إسلام ويب

تفسير سورة النور [27 - 30]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أهم ما جاءت به الشريعة إتمام مكارم الأخلاق، والأمر بمحاسن الآداب، ومنها: أدب الاستئذان، الذي بتطبيقه يستأنس الإنسان بصاحبه، ويحفظ عينه عن الوقوع في نظر ما لا يحل له فيؤذي بذلك قلبه ويؤذي صاحبه، إلا أن البيوت التي فيها منفعة للإنسان ولا يوجد فيها ما يثير الفتنة ومكامن الشهوة فلا بأس ألا يستأذن فيها؛ لأنه إنما جعل الاستئذان من أجل البصر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا ...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النور:27].

    في هذه الآية يذكر الله سبحانه وتعالى أدباً من الآداب يعلمه للمؤمنين في (حالة إتيانهم) بيوتاً غير بيوتهم، وذلك أنهم يستأنسون ويستأذنون ويسلمون على أهلها، قال: لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا [النور:27]، فهنا ذكر الاستئذان والتسليم على أهل البيت كما قدمنا قبل ذلك، ثم قال: ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النور:27]، لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ [النور:27] وكذلك إذا كان يوجد لك محارم في هذا البيت وأردت أن تدخل فتستأذن أيضاً على الدخول على المحارم، إلا أن تكون الزوجة فهنا لا يجب الاستئذان في الدخول على الزوجة، والعكس الزوجة مع الزوج وإنما هذا الأفضل، فالأفضل أن يستأنس وألا يفزع أهل البيت بأن يدخل فجأة عليهم.

    فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا [النور:28] يعني: في هذه البيوت إذا لم تجدوا أحداً فيها فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم.

    ومن الآداب أن الإنسان إذا جاء بيتاً واستأنس واستأذن وسلم ولم يرد عليه، وعلم أنه يوجد أحد بداخل البيت فطالما لم يؤذن له فليس له أن يدخل هذا البيت.

    فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ [النور:28]، فالبيوت لها حرمات، فعلى ذلك فليس من حقك أن تدخل بيتاً غير بيتك حتى تستأنس، وتسلم على أهله، ويؤذن لك بذلك. جاء عن قتادة قال: قال رجل من المهاجرين: لقد طلبت عمري هذه الآية -يعني: قوله سبحانه: وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا [النور:28]- فما أدركتها: أن أستأذن على بعض إخواني فيقول لي: ارجع وأنا مغتبط. قال سبحانه: وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا [النور:28].

    وهذا أدب آخر من الآداب أن صاحب البيت قد يقول لك: ارجع، سواء كان له عذر في ردك أو لا، فعليك أن ترجع ولا تغضب قال تعالى: وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُم [النور:28] يعني: أطيب وأطهر لكم، فحين رجعت بزكاء نفسك طيب الله عز وجل قلبك، وأعطاك الثواب على استجابتك لأمر الشارع الحكيم.

    فانظر إلى قصة المهاجر السابقة الذي أراد أن يطبق الآية على نفسه، ويتمنى أن يستأذن فيقال له: ارجع، فيرجع بهذا الأجر والثواب الذي قال الله عز وجل عنه: هُوَ أَزْكَى لَكُمْ [النور:28].

    يعني: أنك استجبت لدين ربنا سبحانه، فترجع وقد طهر الله عز وجل قلبك، وجعل نفسك زاكية، وجعل لك أجراً عظيماً عنده.

    وهناك فرق بين هؤلاء وبيننا، فنحن إذا ذهب أحدنا إلى آخر فقال له: ارجع، غضب غضباً شديداً، وتألم لذلك، وأما هم فبالعكس تماماً، فهذه الآداب الشرعية لا بد أن نلتزم بها، ودين الله عز وجل يعلم الإنسان المؤمن الذوق، والأدب الراقي، ويعلمه أنه لا يغضب من الحق، وهذا هو معنى الاستئذان فإما أن يسمح لك بالدخول أو لا، فطالما أنك رضخت للإذن فارضخ للجواب.

    وقد علمهم الله تعالى في الآية الأخرى كيف أنهم يستأذنون على النبي صلى الله عليه وسلم إذا دعاهم إلى طعام، فقال: لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ [الأحزاب:53]، فالأصل أنه إذا دعاك لطعام أن تذهب في وقت الطعام ولا تذهب قبل ذلك، فإذا كانت الوليمة بالليل فلا تذهب من أول النهار وتنتظر، قال: وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ [الأحزاب:53] أي: بعد ما انتهيتم من الطعام فانصرفوا.

    وعند الدعوة تذهب على وقتها، فإذا قيل لك: أنا أدعوك للطعام عندي في وقت المغرب، فلا تذهب من العصر.

    وهنا ربنا سبحانه وتعالى يقول: وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا [الأحزاب:53]، فالدعوة يليها الدخول بعد الإذن، ثم إذا طعمت فانتشر، ويقول لنا: غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ [الأحزاب:53] بمعنى: طبخ الطعام ونضجه، ولكن اذهب في وقت نضج الطعام، فتأكل وتنصرف، وهذا الأدب علمه الله عز وجل للمؤمنين هو مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع غيره عليه الصلاة والسلام.

    يقول الإمام القرطبي : إذا ثبت أن الإذن شرط في دخول المنزل فإنه يجوز من الصغير والكبير، يعني: الذي يستأذن سواء كان صغيراً أو كبيراً، والذي يأذن سواء كان صغيراً أو كبيراً، فصاحب البيت قد يبعث إليك ابنه يحضرك فيكون قد أذن لك في الدخول فتدخل؛ لأنه وكيل أو مبلغ عن صاحب البيت، وسواء كان هذا الصغير دون البلوغ أو فوق البلوغ، وكان أنس بن مالك رضي الله عنه دون البلوغ وكان يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يخدمه، ومع ذلك يستأذن عليه في دخوله، ويجلس معه ثم ينصرف في قضاء حوائج النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال الله سبحانه: وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [النور:28] يعني: أن الله يراقبكم ويعلم ما تعملون، فإذا راقبكم وعلم ما تعملون فإنه سيحاسبكم عليه يوم القيامة، وكأنه يهدد الإنسان: أنك إذا لم تلتزم بهذه الآداب الشرعية ولم تلتزم بشرع الله عز وجل فالله يحاسبك على هذا الذي فعلت يوم القيامة.

    ويكون هذا توعد لأهل التجسس على البيوت, وطلب الدخول على غفلة لفعل المعاصي، والنظر إلى ما لا يحل وما لا يجوز، ولغيرهم ممن يقع في المحظور.

    فتعلمنا من الآيات كيف نستأذن، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستأذن، ويعلم أصحابه ألا يستقبلوا الباب بوجوههم، ولكن عن يمين الباب أو عن شمال الباب؛ حتى لا تقع العين على ما في الداخل.

    ولو أن إنساناً وقف أمام الباب متغافلاً ويقصد أنه إذا انفتح البيت فإنه ينظر إلى داخل البيت، فالله عز وجل يهدده ويقول: وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [النور:28]، فيمكن أن يظهر أمام الناس أنه غافل، لكن ما في قلبه يعلمه الله سبحانه.

    فمن تجسس على البيوت أو طلب أن يدخل على غفلة من أهل البيت حتى يرى ما لا يجوز له، أو أنه ينظر من خارج البيت إلى ما لا يحل له، فهؤلاء جميعهم الله عز وجل يقول لهم ولغيرهم: وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [النور:28].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة...)

    قال تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ [النور:29] البيوت نوعان: بيوت مسكونة، وبيوت غير مسكونة، فالبيوت المسكونة: إما بيوتكم أو بيوت غيركم، فتتعلم الاستئذان في الجميع، إلا الرجل مع امرأته.

    وإذا كانت بيوتاً غير مسكونة مثل أن ينزل في فندق مثلاً ويحجز غرفة فإنه يدخلها بلا إذن؛ لأنه ليس بداخلها أحد أصلاً. أو إنسان دخل دورات مياه في الطريق وهي خالية فلا حرج في ذلك.

    فإذا كانت أماكن فيها منافع للإنسان وليس فيها أحد فلا يوجد إذن ولا معنى للإذن، فيقول: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ [النور:29] يعني: ليس فيها أحد من الناس، ولكن فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ [النور:29] يعني: فيها منفعة لك كالدخول لقضاء حاجة أو نحو ذلك.

    يقول جابر بن زيد : ليس يعني بالمتاع: الجهاز، ولكن ما سواه من الحاجة، إما منزل ينزله قوم في ليل أو نهار، أو خربة يدخلها لقضاء حاجة، أو جاء ينظر إليها فهذا متاع، وكل منافع الدنيا متاع.

    والمعنى: أن البيت غير المسكون ليس شرطاً أن يكون معداً للنزول فقط، ولكن قد يكون بيتاً للنزول وليس فيه أحد، أو أنه مكان لقضاء الحاجة، أو بستان، أو طريق يأتيه الإنسان لقضاء حاجة من حوائجه، فليس فيه أحد فيجوز له أن يدخل هذا المكان من غير استئذان.

    يقول سبحانه: وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ [النور:29]، قد يبدي الإنسان الخير والله عز وجل يعلم أنه يضمر الشر، فما خفي على الناس فلا يخفى على الله سبحانه وتعالى، فالله يعلم ما تبدون من خير أو شر، وما تخفون من خير أو شر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ...)

    أمر الله المؤمنين بعد ذلك ويقول: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [النور:30]، فأمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبلغ المؤمنين بهذا الأمر: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ [النور:30]، وسورة النور أول ما بدأها سبحانه وتعالى بأن ذكر حد الزاني والزانية، ومن مقدمات الزنا: النظر، فلذلك هنا أمر بغض الطرف، يعني: اخفض بصرك، ولا ترفعه فتنظر إلى ما يحرم، وقلل من النظر إلى الأشياء حتى لا تقع في الحرام، قال تعالى: يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ [النور:30]، وما قال: يغضوا أبصارهم وفرق بين يغضوا أبصارهم، ويَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ، فالبصر نعمة من النعم، فتنظر إلى ما يحل لك، وتنظر إلى ما تحتاج إليه، وتنظر إلى أشياء فيها منفعة لك، وتنظر فتعلم أن هذا فيه خير لك أم أنه ليس كذلك.

    والبضاعة تشتريها فتنظر إليها، ولكن إذا وصلت للحرام هنا يقول لك: غض من البصر، ولم يقل: غض بصرك فتبقى دائماً تنظر في الأرض ولا تنظر إلى ما أحل لك، وأبغض النظرات هي النظرات المحرمة، وذلك إذا وجدت الفتن، وإذا وجد ما يحرم على الإنسان أن ينظر إليه من امرأة أجنبية، أو أمرد حسن وغير ذلك مما لا يجوز له أن ينظر إليه، فعلى ذلك يغض بصره في هذه الأحوال، والأصل أنه يباح له أن ينظر إلى ما يحل، فإذا عرض شيء يحرم فنظر إليه فله النظرة الأولى، وعليه النظرة الثانية، كأن يكون الإنسان ماش في الطريق وفجأة رأى أمامه ما يحرم عليه، وهو لم يتعمد ذلك فيغض البصر، فإذا استدام البصر فهنا يأثم على ذلك.

    جاء في صحيح البخاري أن سعيد بن أبي الحسن قال للحسن بن أبي الحسن أخيه: إن نساء العجم يكشفن صدورهن ورءوسهن، يعني: حين يخرجون للجهاد في سبيل الله عز وجل فيصلون إلى الأماكن التي فيها الكافرات فتكون المرأة كاشفة عن وجهها، وعن شعرها، وكاشفة عن صدرها. قال: اصرف بصرك، يقول الله تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ [النور:30].

    وقال قتادة : عما لا يحل لهم.

    قال تعالى: وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ [النور:31]، فيحفظ الإنسان نظره عن أن يقع في خائنة عين، فينظر إلى ما نهى الله عز وجل عنه، يقول الإمام القرطبي : البصر هو الباب الأكبر للقلب، وأعمر طرق الحواس إليه، فإن نظر الإنسان لشيء فسرعان ما يشتهي قلبه هذا الشيء الذي نظر إليه، وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته -يعني: من جهة البصر، فينظر الإنسان ولا يزال ينظر حتى يقع في الشيء المحرم- فيجب التحذير منه، وغضه واجب عن جميع المحرمات، وكل ما يخشى الفتنة من أجله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (إياكم والجلوس في الطرقات)، يحذرهم من أن يجلسوا في الطرقات.

    فقالوا: (يا رسول الله! ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها، فقال: فإذا أبيتم إلا الجلوس فأعطوا الطريق حقه)، فطالما أنكم ستقعد في الطريق وليس لكم أماكن أخرى فافعلوا، وقد كان العرب ليس لهم بيوت ولا نوادٍ للجلوس فيها، وكانت بيوتهم ضيقة، فكان المكان الذي يجتمعون فيه إما المسجد وإما الطريق، فيجتمعون في الطريق، فحذرهم النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك، فقالوا: ما لنا منها بد، أي: نحن نحتاج لهذا من أجل أن نتحدث في أشياء، أو يرشد بعضنا بعضاً، فقال: (فإذا أبيتم إلا ذلك فأعطوا الطريق حقه، قالوا: ما حق الطريق؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، فهذه خمسة حقوق للطريق، فالمار في الطريق يحرم عليه أن ينظر إلى ما حرم الله عز وجل، والذي يحط في الطريق أشياء يحرم النظر إليها يأثم إثماً عظيماً؛ كأن يخرج الرجل ابنته أو امرأته متبرجة إلى الطريق، أو يعلق صور نساء عاريات في الطريق، فإذا كان النظر إلى ذلك حراماً، فالذي يجعل ذلك أشد إثماً، وواقع في الحرمة الشديدة بسبب ذلك.

    ثم قال: (وكف الأذى) أي: أنك لا تؤذي أحداً من المسلمين، والدين يعلمك أنك تكون رفيقاً لا عنيفاً، وترشد الناس برفق، فتأمر بالمعروف تبتغي أن يهدي الله عز وجل الناس بك، وتنهى عن المنكر حتى يقل، وإذا كان النهي عن المنكر سيسبب منكراً أكبر فلا داعي للنهي عنه، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، وعلمهم ربنا سبحانه وتعالى فقال: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [النحل:125].

    ومن حقوق الطريق: رد السلام، فإذا مر بك إنسان وسلم عليك وجب عليك أن ترد عليه السلام.

    وقد جاءت أحاديث أخر بحقوق أخرى مثل: إرشاد الطريق، وإعانة الإنسان الذي يحمل شيئاً على دابته، أو يحمل على ظهره فتعينه على ذلك، وتغيث الملهوف والمحتاج.

    جاء في حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وقد سأله عن نظر الفجأة، فقال صلى الله عليه وسلم: (اصرف بصرك)، وقال: (لا تتبع النظرة النظرة) يعني: لو فرضنا أنك كنت ماشياً فوقع بصرك على شيء محرم فتغض البصر ولا تنظر مرة أخرى، قال: (لا تتبع النظرة النظرة؛ فإنما لك الأولى وليست لك الثانية).

    قال الإمام الأوزاعي : حدثني هارون بن رئاب أن غزوان وأبا موسى الأشعري كانا في بعض مغازيهم، فكشفت جارية فنظر إليها غزوان وهو أحد التابعين، فلما نظر إليها راجع نفسه ولطم نفسه على عينه ففقأها.

    ثم قال لعينه: إنك للحاظة إلى ما يضرك ولا ينفعك.

    فلقي أبا موسى الأشعري الصحابي الفاضل الفقيه رضي الله عنه، فقال له أبو موسى : ظلمت عينك، فاستغفر الله وتب.

    يعني: أنت نظرت والعين أداة، ولكن القلب والعقل هما اللذان يوجهانها، وليس مطلوب منك ذلك، فقد ظلمت عينك فإن لها أول نظرة، وعليها ما كان بعد ذلك.

    قال الأوزاعي : وكان غزوان ملك نفسه، فلم يضحك حتى مات رضي الله وتعالى عنه.

    يعني: كان يتعهد نفسه بالتأديب أنه لا يضحك فيما لا يليق مثلاً، أو أنه من شدة خوفه من الموت والحساب كان يحاسب نفسه على أعماله وأقواله وضحكاته.

    وفي صحيح مسلم عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجاءة، فأمرني أن أصرف بصري)، فالإنسان المؤمن إذا نظر إلى شيء يحرم عليه من صورة إنسان أمرد فعليه أن يغض البصر، وكما يقال: النظرة سهم من سهام إبليس.

    فكلما نظر الإنسان إلى شيء وأطال النظر إليه أورث في قلبه نوعاً من العشق لهذا الشيء، وشيئاً فشيئاً حتى يقع في الحرام، والقلب والفرج يصدق ذلك أو يكذبه، لذلك فالإنسان الذي في البرّ لا يدخل نفسه في اللجة فيغرق.

    فإذا نظر إلى الشيء فالعين تستحلي النظر، والقلب يدفع إلى ذلك ولكن إذا غض البصر من أوله عصمه الله عز وجل، وأورثه في قلبه إيماناً، وأذاقه الله عز وجل حلاوة الإيمان في قلبه بذلك.

    نسأل الله عز وجل أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وعلى طاعته وغض أبصارنا وكف أيدينا، وحفظ فروجنا، نسأل الله عز وجل أن يعيننا في الدنيا على طاعته، وفي الآخرة على جنته.