إسلام ويب

تفسير سورة فصلت [39 - 41]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من آيات الله سبحانه إحياء الأرض بعد موتها، وكذلك يحيي الله الموتى ويبعثهم، والذين ينكرون آيات الله لا يخفون على الله، بل لقد أعد لهم عذاباً أليماً يوم القيامة؛ لأنهم كذبوا بالله وبرسوله وبكتابه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة ...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة فصلت:

    وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ [فصلت:39-41].

    يخبر الله سبحانه وتعالى عن آياته العظيمة، فهو الذي خلق السموات والأرض وجعلهما آيتين للعباد، ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر، وهو الذي خلق كل شيء من أصغر الأشياء إلى أكبر وأعظم الأشياء، قال الشاعر:

    وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد

    سبحانه وتعالى، ففي كل شيء إعجاز، في خلق أصغر شيء، وفي خلق أكبر الأشياء، قال الله تعالى: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا [النازعات:27] وذكر من آياته العظيمة فيها: رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا [النازعات:28-31]، فجعل هذه آيات للعباد لمن يتذكر ولمن له قلب.

    من آيات الله سبحانه وتعالى العظيمة الأرض هذه التي نسير عليها فهي من بعض آيات الله عز وجل في هذا الكون العظيم، فأنت ترى الأرض خاشعة هامدة يابسة، وهذه الأرض الخاشعة إذا أنزل الله عليها الماء اهتزت وربت، قال تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً [فصلت:39] كأنك تسير فوق الأرض في الصيف في حال الجفاف، وترى هذه الأرض ساكنة لا تهتز، وهي أمامك أرض يابسة لا نبت عليها إلا ما يشاؤه الله سبحانه وتعالى، ثم إذا نزل عليها المطر من السماء جعل الله لكم آية حتى تقيسوا على ذلك إحياء وإخراج الموتى يوم القيامة فجأة تهتز الأرض وتربو الأرض ويخرج منها النبات، فالذي أحيا هذه الأرض أليس بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأحقاف:33].

    فمن آياته العظيمة أنك ترى الأرض اليابسة الخاملة الساكنة الساكتة ينزل الله عليها المطر من السماء فتهتز وتربو، والأرض فيها كائنات ومخلوقات لا تراها بعينك، والله سبحانه وتعالى يعلم عنها كل شيء، فهو الذي خلقها بداخل هذه الأرض، يقول العلماء: إن في الأرض أشياء كثيرة جداً من البكتريا والفطريات والطحالب والبذور والسيقان الأرضية والبصلات والبصيليات وحويصلات فيها ديدان وحشرات وجراثيم وأشياء موجودة بداخل الأرض وهي ساكنة ساكتة، هذه الأشياء تعيش تحت الأرض في سبات عميق لا توجد مياه نازلة عليها فهي لا تتحرك محافظة على أنفسها في هذه الحالة الساكنة، وتنخفض فيها العمليات الحيوية إلى أدنى معدل فيها، فلا حركة موجودة في هذه الأشياء، فالأرض هامدة ساكنة وما بداخلها كذلك هامد ساكن، بعد ذلك ينزل المطر من السماء على هذه الأرض، فتمتص الأرض هذه المياه النازلة من السماء، فتبدأ الحركة في الأشياء الموجودة بداخل هذه الأرض، الجراثيم تتحرك، والبكتريا والطحالب والديدان والحويصلات والبويصلات والبصلات والسيقان الأرضية والجذور وكل شيء بداخل هذه الأرض يتحرك، وتحصل عملية حيوية عظيمة جداً بداخل الأرض؛ لتنتفع أنت منها بعد ذلك مما يخرج الله عز وجل من النبات، والبذور الموجودة بداخل الأرض ساكتة، ولما ينزل عليها الماء تهتز وتتحرك بداخل هذه الأرض، وتسري فيها الحياة وتهتز الأرض بحركة ما بداخلها، ملايين الملايين من الكائنات الموجودة داخل الأرض كل منها يأخذ رزقه ويبدأ في الحركة، فإذا بالأرض تهتز وتتحرك وتربو الأرض وتنتفخ وترتفع.

    يقول العلماء: تبدأ عمليات الانقسام بداخل الأرض، إذ إن الكائن الذي بداخلها ينقسم إلى اثنين وإلى ثلاثة وإلى أربعة انقسامات خلوية يعلمها الله سبحانه ويدبر أمرها، فيبدأ امتصاص الماء بداخل الأرض، وتحليل الغذاء الذي كان معقداً إلى مواد بسيطة ينتفع منها النبات.

    يقول العلماء: بعد ذلك تبدأ عملية التأين العجيبة في جزيئيات التربة، إذ تتجمع الجزيئيات في جزيئيات التربة، وتنشط الديدان الأرضية في شق الأنفاق الأرضية وتأكل تربة الأرض وتخرجه تربهً أخرى أقل تعقيداً مما كانت قبل ذلك، وتبتلع كميات هائلة من التراب المتناسق المعقد، وتخرجه تربة خصبة طيبة مفككة، وتزداد التربة في حجمها فإذا بالتربة الأرضية تعلو، والتراب المتحجر أخذتها هذه الديدان وأخرجتها تراباً نقياً، كان متجمعاً فصار مفتتاً؛ فربت الأرض وانتفخت وعلت، كما ترى في العجين حين تأخذ الدقيق وتسكب عليه الماء وبعد ذلك تغطيه وتتركه فيتخمر ويربو ويعلو، ولعله يفيض من الحلة وينزل، كذلك الأرض يجعلها الله عز وجل فتربو وتنتفخ ثم تخرج ثمارها فينتفع الإنسان بذلك.

    قال سبحانه وتعالى: اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى [فصلت:39] (ربت) بمعنى: علت هذه قراءة الجمهور، وقراءة أبي جعفر : (وربأت) بمعنى: انتفخت وعلت. قوله تعالى: إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى [فصلت:39] أي: كهذه الحياة التي دبت في الأرض بقدرة الله سبحانه ولم تتدخل أنت فيها، فالله على كل شيء قدير، كذلك يأمر من في القبور بالخروج إلى البعث والنشور فيحييهم الله عز وجل للجزاء وللجنة أو للنار.

    قال تعالى: إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [فصلت:39] والله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير لا يعجزه شيء، إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا...)

    قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [فصلت:40] لحد في الشيء بمعنى: مال، يَلْحد الإنسان بمعنى: يميل، يصير مائلاً عن هذا الشيء ويُلْحِدُ كذلك، فالمعنى نفسه في الفعل الثلاثي والرباعي، والأصل في الإلحاد: الميل والزيغ والعدول عن الشيء إلى غيره، وهذه تُقرأ بالفعل الثلاثي والرباعي، قرأها حمزة : (إن الذين يَلحِدون في آيتنا)، وقرأها الجمهور فعلاً رباعياً: إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا بمعنى: يميلون عنها ويزيغون عن الحق الذي أتيناهم به، يلحدون بالإعراض وبالتكذيب في آيات الله عز وجل واتهام النبي صلى الله عليه وسلم، وبتأويل آيات الله عز وجل على غير ما يريده الله سبحانه وتعالى.

    ولذلك العلماء يقولون في هذه الكلمة (يلحدون): نزلت في المشركين ومنهم أبو جهل وغيره من الذين كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم وكذبوا بما جاء به ومالوا عن الحق إلى الباطل، فهم يلحدون في دين الله سبحانه وتعالى، ولما قالوا: لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت:26] فإن هذا من الإلحاد والمشاقة والعناد، فهم يلحدون في آيات الله سبحانه وتعالى، ويوصي بعضهم بعض باللغط إذا تكلم النبي صلى الله عليه وسلم، فيهجرون فلا يسمع أحد ما يقوله النبي صلوات الله وسلامه عليه، هؤلاء لا يخفون على الله، والمعنى فيه ما فيه من التهديد من الله عز وجل والوعيد لهؤلاء، أي: انتظروا وسترون ما الذي نصنعه بكم!

    قال تعالى: لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا [فصلت:40] أي: نحصي عليهم كل شيء يقولونه ويفعلونه، وليس هباءً ولا سدى، ولكن لنجازيهم يوم القيامة ونحاسبهم على ذلك.

    قال تعالى: أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ [فصلت:40] أي: الذي يُلقى ويقذف في نار جهنم والعياذ بالله لا قيمة له، بل هو بمنتهى الإهانة والتحقير، يؤخذ كالدابة ويلقى في نار جهنم، هل هذا خير أم الذي يأتي يوم القيامة ويؤمنه الله عز وجل من العذاب الأكبر ومن الفزع الأكبر؟

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت) فقوله: (فاصنع ما شئت)، فيه من التهديد ما فيه، يعني: انتظر العقوبة على ذلك واعمل الذي تريده، وسترى عقوبة الله عز وجل التي تنزل بك، وكذلك هنا: (اعملوا ما شئتم) ليس المعنى: أن الله عز وجل يدعوهم إلى الباطل حاشا له سبحانه! ولكن هم أصروا على الباطل، فالمعنى: استمروا فيما أنتم عليه، وسترون ما يأتيكم من عذاب الله سبحانه وتعالى، وهذا تهديد من الله.

    قال تعالى: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [فصلت:40] إنه يراكم ويحصي عليكم، فلا تخفون عليه سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز)

    قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ [فصلت:41] فالذين يلحدون في آيات الله عز وجل وهم الكفار عبر الله عز وجل عنهم بأنهم يلحدون في آيات الله ويعرضون عنها ويميلون عنها، ويدعون غيرهم إلى عدم سماع ما يأتي به النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك يكفرون بهذا القرآن، فيكذبون ما فيه من ذكر الله سبحانه وتعالى، وأنه مستحق للعبادة وحده، فقالوا: أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا [ص:5] فكذبوا وقالوا: نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [الجاثية:24] الذكر هنا بمعنى: القرآن، أي: إن الذين كفروا بهذا القرآن العظيم لما جاءهم من النبي صلى الله عليه وسلم.

    وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ أي: كتاب الله العظيم العزيز، العزيز: الغالب الذي لا يغالب مهما أرادوا أن يأتوا بمثله ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، فقد غلبهم القرآن وقهرهم، ولما أرادوا أن يلحدوا فيه وأن يحرفوا الكلم عن مواضعه حفظه الله سبحانه وتعالى وقال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]، ولما أرادوا أن يدخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم ويلبسوا عليه إذا بالله يعصمه ويحفظه، فالقرآن غالب مهما أرادوا أن يجادلوا بالباطل، قهرهم كتاب الله سبحانه وامتنع عليهم أن يدخلوا فيه شيئاً من باطلهم وإنه لكتاب عزيز، وكم أراد هؤلاء الكفار من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن تقوم الساعة أن يلحدوا في آيات الله سبحانه وأن يحرفوا وأن يبدلوه، ولا تزال طائفة من أمة النبي صلى الله عليه وسلم على الحق ظاهرين ينصرهم الله سبحانه وتعالى بهذا القرآن العظيم لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم، وقد أراد المشركون تبديل كلام الله سبحانه، فالقرآن عزيز ممتنع ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، وفي كل عصر من العصور يوجد من يريد أن يلقي شيئاً في هذا القرآن العظيم ويرده الله سبحانه مدحوراً، حتى في زماننا أراد هؤلاء الكفرة الملاعين أن يلغوا آيات من كتاب الله، وأمروا المسلمين في بلادهم ومنافقيهم بإلغاء آيات الجهاد، وأنهم سينزلون مصحفاً جديداً مكان هذا المصحف ليس فيه هذه الآيات، فما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، بل قهرهم الله وأذلهم وأرانا فيهم الآيات.

    نسأل الله عز وجل أن يخرب عليهم بيوتهم وديارهم كما خربوا ديار المسلمين، وأن يلعنهم الله وأن يأخذهم أخذ عزيز مقتدر .

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.