إسلام ويب

تفسير سورة محمد [4 - 7]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • شرع الله سبحانه الجهاد في سبيله، وشرع أحكاماً في معاملة أسرى الحرب، وبين سبحانه ما للشهيد عنده من كرامات وهبات، وفضائل سابغات، وبين فضل المجاهدين، حتى يحث المسلمين على الجهاد، فقد اقتضت سنة الله الكونية أن يقع الصراع بين الحق والباطل، ولو شاء الله لانتصر من الكافرين، ولكن ليبلو المسلمين بهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب ...)

    الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة محمد صلى الله عليه وسلم: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ [محمد:4-6] .

    يخبرنا الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات عن حكم من أحكام الجهاد في سبيله سبحانه وتعالى، فيقول: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ [محمد:4] أي: اضربوا رقابهم كما قدمنا في الحديث السابق، والكفار: من ليس بينهم وبين المسلمين عهد ولا ذمة، فهؤلاء الذين يقاتلون، أما من بينهم وبين المسلمين عهد أو ذمة، فلهم عهدهم إلى مدتهم، فإذا كانوا يعيشون بين المسلمين، ولهم ذمة مع المسلمين، ويدفعون الجزية للمسلمين، فلهم عهدهم ولهم ذمتهم.

    لكن الكافر الحربي المحارب للإسلام ولدين الله عز وجل، يحارب ويجاهد في سبيل الله عز وجل، قال: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [محمد:4] أي: في أي مكان، سواء جاءوا إليكم أم نزلوا في أراضيكم، أم قابلتموهم في قتال بينكم وبينهم، قال: فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ [محمد:4]، وفي الآية تعويد للمسلمين على العزة بدينهم، وأن يطلب الله سبحانه في هذا الجهاد لا الدنيا، فإذا كان الجهاد لله عز وجل كان الله مع المؤمنين فنصرهم وأعلى أمرهم، لذلك لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم بعضاً من المسلمين في سرية لقوا بعض الكفار، وكان بينهم مسلم وكانت بينه وبين أحد المسلمين المرسلين ضعينة، فلما وصل إليهم سلم عليهم، فتحرش المسلم به فقتله زاعماً أنه يتحصن بالسلام فقط، وحقيقة أمره أنه طمع في الغنيمة التي كانت مع هذا الرجل، فقد كانت معه بعض غنمات فطمع فيها، فأخذ الغنمات وقتل الرجل، فأنزل الله عز وجل: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [النساء:94] فقوله: (لَسْتَ مُؤْمِنًا) أي: لن نؤمنك، وليس المقصود بالإيمان المقابل للكفر، بل أنت على ما أنت عليه، قال: تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا [النساء:94]، فالآية هنا فضحت ما في النفس، وقالت: احذروا أن يكون الجهاد طلباً للدنيا، فهذا الذي صنعتموه بهذا الرجل، لم يكن ابتغاء وجه الله، بل ابتغاء هذه الغنيمة، ولقد كنتم كفاراً من قبل فمن الله عز وجل عليكم بالإسلام، فلماذا تبادرون بقتل إنسان ألقى إليكم السلام، وفي هذا تعويد للمجاهدين أن الأسير إذا استسلم فلا يجوز قتله في هذه الحالة، قال: (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ) و(السَلامَ)، فالسلم: الاستسلام، والسلام: قول: السلام عليكم، ولا تقل لهذا: لست مؤمناً، أي: لن نؤمنك، قال تعالى: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ [النساء:94] أي: كنتم كفاراً قبل ذلك، قال: فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا [النساء:94].

    فهنا الله سبحانه وتعالى يعلم المؤمن أن يكون مجاهداً في سبيل الله مخلصاً له طالباً أمان الناس، هذا هو الهدف، فليس الهدف أخذ الغنيمة، وإنما هي تابعة.

    الحكمة من الغلظة على الكافرين المحاربين

    قال تعالى: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [محمد:4] ، منوا على هؤلاء بأن تعلموهم دين الله سبحانه، فإذا كان لا فائدة، فاقتلوا الذين كفروا، كما قال سبحانه: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ [التوبة:5]؛ لأنهم إن ظهروا عليكم لا يرقبون فيكم إلاً ولا ذمة.

    وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرسل بعوثه وسراياه صلوات الله وسلامه عليه وجيوشه فيقول لأميرهم: (إذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى واحدة من خصال ثلاث) أي: ولا تقاتلهم مباشرة، قال: (ادعهم إلى الإسلام، فإن هم أطاعوا فكف عنهم، واقبل منهم) ، إذاً: فالأمر ليس لمجرد القتال فقط، ولكن ابدأ بدعوة هؤلاء إلى دين الإسلام، فإن قبلوا منك هذا فهو المطلوب، فإذا لم يقبلوا الإسلام أتيت بالخصلة الثانية، قال: (ادعهم إلى أن يدفعوا الجزية، فإن قبلوا منك ذلك فخذ منهم وكف عنهم، فإذا رفضوا ذلك وأبوا إلا المقاتلة، فاستعن بالله وقاتلهم، فإذا قاتلت هؤلاء فافعل بما أمر الله عز وجل، فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ [محمد:4]) أي: قاتل قتالاً شديداً ابتغاء وجه الله عز وجل، كما قال: وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ [آل عمران:139-140]، فأنتم الأعلون عند الله عز وجل، فإنها إن تصبكم جراحات في القتال فقد أصابت اعداءكم، فهل يكونون أصبر منكم على الجراح وعلى القتل؟ وكيف يكونون أصبر منكم وأنتم موعودون بالجنة عند الله عز وجل؟! فلكم الأجر العظيم والقرب من الله سبحانه في الآخرة، ولكم في الدنيا النصر والغنيمة، فلا تكونوا أقل شأناً من أعدائكم.

    قال تعالى: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا [محمد:4] أي: فقاتلهم قبل أن تسالم أو تداهن؛ حتى توهن عدوك، وحتى يعرف قدرتك، ثم تكلم عن السلم بعد ذلك وأنت غالب قوي، أما وأنت ضعيف فليس لك عند عدوك شأن حتى يقبل منك شيئاً، فلا تبدأ بطلب السلم بل جاهد وقاتل في سبيل الله حتى تضعف خصمك، وحتى ينصرك الله سبحانه وتعالى.

    قال: فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ [محمد:4] ، الإثخان في العدو: أي: إكثار القتل فيه، يقال: أثخنه جراحاً: أي: أسال دمه وأكثر فيه القتل والجراحات: حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ [محمد:4] ، الوثاق: الربط والقيد، يعني: أسر الأعداء، ثم لكم أن تمنوا عليهم بعد انتصاركم عليهم، ولكم أن تقبلوا الفدية، ولكم أن تدعوهم إلى دين الله عز وجل مرة ثانية، لعلهم يدخلون في دين الله سبحانه وتعالى.

    كيفية التعامل مع الأسرى

    قال سبحانه: حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ [محمد:4] أي: بعد أن ينصركم الله سبحانه وتعالى، وبعد أن تتمكنوا من أعدائكم، قال: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا [محمد:4] ، حتى لا يكون بينك وبين الكفار قتال، والأوزار: هي الأثقال، مفردها وزر، والوزر: الثقل، قال: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا [محمد:4] ، أي: حتى يكف الكفار عنكم، إذاً: فقاتل عدوك؛ لأنك إن لم تقاتله فسوف يقاتلك، فإذا استسلم ووضع سلاحه وكف عنك فكف عنه، حتى تضع الحرب أوزارها بشروط كتاب الله سبحانه وتعالى، وما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في سنته.

    اختلف العلماء في هذه الآية، هل هي منسوخة بآية السيف، وهي قوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ [التوبة:5] أم أنهما في مواطن مختلفة؟ والصواب: أنها آية محكمة وليست منسوخة، والمعنى: أن المن باق، فتمن على عدوك وتطلقه بغير شيء، أو أنك تفادي العدو بالأسير، فلإمام المسلمين وقائدهم أن يصنع ذلك، لذلك فإن الأكثر ومنهم ابن عباس رضي الله عنهما على أن هذه الآية محكمة، والإمام مخير.

    والأدلة من السنة على ذلك كثيرة ومنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد من على الكفار في فتح مكة، فقال: (اذهبوا فأنتم الطلقاء) ، وكانوا قد جمعوا أنفسهم لقتاله صلى الله عليه وسلم مرات ومرات قبل الفتح، بل إنهم جمعوا له في الفتح أوباشهم ليقاتلوا النبي صلى الله عليه وسلم، فنصره الله سبحانه، ثم منَّ عليهم صلوات الله وسلامه عليه.

    كذلك: جاء عنه أنه قتل البعض ممن كانوا يؤذونه صلى الله عليه وسلم ويؤذون المسلمين، كـعقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث ، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلهم، فقتلوا في يوم بدر؛ لأنهما كانا يؤذيان النبي صلى الله عليه وسلم، ويتكلمان فيه بالكلام المؤذي، ويطعنان في الإسلام والمسلمين، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلهما بعدما أسرا.

    إذاً: إذا كان العدو محارباً لله عز وجل ولدينه، فهو يسبه ويفخر بذلك، فإذا أسر ولم يدخل في الإسلام وبقي على كفره فإنه يقتل، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد من على رجل من هذا الصنف واسمه أبو عزة الشاعر، وقد كان شاعراً يهجو الإسلام ويهجو النبي صلى الله عليه وسلم، فمن عليه النبي صلى الله عليه وسلم في يوم بدر لما ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم أن له بنات لا يكفلهن غيره، فرحمه النبي صلى الله عليه وسلم فتركه، فرجع إلى مكة يضحك ويسخر من النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: ضحكت على النبي وعلى المسلمين وقلت لهم كذا وكذا، ويحك عارضيه بالكعبة، ويقول: هزأت بالمسلمين وكذا، فلما أسر مرة ثانية بدأ يستعطف النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: لا، لا ترجع مرة ثانية تحك عارضيك بالكعبة وتقول: سخرت منه، وأمر بقتله فقتل.

    فالغرض: أن حكم الإنسان الذي يسب دين الله عز وجل القتل إلا إذا أسلم فحينئذ يكف عنه، أما إذا بقي على كفره، فللإمام أن يقتله كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث في يوم بدر، وفدى سائر أسارى بدر، ومن على ثمامة بن أثال ، وكان رجلاً من كفار بني حنيفة، فجيء به أسيراً، فحبسه النبي صلى الله عليه وسلم وربطه في المسجد لينظر في أمره صلوات الله وسلامه عليه.

    وكان يمر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: (ما عندك يا ثمامة ؟ قال: عندي خير، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تمنن فعلى شاكر، وإن تطلب المال فالمال كثير، فخذ منه ما شئت) يعني: إذا منيت فقد منيت على إنسان يشكر لك هذه النعمة، وإذا قتلتني فمن حقك؛ لأني قتلت منكم الكثير، وإذا فاديت وطلبت المال، فعندي مال كثير فاطلب منه ما شئت.

    فتركه النبي صلى الله عليه وسلم: (وجاء إليه في اليوم الثاني صلوات الله وسلامه عليه وقال: ما عندك يا ثمامة ؟ فقال كما قال في اليوم الأول، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أطلقوا ثمامة ، واتركوه) ، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم استشعر بلطفه وبرحمته من الرجل طيبة وخيراً، فقال: أطلقوه، فالرجل ذهب فاغتسل ثم رجع مسلماً رضي الله تبارك وتعالى عنه، فالمن هنا أتى بنتيجة.

    وقد أتى بنتيجة كذلك في أهل مكة، فلما من النبي صلى الله عليه وسلم عليهم وتركهم أسلموا جميعاً، وإذا بهم يجاهدون مع النبي صلى الله عليه وسلم ويكونون بعد ذلك من أصحاب الرأي في المسلمين، ويطلق عليهم مشيخة قريش.

    فلما من النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية، دل على أن هذه الآية محكمة وليست منسوخة.

    معنى قوله تعالى: (ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ...)

    قال الله عز وجل: وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ [محمد:4] ، فالله هو القوي العزيز سبحانه وتعالى، فلو شاء لخسف بالمشركين الأرض، ولو شاء لأنزل عليهم آية من السماء أو عذاباً من الأرض، ولكن حكمته سبحانه تقتضي أن يبتلي الناس بعضهم ببعض، فالدنيا زمن امتحان، والإنسان يريد أن يعيش في هذه الدنيا من غير امتحان بتاتاً، والله لم يجعل هذه الدنيا جنة، بل سميت دنيا ليعلم أن الآخرة هي العليا، فالدنيا هي أرض البلاء ومكان الامتحان الذي يمتحن فيه العبد، وستترك هذه الدنيا ولن ترجع إليها مرة ثانية، ولله الحكمة في وجودك في الدنيا في هذا الوقت الذي أنت فيه، ولو شاء الله عز وجل لجعل الناس أمة واحدة، ولجعل الكل على الإسلام، ولو شاء الله عز وجل لنصر المسلمين في كل موطن من المواطن، لكن النبي صلى الله عليه وسلم دخل في قتال كثير مع الكفار، فقد جاهد النبي صلى الله عليه وسلم وأرسل بعوثه وسراياه التي بلغت تسعين غزوة وسرية، وذكر بعضهم: أنها بلغت مائة وعشرين أو مائة وثلاثين غزوة وسرية، وغزا النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه في نحو تسع عشرة غزوة صلوات الله وسلامه عليه، وكل ما غزا فيه النبي صلى الله عليه وسلم من التسع عشرة غزوة كانت في المدينة، فقد مكث النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة سنة يدعو إلى الله سبحانه في مكة، ولم يكن فرض عليه أن يجاهد في سبيل الله، ثم لما هاجر إلى المدينة صلى الله عليه وسلم فرض عليه الجهاد في سبيل الله، وقد عاش النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة عشر سنوات، فإذا خرج بنفسه تسع عشرة مرة صلى الله عليه وسلم فإنه سيكون قد خرج للجهاد مرتين في كل سنة صلى الله عليه وسلم، أما من جعل عدد البعوث والسرايا التي بعثها النبي صلى الله عليه وسلم مائة وثلاثين، فلو أنه خرج في كل واحدة منها لشق ذلك على المسلمين، فسيخرج في السنة الواحدة ثلاثة عشر مرةً، وهذا عدد كبير جداً للخروج، فكيف سيدير شئون المسلمين صلى الله عليه وسلم إذا فعل ذلك؟ لذلك: كان من الحكمة أن يخرج بنفسه في بعض السرايا وفي بعض الجيوش، ويخرج المسلمون المجاهدون في سبيل الله عز وجل في الباقي، ولو يشاء الله لانتصر من الكفار، ولكن المسلمين غلبوا في بعض الغزوات؛ ولله عز وجل الحكمة العظيمة في ذلك؛ وحتى لا يغتر المسلمون بالنصر دائماً، قال تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال:60]، وتوكلوا على الله سبحانه إن كنتم مؤمنين، فأحسنوا الإعداد، وأحسنوا الظن بالله سبحانه وتعالى، فإن الله عز وجل معكم, فإذا بعدتم عن ذلك خذلكم الله سبحانه وتعالى، كما قال سبحانه: إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7]، ولو يشاء الله لانتصر من هؤلاء الكفار ,ولكن ليختبر بعضكم ببعض، وليختبر المسلمين بالكفار، فالمسلم عندما يدخل في القتال فإنه إما قاتل أو مقتول، فهو مجاهد في سبيل الله عز وجل، فيبقى الاحتمالان موجودان، والله عز وجل يقول: وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ [محمد:4] .

    والذينَ قُتِلُوا هذه قراءة حفص عن عاصم ، وقراءة أبي عمرو البصري وكذلك يعقوب الحضرمي ، أما باقي القراء فإنهم يقرءونها: (والذين قاتلوا في سبيل الله)، ولكل من القراءتين معنى، فمن قرأ: وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ [محمد:4] فالمعنى: أنهم قتلوا وصاروا شهداء عند الله عز وجل، فلن يحبط الله لهم عملاً، بل له الأجر والثواب لأنه جاهد في سبيل الله عز وجل، والله يوجهه إلى جنته سبحانه وتعالى، فيقول: وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ [محمد:4]، وأما من قرأ: (وَالَّذِينَ قاتلوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ) فإنه جعلهم أحياء يقاتلون في سبيل الله سبحانه، فالله عز وجل يقبل هؤلاء؛ لأنهم ثبتوا على دين الله سبحانه وتعالى، فالوعد إذاً لمن عاش وبقي مجاهداً في سبيل الله أن يثبته الله على هذا الدين، وألا يضله سبحانه وتعالى، وأن يهديه ويزيده هدى، أما الذي قتل وتوفي ومات في سبيل الله سبحانه فله هداية أخرى، فإن الله يهديه في قبره، ويهديه يوم القيامة على الصراط، ويهديه سبحانه لطريق الجنة، ويثبته الله سبحانه وتعالى في قبره فلا يفتنه سبحانه وتعالى، فالذين عاشوا لهم هداية معينة، وللآخرين هداية معينة وكل بحسبه.

    قال تعالى: وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ [محمد:4] أي: لن يضيع عليهم ثواب ما عملوا في الجهاد في سبيل الله سبحانه، بل سيزيدهم هداية وإيماناً حتى يتوفاهم على ذلك سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (سيهديهم ويصلح بالهم)

    قال الله: سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ [محمد:5] هذه على قراءة الجمهور أي: ما داموا على قيد الحياة، (ويصلح بالهم) أي: شأنهم وعملهم، فيحمل قوله تعالى: (والذين قاتلوا في سبيل الله)، على الأحياء المجاهدين، أما الذين قتلوا فسيصلح بالهم في السؤال في القبر، وفي التثبيت يوم القيامة، وفي السؤال عند الله عز وجل، وفي المرور على الصراط، وفي الهداية إلى الجنة، وسيصلح لهم عملهم الذي عملوه في الدنيا.

    قال: سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ [محمد:5] ، والبال يأتي على ثلاث معانٍ: الشأن والأمر والحال.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويدخلهم الجنة عرفها لهم)

    قال الله: وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ [محمد:6] ، هذه آية عظيمة جميلة، فالله تعالى يدخل العباد الجنة، (عرفها لهم) أي: وهم في الدنيا، أخبرهم بأن في الجنة كذا وكذا، وإذا كان الله قد عرفك بهذه الجنة فاطلبها، ولتطلبها بعملك ودعائك، فقد عرفك الله عز وجل الجنة، فاطلبها بالعمل وبالنية الحسنة وبالقول السديد، قال: عَرَّفَهَا لَهُمْ [محمد:6]، فإذا دخلوا الجنة عرفها لهم، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري عن أبي سعيد قوله: (يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقضى لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا) أي: أن هؤلاء يخلصون من المرور على الصراط، فمنهم من يجري سريعاً، ومنهم من يمر كطرف العين، ومنهم من يمر كالبرق الخاطف، ومنهم من يمر كالريح المرسلة، أو كأجاويد الخيل، أو كالذي يسعى من الرجال، وكل بحسبه، قال: (فمنهم من يتأخر في ذلك، ومنهم من يمر سريعاً، فإذا خلصوا من هذه يحبسون على قنطرة بين الجنة وبين النار) ، فيحبسون في مظالم كانت بينهم في الدنيا، ولا يعني أنك إذا خلصت من النار أنك قد تحللت منها، بل تبقى عليك مظالم فيقتص منك، فيأخذ المظلوم من حسناتك، حتى إذا هذبوا ونقوا قبل دخول الجنة أمروا بدخول الجنة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أذن لهم بدخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله في الدنيا) ، وانظر إلى قول الله: عَرَّفَهَا لَهُمْ [محمد:6] ، فليسوا بمحتاجين إلى دليل يدلهم على الجنة؛ فهم أعرف بمكانهم في الجنة، ولكن الدليل معهم يكون كنوع من التشريف، مثلما يجيء الإنسان الكبير في القوم وقومه أمامه وخلفه وهو يعرف طريقه ويعرف بيته، ولكنهم يوسعون له الطريق، وكذلك الملائكة، فإنها تستقبل هؤلاء وتذهب بهم إلى ديارهم في الجنة تشريفاً لهم، وإلا فقد عرفوا منازلهم، كما أنك تصلي الجمعة، وتخرج من صلاة الجمعة وأنت تعرف بيتك، مع أنك في وسط زحمة الناس، فكذلك أهل الجنة يعرفون بيوتهم، والملائكة توصله إلى هذا المكان الذي هو يعرفه أشد معرفة، وأكثر من معرفته بداره في الدنيا.

    قال: (فوالذي نفس محمد بيده، لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله في الدنيا) ، فقد بينها الله لعباده، وقد عرفها عباده في الدنيا بما فيها من ملاذ، وما فيها مما يشتهيه المؤمن، وعرفها لهم يوم القيامة فدخلوا إلى ديارهم غير محتاجين لمن يدلهم عليها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم)

    ثم قال الله عز وجل للمؤمنين: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7]، هذه الآية لا بد أن تكون دليلاً لكل مؤمن يريد وجه الله سبحانه وتعالى وجنته، ولكن لمن يريد أن يكون الله معه سبحانه وتعالى، فإذا أردت أن يكون الله معك فتذكر معيته لعباده المؤمنين، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:128]، فالله مع المحسنين، وهو يحب المحسنين سبحانه وتعالى.

    قال: إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7] ، إذا أردت معية الله تعالى لك بقوته سبحانه، وتوفيقه وهدايته فكن مع الله سبحانه، وامش في طريق الله سبحانه وتعالى، ودافع عن دين الله سبحانه كما قال: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا [الحج:38] ، فالجزاء من جنس العمل، فإذا دافعت عن دين الله دافع الله عنك، وليس معنى ذلك: أنك كلما دافعت عن دين الله فلن تبتلى ولن تجرح أو تسجن، بل ابتلاء المؤمنين من سنة الله في خلقه سبحانه، قال صلى الله عليه وسلم: (أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، ويبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان في دينه قوة زيد له من البلاء، وإن كان في دينه رقة، قلل له من البلاء) .

    إذاً: الله عز وجل يبتلي العبد بأشياء في الدنيا بما يشاء سبحانه وتعالى، فإذا كان صلباً في دينه زيد عليه من البلاء؛ لأن الله يعلم صبره على ذلك سبحانه ويقدره، وإذا كان دينه ضعيفاً قلل له من البلاء سبحانه وتعالى.

    فإذا كنت تريد أن يكون الله معك وأن ينصرك ويدافع عنك فكن من المؤمنين، وكن مع المؤمنين، وكن من الصادقين، فإن الله يحب هؤلاء، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7] .

    نسأل الله عز وجل أن ينصر الإسلام والمسلمين، وأن يجعلنا جنوداً لدين رب العالمين.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.