إسلام ويب

تفسير سورة محمد [25 - 30]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من صفات المنافقين أنهم يكرهون ما أنزل الله على رسوله، ويكرهون الدين، ويطيعون من عادى الله ورسوله، فهؤلاء هم المرتدون حقيقة؛ لأنهم ما نطقوا بالدين إلا تقية وحفظاً لأموالهم ودمائهم، فهؤلاء يمهلهم الله عز وجل في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب عظيم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعدما تبين لهم الهدى..)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة محمد صلى الله عليه وسلم: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ * فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ * وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ [محمد:25-30].

    لما ذكر الله سبحانه تبارك وتعالى في هذه السورة الكريمة: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ [محمد:22-23].

    هل عسيتم إن مكنكم الله عز وجل وأعطاكم ولايات ورئاسات ووزارات وحكماً تحكمون بين الناس، وقدرة على ذلك، أن ترتدوا على أدباركم، وتعرضوا عن ذكر الله سبحانه وشرعه، وتقيموا الظلم بين الناس، وتعرضوا عن هذا الدين، وتتبعوا الهوى والشياطين، وتقطعوا أرحامكم؟ هل عسيتم أن تفعلوا ذلك فترتدوا على أدباركم، وتعكسوا ما أمركم الله عز وجل بوصله وفعله؟

    أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ [النساء:82] أي: هلا تدبروا كتاب الله عز وجل وقرءوه واستمعوا له، وفهموا ما يريده الله عز وجل ففعلوه.

    ثم قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ [محمد:25] وهنا بعدما ذكر: لعلكم إذا فتح الله لكم، وأعطاكم من فضله، أن تنقلبوا على أعقابكم القهقرى، فهؤلاء الذين هذا حالهم يقول الله سبحانه لهم: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ [محمد:25].

    مشوا في طريق الشيطان وتركوا طريق الله سبحانه تبارك وتعالى، وتركوا الصواب بعدما عرفوه، وتركوا القرآن بعدما فهموا معانيه، (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ) ردة رجوع على الأعقاب إلى الورى، بعدما كانوا متقدمين في دين الله عز وجل، وصاروا متأخرين تاركين الدين وراء ظهورهم؛ لا يضرون إلا أنفسهم، إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى [محمد:25] من بعدما عرفوا الحق، وسمعوا كتاب الله، وهدي النبي صلوات الله وسلامه عليه، فهؤلاء الشيطان سول لهم، وضحك عليهم، وخدعهم، وزين لهم الأماني الباطلة.

    (وأملى لهم) الجمهور يقرءونها هكذا، والبصريون يقرءونها قراءة أخرى، فـأبو عمرو البصري يقرؤها: (وأملِيَ لهم) ويقرؤها: ( وأملِيْ لهم )، وهنا الآية تعددت القراءات فيها فكأنها تتعدد المعاني، وكأن الآية آيتان بحسب القراءة، فهنا يقول سبحانه: الشيطان سول لهؤلاء، ( وأملى لهم ) أي: أملى لهم الله سبحانه تبارك وتعالى، فالله عز وجل يقول: إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا [مريم:84] أي: نحضر ونجهز لهم المصائب والعذاب، ففهم من المعنى: أن الشيطان يضحك عليهم، ويخدعهم، وقد حذرهم الله عز وجل من الشيطان، فقال: إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا [النساء:76]، الشيطان سول وزين لهم، فقال: وَأَمْلَى لَهُمْ [محمد:25] أي: أملى لهم ربهم سبحانه، وأعد لهم العذاب، وهذه قراءة الجمهور.

    وقراءة أبي عمرو توضح ذلك قال: ( وأملِيَ لهم ) على البناء للمجهول، يعني: قد أعد لهم المصائب والعذاب، (أملي لهم) من الذي أملى لهم؟ الله سبحانه، يعني: مد لهم في العمر وتركهم، وصبر عليهم، وحلم عنهم سبحانه تبارك وتعالى حتى يأخذهم فيقصمهم ويأخذهم أخذ عزيز مقتدر.

    وقراءة يعقوب الحضرمي يقرأ: ( وأملِيْ لهم ) فبعدما قال عن الشيطان: (سول لهم) قال: وأنا أملي لهم، أي: أحضر لهم، وأجهز لهم من العذاب ما لا يطيقون منه.

    إذاً: على هذه القراءات: الله عز وجل أملى لهم، وعلى قراءة الجمهور: تحتمل معنىً آخر، وهو: أن الشيطان هو الذي سول وأملى لهم، والمعنى: أنه جعلهم يتمهلون ويتريثون ويبتعدون عن التقدم في دين الله عز وجل.

    إذاً: هذه المعاني كلها صحيحة، فإن الشيطان خدع هؤلاء، فجعلهم يسوفون، وأملى لهم فقال: استمهلوا واصبروا لا تستعجلون، الموت متأخر.

    إذاً: هذا من إملاء الشيطان على هؤلاء، أنه يجعلهم يتمهلون عن التوبة، ويتركون اتباع دين الله عز وجل، فيخدعهم، ويزين لهم أعمالهم، وجعلهم يتمهلون، فهذا على معنى.

    والمعنى الآخر: وأملى لهم ربهم سبحانه بأن مد لهم، فإذا بهم يتمهلون، ويسيرون في طريق يظنون أن النهاية حسنة فيه، وأنهم أرادوا الدنيا حيث زينت لهم، والشيطان سول لهم هذه الحياة الدنيا، وإن كان التزيين حقيقة من الله عز وجل، الله هو الذي يزين سبحانه تبارك وتعالى، زين الدنيا فخدعت هؤلاء، فالله خلق الدنيا وقال لنا: لا تغتروا بهذه الدنيا، فيها الورود، ولكن فيها الأشواك، وفيها الحلو ولكن فيه المرارات، وفي هذه الدنيا العابرة يراها الإنسان حلوة، ولكن إذا خبرها وجد في صفوها الكدر، وفي حلوها المر، وفي وردها الشوك، وفيما ينظر إليه من سعادة فإن وراءه الشقاء، فلا توجد سعادة في هذه الدنيا تدوم، لذلك المؤمن العاقل همه في الدنيا أن يرضي الله سبحانه تبارك وتعالى، لا أن يأخذ الدنيا؛ لأن الدنيا زينها الله سبحانه تبارك وتعالى لخلقه، والشيطان زين للعباد فيها أن يعصوا الله سبحانه تبارك وتعالى، فإذا بهم يخدعون، الله يبيح لهم الزواج، والشيطان يشجعهم على الزنا، الله يمنعهم من شرب الخمر، والشيطان يجعلهم يقعون في شربها ويتبعون الهوى، ويزعمون أن الخمر تشجعهم، وتزيل غمومهم، وغير ذلك.

    إذاً: التزيين من الله عز وجل خلقة، فيخلق الشيء حسناً، والتزيين من الشيطان أن يجعل العبد يستحلي الشيء المر، ويستعذب أن يقع في معصية الله سبحانه تبارك وتعالى، فهذا الشيطان يسول لهؤلاء أن يقعوا في المعاصي، ويزين لهم ويدفعهم، ويحثهم على أن يقعوا في معصية الله عز وجل، وأملى لهم الشيطان أي: أمد لهم في الغي، وأملى لهم الرحمن بمعنى: أمهلهم وصبر عليهم، وأعد لهم ما يستحقون من عقوبة وعذاب نسأل الله العفو والعافية!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله..)

    قال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ [محمد:26] ارتدوا عن دين الله عز وجل، ورجعوا بأن أصغوا لليهود، وللنصارى فسمعوا كلام هؤلاء وأعطوهم الوعود بألسنتهم: سنكون معكم قليلاً، فنكون مع هؤلاء مرة ومع هؤلاء مرة مع النبي صلى الله عليه وسلم مرة، ومعكم مرة ثانية.

    ذلك الجزاء بأنهم قالوا لهؤلاء الكارهين ما أنزل الله من مشركين وعباد أوثان، ومن يهود ونصارى: سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ [محمد:26] ليس في كل الأمر، لا، نحن نقول: لا إله إلا الله، لكن سنطيعكم في بعض الأمر.

    قال الله سبحانه: وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ [محمد:26] والله يعلم ما في قلوبهم، فهم أحبوا هذا النفاق، وأحبوا معصية الله سبحانه تبارك وتعالى، فهم قالوا: لا إله إلا الله بألسنتهم، ولم تتحقق في قلوبهم، فقال: وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ [محمد:26] وهذه قراءة حفص عن عاصم ، وحمزة ، والكسائي ، وخلف ، وباقي القراء يقرءونها: ( والله يعلم أَسرَارهم ) الإسرار: مصدر من أسرَّ إسراراً، وأسرارهم أي: فيما يبطنونه، والمعنى: كل أسرار هؤلاء عند الله عز وجل لا يخفى منها عن الله عز وجل شيء، ومهما تكتم من شيء فإن الله يعلمه، فالله يعلم إسرارهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فكيف إذا توفتهم الملائكة..)

    قال تعالى: فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ [محمد:27] فكيف بهؤلاء؟! كيف يكون حالهم إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم؟! الملائكة تتوفاهم، والله يتوفاهم كما ذكر لنا ربنا سبحانه، فالله يتوفى، والملائكة تتوفى، الله يقضي بالموت، والقبض حقيقة بأمر الله سبحانه تبارك وتعالى، فالله هو الذي يخلق، وهو الذي يحيي ويرزق ويميت، فالله فاعل كل شيء، وخالق كل شيء سبحانه، والملائكة المباشرون للأمر يقبضون الأرواح، وما يفعلون شيئاً إلا بأمر الله سبحانه، ولا يقدرون على شيء إلا بما يقدرهم الله عز وجل عليه.

    إذاً: الملائكة مأمورون منفذون لأمر الله سبحانه، فالله عز وجل هو الذي يتوفى، ولذلك من الخطأ أن نقول: فلان توفى، هذا خطأ، فلان توفى بمعنى: قبض، ولكن فلان قُبِضَ فنقول: تُوفيَ فلان، ومات فلان، فالذي يتوفاه هو الله عز وجل، والذين يتوفونه هم الملائكة يقبضون روحه، فالقائم بالأمر هو الله عز وجل، ثم الملائكة منفذون لأمر الله سبحانه تبارك وتعالى.

    فكيف يكون حال هؤلاء المنافقين المرتدين على أدبارهم إذا قبضت الملائكة أرواحهم وهم في حالهم عصاة كفار مجرمون؟! الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم، يقول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: لا يتوفى أحد على معصية إلا بضرب شديد لوجهه وقفاه، إلا بضرب نسأل الله العفو والعافية، فصاحب المعصية الذي مات على المعصية يتوفى على هذه الحال، والملائكة تضربه على وجهه، وتلطمه على ظهره وقفاه، فلا يتوفى أحد على معصية إلا على هذه الحال، فكيف يكون حال هؤلاء المنافقين حين تتوفاهم الملائكة بمثل هذا الضرب؟! أنت ترى الإنسان وهو يموت وأنت لا تدري عما يفعل به شيئاً، فالملائكة تضرب وجهه وظهره.

    كذلك عندما يقاتل المؤمنون الكفار والمنافقين، ويقاتلون غيرهم، فإن الملائكة تتوفى الكفار القتلى فيضربون وجوههم وأدبارهم في حال القتال، والملائكة مؤيدة بالله عز وجل، مؤيدة للمؤمنين، فيضربون وجوه الكفار عند الطلب، ويضربون أدبارهم عند الهرب، الكافر يقبل على المؤمن فتضربه الملائكة على وجهه، والكافر عندما يهرب تضربه الملائكة على قفاه ورأسه وظهره، فهذا تأييد من الله عز وجل للمؤمنين، وتطمين للمؤمن ألا يخاف فإن الله معه، فهل ينظرون إلا إحدى الحسنيين، فانتظر: إما أن ينصرك الله عز وجل وإما أن يتوفاك فتكون شهيداً ولك العاقبة الحسنة عند الله عز وجل.

    قال الله عز وجل: فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ [محمد:27] إذاً: هذا في وقت الموت والوفاة، وفي وقت الحرب والقتال والقتل، كذلك عندما يقومون من قبورهم تسوقهم الملائكة إلى الموقف، وتسوقهم الملائكة إلى النار والعياذ بالله بالضرب، فيدعون إلى نار جهنم دعا، ويدفعون على أقفائهم ويضربون على وجوههم، نسأل الله العفو والعافية، فهذا هو حالهم، فمن سينصرهم في هذه الحال؟! ذلك الجزاء والعذاب والعقاب بأنهم اتبعوا ما أسخط الله سبحانه تبارك وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه..)

    قال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد:28] ( ذلك بأنهم اتبعوا ) التعليل هنا يخيف صاحب المعصية، فكل إنسان عاص يخاف على نفسه ما الذي سيحدث له عند الوفاة، فهذا هو حالهم، فالله إذا غضب على العبد أخذه أخذ عزيز مقتدر، فيميته على معصية، وإذا أحب الله عبداً ابتلاه عز وجل في الدنيا، ثم يستعمله بفضله وكرمه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله إذا أحب عبداً عسله، قالوا: وما عسله؟ قال: يوفقه لعمل صالح، ثم يقبضه عليه) نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من هؤلاء الذين يعسلهم الله عز وجل.

    والعكس: إذا أبغض الله عز وجل عبداً يجعله في طغيانه وعتوه، ويجعله جباراً عنيداً، حتى إذا أخذه لم يفلته، قال تعالى: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102].

    قال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ [محمد:28] أي: مشوا وراء معاصي الله عز وجل، فكل شيء يغضب ربهم يفعلونه، في قيامهم أو نومهم وفي لهوهم، وفي أفراحهم ومعاصيهم، فيغضبون الله ويتبعون كل ما يسخطه سبحانه، ويكرهون رضوان الله سبحانه، لا يوجد إنسان يقول: أنا أكره أن أرضي ربي، ولكنهم بأفعالهم يكرهون ما أنزل الله، فإذا قيل: هذه الطاعة، وهذا كتاب الله، وهذه سنة رسول الله، فهو يقول: كل وقت تقول لي: كتاب وسنة، كتاب وسنة! إذاً: هو كاره لهذا الشيء سواء عبر بلسانه أو أعرض بحاله، فحين تذكره بالله يلوي لك ظهره ويمشي كأنه ما سمع، تمر وتذهب للمسجد فتراه وتقول له: ادخل وصل معنا يا فلان، وكأنه ما سمع كلامك، ويلتفت إلى الناحية الثانية، وتسلم عليه عادة فتقول له: السلام عليكم من أجل أن تأتي بعد قليل فتقول له: ادخل صل فلا يرد عليك السلام، وإذا كان جاء من آخر الشارع يدخل البيت فيختبئ حتى لا تقول له: تعال إلى بيت الله عز وجل، فيستغشون ثيابهم، والمنافقون كانوا يغطون حالهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا رأوه استغشوا بثيابهم، لا يريدون أن ينظروا إليه، حتى لا يأمرهم بالطاعة، وكذلك فعل الكفار.

    قال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ [محمد:28] (رضوانه) فيها قراءتان: قراءة الجمهور: (رِضوان) بكسر الراء، وقراءة شعبة عن عاصم : ( رُضوان ) بضم الراء.

    قوله: وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد:28] ومحبطات الأعمال كثيرة منها: الشرك بالله عز وجل والكفر بالله سبحانه تبارك وتعالى، كذلك من محبطات الأعمال ترك الصلاة وتضييعها، ولذلك جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله) فالذي يضيع الصلاة يحبط عمله، والذي يضيع صلاة العصر يصاب بحزن يوم القيامة، يساوي حزن إنسان قتل أهله، وضاع ماله، وهذا الحزن لا يستشعره الآن، وإنما يستشعره في يوم القيامة، قال الله عز وجل: فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد:28] أي: أذهبها وضيعها بسبب كفرهم وبعدهم عن الله عز وجل، وحبهم ما أسخط الله، ويكرهون رضوانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ...)

    قال تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ [محمد:29] أعرض عن هؤلاء وأضرب عنهم، أحسب الذين في قلوبهم مرض وهم المنافقون أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ [محمد:29] يعني: كل إنسان يبطن في قلبه الكره لهذا الدين، والكره لأهل الدين، فهل هذا يخفى على الله؟ وهل يتركه الله على ذلك؟ لا، فكل منافق لا بد وأن يفضحه الله عز وجل مهما دخل مع الناس وصلى، وهو في قلبه يكره المسلمين والمصلين، ويكره الملتزمين، فتجد على فلتات لسانه ما يدل على الكره، وإن كان يصلي ويمسك المصحف وكذا، ولكن بدأ يفلت لسانه بالكره لكتاب الله، ولسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان لا يقول: أنا أكره الكتاب السنة، فليس ممكناً أن يقول هذا الشيء، ولكن في لسانه التهكم والاستهزاء على أشياء صحيحة من دين الله سبحانه تبارك وتعالى.

    أم حسب هؤلاء المنافقون الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم؟

    و(أضغانهم): جمع ضغن، والضغن: الحقد الدفين، فالشيء الذي يخبيه في قلبه لا بد وأن يظهر على فلتات لسانه، وقيل في المثل: (كل إناء بما فيه ينضح) فالذي يختبئ في الإناء سينضح في يوم من الأيام، كذلك الإنسان المنافق الذي يخفي البغض للإسلام المسلمين لا بد وأن يظهر ذلك على لسانه يوماً من الأيام.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم..)

    قال الله عز وجل: وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ [محمد:30] لو أردنا لكنا أريناهم لك، وعملنا عليهم علامات حتى تنظر إلى هذا المنافق بعلامته، ولو نشاء لفضحناه، ولكن الله حيي كريم ستير سبحانه تبارك وتعالى، يستر على عباده، ولا يفضح إلا من يستحق ذلك، فستر على الكثيرين، وفضح البعض وجعلهم عبرة للآخرين.

    قال: وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ [محمد:30] سنعرفك بهؤلاء أو قد أشرنا إليك، فأنت الآن تعرف هؤلاء في لحن القول، وفي سقطات اللسان، وفي فحوى ما يقولون، فكانوا يقولون أمام النبي صلى الله عليه وسلم بأشياء، وهو بطيبة قلبه صلوات الله وسلامه عليه، وحسن ظنه في الناس يقبل الكلام على ظاهره، فإذا بالله يحذره ويحذر المؤمنين أن يتشبهوا بالكفار، فلا تقلدوا هؤلاء في أقوالهم، فليس كلما قال الكفار شيئاً تقوموا مؤيدين لمثل هذا الشيء؛ لأنهم قد يقصدون خلاف ما يقولون.

    وانظروا هنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم حيث يقولون له: (اسمع غير مسمع)، فيحملها النبي صلى الله عليه وسلم بقلب طيب، وبحسن ظن أن المعنى اسمع منا، ولن تسمع ما تكره، وهذا هو الظاهر فيه، اسمع هذا الكلام الذي سنقوله لك، ما سنقول لك شيئاً يؤذيك ولا حاجة تضايقك، اسمع غير مسمع منا ما يؤذيك، لكن الحقيقة هم لا يقصدون ذلك، وإنما المراد: اسمع لا سمعت! كأنهم يقولون لإنسان: اذهب أذهب الله سمعك، فهذا هو معنى هذا الكلام الذي يقولونه لعنة الله عليهم، فيقول ربنا للمؤمنين: لا تقلدوا هؤلاء فيما يقولون، يأتي اليهود فيقولون: راعنا، فيأتي المنافقون ويقولون: راعنا، وهم يقصدون بها المعنى، وراعنا: كلمة عند اليهود معناها: أنت شرنا، فيأتي المؤمنون يقلدون هؤلاء فيقولون: يا رسول الله! راعنا، ولا يقصدون ما يقول هؤلاء الكلاب المجرمون، ولكن الله عز وجل يحذرهم فقال تعالى: لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا [البقرة:104]، فأتى بكلمة أخرى مكان هذه فقال: وَقُولُوا انظُرْنَا [البقرة:104] وهو نفس المعنى، ولكن هؤلاء قصدوا شيئاً آخر بهذه الكلمة، فحذر الله المؤمنين، وبين للنبي صلى الله عليه وسلم أنه سيعرفهم في لحن قولهم، وإنما مراد هؤلاء بكلامهم إرادة الأذى بك، ولا يريدون بك الخير، فعرفه الله عز وجل بالمنافقين، فكان لا يصلي على المنافقين صلوات الله وسلامه عليه، وذكرهم لـحذيفة فكان يلقب بصاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنافقين، فكان حذيفة لا يصلي عليهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، إذا مات واحد من هؤلاء لا يصلي عليهم، وعمر كان لا يعرفهم، فكان ينظر فيمن يموت هل صلى عليه حذيفة ؟! فلا يصلي عليه عمر حتى يصلي عليه حذيفة ، فقد عرف أسماء البعض من المنافقين من النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    قال الله عز وجل: وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ [محمد:30].

    نسأل الله العفو والعافية، في الدين والدنيا والآخرة.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.