إسلام ويب

تفسير سورة لقمان [16- 18]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن دين الإسلام ليس عبارة عن آيات تقرأ فقط ثم تنسى، وإنما هو واقع عملي حي، يتفاعل فيه أفراد المجتمع المسلم المبادئ التي جاء بها، ويطبقونها حياة حية، فيترجمونها من كلمات تقرأ إلى أفعال تشاهد، وقد جاء هذا الدين بمجموعة من الوصايا والأخلاق التي تشكل سلوك الفرد المسلم في حياته بين الناس، وقد وردت بعض هذه الوصايا على لسان لقمان في وصيته لابنه، تلك الوصايا التي سجلها القرآن وخلدها، نظراً لسموها وعظمتها وفائدتها للناس.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل... )

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    أما بعد:

    قال الله عز وجل في سورة لقمان في وصية لقمان لابنه: يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ * وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [لقمان:16-18].

    هذه من وصايا لقمان الحكيم لابنه وهو يعظه، وأول موعظة وعظ بها ابنه وأوصاه بها: ألا يشرك بالله سبحانه وتعالى، وقد ساق الله عز وجل هذه الموعظة في كتابه سبحانه لتكون موعظةً خالدة إلى قيام الساعة، فينصح كل إنسان مؤمن أبناءه بمثل هذه الموعظة، فالمؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فكيف بابنه! وكل إنسان يحب أن يكون أفضل من غيره، ولكنه يحب أن يكون ابنه أفضل منه، وهذا عادة في الناس، فكل إنسان يحب أن يكون أفضل من غيره، ويحب أن يكون ابنه أفضل منه وخيراً منه.

    ولقمان هنا يعظ ابنه بالموعظة التي تنفع الابن ويعود النفع على الأب؛ لأن الابن من كسب أبيه، فقال: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]، ثم نصح ابنه في موعظته العظيمة له بأن يطيع الله سبحانه وتعالى ويخاف منه، فهو الذي يعلم ما دق وما عظم، ويعلم كل شيء، فقال: يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ [لقمان:16]. فهو يعظ ابنه بأن يخاف من الله سبحانه، الذي يعلم كل شيء، ويقول له: لو أنك أخفيت عملك في مكان لا يطلع عليه أحد من الخلق فالله يطلع عليك، ولو أنك أخفيت معصيتك في ظلمة الليل أو في ظلمة البحر أو في مكان تظن ألا يطلع أحد عليك، فيه فإن الله يعلم ما تفعل وسيحاسبك عليه.

    وذكر له هذا المثل وهو: لو أن هذا العمل كان عملاً يسيراً صغيراً بقدر مثقال حبة الخردل التي هي أقل الحبوب حجماً ووزناً، وأراد الإنسان أن يخفيه، فأخفاه في صخرة عظيمة كبيرة، وألقيت هذه الصخرة في مكان في السماء أو في الأرض؛ لم يخف ذلك على الله سبحانه وتعالى، فإنه مطلع على كل شيء ورقيب عليه، ولذلك قال: يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ [لقمان:16].

    والسموات مأمورة، وكذلك الأرض، وكل شيء يأمره الله بقوله: كن فيكون، فلو خبأ الإنسان شيئاً في الأرض فإن الله عز وجل يأمر الأرض التي جمعت هذا الشيء في بطنها أو ظهرها أن تأتي به، فتأتي الأرض به مطيعة لله عز وجل، كما في قصة الرجل الذي أمر أولاده إذا مات أن يحرقوه ثم يسحقوه، ثم ينتظرون في يوم شديد ريحه فيذروه في البر والبحر، ففعلوا، وقد أمرهم بذلك لأنه خاف من الله، فأراد أن يهرب بهذا الطريق، فكان الأمر على الله في غاية السهولة، فأمر الله الأرض أن تجمع ما فيها، فجمعت الأرض ذرات هذا الإنسان وأتت به لربها سبحانه، وقال للبحر: هات ما فيك، فأتى البحر بما فيه، فجمع الله هذا الإنسان، وأحياه لينطق ويواجه ربه سبحانه وتعالى، فسأله: لماذا فعلت هذا؟ فإنك لا تقدر أن تعجز الله سبحانه وتعالى، فالله يعلم كل شيء، ويحفظ كل شيء، ولا يغيب عنه شيء.

    فعلى الإنسان أن يراقب ربه سبحانه، ويعلم أنه سوف يحاسبه، فلينظر بماذا سيرد على الله عز وجل فيما قال وفيما عمل، فإن الله لطيف في قضائه وقدره، خبير في علمه وتقديره سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف... )

    قال تعالى: يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [لقمان:17] فجمع له الموعظة العظيمة في هذه الكلمات القليلة اليسيرة، قال: يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ [لقمان:17]، وهي أعظم أركان الدين، والصلاة صلة بين العبد وبين ربه سبحانه، وهي عبادة بدنية، ونور ينير بها الإنسان قلبه، وينير بها دنياه وقبره وطريقه إلى الجنة، فإذا قصر الإنسان وترك هذه الصلاة أظلمت عليه حياته، وأظلم عليه قبره، وأظلم عليه طريقه فوق الصراط، وظل وأخطأ طريقه إلى الجنة فسقط في النار والعياذ بالله.

    قال تعالى: (يا بني أقم الصلاة) أي: أقم صلاتك وعدلها وائت بها على الوجه المستقيم وعلى الوجه القويم الذي ترضي به ربك سبحانه وتعالى، وكما أمرك الله سبحانه: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه:14] فقم إلى الصلاة وأنت غاية في النشاط، ومحب لهذه الصلاة، ومقبل على الله، حتى يقبلها الله سبحانه وتعالى منك، فقد قال تعالى في العبد الذي يتقرب إليه عز وجل: (وإن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت منه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة) فالإنسان الذي يمشي في طريق الله عز وجل وهو محب ومقبل على الله عز وجل فمستحيل أن يتركه الله سبحانه وتعالى وأن يبعده وقد دنا منه.

    فالعبد يحب الله فيحبه الله سبحانه وتعالى، ويكون حبيباً لله، ويكون له سبحانه وتعالى كما قال: (كنت يده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وسمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه)، فهو ولي الله سبحانه وتعالى، قد أقبل على ربه وأحبه فأحبه الله.

    والطاعات التي يتقرب بها إلى الله: أولها: توحيد الله سبحانه وتعالى وعدم الإشراك به.

    ثانيها: هذا الركن العظيم من أركان الدين: وهو الصلاة.

    ثالثها: فعل جميع الطاعات والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    والأمر بالمعروف يعني: بشرع الله سبحانه الذي بين أن هذا واجب، وهذا مستحب، وهذا حلال، وهذا مباح.

    فلا تأمر إلا بما أمرك الله عز وجل به، وأمر بما ائتمرت به أنت، واللام هنا للجنس، واللام في الأولى أيضاً للجنس.

    الأمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على ذلك

    قال تعالى: وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ [لقمان:17] أي: بجنس المعروف، وبكل ما هو معروف، وبكل ما هو خير وطاعة لله سبحانه، فأمر وأتمر به. وكل ما هو منكر ومبعد عن الله سبحانه فانته عنه وانه غيرك عنه، فتكون النتيجة محبة الله عز وجل لهذا العبد الذي يصلي ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.

    قال الله تعالى: وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ [لقمان:17] فلا بد من البلاء، ولا يظن الإنسان المؤمن أبداً أنه سوف يعيش في الدنيا سالماً من البلاء، فمن المستحيل أن يكون الإنسان مؤمناً ولا يبتلى ولا يختبر، وقد قال الله عز وجل في أول العنكبوت: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [العنكبوت:2]، فلا يمكن أن يكون الإنسان مؤمناً من غير أي بلاء أو فتنة أو اختبار، فإن الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام قد ابتلاهم الله واختبرهم وضيق عليهم، كما قال تعالى: حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ [البقرة:214]، وقال تعالى: حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ [يوسف:110].

    فالرسل جاءت عليهم أوقات عصيبة، واستيأس الرسل وكاد أنيدب اليأس في قلوبهم من إيمان قومهم، وظنوا أنهم قد كذبوا، فإذا بالفتح والنصر يأتيان في هذا الوقت من الله سبحانه، كما قال تعالى: جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ [يوسف:110]، فالله عز وجل بفضله وبرحمته ينجي من يشاء عندما تضيق الأمور على أهلها من المؤمنين.

    إذاً: فلا بد من البلاء، وقد ابتلي النبي صلوات الله وسلامه عليه فلما ابتلي قال: (رحم الله أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر)، فتأسى بمن كان قبله عليه الصلاة والسلام. وقد ابتلي أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام من الخلق، ابتلاهم الله عز وجل بهم -وهم رسل الله وأنبياؤه وأولياؤه وأحب الخلق إليه عز وجل- حتى إن بعض الأنبياء قد قتلوا، فقد قتل زكريا عليه الصلاة والسلام، وقتل ابنه يحيى عليه الصلاة والسلام، وأرادوا قتل المسيح عيسى بن مريم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، قال تعالى: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ [النساء:157].

    ابتلاء النبي صلى الله عليه وسلم

    وقد أرادت اليهود قتل النبي صلوات الله وسلامه عليه، فحينما جلس تحت حائط من حيطانهم أمروا أحدهم أن يصعد فوق الحائط ليرمي عليه حجراً؛ ليقتل النبي صلى الله عليه وسلم.

    وقد أوذي النبي صلى الله عليه وسلم أذى شديداً بالأقوال وبالأفعال، وقد أوذي من الإنس، ومن الشياطين عليه الصلاة والسلام، ثم نصره الله سبحانه، وأيد دينه ورفع ذكره عليه الصلاة والسلام، وأجره على صبره صلوات الله وسلامه عليه.

    وقد كان مرة يصلي فتفلت عليه شيطان وفي يده شعلة من النار أراد أن يحرق بها النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يوماً جالساً صلى الله عليه وسلم على حصير له فإذا بالشيطان يوعز لفأرة فتخطف شيئاً من النار وتأتي وتلقيه الحصير لتحرقه صلوات الله وسلامه عليه.

    ويمسك شيطاناً بيده صلى الله عليه وسلم، ويخنقه وهو يتفلت عليه في صلاته يريد أن يقطع على النبي صلى الله عليه وسلم صلاته، ويتذكر دعوة سليمان عليه الصلاة والسلام: وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [ص:35] فيتركه النبي صلوات الله وسلامه عليه، فهؤلاء شياطين الجن، وأما شياطين الإنس فكان على رأسهم أبو جهل الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم عنه: (هذا فرعون هذه الأمة)، فقد كان يكيد للنبي صلى الله عليه وسلم كيداً عظيماً، وكان عمه أبو لهب يمشي وراءه في الطرقات يشتمه عليه الصلاة والسلام، فيقول: هذا كذاب، نحن أهله أعلم به، كان يمشي النبي صلى الله عليه وسلم في الطريق ليدعو الناس إلى الله عز وجل ووراءه عمه يقول: هذا كذاب، هذا ساحر، هذا كذا، حتى يتفرق الناس عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، وكانت قريش إذا جاء أحد من خارج القبيلة قالوا له: لا تذهب إليه، إنه ساحر، إنه مجنون، إنه كذا، عليه الصلاة والسلام.

    وكانت امرأة أبي لهب حمالة الحطب العوراء أم جميل لعنة الله عليها وعلى زوجها، كانت تقف للنبي صلى الله عليه وسلم لتشتمه، عليه الصلاة والسلام، وكانوا يحرفون اسمه من محمد إلى مذمم، عليه الصلاة والسلام، ويشتمونه ويسبونه عليه الصلاة والسلام.

    هذا مما ابتلي به النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن به هوان على الله عز وجل حتى يبتلى ويشتم صلوات الله وسلامه عليه، ولكن كان له صلى الله عليه وسلم درجة عالية عظيمة عند الله لا ينالها إلا بذلك، وبالصبر على ذلك، فصبر صلى الله عليه وسلم حتى فتح الله عز وجل له ونصره سبحانه تبارك وتعالى، وقد كانوا يكيدون له صلى الله عليه وسلم، ولكن الله يحميه ويحرسه، وإن كان قد يؤذى وقد يناله من التعب ومن النصب، ومن إسالة دمه صلى الله عليه وسلم في حروبهم وقتالهم وغزوهم، ثم بعد ذلك يفتح الله عز وجل له من فضله ومن رحمته، ولما فتحت الدنيا للنبي صلى الله عليه وسلم وانتصر وجاء نصر الله سبحانه، وفتحت مكة في العام الثامن، لم يذهب يحج صلى الله عليه وسلم؛ لوجود المشركين في مكة يحجون بيت الله، وهم يشركون بالله، ويطوفون بالبيت عراة رجالاً ونساءً، فلم يذهب ليطوف مع هؤلاء الكفار المشركين العراة، وإنما أرسل أبا بكر في العام التاسع ينادي: ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، فانتهى الناس، فحج في العام العاشر صلوات الله وسلامه عليه ومعه الجم الغفير من خلق الله الذين وصل عددهم إلى حوالي مائة وثلاثين ألفاً من أصحابه عليه الصلاة والسلام، كلهم يأتمون به، فقد فتح الله عز وجل له القلوب والآذان، فقام يخطب في هذا الجمع العظيم في يوم عرفة، فأسمع الله الجميع خطبته صلوات الله وسلامه عليه، وكانت هذه الحجة الوحيدة التي حجها بعد هجرته صلوات الله وسلامه عليه، ومات بعدها بوقت يسير صلوات الله وسلامه عليه.

    إذاً: لما فتحت له الدنيا، وفتحت له الأسماع والقلوب، انتهت وظيفته عليه الصلاة والسلام، فهو لم يخلق ليجني ثماراً في الدنيا، ولا لينال منها، وإنما خلق كما قال تعالى: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ [آل عمران:144] وقد بلغت الرسالة، فالآن نقبضك، حتى لا تتمتع من الدنيا بشيء، وليكون نصيبك موفراً كاملاً وحظاً عظيماً عند الله سبحانه وتعالى.

    سنة الله في الابتلاء

    إذاً: فأي إنسان يقول: أنا مؤمن صابر على أمر الله ولا يريد أن يأتيه شيء من قضاء الله عز وجل وقدره، ولا يريد أن يأتيه شيء من البلاء، فهو لم يفهم هذا الدين العظيم الذي جاء من عند الله سبحانه، ولم يفهم دين رسل الله، فإن الإسلام أن تسلم نفسك وقلبك وتوجه وجهك إلى الله سبحانه، وتسأل الله سبحانه أن يعينك على الآخرة في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة بين يدي الله عز وجل، ثم ترى مصيرك بعد ذلك إما إلى الجنة وإما إلى النار، فالإنسان المؤمن إذا قام يصلي تذكر هذا الموقف العظيم، فيهيء نفسه للدار الآخرة، وللقيام بين يدي الله عز وجل في هذا اليوم العظيم. ولذلك لم تكن نصيحة لقمان لابنه بادخار الدنيا، أو جمع المال في الدنيا، والعمل لهذه الدنيا، وإنما قال له: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ [لقمان:13]، يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ * يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ [لقمان:16-17].

    وإذا فعلت ذلك فإن الناس سوف يعادونك؛ لأن الناس لا يحبون من ينصحهم ويقول لهم: هذا حرام، وهذا لا يجوز، فإذا ابتليت بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فكن حليماً وحكيماً وعلى علم، وكن لطيفاً مع الخلق، وادعهم إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وحتى وإن كنت على ذلك فلن يرضى عنك الخلق حتى تقول لهم في أخطائهم وفيما هم عليه: أنتم على صواب، فهم لا يحبون النصيحة، وإن تحرص على الناس أن يكونوا مؤمنين فلن تقدر أن تحولهم عما هم فيه إلا أن يعينك الله عز وجل على ذلك، قال تعالى: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف:103]، وقال: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام:116].

    إذاً: لا بد من الصبر، وقد قال ربنا سبحانه وتعالى للمؤمنين: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران:200] فاصبر حتى على نفسك وصابرها واضغط عليها إن تململت، حتى تقوم لله عز وجل في هذه الدنيا بأمر دينه، قال تعالى: اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا [آل عمران:200] فاربط نفسك على طريق الله سبحانه وتعالى مثابراً مصابراً على هذه الطاعة، واتق الله ما استطعت، قال تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، وقال هنا: وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [لقمان:17]، أي: فهذا الأمر الذي يخبرك الله عز وجل عنه من الصبر هو من عزائم الشريعة، ومن الواجبات في هذه الشريعة العظيمة،

    يقول ابن عباس : إن من حقيقة الإيمان: الصبر على المكاره قال تعالى: إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [لقمان:17]. ويقول ابن جريج : أي: مما عزمه الله وأمر به، والمعنى واحد، أي: صبرك على أمر دين الله وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذا مما شدد الله عز وجل فيه، وألزمك به، فاصبر وصابر ورابط، وأمر بالمعروف وانه عن المنكر بكل صورة ووسيلة، حتى يفتح الله عز وجل قلوب الخلق على يديك، فاصبر لأمر الله فإن ذلك من عزم الأمور، أي: مما أمر الله به أمر عزيمة وشدد فيه، فادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا تقل: قد دعوت مرة وانتهى الأمر، وإنما اصبر على ذلك مرةً ومرتين وثلاثاً؛ لعل الله سبحانه يهدي على يديك أقواماً، ولا تدري متى يفتح الله عز وجل لك، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم -وهو الأسوة والقدوة في دعوته وصبره- أنه قال: (لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس)، وعلى كم تطلع الشمس من إنسان ومن حيوان ومن ملك لله عز وجل! فخير لك من أن تأخذ هذا الملك العظيم الذي تطلع عليه الشمس ويكون ملكاً لك أن يهدي الله عز وجل على يديك رجلاً واحداً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا تصعر خدك للناس ...)

    يقول لقمان لابنه: وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [لقمان:18]. التصعير: من الصعر، يقال: هذا الجمل فيه صعر، وفيه صعار، أي: التوت عنقه عندما يصيبه مرض معين من الأمراض في رقبته فتلتوي رقبته وتعوج.

    فهذا مثل وصورة للإنسان المغرور المتكبر الذي يلوي رأسه متكبراً متعالياً معوجاً له؛ لأنه يفكر في نفسه أنه أعظم من غيره، فهذا الصعار الذي تصاب به الدواب هو مرض في الدواب، وهو مرض في قلب هذا الإنسان الذي عوج نفسه عن الخلق وتعالى عليهم، ونسي نفسه، وهو أذل وأحقر ما يكون في هذا الحال، أي: حال استكباره.

    قال تعالى: وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ [لقمان:18]، وهذه قراءة الجمهور، وقرأها نافع ، وأبو عمرو وحمزة والكسائي وخلف : (ولا تصاعر خدك للناس)، والمصاعرة: الميل بالخد، بمعنى: أن يكون أحد خديه عالياً والآخر منخفضاً، فيصعر رقبته على الناس متعالياً مستكبراً، وهذا الإنسان المتكبر يكون أحقر وأذل وأخسر الخلق عند الله سبحانه تبارك وتعالى، ويكفيه خسراناً أن نار جهنم يخرج منها يوم القيامة عنق يصرخ في الناس: وكلت بمن يشرك بالله، وكلت بالجبارين والمتكبرين، وكلت بالمصورين الذين يضاهئون بخلق الله سبحانه. فهو موكل بثلاثة أصناف من الناس منهم: المتكبرون، فيخطفهم من الموقف في القيامة إلى النار والعياذ بالله!

    فليحذر الإنسان من التكبر ومن الغرور، ولا يرى نفسه أنه أعلى من الناس وهو في حقيقته أذلهم، فالإنسان الكريم الطباع الحلو الشمائل الحسن الخلق يرى نفسه أنه مثل الخلق، وأنه ليس بأحسن من أحد، بل قد يكون الناس كلهم أحسن منه، فينظر إلى الناس كذلك، ويتواضع، فكلهم خلق الله سبحانه، وقد هيأ الله كل إنسان لما يصلح له.

    والإنسان المتكبر ما تكبر إلا لأنه يشعر أنه ناقص، فيريد أن يعلو على الغير ويتعالى عليهم من أجل أن يداري العيب الذي فيه، والنقص والهوان الذي يشعر به.

    فتجد الإنسان الجاهل يكلم الناس وكأنه عالم، ويحاول أن يعود لسانه على ذلك حتى لا يعرفوا حقيقته، فهذا الإنسان يشعر بالنقص في نفسه، ويحب أن يداريه بالتعالم على الخلق بكثرة الجدل، وأما الإنسان العالم فلا يجادل؛ لأنه يعرف حقيقة الأمر، ولا يحتاج إلى جدل فيه، وأما الجاهل فهو الذي يريد أن يجادل حتى يري نفسه ويظهرها، من أجل أن يتعالى على غيره.

    ولذلك فهذا الإنسان يستحق أن يكون في النار يوم القيامة؛ لأنه مراءٍ بعمله، ويريد أن يظهر للناس أنه أفضل منهم.

    فهنا يقول لقمان لابنه: وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ [لقمان:18]، أي: لا تستكبر على الخلق، وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا [الإسراء:37]، والمرح المقصود به هنا: الفرح الذي يفرحه الإنسان، ويحس أنه يطير على الأرض، وأنه أحسن من غيره، وأغنى من غيره، وأنه فوق الناس كلهم، فيشعر الإنسان في نفسه أنه مبسوط زيادة، ويمشي يدوس على الناس كلهم ويسير بفرح، ولا يهمه غيره، وإنما يهمه أن يفرح ولو آذى الناس كلهم. وهذه علامة المستكبرين، فلا يراعون حقاً لغيرهم أبداً، ومرحهم فيه الآثر والبطر والطغيان على الخلق، ومجاوزة الحد مع الخالق سبحانه وتعالى، وإذا أعطاهم الله نعمة سلطوها في المعاصي من حشيش ومخدرات وغيرها.

    قال تعالى: كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق:6-7] فهو مرح وفخور بنفسه متعال على الخلق، يريد أن يفرح ويعيش وينسى أن وراءه الموت بعد ذلك. قال تعالى: وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا [لقمان:18] أي: لا تمش تضرب الأرض برجلك، ولا تمش على الأرض مرحاً، فإن عباد الرحمن يمشون على الأرض هوناً، أي: مشياً خفيفاً ومتواضعاً، وليس معنى ذلك أنهم يتماوتون في مشيتهم، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم سريعاً في مشيه، ولكن فيه هدوء وطمأنينة عليه الصلاة والسلام، وفيه إسراع لقضاء حاجته عليه الصلاة والسلام، والمؤمن هين لين، فيه لطف ورفق ومودة للخلق، قال الله عز وجل هنا على لسان لقمان لابنه: وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ [لقمان:18]، أي: لا يحب من يختال بنفسه ويعجب بها ويعجب برأيه، فهذا فيه الخيلاء والكبر، وهو فخور مفتخر بنفسه وماله، وهو بغيض إلى الله.

    نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.