إسلام ويب

تفسير سورة الزخرف [20 - 25]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في هذه الآيات الكريمات من سورة الزخرف يذكر الله عز وجل أموراً فيها: شبهة احتجاج الكفار بالقدر، وذم التقليد للآباء والأجداد الذي يدعو إلى إلغاء العقل والنظر في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أيضاً: يذكر الله عز وجل لنا هلاك الأمم السابقة المكذبة بأنواع من العذاب كما فصله تبارك وتعالى في قصصهم.

    1.   

    شبهة الاحتجاج بالقدر والرد عليها

    أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الزخرف:

    وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ * أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ * بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ * وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [الزخرف:20-25].

    يخبر سبحانه وتعالى في هذه الآيات من سورة الزخرف عن احتجاج الكفار بالأقدار. قال تعالى على لسانهم: (لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ) أي: لو أراد الله لحال بيننا وبين عبادة الأحجار والملائكة والأصنام، وهذا كلام حق أريد به باطل، فالله عز وجل ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، والله عز وجل خلق العباد فمنهم كافر ومنهم مؤمن، فالإنسان لا يحتج بالقضاء والقدر على ما هو فيه من المعصية، ولكن يقال له: ما يدريك أنك من أهل الجنة أو من أهل النار؟! ما يدريك أنه يختم لك بالسعادة أو بالشقاوة؟! أنت الآن تقدر أن تفعل وأن تترك؛ فما يمنعك أن تترك هذا الباطل الذي أنت فيه وتفعل الخير؟! وما الذي يأمرك أن تحتج بالقدر على المعصية، وهلا تركت هذه المعصية وفعلت الخير واحتججت بالقدر على الخير الذي تفعله؟! لكن الإنسان يقول كلاماً يهرب به من حقيقة الأمر، فإذا وقع في المعصية يقول: الله أمرنا بها! والله عز وجل يقول: قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:28]، فهل أمركم الله عز وجل أن تعبدوا غيره؟! وهل أمركم الله سبحانه أن تقعوا في المعاصي؟! افعلوا الخير وقولوا: الله أمرنا به، أما أن تفعل الشر وتقع في المعاصي ثم تحتج بالقدر فليس لك ذلك؛ لأن لك اختياراً، والله سيحاسبك على اختيارك للخير أو اختيارك للشر.

    قال الله تعالى: (مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ) أي: بصحة ما قالوه واحتجوا به.

    ثم قال تعالى: (إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) أي: يكذبون ويتقولون ويفترون على الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    إنكار الله على المشركين في عبادتهم غيره بلا برهان ولا حجة ولا دليل

    قال تعالى: أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ [الزخرف:21]، أي: هل آتيناهم كتاباً من قبله فهم به مستمسكون؟ مثلما يقول النصارى: عندنا كتاب، ويقول اليهود: عندنا كتاب، فهل هؤلاء المشركون عندهم كتاب من عند الله عز وجل؛ حتى يقولوا: وأمرنا بعبادة الملائكة، أو بعبادة الأوثان.

    1.   

    ذم التقليد الأعمى

    قال تعالى: بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ [الزخرف:22]، أي: ليس لهم فيما هم فيه من الشرك سوى تقليد الآباء والأجداد بأنهم كانوا على أمة، والمراد بها الدين هاهنا، وهذا هو التقليد الأعمى.

    قال تعالى: وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف:22]، أي: أنهم رأوا أن فعل الآباء هو الهدى، فهم يسيرون وراءهم قد أعموا أبصارهم وعيونهم، فلا ينظرون إلا إلى ما نظر إليه الآباء، فألغوا عقولهم، وما استخدموا دليلاً ولا نظراً ولا فكراً، وإنما قلدوا الآباء والأجداد، هذا التقليد هو الذي نهينا عنه، من أن الإنسان يمشي وراء غيره من غير أن يتفكر ويتدبر. وقد أنكر الله على المشركين رفضهم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، فقد كان لهم عقول يتفكرون ويتدبرون في هذا النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه، من هو؟! وهل كان يطلب ملكاً قبل أن يقول: إنني رسول الله إليكم؟! وهل كان هذا في يوم من الأيام أحد آبائه ملكاً من الملوك، فهو الآن يطلب ملك أبيه هذا؟! وهل كان يكذب قبل ذلك، أم كنتم تلقبونه بالصادق الأمين صلوات الله وسلامه عليه؟! تنظرون في حاله صلوات الله وسلامه عليه أنه نبي أمي لا يقرأ ولا يكتب، ومع ذلك يأتي بهذا القرآن العظيم، المعجز من عند رب العالمين سبحانه، فجاءكم وقال: أنا رسول من رب العالمين، فقلتم: إعطنا الآية التي تدل على أنك رسول؟! فأتاكم بهذا القرآن العظيم الذي تحداكم به، جاءكم بمعجزة من عند رب العالمين، وتحداكم بها، فهاتوا مثل هذا إن كنتم تقدرون؟! هلا أعملتم عقولكم في هذا الرجل الذي عاش بينكم، أربعين سنة لم يكذب قط صلوات الله وسلامه عليه، والجميع سواء الموافق والمخالف يشهدون له بذلك عليه الصلاة والسلام، فقد كانوا يلقبونه بالصادق الأمين، فهنا مجال إعمال الفكر، وإعمال العقل بأن هذا الرجل لم يكذب قط، ولم يطلب ملكاً، وإنما هو رسول من عند الله عز وجل، أيده بالقرآن العظيم، ولم يقل هذا كلامي، وإنما قال: هذا كلام الله، وقد أمرني أن آمركم بالصلاة، وبالزكاة، وآمركم بعبادة الله وحده لا شريك له، فهو لا يقول ذلك من عند نفسه، وإنما يأمره ربه سبحانه تبارك وتعالى.

    جاءكم بآيات بينات، وبشريعة عظيمة، وأخبركم بأشياء فكانت على ما أخبر صلوات الله وسلامه عليه، فلم لم تجدوا في كلامه كذباً قط، فإذا وعد صدق الوعد الذي يقوله صلوات الله وسلامه عليه.

    ومن الأمور التي أخبر بها صلوات الله وسلامه عليه فكانت على ما أخبر صلى الله عليه وسلم: هزيمة الفرس في بضع سنين، قال تعالى: غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ [الروم:2-4]، فتحقق هذا الذي قاله ربنا سبحانه تبارك وتعالى على لسان نبينا صلوات الله وسلامه عليه، فما أخبر بشيء أنه سيحدث إلا وكان كما يقول صلى الله عليه وسلم.

    أتاهم بالآيات البينات والمعجزات التي تؤيده على ما يقول، فصدقه وآمن به من آمن، ودخل معه في دينه صلوات الله وسلامه عليه.

    قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي [آل عمران:31]، أي: اتبعوا النبي صلوات الله وسلامه عليه مع النور الذي جاءه من عند رب العالمين، فأمرنا بالاتباع ولم نؤمر بالتقليد، والتقليد: هو أن تلغي عقلك وتسير وراء من تسير بدون دليل ولا حجة.

    أما الاتباع فأنت تنظر في الذي جاء به، وتعمل عقلك في هذا الشيء، هل هذا فعلاً من عند الله، أم ليس من عند الله؟! فإذا عرفت أن هذا من عند الله، وأن هذا رسول الله لزمك أن تصدقه، وأن تتبعه صلوات الله وسلامه عليه فيما يأمرك به، فإذا قال: اعبد الله سبحانه ولا تشرك به؛ لزمك أن تنفذ ذلك، وإذا قال: انتهي عن المعاصي طاعة لله. لزمك أن تنفذ ذلك.

    أما هؤلاء المشركون فقد قالوا: إنا مقلدون، وسنسير على ما سار عليه آباؤنا، فهل كان مع آبائهم دليل وحجة على ما يقولون؟! وهل كانوا بشراً غير البشر، أو من نور، مخلوقين من غير ما خلقتم أنتم منه؟! لا، فآباؤهم مثلهم، فقد كانوا أهل ظلم وأهل عدوان وباطل، وكذلك هؤلاء وراء آبائهم فيما يفعلون.

    إن كل إنسان يقول كما يقول هؤلاء ففيه جاهلية من جاهلية هؤلاء، وكذلك من يقول: أنتم أتيتم لنا بدين جديد؟! نحن نعمل هذا الشيء منذ زمن طويل، لذا فإن الكثيرين من الناس يقعون في البدع، ويقعون في أشياء ينسبونها للدين، والدين بريء منها، وحجتهم: (وجدنا آباءنا على أمة) أي: أن أهلنا كانوا يعملون هذا الشيء، فنحن نعمل مثلما يعمل الآباء والأجداد.

    فالإنسان المؤمن لا يقلد الآباء إلا فيما كان معهم دليل من كتاب الله عز وجل أو من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، والاتباع اسمه: (اتباع) وليس تقليداً، وإنما التقليد الذي يكون بغير دليل، فلا أفكر، وإنما أمشي وراء هذا الشيء، لكن الاتباع معرفة الدليل الذي نسير وراءه؛ وأنه على الحق.

    1.   

    موقف المترفين من دعوة الرسل

    قال تعالى: وكذلك مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ [الزخرف:23]، أي: أن التقليد ليس شيئاً جديداً، ولكنها عادة السابقين، وعادة أهل الباطل، فهو لا يريد أن يترك الباطل؛ لأنه مترف ومنعم وكبير بين قومه، فكيف يترك هذا الشيء لكي يكون وراءك؟ وبعد أن كان هو متبوعاً يصير متبعاً!

    قوله: (فِي قَرْيَةٍ) المراد بالقرية: البلد، والقرية من القري، والقري الجمع، وكأنه المكان الذي يجتمع فيه الناس، وكلمة (قرية) وإن كنا نطلقها على الريف، لكنها لغة تطلق على المدينة، وعلى البلد العظيم، والنبي صلى الله عليه وسلم كان من أهل القرى أي: مكة. والمقصود: أن الله يخبر عن الرسل، وأنه ما من رسول يرسله الله عز وجل إلا ويكون من أهل القرى، يعني: من أهل البلدان، ومن أهل المدن، ليس من الريف أو البادية، وطباع أهل المدينة غالباً مع كثرة الناس والاحتكاك، تكون فيهم ذوقيات، وفيهم رجوع لرأي الأغلب، أما أهل البادية ففيهم الغلظة، وفيهم الشدة، وبعدهم عن المدينة، وبعدهم عن الناس يجعل كل إنسان يحس أنه لوحده ملك، وأنه لا شأن ولا أمر لأحد عليه، وهذا بعكس الاجتماع مع الغير، فإنه يهذب الأفكار، وينقي الآراء، وعندما تكون في مجموعة من الناس تتكلم، والثاني يرد عليك، والثالث يصوب الرأي، وهذا هو الحاصل في المدينة، أما في الريف: فيعيش الإنسان وحده في مزرعته، وفي حقله، بين غنمه وإبله، فيكون أغلب وقته مع هذه البهائم، فيحتاج لمن ينقي له عقله وتفكيره، ويتناقش معه ويصوب له آراءه؛ لأن المنفرد دائماً يظن أن رأيه الصواب؛ فلذلك قال تعالى: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى [يوسف:109]، وأهل القرى يكون الناس كلهم يعرفونه ويرونه، أما إذا أتى لهم من البادية فسيقولون: لا أحد يعرفك، فمن أنت؟ من الذي كان معك؟ من يشهد لك؟ ولذلك من ضمن الأحكام التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنها لا تقبل شهادة بدوي على حضري)، لأن البدوي مقيم في البدو، وفجأة جاء يشهد ويقول: أنا رأيت فلاناً يقتل فلاناً. أين رأيته؟ فأنت الآن أتيت من البادية، فالكلام الذي يقوله محل نظر، أما إذا ثبت أنه عاش بيننا فترة، فنقول: شاهد، لكن أتى من هناك وجاء ليشهد، فهنا الشهادة لا تكون إلا من إنسان قد شاهد فعلاً، وإنسان موجود وسط الناس، بحيث نصدق ما يقول هذا الإنسان ونجد من يزكيه، فهذا الرسول الذي يكون من أهل القرى يجد من يزكيه من الناس، ويقولون: هو طول عمره مقيماً بيننا، فنرى منه الصواب، ونجد منه الرأي السديد، والنصح لنا، هو أمين بيننا، فهنا أهل القرى باجتماعهم يعرفون هذا الإنسان، ويمحصون ما يقول، فيشهدون له بصواب ما يقول، أو يخطئون ما يقول.

    فقال الله عز وجل: (وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ) ينذرهم بعقوبة الله عز وجل، إذا أصروا على معصيته، وعلى الشرك به سبحانه وتعالى.

    قوله: (إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا) الغالب في الذين يصدون عن الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام والدعاة إلى الله: هم المترفون، أي: الرؤساء والوزراء والكبراء من القوم؛ لأنهم وصلوا إلى ما هم فيه من الملك والسيادة، فلا يريدون أن يتزحزحوا عنه، ولا يريدون أن يتركوه، وإنما يريدون أن يبقوا فيه دائماً، فإذا جاءهم نبي أو رسول يدعوهم إلى الله، فإن أحدهم ينظر إلى نفسه ويقول: بعدما كنت أنا الرئيس وأنا الوزير وأنا الكبير، تأتي أنت فتقول لي: اعمل واعمل، وأكون تابعاً لك! فيرفضون الانقياد لدعوة الإسلام، وكأن تنعم الإنسان في النعم يدفعه إلى الغرور، وإلى الكبر، وإلى البعد عن طاعة غيره، فهو لا يريد أن يسمع لغيره، فقد صار كبيراً في نظر نفسه، وقد عرف ذلك هرقل عندما سأل أبا سفيان عندما كان عنده: أضعفاء الناس يتبعونه أم أغنياؤهم؟ فقال: بل ضعفاؤهم وأبو سفيان فرح بهذه الإجابة، وكأنه يقول لـهرقل : إنه لا يتبعه إلا حثالة الناس، والضعفاء منهم.

    فقال هرقل: وكذلك أتباع الرسل. وهو صادق فيما يقول، فقد كان رجلاً واعياً عاقلاً، وإن كان مات كافراً لأنه ضن برئاسته وبملكه من أن يدخل في الإسلام، ويترك هذا الذي هو فيه، لكن العشرة الأسئلة التي سألها لـأبي سفيان تدل على ذكاء خارق وفهم واع لهذا الرجل، فهو قد أعمل عقله ونظره، فكان يسأل وأبو سفيان يجيب ويريد أن يشوه سمعة وشخصية النبي صلى الله عليه وسلم في أي إجابة يقولها، ولذلك قال: ما وجدت شيئاً أقوله عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا كلمة واحدة، ولكن الرجل لم يلتفت إلى كلامه.

    ثم سأله هرقل فقال: هل وجدتم وعهدتم منه كذباً قبل ذلك؟

    قال: لا، فهو لم يكذب قبل ذلك.

    ثم سأله فقال: هل كان من آبائه ملكاً؟

    قال: لا. وسأله فقال: هل يغدر؟

    قال: لا، ونحن معه في مدة لا ندري ما يصنع فيها -وكان ذلك في الحديبية- أي: أن بيننا وبينه الآن عهد، ويمكن أن يغدر في يوم من الأيام، فلم يأبه له هرقل ، ولم يلتفت إلى كلامه، وإنما كان سؤاله عن الماضي، عن أربعين سنة عاشها النبي صلى الله عليه وسلم بينهم، ولا يحكم بما سيأتي، لأن هذا مستقبل لا يعلمه إلا الله عز وجل.

    قال أبو سفيان : ما وسعني أن أدخل شيئاً إلا هذه الكلمة، وبعد أن أسلم أبو سفيان أخبر عن هذا الذي جرى بينه وبين هرقل .

    فالغرض: أن الله تبارك وتعالى جعل للإنسان عقلاً يفكر به في هذا الذي يكلمه، هل هذا الإنسان يتكلم بصدق، وبأمانة، وبإخلاص؟ أم أن هذا الإنسان يريد منصباً، ومكانة، ومالاً؟ والله عز وجل يرسل الرسل عليهم الصلاة والسلام يدعون الخلق إلى عبادته، فيتبع الرسل الضعفاء، ويبتدئ الدين بقلة، ثم يزيد قليلاً قليلاً كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه: (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء) بدأ الإسلام غريباً برجل واحد وهو النبي صلى الله عليه وسلم، وزاد الإسلام فدخل فيه أبو بكر، ودخل علي ، ودخلت خديجة، وزاد وزاد حتى ملأ نوره الآفاق، وسيرجع مرة أخرى قبل قيام الساعة إلى الغربة، فيصير المسلم غريباً في قومه، فإذا جاءهم بسنة قالوا: أنت مبتدع، وإذا جاءهم بدين الله سبحانه تبارك وتعالى قالوا: إنا وجدنا آباءنا على غير ذلك، فيرجعون للجاهلية مرة ثانية، وانظر في عادات وتقاليد بعض الناس، فإنك إذا قلت: هذا خطأ. فإنه يقول لك: نحن نعمل هكذا منذ زمن طويل، فهل ستأتي لنا بدين جديد؟! لأنهم لم ينظروا في كتاب الله ولا في سنة النبي صلوات الله وسلامه عليه، وإنما قلدوا كما قلد أهل الجاهلية، قالوا: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ [الزخرف:22]، وكأنهم يقولون: الهدى والحق مع الآباء والأجداد، وليس لنا دخل بغيرهم.

    1.   

    إتيان الرسل بما هو أهدى مما عليه الآباء والأجداد

    ثم قال الله عز وجل مخاطباً نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم: قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ [الزخرف:24].

    قوله: (قال) فيها قراءتان:

    الأولى: (قال) وهي قراءة ابن عامر وحفص عن عاصم . الثانية: (قل) وهي قراءة باقي القراء.

    قوله: (أولو جئتكم) فيها قراءات:

    الأولى: قرأ الجمهور: (أولو جئتكم).

    الثانية: قرأ أبو عمرو : (أولو جيتكم)

    الثالثة: قرأ أبو جعفر: (أولو جئناكم)، بالنون.

    قال تعالى: (بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ) أي: أولو جئتكم بالهدى من عند الله عز وجل بدلاً من هذه الضلالات التي وجدتم عليها آبائكم، ولكن دائماً الرؤساء والكبراء وليست عندهم حجة أصلاً حتى يردوا ذلك، فهم لا يريدون أن يتعبوا عقولهم في هذا الشيء، ولا يريدون أن يظهروا أمام الناس أنهم قليلوا الحيلة وضعفاء التفكير، فلذلك يقولون: (إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ)، أي: لا نريد أن نسمع هذا الذي تقوله لنا، فنحن كافرون بما تدعو إليه.

    1.   

    إهلاك الله للأمم المكذبة

    وعندما وصل الأمر إلى ذلك قال الله عز وجل: فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ [الزخرف:25]، أي: استحقوا الانتقام والعذاب من الله عز وجل، فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا [العنكبوت:40]، ومنهم من أرسل الله عز وجل عليهم الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ [الأعراف:133]، ومنهم من أهلكهم الله عز وجل بالقتل والسبي والقحط ونقصان المطر والماء، يفعل الله عز وجل ما يشاء.

    قال: فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [الزخرف:25]، أي: انظر كيف كانت النهاية والعاقبة لهؤلاء المكذبين، وكيف أن الله أهلكهم وآباءهم، وكيف نجى المؤمنين، فلا تفرح حين تنظر إلى إنسان ظالم قد أعطاه الله عز وجل الدنيا، وإنما انظر إلى العاقبة والنهاية لهذا الإنسان الظالم، وكيف يصنع الله عز وجل به، وكيف يهلكه سبحانه تبارك وتعالى.

    نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.