عليها، وأهل الجنة لا يحزنون على ماض ولا يخافون من مستقبل، فالله عز وجل قد أمنهم، وهذا أعظم ما يكون من الجزاء أن الإنسان يقال له: أنت في الجنة، وهو خالد فيها لا يموت فيفرح بذلك، فلا حزن ولا شيء يكدر عليه ما هو فيه، ولا خوف من مستقبل يؤذيه، هذه جنة الله، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أهلها.

    إن الله عز وجل ينادي المؤمنين: يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ [الزخرف:68] فعلى قراءة: ( لا خوفَ ) لا: نافية للجنس، فإن للتبرئة، أي: إن مستحيل أن تخافون وأنتم في الجنة أو تحزنون وأنتم فيها.

    وقوله: لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ [الزخرف:68] أي: من ساعة ما يدخلون الجنة يؤمنهم الله عز وجل، دخلتم الجنة، فلن تخرجوا أبداً من هذه الجنة ولن تموتوا أبداً، ولن تشقوا أبداً، ولا يكدر عليكم صفوكم شيء أبداً، ولا أنتم تحزنون.

    وقوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ [الزخرف:69] تأكيد أمر الإيمان والإسلام.

    فقوله: آمَنُوا بِآيَاتِنَا [الزخرف:69] وإن كان المؤمن هو المسلم والمسلم هو المؤمن، ولكن بينهما عموم وخصوص، فالإسلام يعم والإيمان يخص، من ضمن هؤلاء أنهما ي أعلى درجة واحدة إذا كان متحابين في الله.

    والمعنى اللغوي لهذه الآية: الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا [الزخرف:69] آمنوا صدقوا بآيات الله عز وجل، فاتبعوا الرسول صلوات الله وسلامه عليه.

    وَكَانُوا مُسْلِمِينَ [الزخرف:69] على المعنى اللغوي فيها: مستسلمين، منقادين، مطيعين، خاشعين لله عز وجل، مخلصين له.

    إذاً: هنا: وَكَانُوا مُسْلِمِينَ [الزخرف:69] أي: أسلموا قلوبهم، وأسلموا وجوههم، ووجهوا وجوههم لله رب العالمين سبحانه وتعالى.

    فإذا جمعوا هذه الصفات كانوا مصدقين بما جاء من عند الله، وكانوا متابعين عاملين منقادين لأمر الله سبحانه، ومجتنبين ما نهى الله عز وجل عنه، وهؤلاء هم عباد الله الذين يناديهم الله يوم القيامة.

    تفسير قوله تعالى (ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون)

    قال الله تعالى: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ [الزخرف:70] فهؤلاء آمنوا بالآيات أنها من عند الله، وأنها في كتاب الله، وآمنوا بمعجزات الله أنها من عند الله ولم ينسبوها إلى رسل الله عليهم الصلاة والسلام كما نسبت النصارى معجزات المسيح إليه، وهو الذي يقول أنها من عند الله سبحانه وتعالى، وأن الذي يحيي الموتى هو الله سبحانه وتعالى، فيبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، ويحيي الموتى بإذن الله، وينبئهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم أيضاً بعلم من الله سبحانه وتعالى وليس من عند نفسه.

    فهؤلاء المؤمنون المسلمون يقال لهم: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ [الزخرف:70] أي: يدخل الرجل الجنة وأيضاً زوجه معه إذا كانت مؤمنة تقية، ولعلها لا تكون قد وصلت إلى درجته التي يصل إليها، ولكن كانت زوجته في الدنيا فلا يحرمها الله عز وجل الفضل يوم القيامة.

    فيكون هو في أعلى ما يكون وتكون هي من أهل الجنة وأدنى من ذلك، ولكن لكونها كانت معه في الدنيا، كانت مطيعة لله سبحانه، فالله عز وجل يقول: ادخل وزوجتك معك، ولعل العكس أن المرأة تكون أفضل من الرجل وتدخل الجنة في مرتبة عالية في الجنة، والرجل زوجها يكون من أهل الجنة ولكن لم يصل إلى منزلتها، فالله عز وجل يلحقه بها ويقول: أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ [الزخرف:70] فلن يجعل هذا في مكان وهذه في مكان، ولكن: أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ [الزخرف:70] أي: تنعمون وتكرمون وتسرون، فالله عز وجل يفرحكم بهذه الجنة، فهم مسرورون فرحون بما هم فيه، منعمون يتلذذون بما آتاهم الله عز وجل من فضله.

    تفسير قوله تعالى (يطاف عليهم بصحاف من ذهب...)

    ويذكر الله عز وجل شيئاً من ذلك، يقول سبحانه: يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ [الزخرف:71] أي: يدخلون الجنة ويطاف عليهم بصحاف، والصحاف: جمع صحفة، والصحفة: القصعة الكبيرة الواسعة، أو الإناء الكبير، ومن الصحاف في الدنيا ما يكفي عشرة يأكلون فيها، ومنها ما يكفي دون ذلك وأكثر من ذلك.

    فهنا يطاف على أهل الجنة بصحاف كبيرة.

    فقوله: يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ [الزخرف:71] يمتعون في الجنة بذلك، والصحاف هذه من ذهب، ولذلك حرم علينا الذهب في الدنيا، فإذا أكلت أو شربت في ذهب حرمت من الذهب يوم القيامة.

    وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (لا تلبسوا الحرير ولا الديباج ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها) .

    أي: لا تشرب في كوب من ذهب ولا من فضة، (ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا) أي: للكفار يستمتعون بها في الدنيا. (ولكم الآخرة) فلا تشبهوا دنياكم بآخرتكم، فالإنسان المؤمن يزهد في الدنيا لينال ما عند الله عز وجل في الآخرة.

    وذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنه من شرب في صحاف أو أكل أو شرب في صحاف الذهب في الدنيا فهو محروم منها يوم القيامة، كأنه لا يدخل هذه الجنة.

    كذلك الذي يلبس الحرير في الدنيا يحرم منه يوم القيامة، كأنه لا يدخل الجنة.

    وقوله تعالى: وَأَكْوَابٍ [الزخرف:71] مفرد الأكواب: كوب وفرق بين الكوب والإبريق، فالإبريق الذي له يد يمسك بها، لكن الكوب مستدير، تشرب من كل نواحيه.

    وقوله تعالى: وَأَكْوَابٍ [الزخرف:71] أيضاً من ذهب ولكن لا يكرر فالمعنى مفهوم منها، وهي كقوله تعالى: وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ * قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا [الإنسان:15-16] إذاً: الكوب مقدر على قدر ما يحتاج إليه صاحبه، إذاً: يشرب من الكوب الذي يهواه.

    فقوله: قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا [الإنسان:16] أي: مقدر لك ما تريده وما يعجبك، واشرب ما يروق لك.

    وقوله: وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ [الإنسان:15] أي: من الزجاج، وفي الجنة ذهب، وبيوت من ذهب ترى ما في داخلها.

    وذهب الدنيا كثيف غليظ مستحيل أ، تخترقه ببصرك، ولكن ذهب الجنة تخترقه ببصرك، وهذا شيء عظيم جداً.

    فقال تعالى: وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ * قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا [الإنسان:15-16] وهنا يذكر لنا الذهب، فلهم هذا ولهم ذاك، قال: وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ [الزخرف:71] أي: في الجنة ما تشتهيه الأنفس، قرأها بالهاء في آخرها نافع وأبو جعفر وابن عامر وحفص عن عاصم : مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ [الزخرف:71].

    وباقي القراء يقرءون: ( وفيها ما تشتهي الأنفس ) بغير هاء في آخرها.

    فقوله: وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ [الزخرف:71] أي: كلما تشتهيه نفسك تجده في الجنة.

    وقوله: وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ [الزخرف:71] وفي الدنيا قد تجد الطعام الذي تشتهي أن تأكله ولا تحب النظر إليه، ولكن أهل الجنة في الجنة إذا رأوا بأعينهم الشيء تلذ الأعين بذلك، وتشتهي الأنفس ذلك، فالمنظر طيب وجميل، والمطعم جميل وحلو.

    وقوله تعالى: وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [الزخرف:71] أي: وأنتم في هذه الجنة خالدون لا تخرجوا منها أبداً.

    وجاء في الحديث في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ولا يتفلون، ولا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يمختطون، قالوا: فما بال الطعام؟ جشاء ورشح كرشح المسك) .

    وهذا نعمة من الله عز وجل، إذ يطوف عليهم خدم الجنة يأتونهم بما يشاءون من طعام وشراب ويخرج منهم رشح له رائحة طيبة جميلة كالمسك.

    قال: (يلهمون التسبيح) وهم في الجنة والتحميد والتكبير.

    وقال: (كما يلهمون النفس) والإنسان في الدنيا يستمتع بذكر الله سبحانه وتعالى، وفي الجنة أشد من ذلك كما تستمتع بنفسك في الدنيا، فأهل الجنة يلهمون التسبيح والتكبير والتحميد كما يلهم الإنسان في الدنيا النفس.

    نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، وأن يجعلنا من أهل جنته، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.