إسلام ويب

تفسير سورة سبأ [15 - 19]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • قصة سبأ فيها عبرة وعظة لكل من يأتي بعدهم إلى يوم القيامة، فبعد العز الرفيع، والراحة العظيمة، والنعم الجليلة صاروا إلى ما صاروا إليه من تفرق وتشتت، حتى ضربت بهم الأمثال، وسارت بحديثهم الركبان، وما حصل لهم ما حصل إلا بسبب كفرهم وإعراضهم عن الله، فعلى المسلم أن يشكر نعم الله عز وجل ليحافظ عليها من أن تسلب منه فالشكر قيد النعم.

    1.   

    نعم الله عز وجل على عبديه داود وسليمان عليهما السلام

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    أما بعد:

    قال الله عز وجل في سورة سبأ: لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَي أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ * وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ * فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [سبأ:15-19].

    يذكر الله عز وجل لنا في هذه الآيات قصة سبأ وما صنع الله عز وجل بهم، فقد كان في قصتهم عبرة عظيمة وآية كبيرة لمن يعتبر.

    وقد ساق الله عز وجل لنا قبل ذلك إشارات إلى ملك سليمان وإلى ملك داود عليهما السلام، وكيف أنه أنعم عليهما فعبداه سبحانه تبارك وتعالى حق العبادة، فقد كان داود عليه الصلاة والسلام نبياً وملكاً، وقد آتاه الله من الملك أشياء عظيمة من فضله سبحانه تبارك وتعالى، فقد سخر له الجبال يسبحن، والطير يجتمعن حوله وفوقه إذا قرأ الزبور، وسهل له الزبور فكان يقرؤه في فترة وجيزة جداً، حتى إنهم ليسرجون له فرسه فيقرأ الزبور كله خلال هذا الوقت، وهذا من نعم الله عز وجل عليه، وسخر له الحديد، كما قال تعالى: وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ [سبأ:10-11]. وقد أمر الله آل داود أن يعملوا لله شكراً، فقال تعالى: اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ:13]. ومن آل داود عليه الصلاة والسلام سليمان عليه الصلاة والسلام الذي دعا ربه أن يؤتيه ملكاً لا يكون لأحد من بعده، فقال: وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [ص:35]، فأعطاه الله عز وجل سؤاله، قال تعالى: فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ * هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [ص:36-39]. أي: هذا عطاء من الله سبحانه تبارك وتعالى، يرينا بذلك كيف يعطي العبد في الدنيا ليتخيل ما الذي يفعله في الآخرة سبحانه تبارك وتعالى. فإذا كان هذا الملك كله جعله لعبد من عباده في الدنيا التي لا تساوي شيئاً، فكيف يعطي في الآخرة سبحانه تبارك وتعالى؟! فقد سخر له في الدنيا من الجن من يغوصون له، ويعملون عملاً دون ذلك. فكانت الجن تعمل له في البر وفي البحر، كما قال تعالى: وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ [ص:37] أي: منهم من يبني له البيوت العالية والقصور والمحاريب، ومنهم من يغوص في البحر ليأتيه بما في البحر من درر، ومن أشياء جعلها الله عز وجل فيها، كالطعام البحري. وهم يفعلون بأمره ما يشاء. قال تعالى: وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ [سبأ:12].

    وقال: وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ [ص:38] أي: منهم من قرنهم الله عز وجل في الأصفاد؛ تخويفاً لغيرهم، وجعل لسليمان أن يعذب من يشاء منهم. قال تعالى: هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [ص:39] أي: لن نحاسبك على ذلك، ولا شيء عليك لأنك تعمل بأمرنا في ذلك.

    فشكر ربه سبحانه، وعمل له سبحانه، وصلى وصام له سبحانه، فكان من أحسن الناس عبادة، وضربت بعبادة داود وببكائه وبأوبته إلى ربه سبحانه تبارك وتعالى الأمثال. وقد ذكر لنا ذلك سبحانه لنتعظ ونعتبر بأن الإنسان مهما أوتي ملكاً في الدنيا فإن الملك الحقيقي لله. قال تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الملك:1].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لقد كان لسبأ في مسكنهم آية...)

    ثم ساق الله لنا بعد ذلك قصة أخرى لنرى ما في آيات الله من عجائب، وما في تدبير كونه من ابتلاء لخلقه وفتن. قال تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [الأنبياء:35]. فيبتلي الله سبحانه تبارك وتعالى عباده بالخير، فينعم عليهم نعماً عظيمة طائلة، فيعطيهم البساتين والجنات والعيون والأنهار والأبناء والعبيد والأموال، ابتلاءً منه سبحانه، كما قال تعالى: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك:2] أي: من يشكر نعمة الله سبحانه ويعرفها فيؤتيها حقها، ومن يكفر بنعم الله سبحانه فيكذب ويظن أن الله ما أعطاه إلا لفضله، كما يقول البعض من هؤلاء، وقد أرانا الله عز وجل آية من الآيات، فقد أعطى هذه النعم لقوم فلما لم يشكروها استجلبوا على أنفسهم النقم، فجعلهم آية، وفرقهم بعد اجتماعهم وصاروا مثلاً وعبرة للناس، يضرب بهم الأمثال، فيقولون: تفرقوا أيدي سبأ. أي: كما تفرق أهل سبأ يميناً وشمالاً، ويقولون: فلان تفرق شذر مذر كأيدي سبأ. قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ [سبأ:15].

    فقوله: لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ [سبأ:15] هذه قراءة الجمهور على أنها: مصروفة مجرورة.

    وقرأ قنبل عن ابن كثير : (لقد كان لسبأْ في مسكنهم آية) بالتسكين فيها.

    وقرأ البزي عن ابن كثير وهي قراءة أبي عمرو : (لقد كان لسبأَ في مسكنهم آية) على أنها: ممنوعة من الصرف، وكأنها اسم للقبلية.

    وسبأ أبوهم وسميت القبيلة بعده باسمه. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث عندما سأله رجل: (يا رسول الله! ما سبأ؟ أرض أم امرأة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا هي أرض ولا هي امرأة، ولكنه رجل ولد له من الولد عشرة فسكن اليمن منهم ستة، وبالشام منهم أربعة، فأما اليمانيون فـمذحج وكندة والأزد والأشعريون وأنمار وحمير، وأما الشامية فـلخم وجذام وغسان وعاملة).

    فـسبأ هو أبوهم، وكأن سبأ لقب له، قالوا واسمه: عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان، فهو قحطاني من أبناء يعرب بن قحطان . وكان أول من سبى من العرب، أي: أول من أسر وأخذ السبي، فلقب سبأ للأسر الذي كان يصنعه، وقيل: إن الرجل كان مؤمناً، فالله أعلم بأمره. لكن الغرض أن هذا كان قبل الإسلام بفترة طويلة.

    قال الله سبحانه:

    (فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ) فيها ثلاث قراءات: الأولى: (فِي مَسْكَنِهِمْ)، وهي قراءة حفص عن عاصم وقراءة حمزة .

    والثانية: (في مسكِنهم)، وهي قراءة الكسائي بكسر الكاف فيها.

    والثالثة: (في مساكنهم)، وهي قراءة باقي القراء، على تعدد المساكن والبيوت التي كانوا فيها.

    قال تعالى: (آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ) أي: كان لهم في مساكنهم آية عظيمة. وكان لهم جنتان، فإذا نظر الناظر عن يمينه وجد الجنات -والجنة: البستان العظيم- وإذا نظر عن شماله وجد الجنات. أي: بساتين عن اليمين وبساتين عن الشمال. وكلما مر الإنسان من هناك رأى عن اليمين وعن الشمال هذه البساتين.

    نبذة وجيزة عن دولة سبأ

    كانت سبأ دولة من الدول قبل الإسلام بأكثر من ألف عام، واستمر الملك للتبابعة فيهم بعد ذلك إلى قبل الإسلام بفترة وجيزة تصل إلى مائة وخمسة عشر عاماً، ثم حدثت أشياء ذكرها أهل التواريخ، والله أعلم بما كان فيها. فالغرض أن ملك التبابعة كان موجوداً هناك إلى قبل الإسلام.

    والتبابعة من أحفاد سبأ أيضاً. ويطلق لقب (تبع) على كل من ملك اليمن وحضرموت..

    يقول الحافظ ابن كثير : كانت العرب تسمي كل من ملك اليمن مع الشحر وحضرموت (تبعاً)، كما يسمون ملك الشام مع الجزيرة (قيصراً)، ومن ملك الفرس يسمونه بـ(كسرى)، ومن ملك مصر يسمونه (فرعون)، ومن ملك السودان والحبشة يسمونه (النجاشي)، ومن ملك الهند يطلقون عليه (بطليموس)، فهذه ألقاب يطلقونها على الملوك التي كانت تملك هذه الأماكن، ولهم أسماء غيرها.

    ومن جملة الملوك الذين ملكوا أرض سبأ في يوم من الأيام الملكة بلقيس ، فقد ملكتها في عهد سليمان النبي على نبينا وعليه الصلاة والسلام. فقد رجع الهدهد بعدما تأخر عن سليمان وأخبره أنه وجد هؤلاء القوم يسجدون للشمس من دون الله، وأنه وجدهم تملكهم امرأة ولها عرش عظيم. قال: وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ [النمل:24]. ثم أسلمت بلقيس مع سليمان لله رب العالمين.

    وأما هؤلاء القوم فقد كانوا قبل ذلك. وقد ذكر الله سبحانه تبارك وتعالى في أمرهم أنه قال لهم: كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ [سبأ:15] أي: هذا رزق عظيم دار عليهم، فكلوا من هذا الرزق الذي أعطاكم الله، واشكروا له سبحانه تبارك وتعالى. فالرزق من الله ليس منكم أنتم، فاشكروا له، فهو الرزاق سبحانه، فقد أعطاكم هذه البلدة الطيبة، وهو الرب العظيم الغفور. فقد كانت بلدتهم بلدة طيبة، ليست أرضاً طينية ولا أرضاً رملية، وفيها ما شاء الله عز وجل من الثمار والنبات، وقد أعطاهم الله فيها خيراً عظيماً وفيراً، فكانوا يأكلون ويشربون ويتنعمون، وقد كان هواؤها هواء طيباً، حتى إنهم ليقولون: إن الهوام كانت لا تعيش في هذه الأماكن من طيب هوائها، ومن طيب منبتها، فكانت من طيب هوائها لا توجد فيها العقارب والأشياء الخبيثة التي تؤذي.

    قال الله عز وجل: بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ [سبأ:15]، وهذه نعمة عظيمة جداً من الله سبحانه، فكان المفترض في هؤلاء أن يشكروا نعم الله سبحانه تبارك وتعالى، وأن يعبدوه حق العبادة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم...)

    قال تعالى: فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَي أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ [سبأ:16].

    فقوله: فَأَعْرَضُوا ، أي: أعرضوا عن هذه النعمة التي أعطاهم الله سبحانه، وأعرضوا عن عبادة الله سبحانه تبارك وتعالى.

    قال تعالى: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَي أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ [سبأ:16]. فلما كفروا النعمة عجل الله عز وجل بذكر العذاب قبل أن يذكر السبب، وذلك أنهم لما كفروا بنعمة الله استحقوا العذاب. فقد أعرضوا عن شكر الله سبحانه، وجحدوا نعمته سبحانه. قال تعالى: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ [سبأ:16] أي: السد العالي الذي وراءه الماء العظيم، فهذا السد هدمه الله سبحانه تبارك وتعالى لأسباب عجيبة جداً، فسال عليهم الماء كالجيش العرمرم الشديد الصعب، فأغرق كل شيء وأتلف كل ما أتى عليه، والمقصود بالعرم السد أو السيل، أي: السيل الصعب الذي لا يقدر أحد على منعه ولا على صده، وقد كانت المياه تسيل عندهم بين جبلين، ففكروا ببناء سد للاستفادة من هذه المياه، فبنوا سداً اسمه سد مأرب، ومأرب اسم القرية التي كانت هناك. وكأن مأرب بمعنى: المياه، أي: سد المياه الذي تجمع المياه خلفه، فبنوا بين الجبلين الذي كان يسيل بينهما الماء سداً، حتى وصلوا بالسد إلى الأعلى قمم الجبال، وهذه من نعم الله عليهم، أن سخر لهم ما يبنون به هذا السد، فارتفع الماء خلف السد حتى بلغ الجبال، فزرعوا الجبال واستفادوا منها أعظم الاستفادة.

    فاجتمع لهم الهواء الطيب والنبات العظيم والبساتين المثمرة، فلم يشكروا ربهم سبحانه تبارك وتعالى أن سخر لهم هذا الجبل، وهذا السد، وهذا الماء، فاستحقوا سلب هذه النعمة، فسلط الله عز وجل عليهم من يهدم عليهم هذا السد المرتفع. فسخر شيئاً عجيباً جداً وهو الجرذ (الفأر)، سخره الله سبحانه تبارك وتعالى وسلطه على هذا السد، فأكل أسفله فانهار السد فإذا بالمياه تغرق كل شيء أمامها.

    قال سبحانه: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ [سبأ:16] أي: جنتين أخريين بدل البستانين اللذين كانا فيهما من كل الثمرات، ومن كل نعم الله العظيمة.

    قال تعالى: جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَي أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ [سبأ:16] والأكل والأكُل يعني: الجنا.

    قرأها نافع وابن كثير: (أُكْل)، بتسكين الكاف. وقرأها الجمهور: (أكُلٍ).

    وقرأها أبو عمرو ويعقوب : (ذواتي أُكُلِ خمطٍ)، بالإضافة إليها.

    و(الخمط) كأنه الحامض، يقال: لبن خامط أي: ابتدأ يتغير ولم يصل إلى درجة الحموضة التي لا يقبل معها.

    وكذلك الثمار بعدما كانت ثماراً يانعة عظيمة جميلة في طعمها تحولت إلى هذا الشيء العجيب، وأصبح الثمر ثمراً خامطاً أي: فيه طعم الحموضة، فلا يصلح للأكل إلا بمرارته وحموضته وملوحته.

    وقوله تعالى: وَأَثْلٍ هي: شجر الطرفاء، وهو شجر فيه الشوك. فبعد الجنات العظيمة أصبحت الأشجار تنبت لهم الشوك، وأصبح طعم النبات والثمار مالحاً وحامضاً بكفرهم وببغيهم.

    قال تعالى: وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ [سبأ:16] والسدر: النبق. أي: شجر النبق، فحتى يحصلوا على هذا النبق كانوا يصعدون شجرته العالية حتى يحصلوا على قليل منه، ولا ينفعهم شيئاً. كما يقال: هذا لحم جملٍ غث على رأس جبل وعر، لا سمين فينتقى ولا سهل فيرتقى. أي: لا اللحم سمين حتى نذهب إليه، ولا الجبل سهل فنرتقي عليه. وكذلك هؤلاء أبدلهم الله عز وجل بهذا بعد الثمار الطيبة التي كانوا فيها قبل ذلك. فضاع كل ذلك وصاروا إلى ما صاروا إليه بكفرهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ذلك جزيناهم بما كفروا...)

    قال تعالى: ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ [سبأ:17] أي: ذلك الجزاء العظيم الفضيع من الله سبحانه بكفرهم، فقد كفروا وعبدوا غير الله، وكفروا بنعم الله سبحانه فلم يشكروها.

    قال تعالى: وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ هذه قراءة حفص عن عاصم ، وقراءة حمزة والكسائي وخلف ويعقوب .

    وقرأها الباقون: (وهل يُجازى إلا الكفور)، وليس المقصود بأن الكفور فقط هو الذي يجازى، وإنما المقصود: إنما يجازى مثل هذا الجزاء الصعب الشديد من كفر بالله، وكفر بنعمه سبحانه، فاستحق أن يباد وأن تسلب منه النعم، وكذلك استحق نار جهنم يوم القيامة، ولا ينفعه شيء.

    وفي الصحيحين عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من نوقش الحساب عذب)، وفي رواية: (من حوسب هلك، فقالت السيدة عائشة رضي الله عنها: أليس الله يقول في المؤمن: فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق:8] ؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ليس ذاك، ولكنه العرض) أي: أن المؤمن يعرض الله عز وجل عليه كتابه، ويقول له: فعلت كذا يوم كذا، ثم يعفو عنه ويتجاوز سبحانه تبارك وتعالى. وأما الإنسان الكافر فالله عز وجل يناقشه الحساب، وكل من نوقش الحساب عذب، سواء كان كافراً أو عاصياً صاحب كبائر أو فاسقاً أو فاجراً فمن نوقش الحساب أهلكه الله وعذبه يوم القيامة.

    وهنا يذكر لنا ربنا سبحانه أنه لا يجازى الجزاء الذي لا ينفع معه شيء إلا الإنسان الكافر، حتى ولو كان له عمل صالح في الدنيا، ولكن كفره جعل عمله غير مقبول، فلا ينفعه عمله، قال الله سبحانه: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23] أي: أخذنا أعمالهم وبعثرناها فلا تنفع أصحابها يوم القيامة لكفرهم. فهل يجازى إلا الكفور؟! أي: الجزاء الأوفى، والمعنى: أن الكافر يجازى أشنع الجزاء على كفره، ويوفيه الله عز وجل على كل شيء فعله، ولذلك حين يقال لأهل النار: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ [المدثر:42-47].

    فجوزوا على كفرهم، وعلى بقية الأعمال التي لا تصل إلى هذه الدرجة، فيحاسبهم الله على كل شيء.

    إذاً: فكأنه يقول في الآية: هل يجازى الجزاء الوافي على كل عمل يعمله إلا من كفر بالله فاستحق ذلك؟!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة ...)

    ثم بعد أن ذكر سبحانه عذابهم وإبادتهم وإهلاك أرضهم ذكر سبحانه الأسباب التي عملها هؤلاء، وهي أنهم أعرضوا عن الله سبحانه، وكأن الله أرسل إليهم أنبياء يدعونهم فلم يؤمنوا بالله سبحانه ولم يذكروا ربهم بل كفروا ولم يشكروا، قال تعالى: وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ [سبأ:18] هنا يذكر سبحانه باقي نعمه على هؤلاء، فقال: وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا [سبأ:18]، والقرى المباركة هي قرى الشام. فهم كانوا في اليمن، فإن سبأ ومأرب بجوار صنعاء. فجعل الله عز وجل من صنعاء إلى الشام قرىً، كل قرية تتلو قرية، ووراء كل قرية قرية، حتى إن المسافر للتجارة من اليمن إلى الشام كان لا يحتاج إلى زاد ولا إلى ماء في الطريق. ويجد الجنات والعيون من خروجه حتى يصل، ومن هناك حتى يرجع إلى أرضه!

    قال تعالى: قُرًى ظَاهِرَةً ، أي: ليست باطنة ومختفية. وأنت إذا سافرت في الطريق البري من الإسكندرية للعمرة أو للحج فإنك تمر على صحار شاسعة، ولا تجد قرية إلا بعد تعب ومشقة ولا تجدها على الطريق. وتحتاج إلى من يدلك عليها. وأما قوم سبأ فقد جعل الله عز وجل لهم القرى ظاهرة ليست مختفية، ولا يحتاجون إلى من يدلهم عليها، وجعل الله عز وجل لهم الأرض كلها بساتين وجنات وعيون في الطرق جميعها، فكانوا يصبحون في ذلك ويمسون فيه. فإذا سافروا وانتقلوا من مكان إلى مكان، أو من قرية إلى قرية لا يحتاجون إلى حمل شيء من الأمتعة معهم في الطريق.

    قال تعالى: وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ [سبأ:18] وأتى فيها بنون العظمة سبحانه تبارك وتعالى. وإذا قدر الله سبحانه فمن المستحيل أن يأتي الشيء على خلاف تقديره سبحانه. فقدر سبحانه الوقت الذي يستغرقونه في المشي في القرى، حتى إذا أمسوا أمسوا في قرية، وإذا أصبحوا ومشوا قليلاً رأوا القرية الأخرى، ويبيتون في قرية أخرى، حتى لا يتعبون.

    نعمة الله بالأمن والأمان على قوم سبأ

    قال تعالى: سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ [سبأ:18] أي: سيروا ما شئتم من الأيام والليالي في خلال هذه القرى آمنين. والإنسان إذا سار من قرية إلى قرية أخرى بعيدة فإنه يسير خائفاً من اللصوص وقطاع الطريق، وأما إذا مشى في قرى متقاربة فلا يخرج من قرية حتى يدخل قرية أخرى، وكان الناس في كل طريقه فلا يخاف من قطاع الطرق. فجعل الله عز وجل بلدة هؤلاء القوم بلدة طيبة، وهواءها نقياً، ولا توجد فيها الهوام، وفيها من الثمار والأشياء التي يحتاجونها الشيء الوفير والنعم الكثيرة، وفيها الأمن والأمان. وقد جاء في حديث النبي صلوات الله وسلامه عليه أنه قال: (من بات آمناً في سربه، معافىً في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها). فإذا كان الإنسان في أمان وهو في بيته وعنده طعامه وشرابه ولا يوجد أحد يسأله أي دين فهو ملك في مكانه، فماذا يريد أكثر من هذا؟ فهؤلاء كانت عندهم الدنيا كلها وكفروا بالله عز وجل ولم يحمدوه ولم يشكروه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا..)

    قال تعالى: فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [سبأ:19] أي: هؤلاء كفروا بالله عز وجل وهم يعلمون أنه الرب. والكافر يعرف أن الرب هو الذي يخلق ويرزق، ولكن لا يتوجه له بالعبادة بل يشرك به غيره سبحانه تبارك وتعالى.

    قال تعالى: فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا [سبأ:19]، وهذه قراءة الجمهور.

    وقرأها يعقوب : (فقالوا ربُّنا باعَدَ بين أسفارنا)، على صيغة الإخبار، أي: أن ربنا قد باعد بين أسفارنا.

    وقرأها ابن كثير وأبو عمرو وهشام : (ربَّنا بعِّد بين أسفارنا).

    وكل قراءة يقصد بها معنى. ولكن مجمل الكلام ومضمونه أنهم ملوا من الراحة وتعبوا منها، وبطروا، فاستحقوا الشقاء، مثل بني إسرائيل عندما لم يعجبهم المن والسلوى ضرب الله عز وجل عليهم التيه، يتيهون في الأرض أربعين سنة، ولا يصلون إلى بيت المقدس. فكانوا يقطعون الطريق في متاهة ولا يعرفون كيف يصلون إلى بيت المقدس، فلما جاعوا سألوا ربهم الطعام وهم في العقوبة، فأنزل الله عليهم الطعام المن والسلوى، وهما عسل من الشجر وطائر السمانى، يأكلون ما شاءوا ولا يدخرون شيئاً، ثم اشتاقوا إلى البقل، فقالوا: فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا [البقرة:61] أي: كل الوقت ونحن نأكل عسلاً ولحماً، فنريد أن نأكل ثوماً وبصلاً وجرجيراً وبقلاً من الأرض. فتعنتوا ورفضوا هذه النعمة العظيمة وطلبوا هذه الأشياء. فقال لهم: انزلوا أي قرية من القرى، اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ [البقرة:61] أي: اذهبوا وكلوا الثوم والفول والعدس، واتركوا هذه النعم العظيمة التي تأتيكم بغير تعب. فالإنسان الذي يبطر من نعم الله سبحانه يستحق أن يحرم.

    فهؤلاء قالوا: رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا [سبأ:19]. وكأن قولهم هذا على وجه التهكم. أي: أسفارنا قليلة جداً، فنريد سفراً طويلاً، وطلبوا ذلك من الله سبحانه تبارك وتعالى الذي لم يشكروه ولم يعبدوه سبحانه، بل وجهوا العبادة إلى غيره.

    وعلى قراءة يعقوب : (ربُّنا باعَدَ بين أسفارنا) أي: كأنهم قالوا مستهزئين: انظروا كيف أن ربنا باعد بين أسفارنا، فبين كل قرية وقرية قرية في الوسط. يقولون ذلك على وجه التهكم.

    وأما على قراءة: (ربَّنا بعِّد بين أسفارنا) أي: اجعل سفرنا بعيداً. لماذا جعلته قريباً؟

    عقاب الله لأهل سبأ

    فلما قالوا ذلك وظلموا أنفسهم بذلك قال الله سبحانه: وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ [سبأ:19] أي: جعلنا حديثهم على كل لسان. وكل أحد يقول: هل رأيتم كيف فعل الله بأبناء سبأ ؟ أرأيتم كيف فرقهم الله يميناً وشمالاً؟ أرأيتم ربنا كيف بددهم؟ فصار يضرب بهم الأمثال على خيبة الحال وعلى ما آل إليهم هذا المآل بكفرهم وببغيهم وبخروجهم عن طاعة ربهم سبحانه تبارك وتعالى.

    قال تعالى: وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ [سبأ:19] أي: فرقناهم بعدما كانوا مجتمعين في بلدة واحدة، فتفرقوا في البلدان، فأصبح هؤلاء هنا وهؤلاء هنا، وذهبوا إلى كل مكان.

    قال تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [سبأ:19] أي: لا يعتبر بذلك إلا من عرف نعم الله سبحانه، وصبر عن المعاصي، وتأسى بأفعال الصالحين، كنبينا صلى الله عليه وسلم وكداود وسليمان وغيرهم عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، فهؤلاء هم الذين يعتبرون بالآيات، وأما من ترك الاعتبار بالآيات فقد وقع فيما وقع فيه هؤلاء الناس الذين فرقهم الله سبحانه تبارك وتعالى.

    يقول ابن عباس رضي الله عنه: لم يخرج من اليمن جميع قبائل سبأ، فست قبائل بقوا في اليمن يأكلون من هذه الثمار الرديئة، وأربع قبائل خرجوا إلى الشام فتفرقوا هنالك. والذين بقوا: الأزد ومذحج وكندة والأنمار والأشعريون وحمير. وتفرق الآخرون فذهبوا إلى الشام، ومنهم من توجه إلى مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، فكان من ذريتهم بعد ذلك الأوس والخزرج، ونزلت عليهم اليهود وحصلت محالفات بينهم، حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وأدخل الله عز وجل الإسلام المدينة وطيبها سبحانه تبارك وتعالى.

    فالغرض: أن الله سبحانه جعل هؤلاء عبرة وقال: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [سبأ:19] أي: كثير الصبر على قضاء الله وقدره. شَكُورٍ [سبأ:19] أي: يشكر نعم الله سبحانه، ويصبر عن المعاصي فلا يقع فيها، ويصبر لأمر الله، ويشكر الله سبحانه إذا أعطاه النعم. فيمن الله عليه بالعلم والمعرفة ويمن عليه بالإيمان وبالصبر، فيصبره على قضائه وقدره.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.