إسلام ويب

تفسير سورة الزخرف [55 - 60]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من عادات أهل الكفر السيئة التي جبلوا عليها أنهم يسعون نحو الجدل العقيم الذي لا فائدة من ورائه، وقد سلك هذا الطريق كثير من المشركين فجادلوا رسول الهدى بأمور لا يصح أن يجادل فيها إنسان.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون)

    الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الزخرف: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ * إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ * وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [الزخرف:57-62].

    لما ذكر الله سبحانه تبارك وتعالى قبل هذه الآيات قصة موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام مع فرعون، وكيف أن فرعون استخف قومه فأطاعوه فيما كان يقوله لهم وأراد أن يهلك موسى ومن معه فإذا بالله عز وجل يغضب عليه وينتقم منه وممن معه قال تعالى: فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ [الزخرف:55] أي: فرعون وجيشه وجنوده فأغرقناهم أجمعين، فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلآخِرِينَ [الزخرف:56]، أي: مقدمة يتقدمون القوم الآخرين، فجعلناهم مقدمة لمن أتوا من بعدهم واتبعوا طريقهم الباطل وضلالهم، فهم شر سلف لشر خلف من بعدهم فيكون الخلف مثلهم أشراراً يقتدون بهم فيستحقون النار.

    فلا تتكبر مثلما تكبر فرعون وإلا نالك ما نال فرعون، فيضرب به المثل في الشر وفي الكبر وفي الغرور وفي عبادة غير الله سبحانه وفي زعمه أنه أكبر من غيره، وأنه لا يوجد شيء أكبر منه وفي كذبه حين يقول للناس: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38]، وحين يقول: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24] وحين يكذب فيصدقه قومه، فالله عز وجل جعله مثال شر لمن يأتي بعده.

    ثم ذكر وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا [الزخرف:57] إذاً: ذلك مثل شر وهو فرعون، وهذا مثل خير وهو المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام.

    وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ [الزخرف:57]، الكفار ذكروا المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام وأرادوا أن يضربوه مثلاً للنبي صلى الله عليه وسلم فهذا المسيح الذي تزعم أنه نبي وقد عبدته النصارى فأنت تقول: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [الأنبياء:98] فالمسيح عُبد من دون الله سبحانه إذاً: فهو في النار.

    أرادوا أن يقولوا ذلك وأن يضربوا للنبي صلى الله عليه وسلم الأمثال، وتجاهلوا لغتهم العربية التي يتكلمون بها، وأعجبهم ما يقولون.

    فقريش قالت: إن محمداً يريد أن نعبده كما عبد المسيح ابن مريم، وهذا من ضمن إفكهم وكذبهم عليه فهو يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وهم يزعمون أنه يريد أن يعبدوه مثلما النصارى عبدوا المسيح ابن مريم على نبينا وعليه الصلاة والسلام.

    وبعض هؤلاء الكفار لما تكلموا مع النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: إن آلهتنا فيها خير نزل القرآن يقول: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [الأنبياء:98] وما يعبدونه من دون الله سبحانه تبارك وتعالى من أصنام.

    و(ما) يراد بها غير العاقل وإذا أراد العاقل قال: ومن تعبدون فهذه هي لغتهم، فقال لهم: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ [الأنبياء:98] فسكتوا وما قدروا أن يردوا على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رجعوا إلى قومهم فإذا برجل منهم اسمه ابن الزبعرى وكان شاعراً من شعرائهم وجاهلاً من جهلائهم فسمع ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أما إني لو كنت معه لخاصمته، أي: جادلته وكنت سأقول: إنك تقول: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون) فالنصارى عبدوا المسيح ابن مريم وحسب قولك: فالمسيح ابن مريم خالد في جهنم؛ لأنه معبود من دون الله، وكأنه تجاهل وتغافل عن قوله: (وما تعبدون) وخلطها بـ (من تعبدون) ولو فرض أن وما تعبدون كانت تعم الجميع العاقل وغيره، فيقال وما تعبدونه إن رضي بعبادتكم وأما المسيح ابن مريم فتبرأ من عبادتهم له عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وأمرهم أن يعبدوا الله، وأخبر الله عز وجل أنه عبد من عباد الله سبحانه تبارك وتعالى، فلما أعجبهم ذلك وأرادوا أن يقولوا للنبي صلى الله عليه وسلم ذلك ذكر الله سبحانه: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ [الزخرف:57] وقوله: (يصدون) قرئت بكسر الصاد وبضمها، فـابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة وكذلك يعقوب يقرءون: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ [الزخرف:57] وباقي القراء يقرءونها: (إذا قومك منه يصُدون).

    يصدون: بمعنى يضجون، ويفرحون؛ بأنهم وجدوا شيئاً يخاصمون فيه النبي صلى الله عليه وسلم ففرحوا بهذا الشيء الذي يقولونه، ورفعوا أصواتهم مستحسنين بجهلهم ما قاله، (إذا قومك منه يصدون) وهذا معنى القراءة الأخرى.

    أما القراءة الأولى التي هي بكسر الصاد يعني: يعرضون عن سبيل الله وأعرض أي: منع غيره أن يدخل فيه فكأنهم يصدون عن دين رب العالمين بكلامهم الذي يقولونه ويعرضون عن النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقالوا أألهتنا خير أم هو ...)

    وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ [الزخرف:58] أي: أآلهتنا خير أم عيسى بن مريم؟ فأنت تقول: أن المسيح عيسى بن مريم خير ولا شك في ذلك، فإذا كان هو خير فهو في النار على حسب قولك، قال الله عز وجل: مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا [الزخرف:58]، أي: يجادلون بالباطل ويتعامون عما يفهمونه ويعرفونه والمسيح لم يرض بأن يعبد من دون الله، وكذلك اليهود فقد زعموا أن عزيراً ابن الله وهو لم يرض بذلك قالت اليهود: وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ [التوبة:30] فاليهود كذبوا على عزير والنصارى كذبوا على عيسى، قال سبحانه: مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا [الزخرف:58] أي: للجدل فقط، وهم يعرفون الفرق بين: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ [الأنبياء:98] (وإنكم ومن تعبدون) يعرفون ذلك ولكن يجادلون بالباطل، ويعرفون الفرق بين من رضي بأن يكون إله وطلب ذلك مثل فرعون، وبين من لم يرض بذلك وقال أنا عبد لله كالمسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فهم ما ضربوه لك إلا جدلاً.

    بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [الزخرف:58]، والإنسان الخصم: هو المخاصم الشديد الخصومة المجادل الكثير الجدل بالباطل، وهذا بغيض إلى الله عز وجل، والله عز وجل يبغض من الرجال الألد الخصم، الألد هو اللدود شديد العداوة والخصومة، والذي يحب أن يجادل كثيراً، ويحب أن يظهر أنه يجيد الكلام، وأنه على ثقافة عالية، وأنه يجيد القول، فهذا بغيض إلى الله بغيض إلى الناس، فكان الكفار مع النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الحال ولذلك قال النبي صلوات الله وسلامه عليه في الحديث الذي رواه الترمذي عن أبي أمامه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل) ثم تلا هذه الآية: مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [الزخرف:58] فالإنسان وهو على الهدى يعبد ربه سبحانه تبارك وتعالى ويريد أن يرضي ربه فلا يوجد لديه وقت فهو يريد أن يرضي ربه سبحانه بحسن خلقه وبحسن عبادته، وكلما ابتعد الإنسان عن ربه كلما وجد نفسه فارغاً فالذي لا يعبد ربه يعبد الشيطان ويتقرب إلى الشيطان بما يرضيه فإذا به يجادل بالحق أو بالباطل والمهم أن يظهر أمام الناس أنه يجيد الكلام، (فما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل)، فإذا وجدت إنساناً كثير الجدل يريد أن يناقش، ويريد أن يجادل ويتكلم ويرفع صوته اعرف أن هذا الإنسان بعيد عن الهدى، فلم يكن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم كثرة الجدل ولا كثرة الكلام صلوات الله وسلامه عليه، وقد أوتي جوامع الكلم فكان يتكلم بالكلام البسيط الذي يحفظ عنه صلوات الله وسلامه عليه، وما كان يجلس ليناقش ويجادل مع القوم بل كان العرب يأتون النبي صلى الله عليه وسلم وفوداً ومع كل وفد يأتي شعراء القبيلة وخطباؤها ويقفون بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ويتكلم الخطيب بخطبة طويلة ويقول الشاعر شعره فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يرد على مثل ذلك وكان يأمر من أصحابه من يرد، فمن طبعه عليه الصلاة والسلام أنه معرض عن الجدل، وما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يدخل في ذلك من باب المباهاة التي كانت عند العرب فكان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر ثابت بن قيس بن شماس أن يجيب خطيبهم فكان يجيبه ويفحمه رضي الله تبارك وتعالى عنه وكان يأمر حسان بن ثابت أو غيره من الشعراء أن يرد على شاعرهم فكان يرد فيغلبهم بذلك أما هو صلى الله عليه وسلم ما كان يدخل في ذلك صلوات الله وسلامه عليه.

    وقد جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال) قيل وقال: أي: كثرة الكلام فالإنسان الذي يتكلم كثيراً ليظهر نفسه أنه يجيد الكلام كرهه الله، فلو أن الإنسان وزن ما يقوله هل بكلامه هذا يرضي ربه؟ أم أنه يرضي نفسه بذلك؟ فالمجادل يرضي نفسه؛ لأن عنده حب شهوة الكلام فيرضي نفسه ويطمئن قلبه بذلك، أما الإنسان المؤمن فيرضي ربه بكلامه ويرضي ربه بسكوته فإذا تكلم تكلم بذكر الله سبحانه تبارك وتعالى وإذا سكت كان ذاكراً لله في لسانه وفي قلبه، ويعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن الله عز وجل يخبر عن عبده: (إذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه)، فالمؤمن هذه حاله.

    قال الله سبحانه تبارك وتعالى عن هؤلاء المشركين: بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [الزخرف:58] أي: مجادلون بالباطل محبون لهذا الجدل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن هو إلا عبد أنعمنا عليه ...)

    أما المسيح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام فقد قال الله عز وجل عنه: إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ [الزخرف:59] ما هو إلا عبد عليه الصلاة والسلام، إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ [الزخرف:59]، فذكر الله عز وجل المثل ثلاث مرات: في المرة الأولى عن فرعون ومن معه: فجعلناهم سلفاً ومثلاً للآخرين وهذا مثل شر وموعظة لمن يتق الله عز وجل ولمن يتعظ بمثل هذه القصة، والمثل الآخر الذي ضربه الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم وهم يكذبون ويفترون ويتغافلون عما يقولونه فذكر الله عز وجل هذا المثل وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ [الزخرف:57] المثل الثالث: يقول نحن جعلناه مثلاً أي: جعلنا المسيح آية فالمثل في هذه الآية معناه المعجزة وجعلناه آية من آياتنا.

    إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ [الزخرف:59]، عبد خلقه الله عز وجل وليس بأعجب من آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام الذي أوجده الله عز وجل من لا شيء فكان من ماء ثم من تراب ثم جسداً حياً بعد ذلك وليس عجباً أن يخلق الله عز وجل آدم من تراب، وليس عجباً من العجب أن يخلق المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام من أم فقط من غير أب وهذه آية من آيات الله عز وجل، وكل خلق الله عز وجل عظيم فإذا قيل خلق المسيح من أم فقط قلنا: ليس هذا بأعجب من حواء التي خلقت من ضلع من آدم فهل عبدتم المسيح؛ لأنه خلق من أنثى؟ فاعبدوا حواء لأنها خلقت من ذكر فهي أولى، وحاشا لبشر أن يعبد من دون الله عز وجل، وهذا آدم خلقه أعجب من خلق الجميع فقد خُلق من لا شيء، فجعل الله المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام آية قال سبحانه: وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ [الزخرف:59] ليروا آية من آيات الله عز وجل أمامهم فيصدقون أنه نبي الله عليه الصلاة والسلام، ولم يؤمن به الكثيرون من بني إسرائيل وإنما آمن به البعض وأما الكافرون فقد أرادوا قتله ووشوا به إلى ملكهم ملك الكفار ليقتله وقد جعل الله له آيات يحيي الموتى بإذن الله سبحانه، ويبرئ الأكمه والأبرص ويخبرهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، وهذه كلها آيات من آيات الله سبحانه تبارك وتعالى لم ينسبها لنفسه وإنما نسبها لله سبحانه تبارك وتعالى وأنه يفعل ذلك بإذن الله فقال الله سبحانه: وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ [الزخرف:59] حتى يؤمنوا ويصدقوا ويتبعوا أنه نبي ورسول أرسله الله عز وجل إليهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة...)

    قال عز وجل: وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ [الزخرف:60] لو شئنا لأنزلنا ملائكة من عندنا وجعلناهم يمشون في الأرض، ولكن لو نزلنا ملكاً من السماء فإن الناس لن يؤمنوا طوعاً حين يرون هذا الملك وإنما سيؤمنون قهراً، والله لا يريد ذلك، فلو أنه نزل ملكاً فمن سيجرؤ أن يقول: للملك: لا لن نؤمن فإذا كان ملك من ملائكة الله سبحانه تبارك وتعالى أخذ قرية ورفعها وقلبها على أهلها من الناس فلو نزلنا ملكاً من السماء لجعلنا هذا الملك بشراً أي: في صورة بشر وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ [الأنعام:9] أي: لخلطنا عليهم فلا يعرفون أهذا ملك أم بشر يدعي أنه ملك على صورة بشر؟ كما قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: أنا رسول من رب العالمين ولم يصدقوه فما الذي يجعلهم يصدقوا أنه ملك، فإما أن نجعله على صورة الملك فلا يطيقون أن ينظروا إليه ولا أن يسمعوا منه وسيخافون منه، أو نجعله على هيئة البشر فلبسنا عليهم ما يلبسون ويختلط عليهم الأمر ويقولون لن نصدقك فلا ينفع مع هؤلاء إلا بشر من البشر. قال الله سبحانه: وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ [الزخرف:60] لجعلناهم يخلف بعضهم بعضاً فهذا ملك رسول وبعده ملك آخر رسول وبعده ملك آخر رسول، ولكن مشيئة الله عز وجل أبت إلا أن يكون الرسول من البشر وأن يدعو الخلق فيكون منهم المؤمن ومنهم الكافر لحكمة من الله سبحانه.

    وللحديث بقية إن شاء الله.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.