إسلام ويب

تفسير سورة النور (تابع) [6 - 10]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد حد الله تعالى حدوداً لهذه البشرية، وبيّن لهم ما يجب عليهم تجاهها، ومن تلك الحدود: اللعان الحاصل بين الزوجين، واللعان يكون إذا قذف الزوج زوجته ولم يأت بأربعة شهداء، فهنا يلاعن بينهما بالطريقة الواردة في هذه الآيات، وبعد ذلك يفرق بينهما أبداً، وينسب الابن إلى أمه، وإذا مات ورثته أمه، ولا يجوز أن يرمى هو ولا أمه، ومن رماهما جلد حد القذف.

    1.   

    سبب نزول آيات اللعان

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة النور: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ * وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ [النور:6-10].

    ذكرنا في الحديث السابق سبب نزول هذه الآيات، وهي قول الله عز وجل: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ [النور:6]، وكان ذلك في قصة هلال بن أمية لما رمى امرأته بهذه الفاحشة ثم ذهب للنبي صلى الله عليه وسلم يطلب الحكم الشرعي في ذلك، فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن قال له: (البينة وإلا حد في ظهرك) أي: إما أن تأتي بالبينة على قولك أو حد في ظهرك، والبينة هنا مأخوذة من الآيات السابقة التي قال الله عز وجل فيها: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ [النور:4]، وهذا الذي كان معمولاً به قبل نزول هذه الآية، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لـهلال : (البينة وإلا حد في ظهرك)، فقال الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم لحسن ظنه بالله عز وجل: إن الله سينزل فيه ما يبرؤ ظهره، وبالفعل فقد أنزل الله عز وجل ما يبرؤ ظهره.

    وحدثت أيضاً قصة أخرى لرجل آخر من الصحابة اسمه: عويمر العجلاني .

    فقد جاء في صحيح البخاري أن سهل بن سعد قال: إن عويمراً أتى عاصم بن عدي -وكان سيد بني عجلان- فقال: كيف تقولون في رجل وجد مع امرأته رجلاً أيقتله فتقتلونه؟ أم كيف يصنع؟ فطلب من عاصم بن عدي سيد بني عجلان أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فأتى عاصم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! وذكر له ما قاله عويمر، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه المسائل وعابها صلوات الله وسلامه عليه. وهذا في رواية لـمسلم : قال: (فسأل عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها حتى كبر على عاصم ما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم).

    إذاً: فهذه من ضمن الأسئلة التي لا ينبغي أن يسألها الإنسان، وهي أن يسأل عن بلاء أو فاحشة ولو حصلت في أهل بيته، فإنه لا يدري لعل البلاء يكون موكلاً بمنطقه وما يقوله، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكره المسائل خاصةً التي لم تقع، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال)؛ لأنهم كانوا يسألونه كثيراً، فكره النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وأخبرهم أن الله عز وجل يكره ذلك، وأخبرهم: (أن من أشد الناس جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته).

    فالأصل في المسائل التي سكت عنها الشارع العفو؛ ولذلك كان من أشد الناس جرماً من حرمت بسببه أشياء كان قد سكت عنها الشارع، فهذا الرجل وهو: عويمر العجلاني لما سأل عاصماً أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم كره النبي صلى الله عليه وسلم هذه المسائل وعابها؛ حتى كبر على عاصم ما سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رجع إلى عويمر قال له: يا عاصم ! ماذا قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال عاصم لـعويمر : لم تأتني بخير، قد كره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسألة التي سألته عنها، فقال عويمر : والله لا أنتهي حتى أسأله عنها، وكأنه هو الذي ابتلي بهذه المصيبة، فأقبل عويمر حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسط الناس فقال: يا رسول الله! أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً أيقتله فتقتلونه؟ أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قد نزل فيك وفي صاحبتك)، وكان الحكم في هذا قد نزل قبله بقليل في قصة هلال بن أمية وامرأته، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (قد نزل فيك وفي صاحبتك) أي: أن نفس الحكم في هلال وامرأته سيطبق عليك وعلى صاحبتك، (فأت بها).

    1.   

    بعض الأحكام المتعلقة بالعان

    ففيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يأتي بالمرأة إلى مجلسه صلى الله عليه وسلم حتى يفصل بينهما، وهذا يدل على أن الملاعنة تكون عند القاضي أو الحاكم، وليس بين المرأة وزوجها.

    قال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما فرغا قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله! إن أمسكتها)، وهذه رواية الإمام مسلم ، قال: (فطلقَها ثلاثاً قبل أن يأمره النبي صلى الله عليه وسلم).

    قال ابن شهاب الزهري راوي الحديث: فكانت سنة المتلاعنين. يعني: التفريق بين الاثنين، وأخذ جمهور أهل العلم من هذا الحديث: أن طلاق الثلاث يقع ثلاثاً، وليس ذلك بحجة في هذا الحديث؛ لأن التفريق هنا ليس بطلاق، وإنما حصل هذا من النبي صلى الله عليه وسلم، فالفرقة حصلت بالملاعنة، وبإمضاء النبي صلى الله عليه وسلم لها، وبتفريقه بينهما، ثم طلاق الثلاث لا يحرم مطلقاً، فإنه يجوز له أن ينكحها إذا نكحت هي زوجاً غيره، لكن الملاعنة تفريق نهائي إلى الأبد.

    وفي رواية أخرى لهذا الحديث قال: (وكان فراقه إياها بعدُ سنة في المتلاعنين)، وفيه قال سهل : (فكانت حاملاً)، أي: أن زوجة عويمر كانت حاملاً، فكان ابنها ينسب لأمه فقط، ثم جرت السنة أنه يرثها وترث منه ما فرض الله لها، وأن الزاني بها لا يرث؛ لأنه أب غير شرعي، فالأم ترث منه بالفرض، فإذا لم يوجد لهذا الابن من الزنا أحد يرثه من عصبات ونحوهم ففي هذه الحالة ترث الأم الفرض منه، وترث ما تبقى من الإرث تعصيباً، وهذه هي الصورة الوحيدة التي ترث فيها الأم جميع الميراث.

    وفي رواية أخرى: في صحيح مسلم أيضاً قال: (فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد) أي: تمت الملاعنة بحضور النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، وكأن عظمة المسجد تمنعهما من الكذب خاصة مع هذه الأيمان المغلظة، قال: (فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد).

    وفي الحديث: (فطلقها ثلاثاً قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم)، ففارقها عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ذاكم التفريق بين كل متلاعنين).

    فهذه قصة أخرى من القصص التي حدثت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وقد نزلت الآية بسبب قصة هلال بن أمية لما رمى امرأته بـشريك بن سحماء ، وكأن بين القصتين وقتاً بسيطاً وقليلاً بحيث إن عويمراً لم يعرف شيئاً عن نزول هذه الآية؛ ولذلك ذهب ليسأل النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.

    1.   

    رجل قذف امرأته بعدما سكت عنها، فهل يلاعن أم لا؟

    وهنا يقول العلماء: هل للرجل أن ينفي حمل امرأته بعدما سكت عنها أم لا؟

    فالكثير من العلماء يقولون: ليس له أن ينفيه بعد سكوته؛ لأن سكوته بعد العلم به ينزل منزلة الرضا به، وبعض العلماء يقول: إذا وجد امرأته حاملاً ولم يعلم بذلك فإنه يلاعنها لزاماً، وبعضهم يقول: بل يسأل عن سبب سكوته، فإن أعطى عذراً وجيهاً قبل منه، كأن يعتذر بأنه كان يظن انتفاخ بطنها مرضاً من الأمراض أو نحو ذلك.

    قالوا: فإن أخر ذلك إلى أن وضعت ثم قال: رجوت أن يكون ريحاً أو سقطاً لأستريح من القذف، فالراجح: أن هذا عذر مقبول، وله أن يلاعن بعد ذلك.

    يقول الإمام القرطبي : قال ابن القصار: إذا قالت امرأة لزوجها أو لأجنبي: يا زانية، فقد رمي بالزنا، فهل لها الملاعنة؟ أقول: لا؛ لأن الملاعنة تكون في رمي الرجل لامرأته، فهذا أفحش وأشد، لكن إذا رمت المرأة زوجها فعليها الحد إلا أن تأتي بشهود فيرجم الرجل، لكن لو أن المرأة رمت زوجها بالزنا بلفظ التأنيث فقالت: يا زانية! فهل يعتبر ذلك صريحاً في الرمي أم يعتبر تعريضاً فقط؟ الراجح: أنه من صريح الكلام، سواء قالت: يا زاني! أو يا زانية!

    1.   

    حكم اللعان في النكاح الفاسد

    ومن المسائل أيضاً: يقول الإمام القرطبي رحمه الله: يلاعن في النكاح الفاسد؛ لأن النكاح إما أن يكون صحيحاً أو فاسداً، أما السفاح فليس نكاحاً بلا خلاف بين العلماء، وهذا مثل نكاح المتعة، وهو أن يتزوج الرجل المرأة يوماً أو يومين ثم يطلقها من دون ولي ولا شهود، وهذا النكاح كان موجوداً في أيام الجاهلية ثم وجد في الإسلام ثم نسخ وأزيل، والآن موجود عند الشيعة، فهذا من قبيل الزنا، والنكاح باطل في الأصل، لكن النكاح الفاسد: هو الذي فقد بعضاً من الشروط التي اختلف فيها العلماء.

    وقد جاء في الحديث: (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل)، فإذا جاء بولي دون الشهود واكتفوا بإعلان النكاح، فعند بعض العلماء: أنه يكفي ذلك ويغني عن الشهود، وعند البعض: أنه لا بد من شاهدي عدل في ذلك، وأما الإعلام فهو من ضمن الواجبات في ذلك، فهذا النكاح على هذه الصورة يصير فاسداً عند من اشترط الولي والشاهدين، فهو نكاح وإن وصف بالفساد، لكن لو رمى الرجل امرأته بالزنا وكان نكاحهما فاسداً فإن له أن يلاعنها؛ لأن الفساد لا يخرج النكاح عن مسماه في الأصل.

    واختلفوا فيما لو أبى الرجل أن يلاعن امرأته بعد رميه لها بالزنا هل يحد أم لا؟ فقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله: لا حد عليه؛ لأن الله تعالى جعل على الأجنبي حداً وعلى الزوج اللعان، وهذا خطأ، بل الصواب أن الحد يقع على الاثنين معاً؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لـهلال بن أمية : (البينة، وإلا حد في ظهرك)، فلما نزلت آية اللعان أمره بالملاعنة بدلاً عن الحد، فيسقط الحد بالملاعنة؛ ولذلك قال الإمام مالك ، والشافعي ، وأحمد وجمهور العلماء: إذا لم يلتعن الزوج حُدّ؛ لأن اللعان براءة كالشهود للأجنبي، وفي حديث العجلاني وهو عويمر ما يدل على ذلك، وهو قوله في الحديث: (إن سكت سكت على غيظ، وإن قتلت قتلت، وإن نطقت جلدت أو أقيم علي الحد).

    فالراجح: أن الإنسان إذا رمى امرأته بهذه الجريمة فإنه يقام عليه الحد إلا أن يأتي بشهود، أو يلتعن مع المرأة.

    1.   

    من الذي يبدأ به في اللعان

    والبداءة في اللعان تكون بما بدأ الله عز وجل به، فإذا كانا في مجلس الحاكم أمر الرجل بالبداءة، فيقسم أربع مرات بهذه الصيغة: أشهد بالله إني لمن الصادقين، وهي ضرب من القسم، يعني: أشهد حالفاً بالله سبحانه تعالى إني لمن الصادقين فيما قذفت به هذه من هذا الأمر، ويشهد بشيء قد رآه لا بشيء قد أخبر عنه، ثم يقول في الخامسة: أن عليه لعنة الله إن كان من الكاذبين فيما رمى به هذه من ذلك.

    فحينئذ وجب عليها الحد بذلك، فالذي يدرأ عنها العذاب أنها ترد بأربع شهادات، فتقسم بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماها به من هذه الجريمة، ولذلك قال تعالى: وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ [النور:8]، وكأنها قد استوجبت الحد بكون الرجل قال هذه الشهادات الأربع، فهي تدرأ وتدفع عن نفسها هذا الحد بأن تشهد بالله أربع مرات فتقول: أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من هذه الجريمة، وفي المرة الخامسة تقول: إن غضب الله عليها إن كان الرجل من الصادقين.

    1.   

    انقطاع الصلة بين الزوجين المتلاعنين إلى الأبد

    فإذا تمت الملاعنة فرق بينهما فلا يجتمعان أبداً، ولا يتوارثان، وبهذا انفسخ هذا النكاح من أصله، فالفرقة هنا ليست فرقة طلاق، بل فرقة فسخ؛ ولذلك فلا ميراث بين الاثنين، ولا نفقة ولا سكنى للمرأة، ولا يحل للرجل أن يراجعها أبداً، هذا قول جمهور أهل العلم.

    وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن الرجل لو كذب نفسه بعد ذلك وقال: إنه كاذب فيما رماها به من ذلك، فإنه يقام عليه حد القذف، ثم بعد ذلك يكون خاطب من الخطاب. والراجح: أن السنة قد جاءت بأنهما لا يجتمعان أبداً.

    1.   

    ما يفتقر إليه اللعان

    يقول العلماء: اللعان يفتقر إلى أربعة أشياء، فإذا تمت هذه الأشياء فرق بينهما:

    الأول: أنه يشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، ثم يدعو على نفسه في المرة الخامسة باللعنة إن كان من الكاذبين، والمرأة تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين.

    إذاً: فعدد الألفاظ مقصور.

    الثاني: قالوا: إنه يفتقر أيضاً إلى المكان، والراجح: أن هذا ليس بشرط صحة في الملاعنة، فهو يصح في أي مكان طالما حضر الحاكم أو القاضي.

    الثالث: الوقت، وليس شرطاً لصحة اللعان، فقد اختار العلماء: أن المساجد تختار لهذا لشرفها، وبعضهم حدد الوقت فقال: بعد صلاة العصر؛ لأنه الوقت الذي يعظم فيه اليمين؛ لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى.

    الشرط الرابع: جمع الناس.

    والصواب: أن عدد الألفاظ وحضور الحاكم لهذه الملاعنة شرطان رئيسيان لصحة اللعان، وكذلك وجود الناس في ذلك؛ حتى يشهدوا على الرجل وامرأته، فإذا حدثت هذه الملاعنة فرق بين الاثنين، والله أعلم.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.