إسلام ويب

تفسير سورة سبأ [34 - 39]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من سنن الله عز وجل أن جعل في الأرض مسلمين وكافرين، وجعل الصراع بين الحق والباطل قائماً إلى قيام الساعة، وبين سبحانه أن الميزان عنده هو الإيمان والعمل الصالح، وليس الدنيا والجاه والأولاد، فإنه سبحانه يعطي المؤمن والكافر، ولكنه يجازي المؤمن بإحسانه ويجازي الكافر بكفره.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.

    أما بعد:

    قال الله عز وجل في سورة سبأ: وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ * وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ [سبأ:34-38].

    أخبر الله سبحانه تبارك وتعالى نبيه صلوات الله وسلامه عليه والمؤمنين أن سنته في خلقه أنه سبحانه ما أرسل في قرية من نذير إلا واستكبر المترفون فيها، وكذبوا وأعرضوا وقالوا: إنا بما أرسلتم به كافرون.

    فليس ما يحدث للنبي صلى الله عليه وسلم مع أهل مكة بالشيء الجديد، وليس فعلهم بالشيء الغريب عن إخوانهم المشركين الكافرين الذين كانوا من قبلهم.

    فكل الكفار حين يأتيهم رسول من عند ربهم أول ما يواجهونه به أنهم يقولون: أنت كذاب، ويقولون: إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ [سبأ:34]، ويقيسون الدار الآخرة على الدنيا، فيقولون: نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا [سبأ:35] ويقولون: لماذا بعثك ربك أنت؟ لماذا لم يبعثنا نحن؟ نحن أعطانا الأموال وأعطانا الأولاد فنحن نستحق الدنيا فكذلك نستحق الآخرة، وبدل ما يبعثك أنت يبعث واحداً منا!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقالوا نحن أكثر أموالاً وأولاداً وما نحن بمعذبين)

    قال عز وجل: وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ [سبأ:35] بمعنى: أن ربنا أكرمنا في الدنيا بالمال والولد فكيف سيعذبنا يوم القيامة؟ فلو أن هناك يوم قيامة فأيضاً سيعطينا الكثير كما أعطانا في هذه الدنيا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ولكن أكثر الناس لا يعلمون)

    قال الله عز وجل مجيباً لهؤلاء آمراً نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم: قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ [سبأ:36] لا يبسط الرزق للمؤمنين فقط، ولا يبسط الرزق للكافرين فقط، لا يبسط الرزق لهؤلاء لأنه يحبهم ولا لهؤلاء لأنه لا يحبهم، ولكن الله عز وجل يبسط الرزق لمن يشاء، فمن شاء بسط له في الرزق وأعطاه المال الوفير والرزق الكثير، ومن شاء ضيق عليه وأعطاه المال القليل والرزق القليل، فالله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، أي: يقدر ويضيق على من يشاء سبحانه تبارك وتعالى.

    والله سبحانه عليم حكيم يقول: وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ [الزخرف:33] أي: لولا أن يصير الناس أمة واحدة على الكفر وأن يكونوا كلهم كفاراً لجعل الله عز وجل الدنيا كلها للكفار.

    ولولا أن تكون فتنة عظيمة للمؤمنين فإذا بالجميع يصيرون كفاراً: لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا [الزخرف:33-35] أي: ذهباً، وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ [الزخرف:35] ما الذي منع الله سبحانه تبارك وتعالى أن يفعل ذلك؟ من حكمته سبحانه أنه يعلم أن هؤلاء الخلق سيصلون كلهم إلى الكفر؛ لأنهم سيرون فتنة شديدة لا يقدرون عليها، فلولا ذلك لأعطى للكفار الدنيا كلها ومنع المؤمنين منها، فالدنيا ابتلاء ومحن، والدنيا لا قيمة لها عند الله سبحانه تبارك وتعالى، ولذلك جاء في الحديث: (لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء).

    فالدنيا لا تسوى عند الله ولا حتى جناح بعوضة، لذلك لا ينبغي للمؤمن أن يأخذ الكثير من هذه الدنيا.

    فلولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعل الله هذه الدنيا للكفار ولحرم المؤمنين منها؛ فإنها لا قيمة لها، ولكن حكمة الله عز وجل أبت إلا أن يعطي هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك في هذه الدنيا، كما قال عز وجل: وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا [الإسراء:20] فهو الكريم يعطي سبحانه تبارك وتعالى، ولكن العطاء الأعظم هو عطاء الآخرة التي يعطيها الله عز وجل للمؤمنين ويمنعها من الكفار، قال الله سبحانه: قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [سبأ:36] .

    إذاً: فالله عز وجل يعطي الدنيا للمؤمنين ولغيرهم، فالمؤمن يعطيه في الدنيا الرزق الحسن، ويعطيه المال الصالح، ويختبره هل يتصدق؟ هل يخرج الزكاة؟ هل يتواضع بهذا المال الذي أعطاه الله سبحانه أم أنه يغتر بهذه الدنيا؟ فالله عز وجل يعطي للمؤمن الصالح مالاً صالحاً يصلح لمثله، فينتفع به ويؤدي حق الله سبحانه تبارك وتعالى، ويؤجر عليه عند الله سبحانه تبارك وتعالى.

    ولذلك جاء في حديث رواه الإمام أحمد من حديث عمرو بن العاص رضي الله تبارك وتعالى عنه قال: (بعث إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: خذ عليك سلاحك وثيابك ثم ائتني. قال: فأتيته وهو يتوضأ) .

    و عمرو بن العاص رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم عنه وعن أخيه: (عمرو وأخوه مؤمنان) فشهد له صلوات الله وسلامه عليه بالإيمان.

    وعمرو فرح بذلك، فجاء ليبايع النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام، وكان عمرو بن العاص في جاهليته من رجال قريش ومن دهاتهم رضي الله تبارك وتعالى، ثم أسلم عمرو بن العاص بعد ذلك، وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليبايعه على الإسلام فبسط النبي صلى الله عليه وسلم يده فقبض عمرو يده وقال: أشترط. فقال: (وما تشترط؟ قال: أشترط أن يغفر لي) أي: أن ربنا يغفر لي الذنوب التي عملتها قبل ذلك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يا عمرو ! أما علمت أن الإسلام يجب ما قبله؟) أي: إذا دخلت في الإسلام غفر الله عز وجل لك ما كان قبل ذلك، فأسلم رضي الله تبارك وتعالى عنه.

    فهنا النبي صلى الله عليه وسلم علم مقدرته على القتال وأنه يصلح للقيادة فقال له: (خذ عليك ثيابك) يعني: اذهب بيتك، والبس ثيابك وخذ سلاحك وتعال فقال: (ثم ائتني، فأتيته، وهو يتوضأ، فصعد فيّ النظر ثم طأطأ) يعني: نظر إليه من أعلاه إلى أسفله رضي الله تبارك وتعالى عنه، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (إني أريد أن أبعثك على جيش فيسلمك الله ويغنمك) أي: أنا أريد أن أبعثك قائداً على جيش، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال له: (اذهب خذ عليك ثيابك وسلاحك) فلما جاء نظر إليه من أعلاه إلى أسفله فرآه مكتمل العدة، لابس السلاح ولابس الثياب التي تصلح للحرب وللقيادة، فلما جاء قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (إني أريد أن أبعثك على جيش فيسلمك الله ويغنمك وأرغب لك من المال رغبة صالحة) يعني: أنا أرغب لك أن يكون عندك شيء من المال، رغبة صالحة، فماذا كان جواب عمرو بن العاص ؟ قال: قلت: (يا رسول الله! ما أسلمت من أجل المال) قال ذلك خشية أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم يتألفه بذلك، وأنه أسلم من أجل المال، فهنا لما سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (أرغب لك من المال رغبة صالحة) يعني: أنا لست داخلاً في الإسلام من أجل المال، قال: (يا رسول الله! إنما أسلمت لأكون معك، لم أسلم من أجل المال) يعني: ولكني أسلمت رغبة في الإسلام وأن أكون معك يا رسول الله.

    وهذا جواب جميل من عمرو رضي الله عنه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يا عمرو نعم المال الصالح للمرء الصالح) .

    إذاً: الإنسان المؤمن حيث يكون معه مال هذا شيء ليس سيئاً، وليس خبيثاً، ومن أعظم المال وأصلح المال وأطيب المال ما كان من رزق حلال، ومن أعظم الرزق الحلال الرزق في الجهاد، والغنيمة في الجهاد في سبيل الله التي جعل الله سبحانه رزق نبيه صلى الله عليه وسلم في ذلك، كما قال صلى الله عليه وسلم: (وجعل رزقي تحت ظل رمحي) يعني: رزقه من جهاده في سبيل الله سبحانه تبارك وتعالى.

    فهنا ظهر لنا في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم يخبرنا أن المؤمن قد يكون له مال صالح ومال حلال، ولا مانع من ذلك، فمهما وجد مالاً كثيراً صالحاً فإن المؤمن يستعمله في مرضاة الله سبحانه تبارك وتعالى، ولذلك ربنا سبحانه لم يحرم المؤمنين من ماله في الدنيا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما أموالكم لا وأولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى ...)

    قال الله عز وجل: وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ [سبأ:37] يعني: إذا أعطيناكم مالاً وأعطيناكم ولداً فليس معنى هذا أن لكم منزلة عند الله سبحانه، ولذلك أعطيناكم المال والولد ويوم القيامة نعطيكم أيضاً الجنة؛ لأنكم تستحقون ذلك، ليس الأمر كذلك، فليس كونك غنياً يصير لك منزلة كبيرة عند الله؛ فالمال ليس هو الذي يقربك عند الله زلفى، وزلفى: قربى، وكأنه يقول: يقربكم تقريباً، وتقريباً: مفعول مطلق، فزلفى كأنها هنا على غير الفعل، والمفعول لغير الفعل، فهنا قال: بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى [سبأ:37] وأصلها: تقربكم عندنا تقريباً، يعني: تتقربون قربة عظيمة إلينا بأننا أعطيناكم هذه الأموال؛ لتقربكم هذه الأموال عند الله، إنما الذي يقربكم أن تستعملوها في طاعة الله سبحانه تبارك وتعالى.

    فالذي يقربكم هو العبادة وحب الله وحب هذا الدين العظيم، وحب الرسول صلى الله عليه وسلم وطاعة الله سبحانه وطاعة رسوله صلوات الله وسلامه عليه.

    فالمال لا يقرب العبد عند الله إلا أن يكون هذا العبد مؤمناً فيستعمل هذا المال في طاعة الله، فيقربه من الله سبحانه.

    فالله عز وجل هنا كأنه يخاطب الكفار والفجار وغيرهم: أنه لم نعطكم المال لأنكم تستحقون، ولم نعطكم المال لأن المال هذا يقربكم، فأنتم لا تستحقون ذلك؛ لأنكم تستخدمون هذا المال في طاعته.

    وقوله: إِلَّا مَنْ آمَنَ المؤمن هو الذي نعطيه المال فينفق في سبيل الله فيستحق عند الله الأجر، ويستحق عند الله الثواب العظيم.

    وقوله: إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا [سبأ:37] يعني: ولكن من آمن وعمل صالحاً، فهنا (إلا) كأنه استثناء منقطع أو أنه على الاستثناء المتصل والمعنى: ما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم أنتم أيها الكفار! إلا من كان مؤمناً فهذا تقربه؛ لأنه يستعملها في مرضاة الله سبحانه.

    وقوله: لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ يعني: الجزاء المضاعف عند الله سبحانه، وقد عرفنا من الأحاديث أن الحسنة بعشر أمثالها، وأن النفقة في سبيل الله تبلغ إلى سبعمائة ضعف، ويزيد الله لمن يشاء من فضله سبحانه تبارك وتعالى.

    فهنا لهم جزاء الضعف بما عملوا: بأعمال الخير، بإيمانهم، بصدقاتهم، بإنفاقهم في سبيل الله سبحانه تبارك وتعالى.

    وضعف الواحد اثنين، وهنا ذكر تعالى أن لهم جزاء الضعف، وقال في السورة الأخرى: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا [الأنعام:160] فعرفنا بذلك أن الحسنة تضاعف عند الله سبحانه أضعافاً مضاعفة وليست ضعفاً واحداً.

    وقال عز وجل: مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ [البقرة:261] فضاعف سبحانه ذلك إلى سبعمائة.

    فقوله: وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ [البقرة:261] دلت الآية على أن الله يكثر ويزيد من ثواب المنفق في سبيله سبحانه، وذكر في الآية الأخرى أنه يضاعف ذلك إلى سبعمائة ضعف، وقال النبي صلوات الله وسلامه عليه في الحديث: (سبق درهم مائة ألف درهم) يعني: رجل تصدق بدرهم فكان له أجر عند الله، وآخر تصدق بمائة ألف فكان له أجر، ولكن أجر صاحب الدرهم أعظم من أجر صاحب المائة ألف، فتعجب الصحابة لذلك! فالنبي صلى الله عليه وسلم بين لهم: أن هذا رجل يملك درهمين فتصدق بأحدهما، تصدق بنصف ماله، وهذا له مال كثير أخذ من عرض ماله مائة ألف، فسبق الدرهم المائة الألف عند الله سبحانه تبارك وتعالى، والله يضاعف لمن يشاء.

    فالله عز وجل يعطي من عنده وهو الرزاق الكريم سبحانه تبارك وتعالى، ويفضل بعض الناس على بعض بما يشاء سبحانه.

    وقوله سبحانه: فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا هذه قراءة الجمهور. وقراءة رويس عن يعقوب : (فأولئك لهم جزاءً الضعفُ بما عملوا) فنصب(جزاءً) على التمييز، أي: أن لهم الضعف جزاء من عند الله سبحانه تبارك وتعالى، فميز لهم هذا الثواب وأنه جزاء من عند الله سبحانه، كما قال سبحانه في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) فالله عز وجل يجزي الثواب العظيم، وعطاء الله سبحانه عطاء غير مجذوذ.

    قال: وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ هذه قراءة الجمهور: فِي الْغُرُفَاتِ بالجمع، وقراءة حمزة : (في الغرفة) على الإفراد. وكأن الغرفة هنا جنس، فإذا جاءت بلفظ الإفراد فيعني الإفراد ويعني التثنية ويعني الجمع.

    والغرفة هي أعلى ما يكون، أو هي المكان العالي الذي يحب الإنسان أن يجلس فيه، وهي أشرف المواضع، وهي أعلى الجنات عند الله عز وجل، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أهلها.

    وقد أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس الأعلى من الجنة؛ فإنها أعلى الجنة وأوسطها وفوقها عرش الرحمن، ومنها تفجر أنهار الجنة) .

    فالفردوس الأعلى هو أعلى الجنة، ولا نتخيل أن الغرفة بمعنى الغرفة التي نتكلم عنها في الدنيا؛ لأنه لا تقاس الآخرة على الدنيا، ولكن الغرف في أعالي الجنات، وفيها بساتين عالية جداً، وفيها قصور للمؤمنين لا يعلم حقيقتها وما فيها إلا الله سبحانه تبارك وتعالى.

    فقوله: فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ أي: أنهم يدخلون الجنة وأعلى الجنة، ولهم من الله عز وجل الأمن والأمان، ولذلك يقال لأهل الجنة: لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ [الأعراف:49] .

    وهذه نعمة عظيمة جداً، فمن يدخل الجنة يمنع الله عز وجل عنه الخوف، ويمنع عنه الحزن؛ فلا خوف ولا حزن.

    والخوف الغالب أنه يكون من المستقبل، فأنت خائف من الذي قدامك من المستقبل.

    والحزن يكون على الماضي، فربما حصل كذا وحصل كذا فأنت حزين عليه، لكن في الجنة لا توجد حاجة تهمك في الماضي وتسبب لك الهم والحزن، ولا شيء يخشى في المستقبل فيخوفك، فربنا سيأمنك، ويعطيك الأمان في الجنة، ويقول لأهل الجنة كما في الحديث القدسي (أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعدها أبداً) فيطمئنون وهم في جنة الخلود؛ لأنهم يعلمون أن هذا نعيم مقيم لا يزول عنهم أبداً، ولا يتحولون عنه أبداً؛ فضلاً من الله ونعمة، والله ذو الفضل العظيم سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذين يسعون في آياتنا معاجزين أولئك في العذاب محضرون)

    قال سبحانه: وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ [سبأ:38] .

    قوله: وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ السعي: العمل الدائم، فِي آيَاتِنَا في حجج الله سبحانه، يعني: يدأبون في إبطالها، ويريدون إبطال حجج الله سبحانه وسنن النبي صلى الله عليه وسلم بالتشكيك في ذلك، وبالنظر إلى أن هذه الأشياء ليست بشيء، وأن هذا القرآن ليس بمعجز، ونحن نقدر أن نأتي بمثله، فيقولون كلاماً كذباً على كتاب الله سبحانه وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ساعين دائبين في ذلك معاجزين؛ يريدون أن يفوتوا ويسبقوا ربهم سبحانه تبارك وتعالى.

    فهم يريدون أن يسبقوا ويفوتوا الله سبحانه، ويظنون أنهم يعجزونه فلا يجمعهم يوم القيامة، فهم يسعون في آيات الله سبحانه معاجزين مصرين معاندين يريدون إبطالها، ظانين أنهم يسبقون ويفلتون من الله سبحانه تبارك وتعالى.

    وقوله: أُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ [سبأ:38] يعني: يحضرهم الله ويجمعهم يوم القيامة بقول (كن) فيكون، قال سبحانه: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ [المؤمنون:101] فيجمعهم الله يوم القيامة، فكل إنسان يأتي وحده إلى ربه سبحانه؛ ليسأله عما عمل؛ فإنه ظن أنه يعجز ربه، ولكن كيف يقدر، والله أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له: كن فيكون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ...)

    قال تعالى: قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ:39] كأن الله سبحانه تبارك وتعالى في الآية الأولى أجاب عن هؤلاء الكفار فقال: وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى [سبأ:37] وهنا قال: إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ [سبأ:36] قالها لهؤلاء الكفار الذين قالوا: إن الله أعطانا في الدنيا أموالاً فسيعطينا يوم القيامة، فإنه فضلنا في الدنيا وهذا دليل على أنه سيفضلنا يوم القيامة، فالله عز وجل رد عليهم وقال: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ [الرعد:26]، وبين أنه ليست أموالكم هذه ولا أولادكم التي تقربكم عندنا، ولكن المؤمنين تقربهم؛ لأنهم آمنوا بالله سبحانه، ولأنهم تقربوا إلى الله بالإنفاق في سبيل الله، وبالصدقة على من يستحق ذلك، فأخرجوا أموالهم لربهم سبحانه، فاستحقوا من الله الجزاء العظيم.

    ثم قال لهؤلاء المؤمنين مكرراً هذا المعنى العظيم: قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ [سبأ:39] فمن المؤمنين من يعطيه الله سبحانه مالاً ويعطيه من الدنيا متاعاً، ومنهم من يحرمه منها، والله عليم خبير، والله لطيف بعباده، فهو سبحانه تبارك وتعالى يعطي إنساناً ويعلم أن هذا الإنسان لن يغره المال فيعطيه الله سبحانه منه.

    وإنسان آخر من المؤمنين الله عز وجل بعلمه وحكمته يعلم أن فلاناً هذا لو فتح له باب الرزق فسيطغى، وسيستكبر، وسيترك العبادة، وسيموت كافراً أو فاجراً أو فاسقاً، فيمنع برحمته سبحانه تبارك وتعالى عنه شيئاً، ولعل هذا الإنسان أن يكون قدامه باب رزق أوشك أن يأخذه، وأن يصير في يده، وإذا بالله عز وجل يمنعه ويأخذه غيره.

    فيغضب الإنسان ويحزن ويتضايق في نفسه، لماذا منعت من شيء كان في يدي، لكن الإنسان المؤمن يعلم أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ويضيق على من يشاء؛ لحكمة منه سبحانه.

    وحين يحرم شيئاً من الرزق يقول: لعله لو أتاني هذا الرزق لعل الله كان قدر لي مصيبة وراء هذا الشيء، ولعلي لو أخذت هذا الرزق سوف أطغى وأستكبر، ولعلي أقع في معصية الله، فربنا منع عني المعصية بمنع ذلك، فيصير هذا من رحمة الله بي، فالحمد لله سبحانه.

    وكان النبي صلوات الله وسلامه عليه إذا أعطاه الله سبحانه من رحمته وفتح له قال: (الحمد لله رب العالمين) فحمد الله. وإذا منع وابتلى بشيء من ابتلائه سبحانه قال: (الحمد لله على كل حال) فنحمد الله إن أعطانا، ونحمد الله إن منعنا؛ لأنه إن منعنا فقد أعطانا سبحانه تبارك وتعالى، فإن منعك شيئاً من الدنيا أعطاك مكانه في الآخرة، وأعطاك شكراً وأعطاك صبراً وأعطاك حمداً له سبحانه، وإن منعك شيئاً أعطاك ما هو أعظم منه، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، فليس كل الناس يعلمون هذا الشيء، فإن الله عز وجل يفتح على الإنسان المؤمن فيعلم حكمة الله سبحانه تبارك وتعالى.

    والمؤمن يعلم ويفهم فيحمد ربه سبحانه على عطائه وعلى منعه سبحانه تبارك وتعالى.

    والله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده، والكل عبيد لله سبحانه تبارك وتعالى، وكأنه في الآية الأولى ذكر الجميع، وهنا اختص المؤمنين، وكأنه يقول: أنتم يا مؤمنون! منكم من يعبد ويعطيه الله في الدنيا، ومنكم من يعبد ويضيق الله عز وجل عليه في الدنيا؛ ليس لأن هذا أفضل من هذا، ولكن الله أعطى كل إنسان ما يريد سبحانه وما يصلح لهذا الإنسان.

    فهناك إنسان لا يصلحه إلا الغنى؛ لأن الله عز وجل جعل في نفسه الكرم، وجعله يحب الإنفاق فلا يصلح مع هذا إلا الغنى، فيعطيه الله عز وجل المال فتظهر أثر النعمة عليه، فيعطي يميناً وشمالاً، وينفق لله سبحانه تبارك وتعالى، فهذا خلقه الله عز وجل لذلك.

    وقد كان سعد بن عبادة رضي الله عنه من الكرماء في المدينة، ومن المشهورين بالجود والكرم، فكان له جفنة عظيمة تدور مع النبي صلى الله عليه وسلم في بيوته صلى الله عليه وسلم.

    وبيت النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتي إليه الضيوف، ويأتي إليه الناس الذين يريدون أن يتعلموا الإسلام، فيأتون فيطعمهم، فجفنة سعد تساعد في هذا الشيء.

    وكان سعد يدعو ربه سبحانه تبارك وتعالى ويقول: (اللهم إنك أعطيتني هذا الإنفاق، اللهم ارزقني الغنى) يعني: أنا أحب الإنفاق وهذا لا يصلح إلا بغنى، فيسأل ربه الغنى، فيعطيه الله سبحانه تبارك وتعالى.

    وابنه قيس بن سعد بن عبادة رضي الله تبارك وتعالى عنه تعلم من أبيه الكرم، فكان ينفق كثيراً جداً، فقد خرج قيس في سرية فيها أبو بكر وعمر رضي الله تبارك وتعالى عنهما، وأصابتهم مجاعة، فـقيس بدأ يستلف ويستدين، فكان يستلف الجمل من الرجل وينحره ليأكل الجيش، وجعل يفعل ذلك إلى أن خشي عمر ومنعه وقال له: ليس عندك مال، المال مال أبيك، فطلب عمر من أبي بكر أن يمنعه من هذا الشيء، فمنعه.

    فلما رجع إلى المدينة كلم أباه سعداً رضي الله تبارك وتعالى عنه، وقال: أصابتنا مجاعة، قال: انحر لهم. قال: فعلت. ففرح أبوه، وانظر كيف يأمر ابنه على شيء قد مضى، فقال له: ثم أصابتنا مخمصة. قال: انحر لهم. قال: فعلت. ثم قال: منعني أبو بكر ومنعني عمر رضي الله تبارك وتعالى عنهما، فتحسر أبوه على ذلك وقال له: لو نحرت كذا وكذا لأعطيت أنا، أي: كنت سأدفع هذا كله.

    فانظر إلى الكرم، فناس لا يصلح معهم إلا الكرم، والله أعلم سبحانه تبارك وتعالى بعباده، فيعلم أن هذا يتصدق، ويزكي، ويعطي لله ولا يمن على خلق الله فيعطيه الله تبارك وتعالى.

    وهناك إنسان آخر هو مؤمن، ولكن الله يعلم أنه لو أعطى هذا لعله يعطي وينفق ويمن على صاحبه، فيضيع صدقته كلها، ولعله يمنع ويشح ويبخل، كما قال عز وجل: وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ [النساء:128]، فليس كل إنسان يكون في قلبه إيمان يكون على درجة عظيمة من البذل والعطاء، ولكن فيهم وفيهم، فالله يعلم أن هذا يصلح له المال فيعطيه، وأن هذا لا يصلح له المال فيمنعه، وأن هذا يصلح للمال لاختباره فيختبره، والله أعلم بعباده سبحانه، لذلك انظر إلى نفسك في الوضع الذي أنت عليه واعلم أنه خير الأوضاع لك؛ لأنه هو الذي أراده الله عز وجل لك.

    فالإنسان قد يشتغل شغلاً، ثم يتركه ويشتغل شغلاً ثانياً، ثم يتركه ويبحث عن ثالث؛ لأنه يبحث عن الرزق الكثير، فهنا لا تعجز ولكن احمد ربك سبحانه؛ فهو أعلم بما يصلح لك، وهذا الذي يصلح لك، وهذا الذي يصلحك لعله لو أعطاك غيره لأطغاك ولأفسدك، فهذه من نعم الله عز وجل عليك.

    معنى قوله تعالى: (وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه)

    قال سبحانه: وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ [سبأ:39] يا أيها المؤمنون! ما أنفقتم لله عز وجل من شيء فهو يخلفه سبحانه تبارك وتعالى، ويعطي مكانه.

    والحسنة بعشرة أمثالها عنده، والرزق يزيد في الدنيا، وهذا شيء عجيب جداً! وعد من الله عز وجل، والله لا يخلف الميعاد أبداً، ومستحيل أن يكون إنسان كريماً ويعطي ويتصدق والله يضيق على هذا الإنسان، بل الله يعطيه، فإن ضيق فلحكمة منه سبحانه تبارك وتعالى ولسبب معين، ولكن العادة أن الإنسان الذي ينفق الله يزيد له ماله، وصدق النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: (ثلاث أقسم عليهن - وذكر منها - ما نقص مال عبد من صدقة).

    فالإنسان الذي يتصدق الله وعده هنا في كتابه بالخلف فقال: وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ [سبأ:39] وهنا نكر الشيء، أي: ولو كان شيئاً قليلاً فإن الله سبحانه يخلف مكانه ويزيده سبحانه، ويبارك لك في رزقك وفي مالك.

    قال تعالى: وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ [سبأ:39] كان علي بن أبي طالب رضي الله تبارك وتعالى عنه يقول لأهل الأموال: أنفقوا فإني سمعت الله سبحانه تبارك وتعالى يقول: وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ [سبأ:39] فكيف تريدون أن يخلف عليكم وأنتم لا تنفقون؟

    أنفق من أجل أن ربنا يخلف عليك ويعطي لك غيره أما أنك لا تنفق وتريد أن يخلف عليك فلا.

    وجاء عن النبي صلوات الله وسلامه عليه أحاديث جميلة في ذلك، منها: ما كان يقوله لـبلال رضي الله تبارك وتعالى الصحابي الفاضل الذي عذب عذاباً شديداً في الله فهانت عليه نفسه مع شدة عذابهم له، فقد كانوا يأخذونه ويجرجرونه على الصخر في اليوم الحار الشديد القيض، ويجعلون على صدره صخرة، ويجرجرونه على الصخر؛ حتى يكفر بالله سبحانه، ويضربونه ويسلطون عليه الصبيان ليضربوه، وهو يقول: أحد أحد، يعبد الله وحده لا شريك له، هذا الصحابي الفاضل رضي الله عنه كان عبداً فاشتراه أبو بكر رضي الله تبارك وتعالى عنه وأعتقه وجعله لله سبحانه تبارك وتعالى.

    فكان بلال مع النبي صلى الله عليه وسلم، وكان هو مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم، وكان مع النبي صلى الله عليه وسلم كصاحب نفقته، وكأنه المسئول عن الإنفاق مع النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم ما كان يحب أن يأخذ معه مالاً ولا يدخر عليه الصلاة والسلام شيئاً، بل ما كان معه من مال أنفقه صلى الله عليه وسلم وأخرجه إلا أن يدخر شيئاً يكون لدين عليه، كما قال عليه الصلاة والسلام: (والذي نفسي بيده! لو كان لي مثل أحد ذهباً لم يسرني أن يمر علي ثلاث إلا وقلت هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه وشماله ومن أمامه ومن خلفه، إلا مالاً أرصده لدين) أي: إلا أن يكون علي دين فأخرجه لصاحبه حتى يأتي.

    هذا النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه كان بلال معه كصاحب النفقة، يعني: كان بلال هو الذي يأخذ مال النبي صلى الله عليه وسلم، فكان يأتي بطعام النبي صلى الله عليه وسلم، ويأتي بشراب النبي صلى الله عليه وسلم، ويأتي بغير ذلك، وكان يقول له: هات يا بلال ، اعط لفلان كذا، واعط لفلان كذا، فالنبي صلى الله عليه وسلم يأمر بلالاً فيعطي، ولعل بلال خاف أن المال سينتهي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أنفق يا بلال ! ولا تخش من ذي العرش إقلالاً) لا تخف، فإن ربنا هو الذي يرزقنا، وليس أنا الذي أعطيك، ولا الناس هم الذين يعطونا، بل يعطينا ربنا، فربنا الرزاق الكريم سبحانه تبارك وتعالى.

    فينفق بلال بأمر النبي صلوات الله وسلامه عليه، ولا يخاف نقصان النفقة، فإن الذي يخلف عليهم هو الله سبحانه تبارك وتعالى.

    وهنا حديث رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً) .

    وهذا الحديث رواه الإمام أحمد من حديث أبي الدرداء، وفيه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما طلعت شمس قط إلا بعث بجنبتيها ملكان يناديان يسمعان أهل الأرض إلا الثقلين ...) يعني: أنه ينزل ملكان من السماء، حين تطلع الشمس من عند الأفق، ويكونان بجنبتيها عند طلوعها، أحدهما عن يمين الشمس والآخر عن شمال الشمس وهي تطلع.

    قال: (يناديان يسمعان أهل الأرض إلا الثقلين) أي: كل من على الأرض يسمع إلا الثقلين: الإنس والجن، فلا يسمعون ذلك.

    قال: (ينادي الملكان: يا أيها الناس! هلموا إلى ربكم، فإنما قل وكفى خير مما كثر وألهى، ولا آبت شمس قط إلا بعث بجنبتيها ملكان يناديان يسمعان أهل الأرض إلا الثقلين: اللهم أعط منفقاً خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً) .

    هذا الدعاء من الملكين دعاء مستجاب عند الله، ولن يبعث الله ملكين يدعوان ولا يستجيب سبحانه لهما، فإن ربنا كريم عظيم يبعث ملكين يدعوان ليستجيب سبحانه تبارك وتعالى لهما.

    وتسمع الخلائق الملكين وهما يدعوان: (يا أيها الناس! هلموا إلى ربكم) أي: قوموا اعبدوا ربكم سبحانه وتعالى.

    قوله: (فإنما قل وكفى) اذهبوا إلى أرزاقكم، واطلبوا رزق الله سبحانه، ولا تطلبوه بمعصية الله، ولا تطلبوه من الحرام.

    قوله: (فإنما قل وكفى خير مما كثر وألهى) إذا أعطاك الله الرزق ولو كان قليلاً طالما أنه يكفيك فهو خير لك مما كثر فأطغاك وألهاك عن الله سبحانه تبارك وتعالى.

    وقوله: (ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، ولا آبت الشمس إلا ويقولان: اللهم أعط منفقاً خلفاً وأعط ممسكاً تلفاً) في هذا الحديث الدعاء للإنسان الكريم المؤمن الذي ينفق بأن الله يخلف عليه، ويعطيه مكان ما أنفق، ولن ينفق درهماً ويعطيه درهماً مكانه، ولكن الله أكرم سبحانه يعطي العطاء الكثير سبحانه.

    يقول: (وأعط ممسكاً تلفاً) أي: الذي يمسك ماله ويشح على الناس ويبخل يعطيه التلف، فيتلف له ماله، أو أنه يجعل فقره في قلبه، والإنسان الذي ينفق يجعل الله غناه في قلبه، فقد يكون فقيراً قليل المال، ولكن يستشعر أنه أغنى الخلق، وأنه إنسان غني غير محتاج لأحد، وتراه يأكل ويشرب مثل غيره ولا يحتاج إلى أحد، فيجعل الله غناه في قلبه، فهذا المؤمن وإن أفقرت يده ولم يكن فيها الكثير فإنه غني في قلبه.

    وتجد إنساناً معه مال كثير والله جعل في قلبه الشح والفقر، يظن أن ماله سينتهي، وتراه يقول: ربما أن ربنا يبتليني بمرض وأحتاج إلى فلوس كثيرة، وربما أدخل مستشفى في يوم من الأيام فأحتاج كذا، فتراه خائفاً أنه سيحصل له في يوم من الأيام كذا، فلم يحصل له شيء، ومات والمال ذهب لغيره ولم يأخذ منه شيئاً! ولا حول ولا قوة إلا بالله، فالغنى غنى القلب.

    معنى قوله تعالى: (وهو خير الرازقين)

    قال الله سبحانه: وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ:39]. (وَهُوَ) هذه قراءة الجمهور، ويقرؤها قالون وأبو جعفر وأبو عمرو والكسائي : (وَهْوَ خير الرازقين).

    وقوله: وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ:39] هو سبحانه تبارك وتعالى خير الرازقين، فمن الذي يرزق غير الله سبحانه تبارك وتعالى؟ الرزاق هو الله سبحانه وحده لا شريك له، ولكن تعارف الناس في الدنيا على أن الواحد منهم يأخذ رزقه من بيت المال، ويأخذ أجرته من فلان، فكأن الناس يرزق بعضهم بعضاً على معنى من المعاني، والله هو الرزاق سبحانه، والعبد يرزق أخاه، يقول: رزقته اليوم، أي: أعطيته مالاً اليوم، لكنه يعطي من مال ينفد، والله سبحانه يعطي من مال لا ينفد، والعبد يعطي من مال غيره، فإن المال الذي في يده مال الله وليس ملكاً له حقيقة، والله يعطي من ماله الذي خلقه والذي يرزق به عباده سبحانه تبارك وتعالى.

    فإذا قلنا: فلان يرزق فلاناً، وفلان يرزق فلاناً، فهذا كله لا شيء؛ فإن الله هو خير الرازقين سبحانه تبارك وتعالى، فهو الرزاق الكريم ينفق ويقول للشيء: كن، فيكون، وخزائن الله ملأى لا تغيظها نفقة، قال عليه الصلاة والسلام: (أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات إلى أن تقوم الساعة؟ فإنه لم يغض مما في يده سبحانه وتعالى شيئاً).

    وهو الذي يقول لعباده كما في الحديث القدسي: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط -الإبرة- إذا أدخل البحر) .

    فإذا وضعت الإبرة في البحر وأخرجتها فإنها لا تنقصه شيئاً، ولو أن إنساناً يقول: نقصت منه شيئاً، فيقال عنه: إنه مجنون لا يفهم، فالإبرة تدخل البحر وتخرج من البحر وهو أمامنا مثلما هو، كذلك خزائن الله عظيمة واسعة مهما أنفق منها لا ينقص منها شيء، فهو سبحانه تبارك وتعالى خير الرازقين.

    نسأله من رزقه وفضله ورحمته سبحانه، ونسأله الفردوس الأعلى من الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.