إسلام ويب

تفسير سورة الشورى [52 - 53]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • القرآن حياة القلوب، وقد جعله الله نوراً يهدي به من يشاء من عباده هداية إرشاد وهداية توفيق، وهداية الإرشاد هي بالدلالة والعلم، ويقوم بها كل داع إلى الحق، وهداية التوفيق هي بالتوفيق للعمل، وهي خاصة بالله وحده.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ..)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله سبحانه وتعالى في آخر سورة الشورى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ [الشورى:52-53].

    يخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن هذا الوحي الذي نزل عليه من السماء كالوحي الذي أنزل على الأنبياء من قبله فقال: (وَكَذَلِكَ) أي: كما أوحينا إلى السابقين من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام مثله تماماً نوحي إليك وحياً صادقاً من عند رب العالمين من السماء.

    (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا) يؤكد سبحانه وتعالى أن هذا الوحي من السماء وليس كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وقد بدأ هذه السورة بذلك وختمها بذلك سبحانه، ففي أولها قال: حم * عسق * كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [الشورى:1-4] والسورة سورة مكية، يؤكد الله عز وجل فيها أمور العقيدة العظيمة، وتوحيد الله سبحانه وتعالى، وأن القرآن وحي من السماء، من عند رب العالمين سبحانه وتعالى، فقال في أول السورة: كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ [الشورى:3] أي: كما أوحى للسابقين كذلك يوحي إليك، وقال في آخرها: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا [الشورى:52] فوصفه بأنه روح يحيي الله عز وجل به من يشاء من خلقه، ممن ماتت قلوبهم فأحياهم هذا القرآن العظيم.

    وقال الله أيضاً في أوائل السورة: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا [الشورى:7] فتكرر ذكر الوحي ثلاث مرات في هذه السورة، لتأكيد أنه وحي من الله سبحانه، وليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو كلام رب العالمين وحي من السماء صادق نزل بالصدق وبالحق من عند الله سبحانه.

    قوله: (مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ) أي: لم تكن تعرف قبل ذلك الكتابة، وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ [العنكبوت:48] والحكمة من ذلك (إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ [العنكبوت:48] .

    فمن حكمة الله عز وجل أن جعل نبيه صلى الله عليه وسلم أمياً لا يقرأ ولا يكتب، وليس هذا مدحاً للأمية، ولكنه مدح للنبي صلوات الله وسلامه عليه، حيث أتى بالشيء المعجز من عند رب العالمين سبحانه، فلو كان يقرأ ويكتب لدخل الشك في قلوب الناس، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول له ربه سبحانه: لو كنت تقرأ وتتلو من قبله من كتاب إذاً لارتاب المبطلون المشككون في هذا الدين، ولقالوا: إنه نقله من كتب السابقين ويزعم أنه جاءه من عند رب العالمين.

    قال الله: (مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ) أي: ما كنت تعرف ما هذا القرآن الذي يأتيك من عند الله، ولذلك لما قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: (اقرأ. قال: ما أنا بقارئ) أي: لست قارئاً وما الذي أقرؤه؟! فهو لا يقرأ كتاباً صلى الله عليه وسلم، أي لا يجيد قراءة ولا كتابة، وإذا كان جبريل يريد منه أن يقرأ فما الذي يقرؤه؟ فجبريل في المرة الثالثة قال له: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ [العلق:1-4] علم الناس أن يكتبوا بالقلم وهو لا يقرأ ولا يكتب صلوات الله وسلامه عليه، فالذي آتاك هذا العلم هو رب العالمين سبحانه، وهم يقرءون ويكتبون ومع ذلك لم يأتهم الوحي إلا عن طريقك أنت يا من لا تقرأ ولا تكتب صلوات الله وسلامه عليه.

    قال تعالى: عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق:5] وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا [النساء:113]، وهنا يقول: مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا [الشورى:52]، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى [الضحى:7] أي: وجدك ضالاً عن الشريعة لا تعرف ما هذه الشريعة، فكان يعبد ربه ويوحد ربه ويكره الأصنام صلوات الله وسلامه عليه بما جعل الله عز وجل في قلبه من عصمة، فعصمه أن يقع في محظور قبل البعثة، وبعد البعثة زادت هذه العصمة من رب العالمين سبحانه وتعالى وزاده حفظاً، قال تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67]، فمعنى قوله: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا) أي: عن الشريعة فهداك الله عز وجل لهذه الشريعة.

    قوله: (وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا) أي: جعلنا هذا القرآن نوراً.

    (نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا) النور يأتي من عند الله سبحانه وتعالى، فإذا أشرقت الشمس رأى الناس طريقهم، ولكن ليس كل الناس يرون الطريق، فلو أن إنساناً أعمى فإنه لا يرى شيئاً، بل هو في ظلام سواء طلعت الشمس أو لم تطلع، فكذلك الإنسان الكافر الذي طبع على قلبه؛ لأنه لا يستحق إلا ذلك، ينزل القرآن وهو نور من عند الله سبحانه ليهديه، فلا يرى شيئاً ولا يفهم شيئاً، وغاية ما يفهمه أن النبي صلى الله عليه وسلم يهدده بيوم القيامة وهو ينكر يوم القيامة، جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا على رجل منهم من أول سورة فصلت إلى قوله: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ [فصلت:13] فوضع يده على فم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: اسكت اسكت، وقام مذعوراً إلى قومه، فسألوه: ما الذي سمعت؟ قال: سمعته يتوعدنا، وهو الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم لا يكذب، ومع هذا لم يهتد للدين، وقد سمع سورة فصلت من أولها: حم * تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ [فصلت:1-5]، فتلا عليه النبي صلى الله عليه وسلم حتى وصل إلى قوله: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ [فصلت:13] فخاف مما يأتيه من عند الله سبحانه؛ لأنه يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا هدد لا يكذب صلوات الله وسلامه عليه.

    ومرة كان النبي صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت والكفار أبو جهل وغيره لعنة الله عليهم يسخرون منه ويتهكمون به، كلما طاف سخروا منه، ثم ذهب إليهم صلى الله عليه وسلم وقال: (ألا تسمعون، والله لقد جئتكم بالذبح) فإذا بأشدهم عليه صلوات الله وسلامه عليه يصير في غاية اللين ويقول: اذهب يا أبا القاسم! والله ما كنت جهولاً. فرعبوا منه حين قال: (لقد جئتكم بالذبح) وهو واحد صلوات الله وسلامه عليه وهم مجموعة، والذي خوفهم أنهم يعلمون أنه صادق لا يكذب صلوات الله وسلامه عليه، فإذا قال: (جئتكم بالذبح) فسيذبحون في يوم من الأيام، وقد ذبح أبو جهل حيث حز رأسه عبد الله بن مسعود رضي الله، وألقي جيفة قذرة في قليب بدر، فالنبي صلى الله عليه وسلم إذا قال ووعد بشيء فما ينطق عن الهوى، وإنما هو وحي من الله سبحانه وتعالى.

    قال سبحانه: (نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ) لم يقل: نهدي به كل الخلق، وإنما قال: (نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا) فالله يهدي من يشاء، يهدي من يستحق ذلك، ومن كتب عنده سبحانه وقدر له أنه يستحق الهدى هداه الله عز وجل.

    جاء في سنن أبي داود وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خلق الله الخلق في ظلمة وألقى عليهم من نوره سبحانه، فمن أصابه نوره هداه الله، ومن أخطأه ضل) والله يفعل ما يشاء سبحانه وتعالى، يهدي من يشاء تفضلاً منه سبحانه، ويضل من يشاء عدلاً منه سبحانه: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ [الزخرف:76] وقد أنزل الكتب وأرسل الرسل فلا حجة للخلق عند ربهم سبحانه.

    هداية النبي صلى الله عليه وسلم إلى صراط الله المستقيم

    قال الله: (نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي) هنا يؤكد فيقول: (إنك) يقيناً (لتهدي) واللام للتأكيد، والفعل المضارع مسبوق باللام المؤكدة، أي: أنت تهدي فلا يزال على ذلك حتى يتوفاه الله عز وجل.

    قال تعالى: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي) فهو يهديهم، وفي آية أخرى قال: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:56] ففي آية (إنك لتهدي)، وفي أخرى: (إنك لا تهدي)، ولا تناقض بينهما، فهو هادٍ يدل ويرشد صلوات الله وسلامه عليه، أرشدهم وبين لهم ودلهم، تقول للإنسان: إذا أردت أن تصل إلى المكان الفلاني فاذهب من هنا، فأنت قد أرشدته ودللته، فإن هو مشى في طريق آخر فهذا أمره هو، فقول الله: (إنك لتهدي) أي: إنك لتدعو، وترشد وتبين وتدل إلى صراط الله سبحانه وتعالى.

    وقوله: (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) أي: لا تحول من أحببت، فهو يملك أن يريهم صلى الله عليه وسلم طريق الحق، أما أن يحول القلوب فلا يملك ذلك؛ ولذلك كانوا يتعنتون معه صلوات الله وسلامه عليه، ويذهب أحدهم ويقول للنبي صلى الله عليه وسلم: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ [الإسراء:90-93] يقولون: ولابد أن تأتينا بخطاب من السماء يثبت أنك رسول، ولو فعلت ذلك لن نتبعك! هذا القلب المتحجر ماذا سيعمل فيه النبي صلى الله عليه وسلم؟!

    فهؤلاء الكفار يقول له ربه سبحانه عنهم: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص:56]، وهذه الآية نزلت في أبي طالب عم النبي صلوات الله وسلامه عليه، وكان أحب الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يسلم هذا الرجل، فقد ربى النبي صلى الله عليه وسلم، ورد له النبي صلى الله عليه وسلم الجميل بأن أخذ علي بن أبي طالب فرباه بعد أن صار عمه كبيراً.

    وأبو طالب دافع عن النبي صلى الله عليه وسلم، ودافع عن الإسلام، وكان مع النبي صلى الله عليه وسلم يدافع عنه، وما تجرأ الكفار أن يتعرضوا للنبي صلى الله عليه وسلم في حياة أبي طالب .

    وفي آخر حياته يأتيه الكفار لعنة الله عليهم وفيهم أبو جهل، وأبو جهل كان يخاف أن يسلم أبو طالب ويتبع النبي صلى الله عليه وسلم ويؤمن به، ويشكو أبو جهل لـأبي طالب من النبي صلى الله عليه وسلم ما يقول، ويطلب من أبي طالب أن يحول النبي صلى الله عليه وسلم عما هو فيه، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (يا عم! والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الدين ما تركته حتى يقضي الله أمره)، فالأمر ليس أنكم تعطونني الدنيا وأترك هذا الدين، الأمر أن أبلغ رسالة الله، فعند وفاة أبي طالب أتى النبي صلى الله عليه وسلم إليه وقال: (يا عم! قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله، فقال: والله يا ابن أخي، لوددت أني أقر عينك بها) يعني: أنا أحب أن أقول هذه الكلمة لأجل أن تفرح، وكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب ، وحزن النبي صلى الله عليه وسلم حزناً عظيماً على ذلك، فإذا بالله ينزل عليه: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:56] فالهدى ليس بيدك أنت.

    إذاً: الهدى الذي في هذه الآية هو بمعنى الدلالة، فأنت تدل، وترشد، وتدعو، وتبين، وهذه وظيفته صلى الله عليه وسلم وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ [النور:54]، والله هو الذي يهدي من الكفر إلى الإيمان، ويقلب القلوب ويصرفها؛ ولذلك كان صلوات الله وسلامه عليه يكثر أن يدعو: (يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، يا مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك، فقيل للنبي صلى الله عليه وسلم: ما أكثر ما تقول ذلك! فقال: إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء) ، فالله يقلب القلوب إن شاء بالإيمان فجعلهم مؤمنين، وإن شاء بغير ذلك فجعلهم كما ما يشاء سبحانه وتعالى.

    قال تعالى: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) و(صراط) في جميع القرآن تقرأ بالصاد، وتقرأ بالسين، وتقرأ بالصاد المشم صوت الزاي، فقراءة قنبل عن ابن كثير ، وقراءة رويس عن يعقوب : ( إنك لتهدي إلى سراط ) بالسين، وقراءة باقي القراء غير خلف عن حمزة : ( وإنك لتهدي إلى صراط ) بالصاد، ويقرؤها خلف عن حمزة بالصاد المشمة صوت الزاي: ( زراط مستقيم ) ، هذه ثلاث قراءات في هذه الكلمة، والصراط بمعنى: الطريق، والطريق المقصود منه الطريق الأعظم شرعة الله، وطريق الشريعة دين الله سبحانه، فالمعنى: وإنك لتهدي إلى هذا الدين العظيم المستقيم الذي لا انحراف فيه ولا اعوجاج، وهو دين رب العالمين، وشريعة الله سبحانه، ومنهج الله الذي جعله لخلقه سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ..)

    قال الله: صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ [الشورى:53] هذا دين رب العالمين سبحانه العظيم، الذي يؤكد لنا أنه الرب، وأنه المالك الحقيقي، وأنه مالك الملك، ملك الملوك سبحانه وتعالى الذي له ملكوت السماوات والأرض، ففي أثناء السورة قال: وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الشورى:29]، وقال في أولها سبحانه: لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ [الشورى:4-5]، وختم السورة بقوله: (الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) فهو الذي يملك كل شيء.

    قوله: (أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ) أي: ترجع كل أمور العباد في النهاية إلى ربها ليحكم بين العباد ويفصل بينهم، وكأنه يقول: أنتم في الدنيا يلي بعضكم أمور بعض، وقد ينسى الإنسان أن الله هو الذي يدبر ذلك سبحانه، وأن الله هو الذي ييسر له رزقه حتى يأخذه من هنا، ويأخذه من هنا، فيذكر العباد أن كل أموركم وإن زعمتم في الدنيا أنكم ترجعون إلى حكامكم وإلى سلاطينكم وإلى ولاة أموركم لكن سيأتي يوم لا تجدون من ترجعون إليه إلا الله الواحد القهار سبحانه وتعالى الذي يرجع إليه العباد، وتصير إليه مقاليد أمور العباد، فالكل بيده في الدنيا وفي الآخرة يفعل ما يشاء، ويقضي بين عباده كما يشاء، ويحكم بما يشاء ويفعل ما يريد.