إسلام ويب

تفسير سورة النمل [20 - 31]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد كان سليمان يتفقد جنوده مع كثرتهم الكاثرة، حتى إنه كان يتفقد جنوده من الحيوانات كذلك، ومنهم الطير، وكان يعاقب من يغيب بغير علمه حتى يرتدع عن ذلك هو وغيره، وفي هذا دليل على أنه ينبغي على الملك أو الأمير أن يتفقد من تحت يده.

    1.   

    وراثة سليمان للنبوة والملك من داود

    الحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل:

    وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ * أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ * قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ [النمل:20-31].

    لقد ذكر الله عز وجل في هذه السورة قصة داود وسليمان ، وكيف أن الله سبحانه من عليهما، وآتهما علماً، قال سبحانه: وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا [النمل:15]، وحمدا الله سبحانه وتعالى أن فضلهما على كثير ممن خلق من عباده، قال تعالى: وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ [النمل:15].

    ثم قال: وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ [النمل:16]، وداود هو الأب عليه الصلاة والسلام، فورث سليمان منه النبوة والملك دون باقي إخوته، فكان نبياً وملكاً، بل من أعظم ملوك الأرض ملكاً.

    فملك الأرض جميعها، فكان يتوجه حيث يريد بأمر الله سبحانه وتعالى، فقد سخر له الريح، والطير، والإنس والجن، وأعطاه ملكاً عظيماً لم يعطه أحداً من العالمين.

    وكان سليمان قد دعا ربه سبحانه: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [ص:35]، فاستجاب له ربه، وأعطاه ملكاً لم يكن لأحد من بعده.

    ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم في مرة من المرات وهو يصلي تفلت عليه شيطان، فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يمسكه، ويخنقه حتى كاد أن يربطه في سارية من سواري المسجد ليلعب به الصبيان في الصباح، ثم تذكر دعوة سليمان: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [ص:35] فتركه النبي صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: دعوة سليمان هي أن الله عز وجل يسخر له أشياء لا تكون لأحد من بعده.

    قال الله عز وجل: وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ [النمل:17]، فلقد ملك سليمان الدنيا عليه الصلاة والسلام، وآتاه الله عز وجل هؤلاء الجنود، من الجن والإنس والطير: فَهُمْ يُوزَعُونَ [النمل:17] يعني: لكثرتهم العظيمة جداً، يحتاجون لمن يقودهم، ومن يكفهم، ومن يرتبهم، ومن ينظمهم، ومن يسيرهم، ومن يوقفهم، فيحتاجون لمن يوزع هؤلاء، فقال سبحانه: فَهُمْ يُوزَعُونَ [النمل:17] يعني: يوجد لهم من قوادهم من يزعونهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد ...)

    قال سبحانه: وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ [النمل:20] أي: تفقد سليمان في يوم من الأيام الطير، فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ [النمل:20]، وكأنها سنة يعلمها الله عز وجل لولاة الأمور، فلابد أن يتدبروا وأن ينظروا في ملكهم، وفي أحوالهم، وفي شعبهم، ويتفقدوا الغائب من جندهم، فالهدهد من ضمن جند سليمان عليه الصلاة والسلام.

    وتفقد الشيء أي: طلب ما غاب منه، وأصله: من الفقدان، وفقد الشيء أي: غاب عنه الشيء فلم يجده.

    وتفقده: بحث عن هذا الشيء الغائب.

    فنظر في الطير ليعلم أن كلهم موجودون، مع أن الطير من أصغر جنود سليمان، ومع ذلك كان يتفقد الطير، ومعناه: أنه لن يترك الإنس والجن، إذاً: فهو يتفقد جميع جنوده.

    قال سبحانه: فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ [النمل:20]، والأصل: أن يقول: ما له؟ أين هو؟ فكأنه يعجب من نفسه، ويقول: كيف ضاع مني الهدهد؟ كيف أفلت هذا الهدهد؟

    مَا لِيَ [النمل:20] أي: عجباً لأمري، مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ [النمل:20]، أي: هل هرب الهدهد أم لم أتنبه له؟ فإذا كان قد هرب من حراسة سليمان فسنأخذ عقوبته.

    وقراءة ابن كثير وابن هشام وعاصم والكسائي : مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ [النمل:20]، وباقي القراء يقرءونها: ما لِيْ لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين ، على اختلاف بينهم في (أرى) عند الوقف والوصل.

    فـورش إذا وقف عليها يقول: أرى بالتقليل، وأما حمزة والكسائي وأبو عمرو فيقرءون (أرى) بالإمالة عند الوقف عليها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لأعذبنه عذاباً شديداً ...)

    قال الله سبحانه: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ [النمل:21]، هنا الحزم، فالملك لابد أن يكون حازماً، ولو أنه ترك الصغار وشأنهم لاستهانوا به، واستهان به الكبار.

    ولذلك سليمان عليه الصلاة والسلام لم يفوت للهدهد غيابه عن مجلسه.

    قال: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا [النمل:21]، فبدأ بالعقوبة الشديدة، أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ [النمل:21]، أو يعتذر، لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ [النمل:21]، يعني: بعذر بين، وحجة تنفعه فينجو بها من العذاب والعقوبة.

    قال: أَوْ لَيَأْتِيَنِي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ [النمل:21]، وهذه قراءة الجمهور.

    وقراءة ابن كثير : ليأتينني بسلطان مبين أي: بحجة بينة واضحة نعذره بها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به ...)

    قال تعالى: فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ [النمل:22]، قوله: فَمَكَثَ ، إما أن سليمان مكث فترة ثم بعد ذلك ظهر له الهدهد، أو أن الهدهد طالت غيبته فترة ثم ظهر بعد ذلك.

    وقراءة عاصم والكسائي وخلف : مَكَثَ.

    وقراءة باقي القراء: فمَكُثَ غير بعيد قال الله تعالى: فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ [النمل:22]، لقد ظهر الهدهد وجاء إلى سليمان وقال مفتخراً على سليمان: أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ [النمل:22]، يعني: إذا كنت تبحث عني فإني قد اطلعت على شيء لا تعلمه أنت، والعلم فخر لصاحبه، وهذا هو عذره الذي أفلت بسببه من الذبح ومن التعذيب.

    أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ [النمل:22]، يعني: دريت وعلمت علم إحاطة بأمر لا تعرف عنه شيئاً، مع أنك في الشام واليمن قريبة منك، وهو يحصل في اليمن، وهو أنهم يعبدون غير الله سبحانه.

    وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ [النمل:22]، وسبأ: بلدة في اليمن، وهي إما أنها: اسم رجل فتكون على ذلك مصروفة، كما هي قراءة الجمهور: وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ [النمل:22].

    وإما أنها: اسم بلدة فتمنع من الصرف للعلمية والتأنيث الذي فيها؛ ولذلك يقرأها البزي وأبو عمرو : وجئتك من سبأَ بنبإٍ يقين على المنع من الصرف، ويقرأها قنبل عن ابن كثير : وجئتك من سبأْ بنبإٍ يقين، ففيها ثلاث قراءات.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إني وجدت امرأة تملكهم ...)

    قال الله تعالى: إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل:23]، وانظر هنا! فهو لم يأته بخبر ظن، ولم يسمع من أحد، وإنما رأى بنفسه هذا الشيء، فما الذي رآه الهدهد؟

    قال: إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ [النمل:23] أي: أنت رجل تحكم البلد، وهم تحكمهم امرأة، وتملكهم أي: هي ملكة عليهم.

    قال: وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [النمل:23]، يعني: أن الله عز وجل أعطاها من كل شيء، وهذا من العام المخصوص بالحس، أو من العام الذي لا يراد عمومه، وإنما يراد الخصوص الذي فيه، يعني: أن الله آتى هذه المرأة من كل شيء يجوز لمثلها أن تمتلكه وأن تكون ملكة عليه، لكن ليس كل شيء أعطاها، فهو لم يعطها شيئاً من الجنة مثلاً، ولكن أعطاها من الدنيا ما يليق بمثلها، إذاً: فكل من ألفاظ العموم، يقول: كُلِّ شَيْءٍ [النمل:23]، ولكن هنا لا يراد بها العموم، وإنما يراد بها العموم المخصوص بالحس.

    والحس: هو أن الإنسان يرى ببصره، ويسمع بأذنه عن أشياء لم تؤتها هذه المرأة، قال: وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل:23]، وقد كانت هذه المرأة أمرت بصنع سرير لملكها، وسرير الملك يسمى بالعرش، وهو الكرسي الذي يجلس عليه الملك، ولكنها بالغت فيه مبالغة فخمة عظيمة، وقد ذكروا من الفخامة التي كان عليها هذا الكرسي: أن كثيراً منه مصنوع من الذهب والياقوت، والله عز وجل ذكر أنه: عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل:23]، يعني: عرش كبير وفخم وغال جداً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله ...)

    قال الله تعالى: وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنْ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ [النمل:24]، أي: مع أن الله عز وجل أعطاهم هذه النعم، وقد رأى ذلك بنفسه.

    قال: وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ [النمل:24]، فقد عبدوا الشمس من دون الله سبحانه، والذي زين لهم عبادة غير الله سبحانه: هو الشيطان، فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ [النمل:24]، أي: صدهم عن الهدى، وصدهم عن طريق الله سبحانه بأن زين لهم أن يعبدوا مخلوقاً خلقه الله سبحانه، فعبدوا الشمس من دون الله، فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ [النمل:24]، يعني: لا يفهمون ولا يعقلون، ولا يهتدون إلى سبيل الحق حتى يتبعوه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ...)

    قال الله تعالى: أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ [النمل:25] أي: فبدلاً من أن يسجدوا للشمس من دون الله، يسجدوا لله سبحانه وتعالى.

    قوله: أَلَّا يَسْجُدُوا [النمل:25]، إما تعقيب من الرب سبحانه وتعالى، وكأنه يقول: هلا سجدوا للرب الذي خلقهم سبحانه؟ فيكون اعتراضاً في ثنايا الكلام من الله سبحانه وتعالى على عبادة هؤلاء، أو أن هذا جواب من سليمان عليه الصلاة والسلام لما قال له الهدهد: يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ [النمل:24] قال: أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ [النمل:25] أي: فبدلاً من أن يسجدوا للشمس من دون الله، يسجدوا لله، أو أنه من كلام الهدهد نفسه، فهو يقول: فهلا سجدوا لله بدلاً من هذه الشمس؟

    قال: أَلَّا يَسْجُدُوا [النمل:25]، وهذه قراءة الجمهور.

    وقراءة أبي جعفر وقراءة الكسائي وقراءة رويس عن يعقوب : ألا بالتخفيف، فهما قراءتان:

    قراءة بالتشديد: أَلَّا يَسْجُدُوا [النمل:25]، ومعناها: هلا سجدوا، فهو أسلوب تحضيض وحث، أي: اسجدوا لله سبحانه ولا تسجدوا لهذه الشمس ولا للقمر.

    وعلى القراءة الأخرى التي هي قراءة أبي جعفر والكسائي ورويس عن يعقوب : ألا يسجدوا فيكون معناها: هلا سجدوا لله سبحانه؟ وكأنها للنداء، فيكون: ألا يا قوم ! اسجدوا لله، فكأن هناك شيء محذوف تقديره: يا قوم! ألا يا قوم! اسجدوا لله، فحذفت فصارت: ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء ، والله سبحانه الذي يعلم السر والعلن، ويعلم ما هو أخفى من ذلك.

    والله هو الذي يخرج الخبء، يعني: الشيء المخبوء المستتر في السموات وفي الأرض، فلا يخفى عليه شيء سبحانه وتعالى، فبدلاً من أن يسجدوا للشمس التي لا تعلم شيئاً إلا ما يأمرها به ربها سبحانه، فهلا سجدوا لله الذي يعلم كل شيء، ويخرج ما اختبأ في السموات وداخل الأرض؟

    قال: وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ [النمل:25] أي: فكما أنه علم بما اختبأ في السموات وفي الأرض، فإنه يعلم ما تخفيه أنت في نفسك، ويعلم السر والجهر، ويعلم ما هو أخفى من السر.

    وتُخْفُونَ بالخطاب، قراءة حفص عن عاصم ، وقراءة الكسائي .

    وباقي القراء يقرءونها: ويعلم ما يخفون وما يعلنون للغائب، يعني: ما يخفي الخلق وما يعلنون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم)

    قال الله تعالى: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [النمل:26]، وهذا من كلام الهدهد يخبر عن ربه سبحانه، فكأنه يقول: هذه المرأة لها عرش عظيم، ولكن أي عرش هذا ؟! الله هو صاحب أعظم عرش، الله هو رب العرش العظيم سبحانه الذي ليس مثله عروش البشر.

    اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [النمل:26]، يعني: الله المعبود الذي يستحق وحده العبادة.

    فلا معبود بحق سواه، لا شمس ولا قمر ولا غيرها.

    قال: رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [النمل:26] أي: خالق العرش العظيم هو الرب سبحانه الذي يدبر أمر الكون.

    وقد وصف عرشها بأنه عرش عظيم، عظمة تليق بحقارتها هي، وحقارة الإنسان، إذاً: الإنسان قد يرى الشيء من الذهب والفضة عظيماً! أما عند الله فلا يساوي شيئاً، فكل الدنيا مهما تعاظمت عند الخلق فلا تساوي عند الله جناح بعوضة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء) فهذه هي الدنيا.

    أما الآخرة فهي الأعظم، وعرش الله سبحانه هو الذي يستحق أن يقال عنه: إنه هو العرش العظيم، والله عز وجل خلق العرش، واستوى عليه كما قال سبحانه: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، استواء يليق به سبحانه وتعالى، وهو مستغن عن العرش وما تحته.

    والسموات عظيمة عالية، وكرسي الله عز وجل فوق سمواته سبحانه، ولو جمعت السموات كلها والأرضون بجانب الكرسي لم تكن إلا كحلقة في فلاة، والكرسي العظيم لو قورن بعرش رب العالمين سبحانه كان كحلقة في فلاة، وهذه نسبة الكرسي إلى العرش، فكيف يكون هذا العرش الذي استغنى عنه ربنا سبحانه؟

    والعرش يمسكه الرحمن سبحانه وتعالى أن يزول، قال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ [فاطر:41]، فمن يمسك السموات والأرض من بعد الله سبحانه وتعالى؟ لا أحد، فالكل يحتاج إلى الله عز وجل، العرش فما دونه، والله مستغن عن الجميع، وهو فوق عرشه، وعرشه فوق سماواته سبحانه.

    إذاً: الهدهد قال لسليمان عليه الصلاة والسلام: أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ [النمل:22] أي: عندي الذي ليس عندك، أنا عرفت ما لا تعرفه، أنا صغير ولكن أعرف أشياء لا تعرفها أنت، قال الله عز وجل: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [يوسف:76]، إذاً: الإنسان لا يفتخر بعلمه، ولا يتعالى على الناس بأن علمه الله عز وجل شيئاً، فهو لا يدري لعله علم غيره ما لا يعلمه هو، ولم يقدره له.

    فهنا لما قال الهدهد ذلك لسليمان عرفنا أن الصغير قد يعلم أشياء لا يعلمها الكبير، وقد جاء مثل ذلك عن أصحاب النبي صلوات الله وسلامه عليه، فقد علم البعض منهم أشياء لم يعلمها البعض الآخر.

    فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع جلالته وإمامته رضي الله تعالى عنه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: إنه أحد العشرة المبشرين بالجنة، وقال فيه: (لو كان من أمتي محدث لكان عمر ) إلا أن هناك أشياء لم يعرفها عمر رضي الله عنه، وعرفها غيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

    من ذلك: الاستئذان الذي يعلمه الكثيرون من الصحابة، كان لا يعرفه عمر رضي الله تعالى عنه، فذهب إليه أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الأفاضل وهو: أبو موسى الأشعري فاستأذن على عمر الأولى والثانية والثالثة فلم يأذن له عمر رضي الله عنه، فانصرف أبو موسى فإذا بـعمر يقول: إلي به، أحضروه، فيأتي أبو موسى فيقول: عمر ما الذي صرفك؟ قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فلينصرف) فانصرفت، فقال: إما أن تأتي ببينة على هذا أو أوجعك ضرباً؛ لأنك تكذب على النبي صلى الله عليه وسلم.

    فذهب أبو موسى مذعوراً رضي الله تعالى عنه، فجاء إلى مجلس من الأنصار فيهم: أبي بن كعب وفيهم: أبو سعيد الخدري وهو مذعور، فقالوا: ما لك ؟! فأخبرهم بالخبر، فضحك الجميع من أن عمر لا يعرف هذا! وقالوا: والله لا يقوم معك إلا أصغرنا، أي: أن أصغر شخص فينا هو الذي سيعلم عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه.

    فكان أصغرهم أبا سعيد الخدري رضي الله عنه، فقام لـعمر رضي الله عنه وشهد بصدق كلام أبي موسى ، ثم جاء خلفه مباشرة أبي بن كعب وهو سيد من سادات الأنصار، بل سيد القراء، كما لقبه بذلك عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه، وقال له: يا عمر ! لا تكن حرباً على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني: أنه علم ما لم تعمله أنت، فقال: إنما أردت أن أتثبت، يعني: هل هذا الخبر قاله النبي صلى الله عليه وسلم أم لا؟

    فهنا عمر مع جلالته لم يعرف هذا الأدب من آداب الاستئذان، وأن للإنسان أن يستأذن ثلاث مرات فقط فإن أذن له وإلا انصرف.

    كذلك: التيمم، فقد خفي على عمر رضي الله عنه، مع أنه سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، فكان عمار قد علم ذلك وحدث به، فأرسل إليه عمر يحذره من التحديث بأمر التيمم، فقال: إن شئت لم أحدث به، وتول ما تولاه، يعني: إذا أردت ألا أتكلم وألا أحدث به الناس فسأفعل، فقال عمر : لا، فـعمار يذكره: أما تذكر إذ بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأنت إلى مكان كذا، فأجنبنا فلم نجد ماء، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمرغت في التراب، فلما أتينا النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما يكفيك هكذا) وعلمه التيمم، ضربة باليدين على الأرض ثم مسح الوجه والكفين، فلم يتذكر عمر رضي الله عنه الحادثة التي حصلت له هو رضي الله تبارك وتعالى عنه، قال تعالى: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [يوسف:76].

    أيضاً: جاء في أمر المرأة الحائض: أنها إذا طافت طواف الإفاضة ثم حاضت قبل طواف الوداع فلتنفر طالما أنها طافت طواف الإفاضة، فهذا الحكم لم يعرفه البعض من كبار الصحابة منهم: عمر ومنهم: زيد بن ثابت رضي الله عنهما، وعرفه من صغار الصحابة عبد الله بن عباس رضي الله عنه، والذي توفي عنه النبي صلى الله عليه وسلم وعمره ثلاثة عشر عاماً رضي الله تبارك وتعالى عنه.

    كذلك: غسل رأس المحرم، فالإنسان إذا كان محرماً جاز له أن يغسل رأسه، عرفه ابن عباس

    ولم يعرفه المسور بن مخرمة رضي الله تبارك وتعالى عنه، وأحكام كثيرة من هذا الباب عرفها البعض من الصحابة ولم يعرفها البعض الآخر، وليس هذا عيباً، فالله عز وجل يخبرنا أن فوق كل ذي علم عليم، والعيب: هو أن يزعم الإنسان أنه يعرف كل شيء، والله عز وجل قد أخبر عن الإنسان أنه جهول، قال سبحانه: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب:72]، فالإنسان فيه جهل في نفسه، فهو يجهل قدر نفسه، ويجهل حقارة نفسه، ويجهل قدر خالقه العظيم سبحانه، ولذلك يقول الله عز وجل: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الزمر:67]، أي: لو عرفوا الله عز وجل حق المعرفة وعرفوا قدره حق المعرفة، لعبدوه العبادة التي تليق به سبحانه وتعالى.

    وهنا في هذه الآيات لما قال الهدهد: أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ [النمل:22]، لم يجب عليه سليمان في هذا الأمر؛ لأنه تعالى عليه بالعلم، فكان الجواب من سليمان اللائق بذلك هو ما ذكره الله في الآية التي تليها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين ...)

    قال الله تعالى: سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ [النمل:27-28]، فإما أن يكون عندك ما ليس عندنا، أو أنك تكذب، فسنفتش في حالك وننظر ونتحرى في الأمر، أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ [النمل:27].

    ثم قال سبحانه: اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ [النمل:28]، ولاحظ أن سليمان لما قال له الهدهد: إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ [النمل:23]، لم يقل شيئاً، ولما أخبره: وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل:23]، لم يقل شيئاً، فلما قال له: يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [النمل:24]، كان لا بد أن يتكلم، ولا بد أن يدعو إلى الله سبحانه، لذلك قال: اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ [النمل:28]، يعني: اذهب بهذا الكتاب وهو عبارة عن رسالة يدعوهم فيها إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وينظر مَاذَا يَرْجِعُونَ [النمل:28]، فكتب له كتاباً وأمره أن يذهب إلى هذه المرأة وإلى قومها.

    وقوله: اذْهَب بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ [النمل:28]، فيها ثلاث قراءات:

    القراءة الأولى: قراءة أبي جعفر وقراءة أبي عمرو وقراءة عاصم وقراءة حمزة أيضاً: فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ [النمل:28] بالسكون! ويقرؤها قالون وهشام بخلفه ويعقوب : فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ باختلاس الكسرة.

    وباقي القراء يقرءونها بالإشباع وكأنها ياء: فألقهِ إليهم .

    إذاً: في هذه الآية دليل على إرسال الكتب إلى المشركين وتبلغيهم دعوة رب العالمين سبحانه، وقد فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كتب الكتب إلى كسرى وإلى قيصر وإلى غيرهم من الملوك، يدعوهم إلى الله سبحانه، فيقول: أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى دين رب العالمين.

    وفي قصة سليمان مع الهدهد لما أمره أن يذهب بالكتاب تعليم للأدب في ذلك، فقد أمره أن يضع الكتاب عندهم، ثم يتولى عنهم، أي: أعطهم فرصة يقرءون فيها الكتاب، وراقبهم ماذا سيفعلون ؟ وانظر ماذا يرجعون؟ أي: في ردهم فيما بينهم.

    والملكة كانت تسمى: بلقيساً ، فقد كانت ملكة سبأ وذكر الله عنها أن لها عرشاً عظيماً، فملكت قومها وساستهم، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) فلا ينبغي في دين الإسلام أن تكون المرأة حاكمة، أو تكون خليفة، أو تكون أميرة على الناس، فهذا ليس من وظيفة النساء، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا وصل الأمر إلى ذلك، وأصبحت المرأة رئيسة على الناس، وأميرة عليهم فإن هؤلاء قوم لا يستحقون الفلاح، (لن يفلح قوم) أي: لا في الدنيا ولا في الآخرة إذا ولوا أمرهم امرأة، وقد أخبرنا الله سبحانه على لسان النبي صلى الله عليه وسلم: أن النساء ناقصات عقل ودين، فإذا جاء الرجال وجعلوا الناقصات فوقهم فعلى ذلك لن يفلح الجميع، قال: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) إذاً: النساء ليس لهن من أمر ولاية المسلمين أو إمارة المسلمين شيء.

    أما الكفار فكان عندهم ذلك، فهؤلاء ولوا عليهم هذه المرأة، وكذلك لما قتل كسرى ولوا بعده ابنته عليهم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) فدمر الله عز وجل ملكها، وتمزق ملكهم بعد ذلك.

    قال سليمان هنا: ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ [النمل:28]: وفيه حسن الأدب بالتنحي مع من تعطيه كتاباً، فإذا فتح إنسان رسالة أو كتاباً من أحد فلا تنظر معه ولا تقرأ الكتاب، ولا تظل واقفاً بجواره، ولكن الأدب أن تبتعد عنه قليلاً حتى يقرأ الكتاب ثم يعطي الرد بعد ذلك، قال: فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ [النمل:28].

    وذهب الهدهد إلى هنالك، ولم يذكر لنا ربنا سبحانه وتعالى كيف رجع إلى هذه الململكة، وانظر الفرق بين القصص القرآني وبين الحكايات التي يذكرها البشر، إذ لو كانت حكاية يذكرها البشر لقالوا: الهدهد أخذ الكتاب وطار به، ووصل إلى هنالك، وجلس ينتظر فرصة من أجل أن ينزل عليهم الكتاب، وألقى عليهم الكتاب، وهذه كلها أشياء لا تفيدنا في شيء، ولذلك يعرض عنها القرآن.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ...)

    قال الله تعالى: قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ [النمل:29]، إذاً: الكتاب وصل على الصورة التي أرادها سليمان، وقرأت الكتاب وهذا هو الذي يريده سليمان، قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ [النمل:29]، وفيها: احترام الملك للوزراء الذين عنده، والملأ: الأشراف، يعني: يا أكابر القوم! فهي تحترم من معها حتى يحترموها، ففيها كيف يتعامل الملك، وكيف يتعامل الكبير مع من حوله، فلا يتعامل معهم بالاحتقار، أو أن رأيي فوق رأي الجميع، وأنا أفهم وغيري لا يفهم شيئاً، وكلام هذه المرأة يدل على أنها كانت امرأة عاقلة.

    إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ [النمل:29] وكسرى عندما وصل إليه خطاب النبي صلى الله عليه وسلم مزقه فوراً، فدعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (مزق الله ملكه)، فمزق الله سبحانه ملكه.

    لكن المرأة تأدبت، وهي لا تعرف كيف هي قوة سليمان؟ والذي استطاع أن يوصل إلي هذه الرسالة، ماذا يستطيع أن يفعل معي؟ لذلك احتاطت في كلامها، وكبرت القوم بقولها: يَا أَيُّهَا المَلَأُ [النمل:29]، أي: علية القوم وأشرافهم.

    إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ [النمل:29] أي: لم يأت بهذا الكتاب رسول وإنما إلقي إلي، ونزل إلي من السماء.

    كِتَابٌ كَرِيمٌ [النمل:29]، فوصفت الكتاب بأنه كتاب كريم؛ لأدب سليمان عليه الصلاة والسلام، فأدبه في الخطاب الذي أرسله إليها، هو الذي دفعها إلى أن تقول بأنه: كِتَابٌ كَرِيمٌ [النمل:29].

    وقد قالوا: وصفته بذلك لما تضمن من لين القول، فإن سليمان عليه الصلاة والسلام أرسل إليها بقول لين، وليس بقول شديد، يعظها فيه، ويأمرهم بعبادة الله سبحانه وتعالى، قالوا: كان فيه الموعظة في الدعاء إلى عبادة الله سبحانه، وفيه حسن الاستلطاف من غير أن يتضمن سباً ولا لعناً، ولا شيئاً يغير النفوس، فكان الكتاب كتاباً كريماً من سليمان.

    وهذه عادة الرسل، فإن الله سبحانه وتعالى لما أرسل موسى وهارون إلى فرعون قال: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44] مع أن فرعون قال: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24]، وقال: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ [الزخرف:51] .. فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ [الزخرف:54] وقال: فَأوْقِد لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ [القصص:38]، فكان كذاباً سفيهاً، متعالياً جباراً، ومع ذلك أمر الله عز وجل موسى عليه الصلاة والسلام وأخاه أن يقولا له قولاً ليناً، وهكذا يجب أن يكون الخطاب مع من تدعوهم إلى الله عز وجل، خطاباً ليناً، فقالت المرأة لما وجدت الخطاب ليناً: إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ [النمل:29].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم)

    قال الله تعالى: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [النمل:30]، أي: هذا الكتاب مختوم من رجل اسمه سليمان، ولعلها سمعت عنه ولكنه لم يسمع عنها.

    قال: وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [النمل:30]، وهذه البسملة الوحيدة في القرآن كله، والتي اتفق على أنها بعض آية من هذه السورة الكريمة واختلف في غيرها، وإن كان الجمهور على أنها آية كاملة في أول الفاتحة، وهذا هو الصحيح، والبعض على أنها آية منفصلة في كل سورة.

    والصواب: أنها آية منفصلة في أول كل سورة، إلا الفاتحة فهي أول آية فيها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها).

    فبدأ خطابه ببسم الله الرحمن الرحيم، ومن السنة: أنك عندما تبدأ الكتاب تبدأه ببسم الله الرحمن الرحيم.

    فقوله: بِسْمِ اللَّهِ [النمل:30]أي: ابتدائي مستعيناً ببسم الله سبحانه وتعالى، فأستعين بالله سبحانه، ذاكراً اسمه مبتدأً به، باسم الله المعبود الرَّحْمَنِ [النمل:30]، العظيم الرحمة لجميع خلقه في الدنيا وفي الآخرة.

    الرَّحِيمِ [النمل:30]، بالمؤمنين سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ألا تعلوا علي واتوني مسلمين ...)

    قال تعالى: أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ [النمل:31].

    أي: احذروا من الكبر، واحذروا من ترك عبادة الله سبحانه.

    وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ [النمل:31] أي: تعالوا إلي مستسلمين لله رب العالمين، عابدين الله، تاركين هذه الشمس التي تعبدونها من دون الله، فالكتاب فيه الاختصار، وفيه الحزم.

    فقد حذرهم فيه من الكبر، ومن عدم تأمل العواقب، وبدأ بذكر اسمه، فقال: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [النمل:30] ثم بدأ بذكر الله المعبود الذي يستحق وحده العبادة، وذكر اسمين من أسمائه اللطيفة الكريمة، وهي أنه رحمن ورحيم.

    فكأنه قال لها: إنك إذا عبدت الله فهو الذي سيرحمك سبحانه وتعالى.

    قالوا: وفيه من السنن: أنك عندما تكتب لإنسان فتبدأ بذكر نفسك فتقول: من فلان إلى فلان.

    وكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يكتب إلى الملوك وإلى غيرهم، فيقول: من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فلان بن فلان، ففيه: أنك تبدأ بالإخبار عن نفسك.

    وبعض أهل اللغة فرقوا بين من يكتب إلى كبير من القوم، ومن يكتب إلى غيره.

    فقالوا: إذا كتب إلى كبير كالذي يكتب إلى والده، أو إلى إنسان كبير في الرتبة وغيرها، فليبدأ به يقول: إلى فلان من فلان.

    ولكن هنا في القرآن ذكر لنا ربنا سبحانه وتعالى: أنه بدأ باسمه هو فقال: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ [النمل:30-31] فبدأت تتشاور مع قومها في الذي ستفعله في ذلك؟

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.