إسلام ويب

تفسير سورة النمل [15 - 19]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يخبر الله سبحانه في هذه الآيات أنه أعطى أنبياءه ملكاً عظيماً فشكروه وعبدوه، ولم يجحدوه ويكفروه كما فعل غيرهم كفرعون والنمرود.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا داود وسليمان علماً وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    أما بعد:

    قال الله عز وجل في سورة النمل:

    وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ * وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ * وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ [النمل:15-19].

    هذه قصة ثانية في هذه السورة الكريمة سورة النمل، يذكر الله عز وجل فيها سليمان عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام وما حدث له.

    يقول سبحانه: وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا [النمل:15] وداود وسليمان من أنبياء بني إسرائيل عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، آتاهما الله عز وجل علماً، وداود هو الأب وسليمان الابن، قال: وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا [النمل:15]، فبعد أن ذكر الله قصة موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام مع فرعون، وكيف أنه دعاه إلى الله عز وجل فأبى فرعون وغره ملكه الذي هو فيه، وبلغ به التطاول أن قال لقومه: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24]، فالملك قد يدفع الإنسان إلى الجحود، وإلى الكبر، وإلى عدم قبول الحق، حتى ولو رآه أمام عينيه.

    ففرعون دفعه ملكه إلى الكفر بالله حتى قال لقومه: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ [الزخرف:51]، ولكن أنبياء لله عليهم الصلاة والسلام أعطاهم الله عز وجل الملك والنبوة والعلم، فما زادهم ذلك إلا تواضعاً لرب العالمين سبحانه.

    ومن هؤلاء: داود وسليمان، ولكن ملك داود لم يكن عظيماً كبيراً كملك سليمان، فقد كان ملكه أعظم بكثير من ملك أبيه، وعبادة أبيه كانت أعظم بكثير من عبادة سليمان.

    فقد أعطى الله لداود العبادة فقال: يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ [سبأ:10]، وهذا ملك من الملوك، ومع ذلك كان لا يأكل إلا من صنعة يده: وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [سبأ:10-11].

    فعلمه الله عز وجل مهنة صناعة السوابغ من الدروع، وأن يقدر في السرد بتعليم الله عز وجل له، فيعمل الحلقة على حجم المسمار بحيث لا تنفصم الحلقة ولا تنشق عن زميلتها، فلا يزال يصنع هكذا شيئاً فشيئاً حتى يصنع درعاً سابغاً.

    وسليمان عليه الصلاة والسلام هو أحد الملوك الذين ملكوا الدنيا، وقد سخر الله عز وجل له الريح يصل بها إلى المكان الذي يريده، وجعل له من الجن والإنس والشياطين جنوداً، بل ومن الطير والدواب كما سيأتي.

    وقد كان داود أيضاً يسبح بين الجبال، ومن جمال تسبيحه وصوته، ومن شدة خشوعه تسبح الجبال معه وتردد تسبيحه، وتقف الطير عن الطيران حتى تستمع تأويبه عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ [سبأ:10].

    والتأويب: مأخوذ من الأوبة وهي: الرجوع إلى الله، ومعناها هنا أي: رجعي الذي يقوله، وسبحي معه لله سبحانه تائبة إليه، قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا [النمل:15] أي: نحن، فالفضل من الله، وقد عبر هنا بنون العظمة لأن هذا الإيتاء عظيم جداً يليق بأن يؤتيه الله سبحانه وتعالى، ويليق بأن ينسب إليه، فنسبه إليه بنون العظمة.

    ومع أن الله آتاهما الملك إلا أن العلم أعظم إذا ما قورن بالملك؛ ولأن العلم عظيم فلم يحتج هنا إلى ذكر الملك. قال: وَقَالا [النمل:15] أي: الاثنين: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ [النمل:15].

    فقد عرفا نعمة الله عز وجل وأنه صاحب الحق سبحانه، والمتفضل عليهم بالنعمة، فقال الأب والابن: الحمد لله، أي: نثني على الله الثناء الجميل الذي يليق به سبحانه وتعالى، فهو المحمود على النعم العظيمة، فالحمد كل الحمد لله الذي فضلنا على كثير، وهنا يبدو التواضع في الكلام: الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ [النمل:15] ولم يكن يوجد في عصرهما من هو أفضل منهما، فقد فضلهم الله على كل من في عصرهما، ومع ذلك قالا لتواضعهما: على كثير، ولم يقولا: على كل عباده.

    وموسى عليه الصلاة والسلام لما سئل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا أعلم، عتب عليه ربه سبحانه وتعالى، وقال: لا، بل عبدنا خضر أعلم منك؛ وداود وسليمان كانا من قوم موسى عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام.

    قال تعالى: وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ [النمل:15]، يعني: فضلنا الله عز وجل على الكثير من خلقه، ولعل هناك من لا نعلم فمن فضله الله عز وجل علينا، فيسن للإنسان المؤمن أن يحمد الله سبحانه وتعالى، وأن يقول مثل ذلك، وخاصة إذا رأى مبتلى، فإذا رأى إنساناً مريضاً ابتلاه الله فليقل في نفسه: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلني عليك وعلى كثير ممن خلق من عباده تفضيلاً.

    والإنسان إذا ذكر نعمة الله كان جزاؤه من الله أنه يمنع عنه هذا المرض إن شاء سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وورث سليمان داود ...)

    قال الله عز وجل: وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ [النمل:16]، والميراث هنا: ميراث العلم، أما ميراث الملك فقد جعل الله عز وجل لهذا ملكاً ولهذا ملكاً.

    وقد كان لداود أولاد غير سليمان عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، فقد قالوا: كان له تسعة عشر ولداً، ولكن الذي ورث العلم وورث النبوة وصار ملكاً بعد أبيه هو سليمان عليه الصلاة والسلام.

    فقد ورثه الله عز وجل العلم والنبوة وهذا أعظم الميراث، وإلا لو كان المقصود الميراث المالي لكان الإرث في التسعة عشر، وليس لسليمان فقط، إذاً: الإرث هنا: هو إرث النبوة، وقد جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنا معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة).

    فالأنبياء لا يورثون معهم من الأموال؛ بل يكون بعد وفاتهم صدقة، وإنما الميراث الذي يورثه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هو العلم؛ ولذلك جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر).

    أي: من أخذ العلم أخذ بحظ وافر فهو أعظم الميراث، فأعظم النعم التي أعطاها الله عز وجل لسليمان ولأبيه هي العلم، وهذا هو الذي ورثه داود لابنه، العلم والنبوة، كما أنه صار ملكاً من بعده.

    وقد قال الله سبحانه وتعالى لداود في سورة (ص): يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ص:26]، مع أن داود نبي عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك فإنه يحتاج للنصيحة، فغيره من باب أولى، فهو ينصح داود ويقول: لا تتبع الهوى يا داود! وأنت ملك من الملوك، فإذا اتبعت الهوى وأنت نبي ملك أضلك عن سبيل الله، قال: وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ [ص:26] أي: يتيهون، عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ [ص:26].

    وذكر داود وسليمان في سورة الأنبياء فقال: وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا [الأنبياء:78-79].

    فالله عز وجل منّ على داود بأن جعله ملكاً حاكماً، فآتاه حكماً وآتاه علماً من عنده سبحانه، وعلم سليمان أيضاً، والعلم من أعظم ما يؤتاه الإنسان، فآتى الله سليمان وآتى أباه داود علماً وحكمة ونبوة وملكاً.

    فذكر في سورة الأنبياء أنه فهم أحدهما أكثر من الآخر، قال: وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ [الأنبياء:78] والحرث: الزرع، إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ [الأنبياء:78]، قوم لهم أغنام يدعونها بجوار المزرعة، فإذا بالأغنام تدخل المزرعة، قال صلى الله عليه وسلم: (كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه).

    قال تعالى: إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ [الأنبياء:78] أي: أكلت وخربت الزرع وقلعته، وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ [الأنبياء:78]، والذي يحكم هو داود وسليمان، ومع ذلك لم يقل: لحكمهما، بل قال: (لحكمهم)؛ لأنهما يحكمان في الناس، فالخصوم هم أصحاب الأرض وأصحاب الغنم، والحاكم سليمان وداود، فهم أربعة، فكنا لحكم هؤلاء الأربعة شاهدين.

    ثم قال تعالى: فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ [الأنبياء:79]، وسليمان آتاه الله عز وجل فهماً، وآتى أباه عبادة عظيمة جداً، ولكنه ميز سليمان بفهم عظيم، وقال: وَكُلًّا آتَيْنَا [الأنبياء:79]، يعني: أعطينا للأب العلم والملك والحكمة والحكم، وآتينا سليمان حكمة أعظم مما آتينا أباه، فقال: فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ [الأنبياء:79]، وقد كان صغيراً عليه الصلاة والسلام، وكان داود قد حكم أن قيمة ما أفسدته أغنامهم من الزرع يساوي قيمة الغنم، إذاً: تعطى الغنم لأصحاب المزرعة.

    وهذا الحكم فيه صواب، لكن غيره أحسن منه، فقد حكم بالقيمة عليه السلام، لكن نظرة سليمان كانت بتفهيم الله عز وجل أعظم، فلو أنهم أخذوا الأغنام لافتقر أصحابها، ولو أخذ هؤلاء الأغنام لما اعتنوا بها؛ لأنهم أصحاب زرع وحرث وليسوا أصحاب غنم، فلذلك حكم بحكم آخر وهو: أن يأخذ أصحاب الزرع الأغنام فينتفعون بها حتى يصلح أصحاب الأغنام الزرع كما كان، ثم يعيد أصحاب الحرث الغنم لأصحابها، ويعيد أصحاب الغنم الحرث لأصحابه كما كان، ففهم الله عز وجل سليمان أعظم من داود، مع ذلك لم يخطئ الله عز وجل داود، وإنما قال: وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا [الأنبياء:79]، وكثيرة هي الحوادث التي فهمها الله عز وجل سليمان عليه السلام، وغيبها عن أبيه عليه السلام، ومن ذلك: ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كانت امرأتان معهما ابناهما، فجاء الذئب فذهب بابن إحداهما) فالمرأة التي أكل الذئب ولدها أخذت ابن الأخرى خوفاً من زوجها فاختصمتا في الولد، فقالت الكبرى للأخرى: إنما ذهب بابنك، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فقضى به للكبرى للشواهد والأمارات التي أمامه، وظن أن الكبرى هي الصادقة.

    فأخذت الكبرى الغلام، فخرجتا من عند داود إلى سليمان عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فقال: ائتوني بالسكين، حتى أشق الولد بينكما نصفين، فلما قال ذلك قالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله هو ابنها.

    فعلم أنها هي الصادقة وأنها أمه، فالأم لا تريد قتل ابنها، وعلم أن الأخرى كاذبة، وإنما أرادت أن تتساويا في المصيبة، فيكون ابنها أكله الذئب، ويكون قد ذبح ابنها فتتساويا في المصيبة، فعلم صدق إحداهما وكذب الأخرى، فقضى به للصغرى، وهذا مما علمه الله عز وجل سليمان عليه السلام.

    قال تعالى: وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ [النمل:16]، وهل علموا منطق الطير فقط؟ لا، ولكن هذا الشيء من الغرائب.

    فقد علم علم الشريعة، وعلم ألسن الناس والجن وغيرهم، لكن أعظم من ذلك مما لا يعرفه الناس علم منطق الطير، وكيف تتكلم الطيور، إذاً: الطير لها لغة تتكلم بها، وكذلك الحشرات وغيرها من مخلوقات الله، فقد جعلها الله أمماً، وكل أمة لها لسان وطريقة تتخاطب بها مع بعضها.

    وهذا الذي يبحثه علم الحيوان، فإنه يبحث في لغات الطيور وكيفية كلامها، وكيف أن بعضها يرشد إلى الطريق؟ وكيف تسير النحل؟ وما هي الرقصات التي ترقصها في الهواء، والتي تدل على أنها ستذهب للخلية التي وجدت عندها العسل مثلاً.

    فهنا الله عز وجل علم أنبياءه منطق الطير، وأثبت في القرآن أنه جعل لها لغة، قال سليمان: يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ [النمل:16]، أي: لغة الطير: وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [النمل:16] وهذا من ألفاظ العموم التي يراد بها الخصوص، فالله عز وجل هو وحده الذي له كل شيء، أما غيره من خلقه فقد يؤتيه من الأشياء الكثير، فحين يقول: وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [النمل:16]، فإنه يعني: مما ينبغي لأمثالنا، فهو مقيد بالحسن.

    والعموم قد يقيد بالعقل، وقد يقيد بالخصوص وغير ذلك، فهذا من العموم الذي يراد به الخصوص، أو الذي قد خصص بالحس وبالعقل، فإن الله أعطى سليمان كل شيء يليق بمثله في ملكه.

    وكذلك في قوله سبحانه: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ [الأحقاف:25]، فإن الحس يدل على أن هناك مساكن موجودة، فيكون قوله: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ [الأحقاف:25] من العموم الذي يراد به الخصوص، فهي تدمر كل شيء أراد الله عز وجل تدميره.

    ثم قال: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ [النمل:16] أي: أنه فضل واسع عظيم بين من فضله سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس ...)

    قال سبحانه: وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ [النمل:17]، أي: الجيش والملك العظيم، مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ [النمل:17] فبدأ بأقوى الأشياء وهي الجن، فهي أقوى من الإنس.

    فَهُمْ يُوزَعُونَ [النمل:17]، أي: فهم يكفون، والمعنى: وعليهم قادة لهم، والقائد يوزع الجنود ويكفهم فلا أحد يتقدم على سليمان، ولا أحد يتقدم على صفه.

    فهم لا يتقدمون ولا يسيرون إلا بأمر سليمان عليه الصلاة والسلام، فكان جنداً عظيماً جداً لا يعلم قدره إلا سبحانه،وقد ذكر المفسرون: أن معسكر سليمان كان مائة فرسخ طولاً، والفرسخ: حوالي خمسة كيلو، يعني: خمسمائة كيلو مليئة بالجنود.

    وهنا لم يذكر الله عز وجل أنهم مائة أو أقل أو أكثر، ولكن من الواضح أن أعدادهم جسيمة عظيمة، إذ لو كان عددهم قليلاً لما احتاجوا إلى من يوقفهم ويكفهم، ولكن الأعداد الكثيرة هي التي تتبعثر وتحتاج إلى من يكفها ويمنعها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (حتى إذا أتوا على واد النمل ...)

    قال سبحانه: حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [النمل:18].

    لقد أعطاه الله عز وجل ملكاً عظيماً جداً فهو يسير إلى أي مكان يريد أن يصل إليه، يريد أن يصل للشام أو للعراق أو إلى أدنى الأماكن أو إلى أبعد الأماكن فكلها سواء، ففي مرة من المرات أتى على وادي النمل، ولم يذكر لنا الله سبحانه مكان وادي النمل؛ لأنها من العلم الذي لا يفيد، فلا يفيدنا أن نعرف مكان وادي النمل، أو حجم هذه النملة التي كلمت سليمان، بل المهم أنها نملة من النمل الذي نعرفه كبرت أم صغرت، ولو كانت شيئاً آخر لذكر الله لنا هذا الشيء، فكونه نكر وذكر أنهم أتوا على وادي النمل وتكلمت نملة، فيكون المقصود النمل المعهود المعروف.

    والله عز وجل جعل للنمل لغة أيضاً تتكلم بها، ومما يثبت ذلك أن النملة تكلمت، والوادي: هو المكان المنبسط الواسع الفسيح، وقد كان فيه نمل كثير: قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [النمل:18] وسميت: النملة نملة من التنميل، وهو الحركة الكثيرة، والنملة لا تقعد أبداً فهي دائماً تعمل، فسمي النمل نملاً لكثرة حركته ولقلة قراره.

    والنمل له مساكن يختبئ بداخلها، قال: لا يَحْطِمَنَّكُمْ [النمل:18]، يعني: لئلا يحطمنكم، وهذه قراءة الجمهور، وقرأها رويس عن يعقوب لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [النمل:18].

    وتحذير النملة فيه دليل على أن النمل له عقل وفهم، فقد أعطاها الله عز وجل ما تفهم به، وفيه الحب للغير، فهي ما خافت على نفسها وهربت وحدها، ولكن أمرت باقي النمل أن تدخل المساكن حتى لا يحطمهم سليمان عليه السلام، وأيضاً فهي تفهم ما تقول، قالت: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [النمل:18]، فقد عرفت أنه نبي من أنبياء الله عليه الصلاة والسلام، وأن الأنبياء لا يظلمون؛ ولذلك التمست له العذر فقالت: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [النمل:18].

    وبينت الآية كذلك: أن النمل يفهم ويعيش في جماعات، وأن له مساكن، وأنه يحذر بعضه بعضاً من ضرر يقع عليه، وعلماء الحشرات يقولون: النمل له فهم عجيب جداً، ويقولون: إن النملة من النوع الذي يدخر طعامه من الصيف للشتاء.

    فهو فطن وقوي وشمام جداً، ويتخذ القرى، ويشق الحب قطعتين، لأن الحبة لو ظلت على حالها لنزل عليها الماء ونبتت، فحبة الكزبرة لو شقت نصفين ونزل عليها الماء نبتت، فتقطعها النملة أربعة قطع، وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى.

    والحشرة هذه عاقلة، وتخاف على أخواتها فتقول: ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [النمل:18] قالوا: النمل يأكل في عامه نصف ما يجمعه فقط، كأنه يدخر للزمن.

    إذاً: فقد حافظت على من معها، وتبسم وسليمان عليه الصلاة والسلام ضاحكاً من ذلك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فتبسم ضاحكاً من قولها ...)

    قال الله عز وجل: فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا [النمل:19]، وكأنه بدأ بالبسمة، ثم ضحك من عجبه.

    والبسمة: فتح الشفة شيئاً يسيراً، فإذا فتح فمه فقد ضحك، فإذا أخرج صوتاً فقد قهقه، فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا يتبسمون؛ ولذلك عائشة رضي الله عنها تقول عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعاً ضاحكاً قط حتى أرى لهواته، وإنما كان يتبسم)، عليه الصلاة والسلام.

    فنادراً ما كان يضحك صلى الله عليه وسلم حتى تبدو نواجذه، وكأن سليمان أيضاً في هذه المرة أعجبه هذا الذي قالته فضحك، وعادة الأنبياء التبسم عليهم الصلاة والسلام.

    قال تعالى: فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ [النمل:19] ودعاء الأنبياء دعاء عظيم.

    وقد علم الله عز وجل المؤمنين دعاءً نحوه في سورة الأحقاف فقال: حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الأحقاف:15].

    فينبغي على المسلم أن يدعو بمثل هذا الدعاء الكريم الطيب الموجود في سورة النمل وسورة الأحقاف، فهنا قال سليمان عليه الصلاة والسلام: رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ [النمل:19]، وهي جنس النعم، وإن كانت واحدة والمعنى: نعم، فتأتي النعمة في الإفراد والتثنية والجمع.

    إذاً: فنعمة تطلق على الواحد، والاثنين، والجمع، وعلى المذكر، والمؤنث، فعلى ذلك هنا: وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ [النمل:19] أي: جنس نعمك العظيمة التي أنعمت علي، فنسب الفضل لصاحبه، وكرر ذلك استلذاذاً بذكر النعمة، فقال: نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ [النمل:19]، ولم يقل: التي أعطيتنيها مثلاً، ولكن أنت المنعم صاحب النعم العظيمة قال: رَبِّ أَوْزِعْنِي [النمل:19]، أي: ادفعني لأن أشكر النعم، وأصل الوزع: الكف، وكأنه يقصد هنا: كفني عن أي شيء إلا أنني أشكر نعمك العظيمة التي أنعمت علي.

    وهذه قراءة الجمهور، أما قراءة ورش وقراءة البزي عن ابن كثير : (أوزعنيَ أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي)، فيذكر الإنسان النعمة عليه وعلى والديه أيضاً، ولولا أنه أنعم علينا بالوالدين لما كنا نحن.

    فهذه من نعم الله عز وجل على الولدين وعلينا، ولذلك قال: أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ [النمل:19]، أي: ادفعني للعمل الصالح وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ [النمل:19]، فقيده برضا الله سبحانه؛ فقد يرى الإنسان الشيء على خلاف حقيقته، فهو يريد العمل الصالح الذي يرضي الله سبحانه وتعالى قال: وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ [النمل:19]، فطلب نفع الدنيا ونفع الآخرة، الصلاح في الدنيا، وإدخاله منهم في الآخرة، قال: وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ [النمل:19] أي: بفضل رحمتك، واجعلني مع عبادك الصالحين.

    فطلب أن يكون من الصالحين في الدنيا وفي الآخرة.

    وفي آية الأحقاف: ذكر الله عز وجل فيها الإنسان المؤمن الذي يبلغ أشد العمر فقال: حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ [الأحقاف:15]، وهو وقت اكتمال كل شيء عند الإنسان، وهو سن الأربعين: حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الأحقاف:15]، فيستحب للمؤمن أن يقول ذلك.

    وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن قتل النمل، فعن ابن عباس رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل أربع من الدواب: الهدهد، والصرد، والنملة، والنحلة)، فلا تتعرض لها، طالما أنها ليست مؤذية، فإذا صارت مؤذية تقرص الإنسان وتؤذيه جاز له أن يدافع عن نفسه ولو بقتلها، وقد نهى عن قتل هذه الأشياء، لأنها أمم خلقها الله عز وجل تسبح ربها سبحانه، فلا معنى لقتلها من غير ذنب أذنبته، ولكن إذا آذت الإنسان جاز له أن يتخلص منها وأن يقتلها.

    وجاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة : (أن نملة قرصت نبياً من الأنبياء عليه الصلاة والسلام فأمر بقرية النمل فأحرقت)، وقد كان نزل تحت شجرة، فلما نام جاءت نملة وقرصته، فقام من تحت الشجرة وأخرج متاعه ثم أمر بحرق النمل، فأوحى الله عز وجل إليه: (أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح؟ فهلا نملة واحدة؟).

    وكأن الله عز وجل يعاتب هذا النبي أن قتل الأمة كلها، فهي نزلت تحت شجرة وستذهب، فلا معنى أن تقتل كل هذا النمل وتحرقه، بل اقتل النملة التي قرصتك فقط، فالغرض: أن هذه أمم خلقها الله سبحانه، فإذا لم تؤذ الإنسان لم يجز التعرض لها، فإن كانت تؤذيه بالسقوط على بيته وأكل طعامه جاز له أن يقتلها، ولكن يجتنب في ذلك الحرق؛ لأن الذي يحرق هو الله سبحانه وتعالى، فما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن قتل النمل فهو محمول على غير المؤذي والله أعلم.

    وللحديث بقية إن شاء الله، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.