إسلام ويب

تفسير سورة النمل [67 - 75]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أنكر كفار قريش والعرب البعث بعد الموت، وادعوا أن هذا مما وعد به آباؤهم الأولون، وأنه من الأساطير المكذوبة، وقد أمرهم الله أن يسيروا في الأرض حتى ينظروا كيف كان عاقبة أمثالهم من المجرمين الذين كذبوا رسل الله، وخوفهم بأنه قد يكون اقترب منهم عذاب الله الذي يستعجلونه، ولكن من فضل الله على الناس أنه لا يعاجل بالعقوبة من عصاه، عسى أن يتوب ويرجع إلى مولاه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقال الذين كفروا أئذا كنا تراباً وآباؤنا أئنا لمخرجون)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة النمل:

    وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ * وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ * وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [النمل:67-75].

    قوله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ [النمل:67].

    يخبرنا الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات عن تكبر الكفار وإنكارهم أن الله يعيد الخلق كما بدأه أول مرة، فقالوا مستنكرين للنبي صلى الله عليه وسلم:

    أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ [النمل:67]، أي: أئنا لمبعوثون، فكانوا يستنكرون ذلك وقد أعماهم الله عز وجل عن التفكر في أن الله هو الذي خلقهم أول مرة، وقد أقروا على ذلك بأنفسهم، وشهدوا أنهم مخلوقون، وأن الله هو الذي خِلقهم، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف:87]، فالله عز وجل قد خلقهم، وأرسل رسولاً إليهم ينبئهم أنهم مبعوثون ومسئولون ومحاسبون، وأن مصيرهم إما إلى الجنة وإما إلى النار، فأنكروا حتى لا يكلفهم ربهم سبحانه، وحتى لا يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأفعال لا يريدون فعلها، فلذلك استنكروا وقالوا: هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ [ق:2-3]، أي: بعد أن نكون تراباً أنرجع مرة أخرى؟ هذا مستحيل.

    وما وجه الاستحالة فيها إذا كان الله هو الذي خلقكم من عدم، وجعلكم تراباً وأوجدكم بهذا الخلق الذي تقرون به؟ وكيف تنكرونه وتتعجبون من أن يعيدكم الله مرة أخرى، وهو على كل شيء قدير؟

    هنا يقول سبحانه: أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ ، هل نخرج ونبعث ونحاسب مرة أخرى؟ هذا بعيد.

    إن السبب في إنكارهم البعث هو: الأماني، فالإنسان عندما يحب أن يعمل المعصية، يتعامى ويتغافل عن الدار الآخرة، ولا يريد أن يذكره أحد بالبعث، أو الجنة والنار.

    والكافر يريد أن يأكل ويشرب، ويأتي ما يشتهي من شهوات باطلة، ثم لا يسأله ولا يحاسبه أحد، فإذا ذكر بالآخرة، لا يريد أن يذكرها، فإذا قلت له: لا تفعل هذا وهو يريد أن يفعله، تغافل عن الدار الآخرة.

    فاستنكروا على النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:5]، مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ [ص:7]، وأي ملة هذه التي لم يسمعوا بها، وقد كان قبلهم النبي عيسى وموسى وإبراهيم ونوح وآدم عليهم السلام؟ فكلهم أخبروا العباد بأنهم ميتون، ومبعوثون إلى ربهم، وحذروهم من بطش ربهم سبحانه وتعالى.

    أي ملة هذه التي يقولها هؤلاء الكفار، ويتكلمون عنها؟ وما الذي بأيديهم من آثار ومن علم حتى يزعموا ذلك؟ إنهم كذابون، وكما يقال: رمتني بدائها وانسلت، ومع ذلك يقولون عن النبي صلى الله عليه وسلم: ساحر كذاب، فيختلفون الكذب ثم يرمون به النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.

    فقال الله تعالى هنا: أَئِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَاؤُنَا [النمل:67]، فقد نظروا إلى أنفسهم وقالوا: نحن الآن على قيد الحياة، وآباؤنا أموات، فيذهب أحدهم إلى قبر، ويأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم برأس محطم لإنسان ميت، من زمن بعيد ويفتته بيده، ويقول له: أتزعم أن ربك يبعث هذه مرة ثانية؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (يبعثها ويدخلك النار)، جزاء تكذيبك أيها الإنسان! فالله يحيي العظام بعد أن تكون رميماً.

    قوله تعالى: أَئِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ [النمل:67]، إذا جاء الاستفهام بهذه الصورة: (أَئِذَا)، و(أَئِنَّا) ففيه قراءات، فيقرأ هذه الآية نافع وأبو جعفر بالإخبار في الأولى، والاستفهام في الثانية، فتكون القراءة: (إذا كنا تراباً وآباؤنا أئنا لمخرجون)، وعلى الوجوه التي يقرءون بها بالتسهيل وبالمد فيها، فـقالون عن نافع يقرأها: (إذا متنا وكنا تراباً آئنا لمخرجون)، فيمدها، وكذلك أبو جعفر يمد في الثانية (آئنا) ويسهل فيها (أئنا).

    يقرأها ورش كما يقرأها نافع وأبو جعفر ، ولكن بدون مد فيقول: (إذا متنا وكنا تراباً أئنا لمخرجون).

    ويقرأها ابن عامر والكسائي بالعكس في ذلك، فيستفهم في الأولى ويخبر في الثانية، فيقول: (أَئِذَا متنا وكنا تراباً إننا لمخرجون)، وعلى أصول ابن عامر سيقرأها ابن ذكوان : (أئذا متنا وكنا تراباً إننا لمخرجون)، وهشام يقرأ بالمد فيها: (آئذا متنا وكنا تراباً إننا لمخرجون)، وباقي القراء يقرءونها بالاستفهام في الاثنين: (أئذا) و(أئنا)، وهو على أصولهم، فـأبو عمرو وابن كثير يقرؤها: (أئذا متنا وكنا تراباً أئنا لمخرجون).

    إذاً: باقي القراء يقرؤنها بالتحقيق في الهمزتين: (أئذا) (أئنا).

    فهنا استفهام استنكاري من الكفار، يستنكرون كيف يموتون ويكونون تراباً، وعظاماً، ثم يرجعون مرة ثانية، إن هذا لرجع بعيد.

    وقوله تعالى: لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ [النمل:68].

    وذكر في سورة المؤمنون أيضاً: لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ [المؤمنون:83]، والقرآن يتفنن في السياق، فهنا يذكر بصيغة وهناك يذكر بصيغة، أخرى، فيقدم ويؤخر سبحانه وتعالى بما يتناسب مع السياق القرآني.

    فقدم (هذا) هنا، وقال: لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا أي أنهم قالوا: إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم جاء يعدنا بأنا سنبعث مرة أخرى، فإن آباءنا من قبل قيل لهم ذلك، ولم نر أحداً منهم بعث، فكأنهم ينظرون إلى الدنيا ويقولون: أين أجدادنا؟! لم لم يبعثوا؟! فهم يريدون من الله أن يميتهم ويبعثهم أمامهم حتى يؤمنوا بذلك.

    قوله: (إِنْ هَذَا) أي: الوعد والكلام، إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ، والأساطير: جمع أسطورة، والأسطورة: الكلام الخرافي المكتوب، أي: هذه خرافات قديمة كان يقولها السابقون، فهذا كله من أساطيرهم وخرافاتهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين)

    قوله تعالى: قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ [النمل:69] أي: كما أجرمتم أنتم انظروا إلى السابقين كيف أجرموا، وماذا كانت عقوبتهم، وكيف كانت عاقبتهم، فينظرون ويسيرون شمالاً وجنوباً، ففي الشمال يسيرون إلى أرض كان فيها ثمود قبل ذلك في حجر ثمود، وهم يعرفونه تماماً، ويسيرون إلى فلسطين، فيأتون إلى قرى قوم لوط وينظرون كيف صنع بهم؟! وكيف أهلكهم الله؟! وهم كانوا يعرفون ذلك، فالله عز وجل يقول: قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ، أي: انظروا الذين كذبوا من قبلكم كيف صنعنا بهم، لقد توعدتهم رسلهم بعقوبة من عند الله وجاءتهم العقوبة والعذاب، وسيروا جنوباً وانظروا أين ذهب قوم عاد، لقد أهلكهم الله وأزالهم، فما ترى لهم من باقية.

    يقول سبحانه للنبي صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء: امشوا، وسيروا في الأرض فانظروا واعتبروا، كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ، والعاقبة: هي النتيجة، وهي ما يعقب الشيء، فهؤلاء أجرموا، فسيروا وانظروا كيف أهلكهم الله سبحانه وتعالى وجعلهم آية، وكيف كانت نتيجة إجرامهم.

    وقوله: الْمُجْرِمِينَ أي: المكذبين لرسلهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون)

    يقول الله تعالى: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ [النمل:70].

    يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ؛ لأنه كان يحزن من إجرامهم، وكفرهم، وكان يود لو أنهم أسلموا، فكان حزنه شديداً صلوات الله وسلامه عليه، فالله سبحانه يصبره ويطمأنه، ويقول له: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا [الكهف:6].. لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [الشعراء:3]، أي: لا تهلك نفسك عليهم، إنما عليك أن تبلغ، ولكن لا تحزن حتى تميت نفسك على هؤلاء، فهم لا يستحقون ذلك.

    قوله: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ فيها قراءات: قراءة الجمهور عَلَيْهِمْ بكسر الهاء، ويقرأها حمزة ويعقوب : (عليهُم) بضم الهاء.

    وقوله تعالى: وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ أي: لا يكن صدرك ضيقاً بسبب مكر هؤلاء.

    وفيها قراءات: قراءة الجمهور: (ضَيْقٍ)، بفتح الضاد، وقراءة ابن كثير : (ضِيق) بكسرها، فإذا قرأها كلها يقول: (ولا تحزن عليهمُ ولا تكن في ضِيق مما يمكرون).

    فالله عز وجل يصبر النبي صلى الله عليه وسلم ويقول له: لا تحزن ولا يضق صدرك بما يمكر هؤلاء، فمهما مكر المستهزءون فنهايتهم إلى الله عز وجل ليجازيهم، وذلك في الآخرة أو أنه في الدنيا سيعاقبهم بعذاب من عنده، فيهلكهم كما أهلكهم في يوم بدر وغيرها، فلا تكن في ضيق من مكرهم واستهزائهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويقولون متى هذا الوعد ... قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون ...)

    قوله تعالى: وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [النمل:71]، أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم كلما قال لهم -يخوفهم بيوم القيامة-: اتقوا الله، وخافوا يوم الحساب، يقولون: متى يوم الحساب؟ إنك تتوعدنا به وبأنه قريب، ولكنا لا نرى مما تتوعدنا به شيئاً، وكيف تقول إن الله يقول: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ [النحل:1]، ولم يأت أمر الله هذا؟ إذاً: فالله عز وجل يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: إنهم يقولون لك: مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ، وهم ينتظرون جواباً منه صلى الله عليه وسلم، فالله عز وجل يقول جواباً على سؤالهم: قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ [النمل:72]، أي: لماذا تستعجلون؟ فعسى أن يكون بعض ما تستعجلونه، وربما أتاكم ما توعدون قريباً وقد كان ذلك، فـأبو جهل وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وغيرهم يوم بدر كانوا كلهم صرعى، فألقاهم المسلمون في قليب بدر، ووقف النبي صلى الله عليه وسلم على هذا القليب ينادي على هؤلاء الكفار: أن جاءكم ما توعدون.

    وقوله: قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ ، أي: قد اقترب منكم بعض الذي تستعجلون من العذاب، و(رَدِفَ) بمعنى: تبع أو أتبع، فكما يقولون: فلان رديف لفلان، أي: آت بعده، فالمعنى: أن الموت آت بعدكم مباشرة، فلا تستعجلوه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإن ربك لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون)

    قال الله تعالى: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ [النمل:73]، أي: أن نعم الله عظيمة، والنبي صلى الله عليه وسلم لعله ضاق صدره من هؤلاء الكفار، ومن أذاهم له، فقال له الله عز وجل: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ، فلا تستعجل، لعل الله عز وجل يتفضل على بعض هؤلاء، فيؤمنوا ويدخلوا في دينك، وبالفعل فقد أسلم كثير من هؤلاء الكفار، سواء قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم كـعمر بن الخطاب رضي الله عنه، أو بعد هجرته ثم هاجروا إليه، أو بعد ما فتحت مكة، وحسن إسلامهم، كـأبي سفيان الذي كان شيخ قريش في الجاهلية، وكان من أشد الناس أذى للنبي صلى الله عليه وسلم ولمن معه من المؤمنين، ثم أسلم بعد ذلك، وحسن إسلامه رضي الله تعالى عنه.

    فربنا يقول: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ، فمن فضل الله عز وجل على الناس أن جعل درجات عالية في الجنة، لا ينالها الإنسان بعمله فقط، ومهما عمل فلن يصل إليه، ولكن الله يرفعه إليها بالابتلاء والصبر، فالنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون يصبرون، -والصبر لا يكون إلا على البلاء، أو الجهاد في سبيل الله سبحانه- فيرفعهم الله بهذا الصبر درجات.

    إن الله خلق العباد فمنهم كافر ومنهم مؤمن، وأفعال الله عز وجل كلها خير، خلق الكافر وهو شر، ولكن وجوده خير للمؤمن، ليدعوه إلى دين الإسلام، فإما أن يستجيب فيحصل على الأجر العظيم، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس) أو أنه لا يستجيب، فيحارب ويقاتل المسلم فيقتل المسلم فيكون شهيداً، أو يغلب المسلم فيكون له الأجر عند الله والغنيمة، فكل أفعال الله عز وجل خير لو تفكر الإنسان.

    يقول الله سبحانه: وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ ، أي: يتناسون نعم الله، وقد ذكرنا بهذه النعم في الآيات السابقة.

    قوله تعالى: وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ أي: أكثر الناس، لا يَشْكُرُونَ ، نعم الله عز وجل عليهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون)

    قال تعالى: وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ [النمل:74]، أي: أن الله يعلم ما تكن صدور الناس، من إيمان، أو كفر، أو نفاق، أو مكر، أو استهزاءٍ، أو استهانة، أو تدبير يدبرونه، أو حب لله، أو بغض للمؤمنين.

    وقوله تعالى: وَمَا يُعْلِنُونَ أي: من أقوال وأفعال، فيجهرون بها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين)

    ثم يقول الله سبحانه: وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [النمل:75]، هذا أسلوب حصر وقصر، والمعنى: لا يمكن أن يفوت الله سبحانه وتعالى شيء في السموات ولا في الأرض، فكل شيء غاب عن الخلق في السموات والأرض فإن الله عز وجل يعلمه، سواء كان صغيراً أو كبيراً، أو دقيقاً أو حقيراً أو عظيماً، فكله يعلمه الله سبحانه.

    وقوله تعالى: وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ أي: ما من شيء يغيب في السموات ولا في الأرض، وعبر عنها بكلمة: (غائبة) وكأنها صفة لمحذوف تقديره: (خصلة)، أو أي شيء غائب، فعبر عنه بذلك، والتقدير: ما من خصلة في السموات والأرض تغيب عن الخلق إلا والله عز وجل قد علمها، وأثبتها في كتاب مبين عنده.

    وقوله: (مُبِينٍ)، بمعنى: بين ظاهر، وهذا الكتاب هو اللوح المحفوظ عند الله عز وجل، مكتوب فيه كل شيء، ويظهر يوم القيامة كل ما فيه.

    نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.