إسلام ويب

تفسير سورة الشورى [49 - 51]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في هذه المادة تجد الكلام عن ربوبية الله تعالى وتصرفه في هذه المخلوقات كيف يشاء، فيرزق من يشاء، ويهب الأولاد لمن يشاء، ويمنع من يشاء، فهو أعلم بما يصلح عباده، وتجد أيضاً الكلام على صور كلام الله لأنبيائه ورسله، فمنهم من كلمهم من وراء حجاب، ومنهم من يوحي إليه وحياً، ومنهم من يرسل إليه رسولاً فيوحي إليه بإذنه ما يشاء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء ...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    أما بعد:

    قال الله عز وجل في سورة الشورى: لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ * وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ [الشورى:49-51] .

    يخبرنا الله سبحانه وتعالى بعظيم ملكه سبحانه وقوته وقدرته، قال سبحانه وتعالى: (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) أي: يملك كل شيء؛ فالسموات خلقها الله سبحانه والأرضون من خلقه، فهو الذي خلقها وهو الذي دبر أمرها، وهو الذي أوجد الخلق فيها، فالله يملك كل شيء.

    (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ) فهو سبحانه وتعالى يخلق ما يشاء، وقال: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [الأعراف:54]، فلله عز وجل الخلق، وهو خالق كل شيء، ولله عز وجل الأمر، يأمر بما يشاء في خلقه.

    وقوله: (يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ) فخلقه فيهم الصغير والكبير، وفيهم الذكور والإناث، وفيهم الجميل والدميم، فهم على ما شاء الله عز وجل، فيرينا خلقه ويرينا آياته، حتى نتعظ، وحتى نعتبر، وحتى نعلم أن الخالق هو الله وحده لا شريك له، الذي يستحق أن يعبد وحده، فكما أن له الخلق فكذلك له الأمر، وهو الذي يشرع، ولذلك قال: أَلا لَهُ وحده سبحانه، الْخَلْقُ فإذا سئل الإنسان: من الذي يخلق؟ فيقول: الله، من الذي يرزق؟ يقول: الله، من الذي يُعبد؟ يقول: الله، فالله هو الذي له الخلق وله الأمر على خلقه، قال سبحانه: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23]، فأمرهم بعبادته، فكما أن له الخلق وهو المتفرد به فكذلك له الأمر؛ يتفرد بالتشريع لخلقه، ويتفرد بأن يعبد وحده لا شريك له.

    قال تعالى هنا: (يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ) ثم أرانا شيئاً من ذلك حتى نتعظ ونعتبر فقال: (يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ).

    فالله خالق كل شيء سبحانه، مدبر كل أمر سبحانه، يخلق ما ينتظم الكون به، وما يدبر به أمر كونه سبحانه وتعالى، والله أعلم ما الذي يستحق خلقه، وما الذي ينفع خلقه، والإنسان ينظر من منظور ضعيف ضيق فيما يراه أمامه من الكون، فيحدد لنفسه أشياء، فيقول: أنا أريد ذكوراً، أو يقول: أنا أريد إناثاً، أو لا أريد شيئاً، أو أريد أن أؤخر الإنجاب، فالإنسان يريد بحسب فهمه القاصر، ولكن الله عز وجل خالق الكون ومدبر الكون يخلق ما يشاء، فيجعل ما يخلقه لمصالح العباد؛ لمصالحهم في الدنيا ومصالحهم في الآخرة، لمصالح دنياهم ومصالح دينهم حتى يتقوا ربهم سبحانه ويعبدوه، وحتى يعلموا أنه القادر على كل شيء.

    قوله: (يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا) أي: يجعل ذرية من يشاء من خلقه الإناث فقط، ومن أنبياء الله عز وجل من كانوا كذلك، فهذا لوط النبي عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام كانت ذريته كلها إناثاً، ولم يكن له ذكور.

    (وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ) ويجعل ذرية من يشاء من عباده الذكور فقط، وقد فعل ذلك في بعض أنبيائه، فجعل ذرية إبراهيم عليه الصلاة والسلام كلهم ذكوراً ولا يوجد إناث لإبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً...)

    ثم قال تعالى: أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ [الشورى:50].

    قوله: (أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً) فيجعل لعبده الإناث ويجعل له الذكور، كما كان في ذرية إسماعيل على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فإنه أنجب الذكور وأنجب الإناث، فكان لإسماعيل من الذكور وكان له من الإناث.

    (وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا) سبحانه وتعالى، فجعل في الخلق وفي الأنبياء من هو كذلك، فهذا المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام لم يتزوج ولم يكن له ولد، ويحيى لم يكن له ولد.

    (وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا) في أصل خلقته لا يكون له الولد، فالله عز وجل كما جعل في أنبيائه كذلك جعله في خلقه؛ ليرينا آيات قدرته، فالله القادر سبحانه، والله هو الذي يهب، وكل ما في الخلق محض هبة من الله وعطية منه؛ إن أعطاك الولد أو البنت فذلك هبة منه سبحانه، وإن منعك ذلك فالله يفعل ما يشاء، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون.

    وقوله: (أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا)، (يزوج) هنا بمعنى: يقرن، أي: أنه يرزق من يشاء من عباده ذكوراً فقط، ويرزق من يشاء من عباده إناثاً فقط، أو يقرن الاثنين لمن يشاء من عباده، فينجب الذكور والإناث، كما كان لنبينا صلوات الله وسلامه عليه، فقد كان له من الأبناء الذكور عبد الله والقاسم وإبراهيم، وعبد الله كان يلقب بـالطيب والطاهر، وكلهم ماتوا صغاراً.

    وله صلوات الله وسلامه عليه من الإناث: فاطمة وبقيت بعده ستة أشهر، وباقي بنات النبي صلى الله عليه وسلم متن في حياته عليه الصلاة والسلام، وهن: رقية وزينب وأم كلثوم.

    فوهب للنبي صلى الله عليه وسلم الذكور والإناث، وأخبره أنه: مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ [الأحزاب:40]، هذه الآية يخبر تعالى فيها أنه لن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم ذكر يعيش حتى يصير رجلاً فيكون من ضمن الأقوام، فما كان له ذلك، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم يموت أبناؤه في حياته عليه الصلاة والسلام، فمات جميع الذكور، وماتت بنات النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يبق إلا فاطمة ماتت بعده صلوات الله وسلامه عليه بستة أشهر.

    فالله سبحانه وتعالى أرانا هذه الآيات في أنبيائه حتى نقتدي بهم، فهذا رزقه الله الذكور، وهذا رزقه الله الإناث، وهذا لم يرزقه الله عز وجل ذرية أصلاً، وجعله عقيماً، وهذا ليس عيباً من العيوب، فإن هذا قضاء الله وقدره، وهذه قسمة الله في خلقه، فإنه سبحانه يهب لمن يشاء ما يشاء، وهو أعلم، كما قال عز وجل: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14].

    فقوله: (أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا) أي: يقرن بين الذكور والإناث، فيكون للرجل البنات والذكور.

    وبدأ سبحانه بقوله: (يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا)، فقدم ذكر الإناث، ولذلك كان بعض السلف يحب أن يرزقه الله عز وجل أول ما يرزقه الأنثى، وأول ما يكون له ذلك يفرح، ويقول: هذه بركة؛ لأن الله عز وجل قدم ذكر الإناث فقال: (يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا)، فبدأ بهن، وقال: (وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ).

    فالله عز وجل يخلق وأنت لا تقدر أن تخلق شيئاً، فإذا أعطاك الله عز وجل البنت فلا تعترض، ولا تقل: لقد كنت أريد ولداً، وإذا أعطاك الولد فلا تعترض وتقول: كنت أريد بنتاً، فليس الأمر بمزاجك، فإن هذا خلق الله عز وجل، يخلق سبحانه وتعالى ما يشاء، ويحكم ما يريد.

    حكمة الله تعالى في جعل بعض الناس عقيماً

    وقوله: (وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا)، العقيم: هو الذي لا نسل له، أي: مقطوع الذرية، لا ذرية له لا ذكوراً ولا إناثاً، وكلمة (عقيم) تطلق على الذي لا ينتج، أو الشيء الذي لا نتاج من ورائه، ويوصف بالعقم أشياء، فيقال: هذا رجل عقيم، وامرأة عقيمة، أو عقيم أيضاً، ومنه يقال: الملك عقيم، وكأن الملك يحرض الرجل على ابنه والابن على أبيه، وإذا زوج الملك ابنه فسينافسه ويقتله، فكان الملك عقيماً، يجعل الملك يقتل ابنه، ويجعل الابن يتخلص من أبيه لينفرد بالملك، فالملك يوصف بأنه عقيم؛ لأنه يجعل الأب لا يهتم بأمر ابنه، بل إذا كان ابنه سينافسه في الملك فإنه يقضي على ابنه؛ ليتفرد له ملكه في المملكة التي هو فيها.

    وقالوا: بالملك تنقطع الأرحام، ويحدث فيها العقوق؛ خوفاً على الملك، وكم رأينا في التاريخ من أناس قتل بعضهم بعضاً على الملك، فترى الرجل يقتل أخاه؛ لأنه سيرث الملك عن أبيه؛ ليكون الملك له، فالله عز وجل جعل هذه الدنيا عبرة وعظة للخلق، فكان الملك عقيماً.

    كذلك الريح وصفها الله عز وجل بأنها عقيم، أي: أنها ريح لا تنتج، وليس من ورائها خير، بل من ورائها الشر، فلا تلقح السحاب ولا ينزل على إثرها المطر، وإنما تكون مصائب على الخلق، فهذه هي الريح العقيم.

    وكذلك يوم القيامة يوصف بأنه يوم عقيم؛ لأن يوم القيامة لا يوم بعده، ولا تنتظر بعده حياة دنيوية، فهذا اليوم ليس بعده أيام أخر، وإنما هو يوم واحد فقط، يقضى فيه بين الخلق، ثم بعد ذلك إما الجنة وإما النار، ولا يوجد يوم ثانٍ للحساب غير هذا اليوم الواحد، ولذلك يوصف بأنه يوم عقيم؛ لأنه لا يوم بعده للعمل ولا للجزاء ولا للحساب.

    إذاً: يجعل الله عز وجل من يشاء من خلقه له الذكور، ومن يشاء له الإناث.

    كيف يذكر الولد وكيف يؤنث

    جاء في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن امرأة قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (هل تغتسل المرأة إذا احتلمت ورأت الماء؟ قال: نعم، فقالت عائشة رضي الله عنه: تربت يداك وأُلت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعيها، وهل يكون الشبه إلا من قبل ذلك؟ إذا علا ماؤها ماء الرجل أشبه الولد أخواله، وإذا علا ماء الرجل ماءها أشبه أعمامه) ، فالشبه يأتي من ماء الرجل ومن ماء المرأة.

    وجاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: أن يهوداً سألوه عن ذلك: كيف يذكر الإنسان؟ أي: كيف يصير ذكراً؟ والأنثى كيف تصير أنثى؟ فقد روى الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنه الله عنهما قال: (أقبلت يهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن أشياء، فقالوا: يا أبا القاسم! إنا نسألك عن خمسة أشياء، فإن أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي واتبعناك)، هؤلاء اليهود يقولون: نسألك عن خمسة أشياء إذا أجبت عنها جواباً صحيحاً فأنت نبي، ونتبعك فيما تأتينا به، قال: (فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه -يعني من العهود والمواثيق- أنهم يفعلون ما قالوا، فقال اليهود: الله على ما نقول وكيل، فقال: هاتوا، قالوا: أخبرنا عن علامة النبي) وهؤلاء من أهل الكتاب، جاءوا وقد عرفوا من التوراة أجوبة هذه الأسئلة، فتجدهم يقولون: هذا رجل لم يقرأ توراة ولا إنجيلاً، ولم يطلع على كتب أهل الكتاب، فإن أجاب إجابة صحيحة عن هذه الأشياء فإنه نبي، وإذا لم يجب جواباً صحيحاً فليس نبياً، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: أخبرنا عن علامة النبي؟ أي: كيف تكون علامة النبي؟ فقال: (تنام عيناه ولا ينام قلبه) ، أي: أن النبي إذا نام يكون منظره أنه نائم، ويغلق عينيه، أما قلبه فهو يقض متعلق بالملكوت، متعلق بالرب سبحانه وتعالى، فقالوا: (أخبرنا كيف تؤنث المرأة وكيف تذكر) ، يعني: الجنين في بطن أمه كيف يصير أنثى وكيف يصير ذكراً؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يلتقي الماءان: ماء الرجل وماء المرأة، فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكر) علا بمعنى: غلب، أي: إذا كان ماء الرجل أغلب لماء المرأة فإنه يكون ذكراً بإذن الله، قال: (وإذا علا ماء المرأة آنث، قالوا: أخبرنا ما حرم إسرائيل على نفسه)، وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وهو أبو يوسف عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، قالوا: ما هو الذي حرمه يعقوب على نفسه؟ قال: (كان يشتكي عرق النسا، فلم يجد شيئاً يلائمه إلا ألبان الإبل ولحومها فلذلك حرمها)، أي: أنه وجد أن الشيء الذي يلائم عرق النساء ويزيد وجعه أن يشرب ألبان الإبل، فامتنع منها، ولم يحرمها على الناس، وإنما حرمها على نفسه للعلة التي هو فيها، قال الله عز وجل: كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [آل عمران:93]، أي: قل لليهود: هذه الأشياء لم نحرمها نحن عليكم، وإنما حرمها إسرائيل على نفسه، وليس عليكم، فبين لنا النبي صلى الله عليه وسلم أن يعقوب حرم على نفسه ألبان الإبل لأنه كان يشتكي من عرق النسا، وهذا عرق يكون في فخذ الإنسان، يضرب الإنسان في فخذه إلى كعب رجله، وهذا العصب من الأعصاب يكون ألمه شديداً، فوجد أنه عندما يشرب ألبان الإبل يزيد عليه الألم، فامتنع من ألبان الإبل وحرمها على نفسه، فحرم اليهود على أنفسهم هذه الألبان، ولم يحرمها الله عز وجل عليهم.

    والغرض هنا في هذا الحديث هو: أنه لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لهم ذلك، قالوا: صدقت، أي: كل الذي قلته صدق، (قالوا: أخبرنا ما هذا الرعد؟ قال: ملك من ملائكة الله عز وجل موكل بالسحاب، بيده مخراق من نار، يزجر به السحاب يسوقه حيث أمر الله، قالوا: فما هذا الصوت الذي يسمع؟ قال: صوته، قالوا: صدقت) ، أي: الذي تقوله موافق للذي عندنا في التوراة، ومع ذلك لا يتبعونه، بل يلجئون إلى الحيل للهرب وعدم الدخول في دين النبي صلى الله عليه وسلم، وبقي شيء واحد فقط، ما هو هذا الشيء؟ فقالوا: (هو الذي يبايعك إن أخبرتنا بها، فإنه ليس من نبي إلا له ملك يأتيه بالخبر) ، ومعلوم أن الذي ينزل على الأنبياء هو جبريل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: (فأخبرنا من صاحبك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: جبريل عليه السلام، قالوا: جبريل! ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدونا) ، فهم يعادون ملكاً من ملائكة الله سبحانه، سبحان الله! أي عقول لهؤلاء القوم حين يعادون ملكاً قد عرفوا أنه مخلوق من نور، وأنهم -أي الملائكة- لا يعصون الله، وحقيقة الأمر أنهم يعادون الله سبحانه، فجبريل لا ينزل بالعذاب من عند نفسه، وإنما يأتي بالعذاب من عند رب العالمين؛ لأنكم تستحقون ذلك، قالوا: (جبريل ذاك عدونا، لو قلت: ميكائيل الذي ينزل بالمطر والرحمة والنبات والقطر لاتبعناك).

    وهذا من أعجب ما يكون! حتى نعرف كيف يجادل اليهود، وكيف يناقشون أي قضية من القضايا! فلم ينظروا إلى الرسالة التي جاءت وما فيها من رحمة للعالمين، ولا إلى ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم من صدق وصدقوه هم، ولكن في النهاية قالوا له: لا؛ لأن جبريل هو الذي يأتيك، ولو كان آخر غير جبريل لاتبعناك، فأنزل الله سبحانه: قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ [البقرة:97] فهذا عداء لله تعالى؛ لأنه هو الله الذي أرسل جبريل، فهؤلاء يعادون الله سبحانه، قال تعالى: مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ [البقرة:98] ، فهؤلاء باءوا بعداوة الله، وباءوا بغضب من الله سبحانه، لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ [المائدة:78]، فلعنوا بسبب معصيتهم لله سبحانه، وبسبب اعتدائهم، وبسبب إفكهم وكذبهم وافترائهم على الله وعلى ملائكة الله عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام.

    والغرض من هذا الحديث أن الله يذكر أنه: (يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا)، فبين النبي صلى الله عليه وسلم كيف تكون الأنثى وكيف يكون الذكر، وهذا بيد الله سبحانه، فيخلق ما يشاء ويفعل ما يريد سبحانه، ويجعل من يشاء والداً، ويجعل من يشاء عقيماً، فهو العليم الحكيم سبحانه.

    حكمة الله تعالى في اختلاف ما يهب للناس من أولاد وبنين

    وأما لماذا جعل لهذا الذكور ولهذا الإناث؟ ولماذا أعطى لهذا عشرة وأعطى لهذا واحداً؟ ولماذا أعطى هذا كذا؟ فالله يفعل ما يشاء سبحانه، وذلك لحكمة لا نعلمها نحن، فعنده الحكمة والحجة البالغة سبحانه، ختم ليقطع عن الإنسان الجدل والمماراة في ذلك، فهو العليم سبحانه، وهو أعلم حيث يجعل ما يشاء سبحانه، فهو عليم وهو قدير على كل شيء.

    وقد ذكر الإناث والذكور ليرينا كمال خلقته سبحانه، وإن كان أيضاً يخلق خلقاً ناقصاً ليرينا الآيات وأنه على كل شيء قدير، فوهب الذكور لمن شاء فنزل ذكراً، ووهب الإناث لمن يشاء فنزلن إناثاً، ومنع من يشاء رحمة منه سبحانه وعلماً منه لمن يستحق ذلك ومن يستحق هذا، ومن يضره هذا الذي يأتيه.

    فالله عز وجل قد يجعل الإنسان عقيماً، ولا يتفكر الإنسان لعل الله إذا أعطاه الولد فقد يكون عاقاً، ويقول: يا ليتني لم أخلف، وهناك أناس على هذه الحالة، فتجد أحدهم يقول لك: ابني يعمل المنكرات وقد أتعبني، ودائماً أذهب وراءه إلى مركز الشرطة، يا ليتني لم أخلف!

    فالله سبحانه أعلم بالحكم في ذلك، وقد ذكر الله لنا في القرآن في سورة الكهف قصة موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام مع الخضر عليه السلام، وكيف أنه أراه الله عز وجل الآيات فلم يصبر على ما يراه، ومن ضمن ما أراه أنهما أتيا على غلام، فإذا بالخضر يقتل هذا الغلام، فأنكر موسى هذا، وقد أخذ عليه الخضر العهد ألا يعترض على شيء، وألا يسأله عن شيء حتى يحدث له منه ذكراً، فلم يطق موسى ذلك وقال: أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ [الكهف:74]، فهي نفس لم تعمل فيك شيئاً، ولا وقعت في شيء، ومازالت صغيرة في السن، فلمَ قتلته؟ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا [الكهف:74] وهذا نبي وهذا نبي، وموسى أحد أولي العزم من الرسل، ومع ذلك أراه الله عز وجل أنه لا يعرف كل شيء، فهذا نبي من الأنبياء وهو يعرف أكثر منك، فقد أعلمه الله أشياء من المغيبات ففعل ذلك.

    وفي آخر القصة قال له: وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا [الكهف:80]، فانظر رحمة الله سبحانه على الأب والأم، فرحمة منه أن هذا الغلام يموت وهو صغير، وإذا عاش فإنه سيخرجكما عما أنتم عليه من إيمان، فخشينا أن يرهقهما وأن يتعبهما وأن يؤذيهما بكفره فيضطران لمتابعته على الكفر، فيكفران هما أيضاً مع ابنهما: فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا [الكهف:80-81]، أراد الله سبحانه أن يبدل الأم والأب من هو أفضل من ذلك، وأقرب رحماً.

    إذاً: فالله عز وجل يصنع بعبده الشيء الذي قد لا يعجب العبد، فيقول: لماذا الله حرمني؟ ولا يعلم أن الله هو العليم القدير سبحانه، فقد منعك بقدرته سبحانه وهو القادر على أن يعطيك، ولكن لا يصلح لك ذلك، فالله أعلم بالذي يصلح لك حتى تستمر على الإيمان، وحتى تستمر على الطاعة، وحتى تستمر إلى أن تدخل الجنة، فقد لا يصلح لك أن يكون عندك ولد، ولذلك منعك لحكمة عنده سبحانه.

    قال تعالى: (إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) أي: عليم بعباده، وبمن يستحق ذلك ومن ينفعه ذلك، ومن لا يستحق ومن يؤذيه ويضره ذلك، (قَدِيرٌ) فأرانا آياته، فهذا إنسان ينزل وهو كامل، وهذا آخر ينزل سقطاً، فتجد المرأة تسقط في الشهر الثالث أو في الرابع أو في الخامس، فينزل غير مكتمل، فترى هذا الخلق الغير مكتمل الذي نزل الآن من بطن أمه على هيئة من هيئات النقصان، تجده لا يوجد له يدان، فخلقه الله عز وجل آية للعباد، لنحمد الله عز وجل على ما أعطانا، ولو شاء الله لجعلنا مثل هذا الإنسان، فالله عز وجل على كل شيء قدير.

    وتلد المرأة الإنسان فينزل أعمى أكمه، فالله عز وجل يرينا هذا الناقص حتى تحمد الله على ما أعطاك سبحانه.

    وجعل ذكوراً وجعل إناثاً، ونرى في خلق الله الخناثى، والخنثى: هو الذي له فرج وله قبل، فله ما للرجل وله ما للمرأة، فيجعل الله عز وجل ما يشاء ليرينا آياته، ويحصل الإشكال عند الناس: فهل الخنثى هذا سنعامله معاملة الذكر أو معاملة الأنثى؟ وإذا صار وارثاً فكيف سنورثه؟ فالله سبحانه تبارك وتعالى يرينا بعض الأشياء لنعرف قصور أذهاننا، وضعف عقولنا، فيجلس الإنسان يفكر ويحتار، وقد يلهمه الله عز وجل الفكرة على يد إنسان آخر.

    وقد كان أهل الجاهلية لا يعرفون مسألة الخنثى وأنه يولد مولود خنثى، إلى أن جاءت قضية خنثى إلى فارض العرب عامر بن الظرب، وقد كان سيد القوم، وكان من كبرائهم ومن شيوخهم الذين يرجعون إليهم في الأحكام فيقضي بينهم، ويرجعون إليه في الفرائض قبل الإسلام، وذات مرة ولد لأناس مولود خنثى، فلما جاء وقت الميراث احتاروا كيف يورثون هذا الخنثى؟ فذهبوا إلى عامر بن الظرب ، وأخبروه أن عندهم ولداً خنثى، ولا يدرون كيف يورثونه، وقد كان من عادة العرب أنهم يورثون الذكور ولا يورثون الإناث، فاستشكل عليهم: هل نعتبره ذكراً ونعطيه أم نعتبره أنثى ولا نعطيه شيئاً؟ فسألوه، فاحتار الرجل وجلس يفكر، وقد كان سيد القوم، وكان من أكرم القوم، فمن أراد طعاماً أو شراباً فإنه يذهب إلى عامر بن الظرب ، وكلمة (الظرب) معناها الجبل، أي: عامر بن الجبل.

    فاحتار عامر: كيف سيورث هذا؟ فذهب إلى بيته ونام، فجعل يتقلب على سريره، فجاءته جاريته وسألته، وقالت: ما لك مضطرباً من أول الليل؟ فقال: لقد سألوني عن شيء لعلي أجد عندك مخرجاً، فقالت: وما ذاك؟ قال: هناك خنثى لا ندري كيف نورثها، قالت: هذا الذي أرقك؟! قال: نعم، قالت: ورثه من حيث يبول، ففطن الرجل وأصبح وقضى بينهم، فقال: انظروا من أين يبول من فرج الأنثى أو من ذكر الرجل، فمن حيث بال فإنه يعتبر به، فصار بعد ذلك حكماً، وجاء الإسلام وأقر ذلك، واستقر الأمر على هذا الذي قالته هذه المرأة.

    فالغرض: أن الله عز وجل يرينا آياته سبحانه، يرينا أنه العليم، وأن فوق كل ذي علم عليم: فلا تغتر بعلمك، فقد يظن الإنسان أنه عالم فتأتيه مسألة بسيطة جداً فلا يستطيع أن يجيب عنها ويحتار فيها، ويمكن أن يأتي شخص صغير فيجيب عنها، والكبير لعله لا يدري، كما حدث في هذه القصة التي ذكرنا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب ...)

    قال سبحانه: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ [الشورى:51] .

    لقد ذهب اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: ألا تكلم الله وننظر إليك إن كنت نبياً، فقد كان سيدنا موسى يكلم الله، وأنت أيضاً كلم الله وأرنا كيف تكلمه من أجل أن نصدق أنك نبي.

    واليهود قوم أصحاب حيل وأكاذيب وافتراءات، فقد كانوا يطلبون من موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام أموراً من المحالات، وقد عرفوا ربهم سبحانه، ومع ذلك يقولون: اجْعَل لَنَا إِلَهًا [الأعراف:138]، وكأنهم يقولون: دعنا من هذا الذي في السماء، واعمل لنا إلهاً هنا أمامنا حتى نراه، فقال لهم موسى: إِِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلاءِ [الأعراف:138-139] الذين يعبدون الأصنام مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأعراف:139].

    قال تعالى: قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا [الأعراف:140]، فسكتوا عن هذا الشيء إلى أن مشى موسى عليه الصلاة والسلام ليكلم ربه، فلم يقولوا: نأتي معك لنسمع كلام رب العالمين سبحانه، وإنما جاءوا يطلبون ذلك من النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    ولما ذهب موسى للقاء ربه سبحانه صنع لهم السامري عجلاً من ذهب، فعبدوه من دون الله وقالوا: هذا إلهكم وإله موسى، وموسى قد نسي، فقد ذهب ليرى الله والله موجود هنا، لا حول ولا قوة إلا بالله! فهؤلاء اليهود المجرمون -لعنة الله عليهم- يذهبون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون: إن موسى قد كلم ربه، فكلم أنت أيضاً ربك حتى نرى وحتى نصدق ونؤمن بما جئت به، فأنزل الله سبحانه: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ [الشورى:51].

    صور تكليم الله لأنبيائه

    فما كان لبشر أن يكلمه الله إلا بهذه الصور الثلاث:

    الصورة الأولى: قال تعالى: (إِلَّا وَحْيًا)، فيوحي إلى أنبيائه عليهم الصلاة والسلام، والوحي: هو الصوت الخفي الذي يأتيه فيدخل في قلبه، فيعقل ويفهم، ولا يعتريه شك في ذلك، ثم يتكلم بذلك، ولذلك جاء في الحديث: (إن روح القدس نفث في روعي -والروع هو القلب والنفس- أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب)، فهذه طريقة من طرق الوحي.

    ومن هذه الصورة ما يراه في المنام صلوات الله وسلامه عليه، ورؤيا الأنبياء كلها وحي.

    الصورة الثانية: (أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) أي: أن يتكلم الله عز وجل مع نبي من أنبيائه من رواء حجاب، كما كلم موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، قال تعالى: وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ [الأعراف:143]، أي: أن موسى بعدما سمع كلام الله أراد أن ينظر إليه قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي [الأعراف:143] .

    فطلب موسى طلباً ليس له، وليس لأحد أن يرى الله في هذه الدنيا، فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً [الأعراف:143] ، خر الجبل مندكاً، وخرّ موسى أيضاً صعقاً، فلما أفاق قال: آمنت أنك لا ترى في هذه الدنيا، إذاً فالله سبحانه يخبر هنا أنه لا يرى في هذه الدنيا.

    ولما صعد النبي صلى الله عليه وسلم في قصة المعراج وصل إلى سدرة المنتهى، فإذا بجبريل يقف هناك كأنه حلس بالي، ويصعد النبي صلى الله عليه وسلم فوق ذلك، ومع ذلك لم يرَ ربه سبحانه، ورأى نوراً، وكلمه ربه ففرض عليه الخمس الصلوات، فلما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: (أرأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه) فحجابه النور سبحانه لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما وصل إليه من نوره.

    فالغرض أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى نوراً، قال تعالى: مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى [النجم:11] ، إذاً فقد رآه بقلبه صلوات الله وسلامه عليه، وأما بعين بصره فلم ير ربه عليه الصلاة والسلام، وإنما سمع ربه، فكلم الله موسى على الأرض، وكلم محمداً فوق السموات صلوات الله وسلامه عليه، فشرفه وكرمه عليه الصلاة والسلام.

    وأكرم المؤمنين بأن فرض عليهم الصلوات الخمس في السموات، فقد عرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء، ثم نزل بهذه الفريضة العظيمة التي هي نور وهي الصلاة.

    فهنا وحي من الله أن يكلم عبداً من عباده، فكلم موسى عليه الصلاة والسلام، وكلم محمداً صلوات الله وسلامه عليه في السماء وليس في الأرض.

    الصورة الثالثة: (أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا)، فيأتي جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى الأنبياء قبله، ولم يرَ النبي صلى الله عليه وسلم جبريل على هيئته الحقيقية إلا مرتين اثنتين فقط، فهو ملك عظيم له ستمائة جناح، وقد سد الأفق عليه السلام، قال الله عز وجل: مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى [النجم:11]، هذا وهو في السماء عليه السلام: مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى [النجم:17] أي: حين نظر إلى السماء وحين رأى جبريل في ليلة المعراج على هيئته الحقيقية، فلم يزغ بصره صلوات الله وسلامه عليه في كل ما رآه، ومن ضمن ما رآه أنه رأى جبريل عليه السلام.

    فالغرض أن الله يوحي لأنبيائه بصورة من هذه الصور: إما وحي ينفث في روعه، وإما أن الله عز وجل يكلمه من وراء حجاب، وإما أن يرسل جبريل أو من يشاء الله عز وجل فيكلم هذا النبي بوحي فيه، فيوحي بإذنه سبحانه ما يشاء من أحكام للعباد.

    وقوله: (أو يرسلَ رسولاً) هذه قراءة الجمهور؛ لأنه قال قبلها: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا)، أي: إلا أن يوحي إليه، فصار (أو يرسل) معطوفاً على (أن يكلمه)، وهو منصوب، أو أنها مستأنفة، فكأنها جملة مبتدأة، فقراءة نافع وابن ذكوان: (أَوْ يُرْسِلُ)، أي: هو سبحانه يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء إلى هذا النبي ليبلغ خلق الله بذلك.

    وقوله: (إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) فله علو الشأن، وعلو الذات، وعلو القدر، فشأنه عظيم، وقدرته عظيمة سبحانه، وهو فوق سماواته العلي العظيم.

    وهو حكيم فيما يصنع، فأفعاله كلها حكمة، ويحكم بما يريد.

    نسأل الله من فضله ورحمته إنه على كل شيء قدير.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2985630685

    عدد مرات الحفظ

    715274115