إسلام ويب

قسوة القلوبللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن آفات هذا الزمان وأمراض هذا العصر كثيرة لا تحصى، منها ما هو على الأبدان ومنها ما هو على القلوب والأديان، ومن هذه الأمراض مرض خطير جداً، يجعل الإنسان كالجماد، وهذا المرض هو مرض قسوة القلب، فما هي أعراض هذا المرض وصوره؟ وما هو علاجه؟ هذا ما ستجدونه في طيات هذه المادة.

    1.   

    أعراض قسوة القلب

    إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا،من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً نرجو بها النجاة يوم القيامة يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89] وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده، تركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعد..

    عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    معاشر المؤمنين: آفات هذا الزمان وأمراض هذا العصر كثيرةٌ لا تحصى، فمنها ما هو على الأبدان، ومنها ما هو على القلوب والأديان، والآخر أشد فتكاً وخطراً.

    عباد الله: من هذه الآفات وتلك الأمراض مرضٌ خطيرٌ جداً يجعل الإنسان أصمَّ وأعمى وأبكم من الجمادات، فيا ترى ما هو هذا المرض؟ إنه قسوة القلوب؛ مرض قسوة القلب، لا يكاد أحدٌ يسلم منه إلا ما قل وندر من الصالحين المخبتين المخلصين.

    معاشر المؤمنين: قد يقول البعض: وما هي أعراض هذا المرض حتى نتعرف عليه؟ شخص لنا صفته؟

    أقول أيها الإخوة: قد يكون العليل بهذا الداء أبلغ في وصفه، وقد نكون جميعاً أو بعضنا ممن يعانون هذا الداء، وما أجمل الحقيقة والصراحة يا عباد الله!

    أعراض هذا المرض: أعينٌ لا تدمع، وقلوبٌ لا تخشع، وأبدانٌ لا تشكر؛ يقرأ الواحد منا صفحات تلو الصفحات من كتاب الله جل وعلا فلا يقف وقفةً تنهمر من عينه دمعةٌ أو دمعات خشيةً من كلام الله وبليغ خطابه، بل قد نرى مشاهد كثيرة تهد الجبال الراسيات، ثم نحن بعد هذا نمر بها ضاحكين غير مبالين ولا مستشعرين، أليس هذا مرضاً خطيراً؟ أليس هذا وجعاً فتاكاً؟ بلى يا عباد الله! وإنه إن استمر بعبدٍ من عباد الله، ضيع عليه دنياه وآخرته.

    معاشر المؤمنين: إن كتاب الله جل وعلا لو أنزل على صخرٍ أصم لتفتت ذلك الصخر خشيةً لله، وهيبة لبليغ خطابه، فما بال قلوبنا جامدة قاسية أمام كلام الله، قال تعالى: لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون [الحشر:21] فعسى ألا تكون قلوبنا كمن قال الله فيهم: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة:74].

    عباد الله: إن آيات الله تتجلى علينا كل صباح ومساء، فهل من وقفة تأمل؟ فهل من وقفة تدبر؟ هل من وقفة هيبةٍ واستشعار؟ فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً [الأعراف:143].

    معاشر المؤمنين: إن آيات الله جل وعلا تتجلى أمام أعيننا صباح مساء، فما لهذه القلوب لا تتغير؟! ما لهذه القلوب لا تتحرك سويداؤها؟! ولا تتحرك مشاعرها؟! إننا إذاً مرضى، إننا مصابون، فهلمّ لننظر هذا المرض، وهلمّ لنتدبر أحوالنا، فإن أحوج الناس إلى العلاج من عرف داء نفسه وعرف دواءها، فيلزمه المبادرة في علاجها.

    1.   

    علاج قسوة القلوب

    معاشر المؤمنين: هذه القسوة البالغة التي تتجلى بعض صورها يوم أن نرى جنازةً تمر في الطريق، فيلتفت الإنسان ناظراً إليها، ثم يلتفت إلى يمينه كأنه لم ير جنازة، كأنه لم ير نفساً قطعت عن الحياة بالكلية؛ قطعت عن الخُطى والطعام والشراب، بل قطعت عن أعظم من هذا عن العمل، فقدمت على الحساب، وانقطعت عن العمل، ثم تنشغل نفوسنا عن حال هذه الجنازة... إلى أين يذهبون بها؟

    وفي أي ظلمة يضعونها؟

    ولأي هجرٍ وبعدٍ يتركونها؟

    وما الذي سيوافيها؟ وأي أمرٍ ينتظرها؟ أتنتظرها ملائكة الرحمة؟ أم تنتظرها ملائكة العذاب ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    نحن كثيراً ما نرى هذه الصور، ونرى هذه المشاهد والآيات، ولكننا في غفلة بالغة عن هذا الأمر، أليس ذلك دليلاً على قسوة قلوبنا؟ بلى والله.

    عباد الله: إنها قلوبٌ قاسية، فما علاجها؟ وما دواؤها؟ وما ترياقها المجرب الذي يردها إلى الحق وإلى الله رداً جميلاً؟

    العودة إلى كلام الله (القرآن)

    عباد الله: علاجها عودتها إلى كلام ربها، كلام الله جل وعلا فيه شفاءٌ للصدور، وفيه دواءٌ للقلوب، وفيه علاجٌ لكافة الأمراض الحسية وغيرها، ولكننا نقرأ قراءة اللاهين الغافلين، قد يقول البعض: إن في قلبي قسوة ولا أجد في كتاب الله علاجاً لهذا القلب، نعم قد يحصل هذا لبعض العباد أو لكثيرٍ من البشر، أتدرون ما السبب يا عباد الله؟ إنه فضول النظر، وفضول الكلام، وفضول التحدث في عيوب الناس، ثلاثة أمورٍ تشغل القلب عن حساسيته وشفافيته.

    أما فضول النظر، فإنه يفقدنا الخشوع.

    وأما فضول الكلام، فإنه يبعدنا عن الحكمة، ولا يجعلنا نستلذ أو نستشعر جميل خطاب الله.

    وأما فضول الكلام في عيوب الناس، فإنه يجعل الإنسان مشغولاً لاهياً ناسياً عيوب نفسه، ثم بعد ذلك يشتغل بالخلق من حوله، ويترك نفسه ولهةً في أمَس الحاجة إلى الدواء، ومع ذلك فهو غافلٌ عنها، عسى ألا نكون من الذين نسوا الله فنسيهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    أيها الأحبة: كثيراً ما نقرأ في كتاب الله جل وعلا: لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [آل عمران:190] والألباب: جمع لب؛ واللب: هو القلب: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق:37] كتاب الله جل وعلا كله عظةٌ واعتبارٌ، ودواءٌ وعلاجٌ لهذه القلوب، ولكن قلوبنا كما قال الشاطبي رحمه الله في حرز الأماني:

    وإن كتاب الله أوثق شافعٍ     وأغنى غناء واهباً متفضلا

    وهذا زمان الصبر من لك بالتي     كقبضٍ على جمرٍ فتنجو من البلاء

    ولو أن عيناً ساعدت لتوكفت     سحائبها بالدمع ديماً وهطلا

    ولكنها عن قسوة القلب قحطها أي: ولكن هذه العين التي جمدت أن تجود بدمعة خشيةٍ لله...

    ولكنها عن قسوة القلب قحطها     فيا ضيعة الأعمار تمشي سبهللا!!

    يا ضيعة أيامٍ تضيع علينا أمام المشاهد التي لا ترضي الله، وفي سمع أمورٍ لا ترضي الله، وفي قضاء أمورٍ هي سبب العقوبة والعذاب من الله!! يا ضيعة الأعمار تمشي سبهللا!!

    يا عباد الله: هل من شيءٍ بعد كتاب الله جل وعلا يحرك هذه النفوس القاسية الجامدة، فيجعلها تنشط بعد جمود؟ نعم، هناك أمورٌ كثيرة، وقبل أن ننتقل إليها تأملوا أحوال السلف الصالح رضوان الله عليهم.

    صلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالصحابة صلاة الفجر ذات يومٍ، فقرأ قول الله جل وعلا: فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ [المدثر:8] فأخذ يرددها، ثم رددها، فما جاوزها حتى سقط مغشياً عليه من عظم تأثره بهذه الآية: فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ [المدثر:8] نحن كثيراً ما نقرأ: إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ [الواقعة:1] .. إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق:1] .. إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ [الانفطار:1] كل هذه الآيات الكونية، وهذه المشاهد الغيبية التي سنراها وسنقدم عليها، نتلوها ونسمعها كثيراً، ومع ذلك لا تتحرك القلوب لها، ولا تستشعرها، ولا تتخيل شيئاً ولو قليلاً من أهوالها.

    زيارة المرضى وعيادة المصابين

    معاشر المؤمنين: إن من الأمور التي تعين على تحريك القلوب:

    زيارة المرضى، وعيادة المصابين، فإن في ذلك -أيضاً- كسرٌ لهذه النفس، وتذكيرٌ لها بما هي فيه من الصحة والنعيم والعافية، إن الإنسان إذا كان يمسي ويصبح وهو في نعيمٍ وطعامٍ وشرابٍ وملذات، ولا تجده متذكراً أو زائراً لإخوانه المرضى والمصابين، فإن هذه النفوس تتعود على هذا الشبع والري، وتتعود على هذا النعيم، ثم بعد ذلك لا تود أن تسمع شيئاً اسمه المصابون، أو اسمه المحتاجون، أو اسمه الذين هم في ضنك العيش وقلة ذات اليد، كثيرٌ من الناس حينما تحدثه عن واقع الضعفاء والمنكوبين والمصابين، قال: أرجوك لا تذكرني بأولئك لا تشغل نفسي، ودع قلبي في لذاته وهواه، لا يريد أن يتذكر أحوال أولئك المنكوبين، لأنه تعود على هذه الوتيرة، وعلى هذه الطريقة، فهو لا يريد أن يتذكر شيئاً من أحوال المصابين -ولا حول ولا قوة إلا بالله- ولو علم ذلك المسكين أن تذكره لأحوالهم وزيارته لهم، وتفقده لأمورهم، يشعل في قلبه أموراً ماتت، ويحيي في قلبه جذوراً خمدت؛ لاعتنى بذلك ولعلم أثر تلك الزيارة، فأسأل الله جل وعلا أن يعين قلوبنا وقلوبكم على طاعته، وأن يجعلها مخبتةً خاشعةً بين يديه.

    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم، فاستغفروه من كل ذنبٍ، إنه هو الغفور الرحيم.

    تذكر الموت

    الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، واعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة؛ وكل بدعةٍ ضلالة؛ وكل ضلالةٍ في النار، وعليكم بجماعة المسلمين فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار عياذاً بالله من ذلك.

    معاشر الأحباب: إن مما يعيننا على علاج قسوة القلوب وإعادتها إلى الخشية والخشوع والإخبات هو أن نتذكر الموت، هاذم اللذات، مفرق الأحباب، قاطع النعيم، نتذكر الموت الذي ينقل الإنسان وحيداً بعيداً عن أحب الأحباب وأعز الأقارب والأصدقاء، فينبغي أن نتذكر الموت دائماً، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (أكثروا من ذكر هاذم اللذات) وكان عمر رضي الله عنه يقول: [كفى بالموت واعظاً] تذكر حال نفسك وأنت لا تملك صغيراً أو كبيراً، قليلاًأو كثيراً، والأمر يومئذٍ لله وفي تلك الحال لا ينفعك طبيبٌ ولا حبيبٌ ولا قريب، من تذكر هذه الساعة، وتلك اللحظات التي تتولى الملائكة فيها الفصول الأخيرة من هذه الحياة؛ فتنـزع الروح من أصابع القدم إلى أمشاط القدمين، فتبرد السيقان بعد أن تمر الروح بها، ثم يهمل الفخذان، ثم تصعد الروح إلى التراقي، ثم يسمع للعبد حشرجةٌ ويسمع لصدره قعقعة، فما هي إلا لحظات حتى يرتفع بصره والبصر يتبع الروح من حيث خرجت.

    إذاً: يا عباد الله! من تأمل هذه اللحظة ومن تذكرها في كل حالةٍ من حالاته، فإنه لا يجرؤ على معصية الله، وإن وقع في معصيةٍ فذكر هذه الحال، فإنه سرعان ما يقلع، سرعان ما يئوب ويتوب، سرعان ما ينقلب إلى ربه خاشعاً تائباً.

    إذاً: يا عباد الله! تذكروا الموت دائماً، فإن الحياة دارٌ قصيرة، وإنما بعد الموت هي دار الخلود، فليس بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار، ثم بعد ذلك يقال لأهل الجنة في الجنة: يا أهل الجنة! خلودٌ ولا موت، ويا أهل النار! خلودٌ ولا موت، فاسألوا لأنفسكم الخلود الطويل في النعيم المقيم.

    حضور حالات الاحتضار

    معاشر المؤمنين: إن بعض الناس قد لا تجدي هذه الأسباب في علاج قسوة قلبه، فإليه سبباً قد يكون معيناً بإذن الله في علاج قسوة قلبه، أتدرون ما هو يا عباد الله؟ هو أن تحضر رجلاً يجود بنفسه، أن تشهد وفاة رجلٍ في الرمق الأخير من حياته، أن تشهد رجلاً يحتضر، فإذا أعانك الله وأخذت تلقنه الشهادة وأنت تنظر إليه، وتعرفه؛ تعرفه بأيامه وصحته، وبنشاطه وبتجارته وبأعماله، وأنت واقفٌ على رأسه تلقنه تقول له: يا فلان بن فلان قل لا إله إلا الله، وأنت تنظر ذلك البدن الطويل، وذلك الجسم القوي، وذلك اللسان الفصيح، وتلك الأيدي الباطشة، وتلك الأرجل القوية، تعالج وتنازع وتجاهد نفسها في النطق بشهادة لا إله إلا الله، إن ذلك يا عباد الله! حريٌ بأن يكسر قسوة القلوب، وجمودها، ثم بعد ذلك لا تطرد هذه الصورة عن مخيلتك، فإنك إذا دعتك نفسك إلى شهوةٍ أو إلى غفلةٍ أو إلى معصية من معاصي الله سبحانه وتعالى تذكرت ذلك الرجل الذي وقفت عند رأسه وأنت تلقنه الشهادة، وتذكرت ذلك الذي لا يملك لنفسه شيئاً قليلاً ولا كثيراً، فهذا يدعوك إلى أن تئوب وتتوب.

    قيل لبعض السلف : [بلغت عمراً طويلا ما عرفنا عنك معصية وما وقعت في خطيئة! قال: أما ذلك فبيني وبين ربي، ألا وإني إذا همت نفسي بمعصية، فإني أتذكر الموت وأخشى أن يقبض الله روحي وأنا عليها].

    نعم يا عباد الله: إن من تذكر الموت وأنه يفاجئ أصحابه مفاجئة، فإنه -يا عباد الله- لا شك يقلع عن المعاصي خشية أن تقبض روحه وهو على حالٍ مقارفة الذنب والمعصية، فما حال الذين يموتون سكارى؟ فما حال الذين يموتون غافلين؟ فما حال الذين يموتون وهم في بلاد الغرب بين أحضان البغايا؟ فما حال أولئك الذين يموتون وهم منشغلون في الربا، وهم منشغلون بالمكاسب الباطلة والحرام؟ ما حال أولئك الذين يموتون في محلات بيع الأفلام الخليعة؟ والأشرطة الماجنة؟ إن لم يتدارك الله الجميع برحمةٍ منه، فيا سوءة الأعمار! ويا ضيعة النفوس حين الفزع الأكبر، والهول العظيم أمام الله!

    اتباع الجنائز ومشاهدة الدفن

    معاشر المؤمنين: إن اتباع الجنائز وشهود دفن الموتى لمن الأمور التي تساعد الإنسان على تكسير وتفتيت وإذابة قسوة القلب، فإذا وفقك الله وكنت تابعاً لجنازة من الجنائز، فاجتهدت أن تكون من الذين يضعونها بأيديهم في القبر، ثم اجتهدت أن تكون من الذين يضعونها في مقامها الأخير، وفي مثواها الأخير؛ في اللحد الضيق، ثم أخذت لبنةً تصفها على هذا الميت، وأخذت طيناً ليناً لتسد منافذ الهواء والنور والبصر، لتسد كل منفذ صغيرٍ وكبيرٍ على هذا الميت، فإنك بعد ذلك يصيب نفسك شيء من الانكسار والإخبات والخشوع لله سبحانه وتعالى بأنك تتذكر هذا الصندوق الصغير، وهذا القفل الصغير الذي وضعت أنت بيدك هذا الميت فيه، وسيأتي يومٌ على كل واحدٍ منا يوضع فيه:

    بينا يرى الإنسان فيها مخبـراً     حتى يرى خبراً من الأخبار

    اليوم نقول: فلان بن فلان انتقل إلى رحمة الله ومرضاته، وغداً يقولون: فلان بن فلان؛ عني وعنك وعن الثالث والخامس والعاشر، فلان بن فلان انتقل إلى رحمة الله ومرضاته إن شاء الله، فإذا تذكرت هذه الحال وأنت تدفن إخوانك، وفلذات أكبادك، وأعز أحبابك وأصدقائك، هل هناك أعز عليك من أبيك وأمك؟ لا والله. ثم بعد ذلك أنت أحب الناس إليها، فتضعها في هذا اللحد وتغلق عليها هذا القبر، فيأتي ولدك أو أخوك أو أبوك أو قريبٌ لك ويضعك في هذا المثوى، فكما فعلت سيفعل بك، وهي سنة الله جل وعلا في الحياة، فلنقدم على الله بصدق، ولنجتهد بالاستعداد، اللهم إنا نسألك الاستعداد قبل الموت، والاستدراك قبل الفوات.

    1.   

    هدي النبي صلى الله عليه وسلم عند حضور الجنائز

    معاشر المؤمنين: ينبغي أن ننتبه لهذه الأمور، فمن وجد في قلبه قسوة، فليبادر إلى علاج القلب، فليصل في الجامع الكبير وليشهد جنازتين أو ثلاثاً، إن الإنسان إذا اشتكى من وجع سنه، أو اشتكى من وجع رأسه، أو أنملةٍ من أنامله، ذهب إلى العيادات والأطباء ليعالج هذا المرض الذي حل به، إننا بحاجةٍ إلى أن نعالج القلوب بمجالس الذكر، بكثرة تلاوة كتاب الله، وبتدبر آيات الله، وبمشاهدة المحتضرين، وبعيادة المرضى، وبشهود الجنائز، وبوضع الموتى في لحودهم، ينبغي أن نعالج هذه القلوب حتى تقدم على الله سليمة، ثم بعد ذلك -يا عباد الله- اعلموا أن الشيطان يجتهد ما استطاع في صرف الإنسان عن هدفه في علاج نفسه، فإن كنت شاهداً جنازةً من الجنائز، وإن عينك لتكون مغرورقةً بالدموع من شدة هذا الهول الذي رأيته، لكن الشيطان يأتيك يقول: هذا جزع وهذا فزع، وهذه نياحةٌ وهذا ندب، كلا والله إذا كانت هذه الدموع تنزل من عينيك ولم يكن في ذلك اعتراضٌ ولا سخطٌ ولا جزع، بل هي رحمة، بل هي عبرة، بل هي عظة، فأطلق لعينك همير دموعها، واجعل هذه الدموع تنهمر على خديك، وتذكر أنك بكيت من خشية الله، تذكر أنك بكيت من هيبة الله سبحانه وتعالى، وإن نبيكم صلى الله عليه وسلم؛ وهو أقوى الخلق، وأعرف الخلق، وأخشع الخلق لربه، بكى لما شهد مشاهد كهذه؛ لما مرض سعد بن عبادة رضي الله عنه، وعاده النبي صلى الله عليه وسلم، فبكى النبي صلى الله عليه وسلم وبكى القوم، فقال صلى الله عليه وسلم: (ألا تسمعون؟ ألا تسمعون؟ إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا أو يرحم وأشار إلى لسانه) متفق عليه.

    وجاء عن أسامة بن زيد رضي الله عنه (أنه صلى الله عليه وسلم: رفع إليه ابن ابنته وهو في الموت، ففاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدموع، فقال له سعد: يا رسول الله ما هذا؟ فقال: رحمةٌ جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء) متفق عليه، ولما دخل صلى الله عليه وسلم على ولده إبراهيم وهو يجود بنفسه، فجعلت عيناه صلى الله عليه وسلم تذرفان، فقال له عبد الرحمن : وأنت يا رسول الله! فقال: (يا بن عوف! إنها رحمة، إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون) فاعتبروا يا عباد الله! بهذه الأحوال، وأطلقوا لعيونكم دموعها في مثل هذه المواقف من غير ندبٍ ولا نياحةٍ، بل اجعلوا ذلك عظةً وعبرةً من أنفسكم لأنفسكم:

    يا غافلاً عن العمـل     وغره طول الأمل

    الموت يأتي بغتة     والقبر صندوق العمل

    عباد الله: كل واحدٍ منا يتذكر يوم أن ولدته أمه، يوم أن ولد على ظهر هذه الحياة، الناس حوله متضاحكين سروراً، إذاً أنت الذي يوم أن ولدتك نزلت صارخاً باكياً إلى هذه الدنيا:

    أنت الذي ولدتك أمك باكياً     والناس حولك يضحكون سرورا

    فاربأ بنفسك أن تكون إذا بكوا     في يوم موتك ضاحكاً مسرورا

    اللهم إنا نسألك السعادة والسرور عند لقائك، اللهم اجعل خير أيامنا يوم لقائك، اللهم اجعل خير أعمالنا خواتمها، اللهم اجعل قلوبنا خاشعةً مخبتةً منكسرةً لك يا رب العالمين.

    اللهم إنا نعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن أعينٍ لا تدمع، ومن دعاء لا يسمع ولا يرفع.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم أبطل كيد الزنادقة والملحدين، اللهم من أراد بنا سوءاً، اللهم من أراد بولاة أمورنا فتنة، اللهم من أراد بعلمائنا مكيدة، اللهم من أراد بشبابنا ضلالة، اللهم من أراد بالفتيات والنساء في مجتمعنا اختلاطاً في التعليم والوظائف، اللهم أرنا فيه عجائب قدرتك، اللهم أرنا فيه يوماً أسود كيوم فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف، اللهم افضحه على رءوس الخلائق، اللهم من أراد بهذه النعمة والنعيم، والأمن والطمأنينة التي نحن فيها انقلاباً وتغيراً وزعزعة بخبث تخطيطه وكيده، اللهم فاردد كيده في نحره، واجعل الدائرة على رأسه وحزبه بقدرتك يا جبار السماوات والأرض، اللهم اهد إمام المسلمين، اللهم أصلح بطانته، اللهم أصلحه وأصلح بطانته وإخوانه وأعوانه، اللهم اجمع شملهم على كتابك وسنة نبيك، اللهم لا تشمت بهم حاسداً، اللهم لا تفرح عليهم عدواً، اللهم سخر لنا ولهم ملائكة السماء برحمتك، وجنود الأرضين بقدرتك، بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين، اللهم لا تدع لأحدنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا مريضاً إلا شفيته.