إسلام ويب

تفسير سورة النور الآية [61]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بين كل آونة وأخرى تظهر عظمة هذا الدين في شتى جوانب الحياة، وديننا يحرص على تقوية الأواصر وشد العلاقات وتقارب الألفة بين المسلمين، ومن أبرز ما يقوي أخوتهم اجتماعهم للأكل، واشتراك امتداد أيديهم لصحن واحد، فتجتمع الأيدي وتتآلف بذلك القلوب، وهذا ما يبينه الله تعالى لنا في هذه الآية المشروحة في هذه المادة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة النور:

    لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [النور:61].

    الخلاف في تأويل قوله تعالى: (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج...)

    في هذه الآية من سورة النور يذكر الله سبحانه وتعالى بعض الأحكام، منها قوله: سبحانه وتعالى: لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ [النور:61] إلى الآية.

    فذكر رفع الحرج، والحرج: الجناح.

    يقول الإمام القرطبي رحمه الله: اختلف العلماء في تأويل هذه الآية على هل هي منسوخة أو ناسخة أو محكمة؟ أي: هذه الآية هل هي من الآيات المنسوخة التي نسخ الحكم الذي فيها، أم هي آية ناسخة لغيرها، أم أنها هي آية محكمة معمول بها لا نُسخت ولا نَسَخت.

    القول الأول: إنها منسوخة، أي: قول الله عز وجل: وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ [النور:61]. إلى آخرها.

    قال عبد الرحمن بن زيد : هذا شيء قد انقطع، كانوا في أول الإسلام ليس على أبوابهم أغلاق، وكانت الستور مرخاة، فربما جاء الرجل فدخل البيت وهو جائع وليس فيه أحد، فسوغ الله عز وجل أن يأكل منه، ثم صارت الأغلاق على البيوت فلا يحل لأحد أن يفتحها، فذهب هذا وانقطع كأنه قصد أن ذلك كان قبل أن يكون للبيوت أبواب، بل كان لها ستور، وكان الواحد إذا أراد أن يأكل شيئاً من بيت فإنه يفتح الستارة ويأخذ ما يريد ويأكل، قال: فصارت البيوت لها أغلاق ولها أبواب.

    وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (لا يحتلبن أحدٌ ماشية أحد إلا بإذن).

    وهذا قول بعيد، وإن كان هذا الحديث حديثاً صحيحاً، فالآية هنا ترفع نوعاً من أنواع الحرج عن الناس، فلك أن تأكل من بيتك، أو تأكل من بيت أبيك، أو بيت أمك، أو من بيت عمك، أو من بيت خالك إلى آخر ذلك، فالآية ترفع نوعاً من أنواع الحرج الذي يقع فيه الناس، والقول: إن هذه الآية نسخت؛ لأن البيوت صار عليها أبواب فيه نظر.

    القول الثاني: وهذا مروي عن ابن عباس بإسناد ضعيف، قال: لما أنزل الله عز وجل: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ [البقرة:188] قال المسلمون: إن الله عز وجل قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، ففهموا أنه لا يأكل من بيت صديقة، أو من بيت أبيه أو من بيت أمه، فكأنهم تحرجوا من ذلك، فالآية قالت لهم: لا حرج في أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم. وهذا قول مروي عن ابن عباس بإسناد ضعيف كما ذكرنا.

    القول الثالث: إنها محكمة، فلا هي ناسخة لغيرها ولا هي منسوخة بغيرها، قال بهذا القول: سعيد بن المسيب وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود .

    وجاء عن عائشة رضي الله عنها: أنها ذكرت سبباً فيها فقالت: (كان المسلمون يوعبون في النفير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي: كانوا يخرجون في الجهاد، فإذا أمر بالجهاد فالكل يخرج معه صلى الله عليه وسلم، ولا يبقى في المدينة إلا المرضى والزمنى، أي: المريض مرضاً مزمناً، فكان الخارجون يعطونهم مفاتيحهم، فكانوا إذا خرجوا تحرج هؤلاء أن يأكلوا من الطعام الموجود في البيت، فهم يحافظون على البيوت لكن لا يمدون أيديهم إلى شيء مما في البيوت، فلما يرجع هؤلاء الغزاة يجدون هؤلاء قد حافظوا لهم على بيوتهم ولم يأكلوا شيئاً منها، فكان فيه شيء من الحرج ولعلهم محتاجون، فهم مرضى لا يقدرون على العمل أو على الكسب، ومعهم مفاتيح البيوت وفي البيوت طعام ومع ذلك لا يقدرون على أكل شيء منها، فنزلت الآية أنه لا حرج على هؤلاء الزمني الموجودين ومنهم الأعمى والأعرج والمريض، فهم الذين يتخلفون عن الجهاد في سبيل الله عز وجل، وأنه ليس عليهم حرج أنهم يحفظون للناس بيوتهم ويأكلون من طعامهم، وهذا القول جاء عن السيدة عائشة، وهو داخل تحت هذه الآية، وهو من ضمن معاني الآية، ولكن الراجح أن العبرة بعموم اللفظ الذي في الآية وإن كانت نزلت بسبب مخصوص.

    رفع الحرج عن أصحاب الأعذار

    قال ابن عطية: ظاهر الآية أن أمر الشريعة يدل على أن الحرج عنهم مرفوع في كل ما يضطرهم إليه العذر، يعني: فالأعمى إذا اضطره عذره لشيء معين فهو معذور في هذا الشيء، فتقتضي النية الإتيان بالكامل من العمل، فنية الأعمى أنه لو قدر أن يجاهد لجاهد، وبنيته له أجره؛ لأنه لا يستطيع الجهاد، فيمكث في بيته وله أجره عند الله سبحانه وتعالى، قال الله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286].

    وكذلك الإنسان الأعرج لا يقدر على الجهاد في سبيل الله عز وجل، ولكن ما استطاع من عمل عمله ويبقى مأجوراً على نيته، فرفع الله عز وجل الحرج على هؤلاء فيما يمنعهم المرض والعذر من الإتيان به، ولذلك جاءت الآية في الجهاد كما أخبر الله سبحانه: لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:95].

    والذي قعد عن الجهاد من غير عذر وليس هو من أهل الضرر: فلم يكن أعمى أو أعرج أو مريضاً، فهذا لا يستوي مع المجاهد في سبيل الله، وهذا منطوقها، وأما مفهومها فهو: أن القاعد بعذر من عرج أو عمى أو مرض قد يستوي مع المجاهد، ولذلك جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إن في المدينة لأقواماً ما سرتم مسيراً، ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم) أي: لهم من الأجر مثل ما أنتم عليه، قال: (حبسهم العذر) أي: هم محبوسون بالعذر ولهم مثل أجر هؤلاء المجاهدين في سبيل الله بسبب نيتهم، وحسن النية تعطي الإنسان عند ربه الأجر كاملاً.

    قال الله سبحانه وتعالى: لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ [النور:61]، وهذا على عمومه، فالأعمى إذا وجد من يقوده إلى بيت الله عز وجل لزمه صلاة الجماعة، وإذا لم يجد وقدر هو على أن يأتي واعتاد هذا -كما يفعل بعض العميان فهو يمشي ويذهب إلى عمله ولا يحتاج إلى من يقوده- فيذهب إلى بيت الله عز وجل ويصلي.

    ولذلك جاء أن: (ابن أم مكتوم سأل النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إن لي قائداً لا يلائمني وإن داري بعيدة -أو شاسعة- عن المسجد فهل لي من عذر؟ فقال: أتسمع النداء؟ قال: نعم. قال: ما أجد لك عذراً)، أو قال: (فلب).

    فلم يجد له عذراً وأمره بأن يلبي النداء مع أنه أعمى، والآية تقول: لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ [النور:61]، إذاً: فالمراد فيها هنا الأعمى الغير القادر.

    أما إنسان أعمى يمشي بعصاه ويستطيع أن يذهب إلى السوق، كما قد نرى أحياناً إنساناً أعمى يمشي بعصاه ويذهب إلى السوق وإلى عمله، وينتظر الباص ويركب، فهذا إذا كان لا يتضرر بالذهاب إلى المسجد فإنه يلزمه أن يأتي كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتوم بذلك.

    ومن لا يقدر على ذلك ولا أن يمشي بعصاه فيدخل تحت الآية لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ [النور:61].

    وكذلك الأعرج الذي يقدر على الذهاب لبيت الله سبحانه وتعالى يلزمه ذلك، وقس على ذلك غيره من الأعمال أن ما قدر عليه لزمه أن يفعله، وما لم يقدر عليه فيرفع عنه الحرج، وكذلك الإنسان المريض.

    قال سبحانه: وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ [النور:61]، وذكر أصنافاً، وقوله: وَلا عَلَى أَنفُسِكُمْ [النور:61] أي: من الحرج والإثم والجناح، وقوله: بُيُوتِ آبَائِكُمْ [النور:61] كلمة بيوت في القرآن فيها قراءتان: إما بضم الباء، وهي قراءة ورش عن نافع وقراءة أبي عمرو وقراءة حفص عن عاصم وقراءة أبي جعفر وقراءة يعقوب.

    وباقي القراء يقرءونها (بِيوت) بكسر الباء، ومثلها كلمة: شيوخ، فتقرأ بالضم وتقرأ بالكسر، ومثلها أيضاً كلمة: عيون، (عُيون) و(عِيون)، فكل هذه الكلمات تقرأ بالضم وتقرأ بالكسر.

    حكم الأكل من طعام الأقرباء من جهة النسب من غير استئذان

    ذكر الله سبحانه هنا أنه لا حرج أن تأكلوا من بيوتكم، وقوله: أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ [النور:61]، فيأكل الرجل في بيت أبيه، أو في بيت أمه، وكأن هذا كان عندهم فيه حرج، والله سبحانه وتعالى يقول لهم: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ [البقرة:188]، فكل واحد يخاف أن يأكل من الطعام خشية أن يأكل مالاً بالباطل، فالله عز وجل ذكر أنه بسبب هذه القرابة فالحرج مرفوع طالما أن الأمر ليس فيه ظلم، وليس فيه طمع من أحد.

    فلا مانع للشخص أن يذهب إلى بيت أخيه ويأكل منه، أو إلى بيت أخته ويأكل عندها، أو إلى بيت عمه أو خاله أو خالته.

    ويلاحظ أنه ذكر الآباء والأمهات والإخوان ولم يذكر الأبناء؛ وكأن ذكر الأبناء لا يحتاج إلى تنصيص عليه، فإذا كان الإنسان يأكل من بيت أبيه، وهو سبب وجوده فالعكس من باب أولى، ولذلك جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن أولادكم من كسبكم)، وقال في الحديث: (إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أموال أولادكم من كسبكم، فكلوه هنيئاً).

    فدل الحديث على أن الرجل له أن يذهب إلى بيت ابنه ويأكل مما من الطعام، وليس له أن يأخذه ويخزنه، أو يعطيه للناس ويتركه بغير طعام، والعكس كذلك فللابن أن يأكل من طعام أبيه، وجاء في الحديث قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أنت ومالك لأبيك)، وهذا بقيد عدم الضرر.

    قال ابن العربي: أباح لنا الأكل من جهة النسب من غير استئذان إذا كان الطعام مبذولاً، أي: لي أن أذهب إلى بيت ابني أو بيت أخي أو بيت أبي أو بيت أمي وأكل من الطعام، ولست محتاجاً أن أستأذن في هذه الشيء طالما أنهم بذلوا الطعام.

    يقول: فإذا كان محرزاً دونهم لم يكن لهم أخذه، فلو ذهب شخص إلى عمه فليس له أن يدخل وينظر المكان المخزن فيه الطعام ويفتح ويأخذ منه طالما أنه أحرزه وأقفل عليه بباب، وليس له أن يفتح هذا الباب، لكن إذا كان الطعام مبذولاً فله أن يأكل من هذا الطعام المبذول.

    فلو دخل شخص وولده يأكل على سفرة فله أنه يجلس ويأكل معه سواء أذن له بالكلام أو أنه عرف من حاله أنه يحب هذا الشيء، وكذلك الصديق.

    وقال ابن العربي: فإن كان الطعام محرزاً دونهم لم يكن لهم أخذه، ولا يجوز أن يجاوزوا إلى الادخار، ولا إلى ما ليس بمأكول وإن كان غير محرز عنهم إلا بإذن منهم، فالطعام لك أن تأكله، أما سائر متاع البيت فلا؛ لأن الذي أبيح هو الطعام فقط، قال تعالى: أَنْ تَأْكُلُوا [النور:61].

    معنى قوله تعالى: (أو ما ملكتم مفاتحه)

    وقوله تعالى: أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ [النور:61] فما ملكت مفاتحه وتملكته فلك الأكل منه، قال: وعظم ذلك ما ملكه الرجل في بيته وتحت غلقه!.

    والمفسرون يذكرون الوكلاء والعبيد والأجراء، فوكيل الإنسان المسئول عن الطعام الذي عنده، وكذلك العبد إذا احتاجوا لى الطعام فلهم ذلك.

    قال ابن عباس : أي: وكيل الرجل على ضيعته، وخادم الرجل على ماله، فيجوز له أن يأكل مما هو قيِّم عليه. فهنا يقصد به إذا كان إنسان وكيلاً أو خازناً لإنسان على خزنة الطعام الذي عنده، وهو بقيد إذا لم يأخذ أجرة على ذلك، بل كانت أجرته أكله وشربه، فله أن يأكل من ذلك، وأما إذا كان يأخذ الأجرة على ذلك فيقول ابن العربي: للخازن أن يأكل مما يخزن إجماعاً، وهذا إذا لم تكن له أجرة، فأما إذا كانت له أجرة على الخزن حرم عليه ذلك.

    إذاً: إذا كان الخازن يخزن الطعام، وهو قائم عليه يحرسه من غير أجرة فله أن يأكل من ذلك، وأما إذا أخذ أجرة فليس له أن يأكل إلا أن يؤذن لهم في ذلك.

    قال ابن عباس : (نزلت هذه الآية في الحارث بن عمرو، فقد خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غازياً وخلف مالك بن زيد على أهله، فلما رجع وجده مجهوداً فسأله عن حاله، قال: تحرجت أن آكل من طعامك بغير إذنك). فهذا الرجل خرج مجاهداً في سبيل الله عز وجل، والآخر كان من أصحاب الأعذار، فأعطاه صاحب الدار المفتاح وفيه الطعام والشراب، وخرج مجاهداً، وما قال له: كل، وقوله: (فلما رجع وجده مجهوداً)، أي: قد تعب إلى درجة كبيرة، قال: (فسأله عن ذلك فقال: تحرجت أن آكل طعامك)، أي: أعطيتني المفتاح ولكن لم تأذن لي بالأكل، فهنا نزلت هذه الآية.

    وقالوا: أنزل الله عز وجل هذه الآية: أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ [النور:61] إذا أعطاك المفتاح لتكون خازناً على مكان والمكان فيه طعام ولم يعطك أجرة على ذلك، فكأنه أباح لك أنه مكان الأجرة أن تأكل من هذا الطعام غير متموِّل.

    معنى قوله تعالى: (أو صديقكم)

    قال الله عز وجل: أَوْ صَدِيقِكُمْ [النور:61] والمعنى: إباحة الطعام للصديق، فلك أن تذهب إلى صديقك كي يطعمك، وكانوا يتحرجون من ذلك أيضاً، ويخافون من قوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ [البقرة:188]، فذكرت الآية أَوْ صَدِيقِكُمْ [النور:61] أي: لا مانع، قالوا: ولفظة الصديق هنا وإن كانت لفظة مفردة لكنها بمعنى الجمع، فيعني: أصدقائكم، مثل كلمة العدو تأتي بالمفرد ويقصد بها الجمع، كقول سيدنا إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:77] أي: أعداء لي، فجاءت لفظة مفردة ومعناها الجمع، فكذلك صديقكم هنا لفظة مفردة بمعنى الجمع.

    وصديق الإنسان من يصدقك في مودته وتصدقه في مودتك، وليس الصديق المصاحب للإنسان الذي تصاحبه، فهنا وصف بأنه صديق؛ لأنه صادق في مودته لك، ولأنك صادق في مودتك له، والصديق مع صديقه بينهما من المودة ما يدفعه أن يأكل عنده والآخر مثله، فذكر الله عز وجل: أَوْ صَدِيقِكُمْ [النور:61]، فإذا دعاك صديقك عنده فلك أن تأكل من طعامه، وإذا دعوته أيضاً عندك فله أن يأكل من طعامك.

    جاء عن معمر قال: دخلت بيت قتادة فأبصرت فيه رطباً فجعلت آكله، وقتادة من التابعين والعلماء، فقال قتادة: أحسنت، قال الله تعالى: أَوْ صَدِيقِكُمْ [النور:61].

    فإذا كان بين الإنسان وبين الآخر مودة ويعلم أنه يفرح إذا كان عنده في البيت ولقيت صحناً فيه طعام وأكلت، فلك أن تأكل من غير استئذان، وهذا داخل تحت هذه الآية، فإذا علم أنه لا يطيق هذا الشيء ويرفضه فليس له أن يمد يده؛ لأنه علم من الحال أنه يأبى ذلك ويرفضه.

    وقد قال معمر: قلت لـقتادة : ألا أشرب من هذا الحب؟ -وهو جرة ضخمة فيها ماء- فقال: أنت لي صديق فما هذا الاستئذان؟!

    وأيضاً: جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه)، وهذا قيد في ذلك، وأما إذا علمت أنه لا تطيب نفسه بذلك فليس لك أن تأكل عنده، ولذلك جاء في الحديث الآخر: (لا يحل لأحد أن يثوي عند أحد حتى يحرجه) أي: أن ينزل عنده ضيفاً حتى يؤذيه.

    وجاء عنه صلى الله عليه وسلم: (أنه كان يدخل حائطاً لـأبي طلحة الأنصاري وكان يسمى بذي رحى، وكان يشرب من ماء فيها طيب)، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه أن يذهب إلى هذا البستان ويدخل سواء وجد أبا طلحة أم لا، ويشرب منها صلى الله عليه وسلم، ولا شك أنه يعلم أن أبا طلحة يرضى بذلك ويحبه، ففيه إذا كانت المودة بين إنسان وبين آخر ويعلم من حاله أنه يحب لو جاء إلى بيته وطلب منهم أن أعطوني من طعام أخي وصديقي فلا مانع من مثل ذلك إذا كان يعلم من حاله أنه يحب ذلك.

    ومن هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان يذهب إلى بيت بعض أصحابه فينام عندهم ويأكل من طعامهم صلوات الله وسلامه عليه، منهم أم حرام الأنصارية رضي الله تبارك وتعالى عنها، فكان يذهب إلى بيتها، وكانت تطعم النبي صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أنها كانت تحب ذلك وزوجها أيضاً كان يحب ذلك من النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    قال العلماء: هذا كله ما لم يتخذ الأكل خبنة، ولم يقصد بذلك وقاية ماله وكان تافهاً يسيراً.

    فهنا ثلاثة قيود وهي: الأول: أن يأكل عند كل هؤلاء إذا كان لا يتخذ خبنة، أي: يأخذ من أجل أن يجمع ويذهب به، فلا تأكل إلا في المكان الذي أنت فيه، ولا تأخذ وتخرج به إلا أن يهدي لك ذلك.

    والثاني: ألا يقصد بذلك وقاية ماله، مثل إنسان يكون شحيحاً بخيلاً فيقول: سأذهب آكل اليوم عند فلان، وغداً عند فلان، وبعده عند فلان؛ من أجل أن أوفر المال الذي معي، فهذا لا يجوز له.

    القيد الثالث: ألا يكون الذي تأكله في هذا المكان تافهاً يسيراً، فلا يأكل طعام الرجل وطعام عياله، ثم لا يجد ذلك الرجل شيئاً لنفسه، فما كان شيئاً تافهاً يسيراً فهو داخل تحت هذه الآية، والله أعلم.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.