إسلام ويب

تفسير سورة يس [1 - 6]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • سورة يس لها خصائص ومميزات السور المكية، وهي إحدى السور التي بدأها الله بالحروف المقطعة، ليبين عظم بلاغة هذا القرآن، ويتحدى به المشركين أن يأتوا بآية مثله، ولسورة يس فضائل وإن كانت الأحاديث التي تدل على فضلها ضعيفة، وهي تركز على أمور العقيدة، والإيمان بالبعث والجزاء والحساب والجنة والنار.

    1.   

    خصائص ومميزات سورة يس

    ما اشتملت عليه سورة يس

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة يس: بسم الله الرحمن الرحيم. يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ * لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ * وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [يس:1-10].

    سورة يس هي السورة السادسة والثلاثون من كتاب الله سبحانه وتعالى، وهي سورة مكية وقيل: الآية الخامسة والأربعون مدنية.

    وآيات هذه السورة بحسب العد الكوفي ثلاث وثمانون آية، وبحسب عد غيرهم اثنان وثمانون آية، والاختلاف في عدد آياتها بسبب الخلاف في (يس) هل هي آية منفصلة أم هي جزء من الآية التي تليها؟ فمن عدها منفصلة يعد آيات السورة ثلاثاً وثمانين آية، ومن يعدها متصلة مع ما بعدها يعد آيات السورة اثنتين وثمانين آية.

    وسورة يس فيها من خصائص السور المكية ما هو معروف في قراءتك لهذه السورة، فتجد خصائص السور المكية واضحة في الرد على المشركين، وفي التأكيد على توحيد الله سبحانه، وعلى أمور العقيدة، والإيمان بالبعث والجزاء والحساب والجنة والنار، كذلك إثبات صفات الأنبياء وما يعتبر فيهم، وإثبات قضاء الله سبحانه وقدره، وإثبات علم الله سبحانه وتعالى، والكلام عن الحشر، وشكر الله سبحانه وتعالى والحث على ذلك، ومعجزة هذا القرآن وكيف أن هذا القرآن الحكيم من عند رب العالمين سبحانه وتعالى، وإثبات الجزاء على فعل الخير، والجزاء على فعل الشر مع ذكر الأدلة الكونية من الآفاق ومن أنفس الناس؛ ولذلك سميت هذه السورة بقلب القرآن، وجاء فيها حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    أغراض هذه السورة: فيها التحدي بإعجاز هذا القرآن العظيم، والتحدي بدأ بـ يس [يس:1] وهما حرفان من حروف المعجم اللغوي، يتحدى الله بهما الكفار ويقول: وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ [يس:2] وصف الله سبحانه القرآن بأنه حكيم، ومن أسماء الله الحسنى الحكيم، والقرآن كتاب أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ [هود:1] فهو كتاب حكيم محكم.

    فهو القرآن الذي أنقذ الله عز وجل به العرب من الكفر بالله ومن الشرك من الضلال إلى الإيمان والدخول في دين النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    وضرب الله عز وجل في هذه السورة المثل للفريقين: فريق أهل الإيمان وفريق أهل الكفر والطغيان لعلهم يتعظون ولعلهم يتذكرون.

    ضرب المثل بالأعم وهم القرون السابقة: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ * وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ [يس:31-32].

    كذلك تخلص من ذلك إلى الاستدلال على تقرير البعث وإثباته بالاستقلال مدمجاً في آياته سبحانه من خلال ذلك الامتنان بنعمه سبحانه تبارك وتعالى، ويخرج من إثبات شيء إلى شيء آخر من غير أن تشعر بالخروج ويسمونه بحسن التخلص فتخرج من شيء إلى شيء، وأنت في سياق واحد عظيم جميل، وذهنك لا يذهب عن هذا السياق بل يشدك إليه.

    وقد بدأ الله سبحانه وتعالى في هذه السورة بالقسم بهذا القرآن العظيم، وأنه من جنس الحروف التي تتكلمون بها، فهو قد أعجزكم أن تأتوا بمثله وانتهى بالتذكرة بقضاء الله وقدره، قال تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [يس:82-83] .

    هذه السورة ذكرنا أنها سورة مكية نزلت والنبي صلى الله عليه وسلم في مكة، وفي ترتيب نزول القرآن تعتبر الحادية والأربعين على ما ذكره جابر بن زيد ، نزلت بعد سورة الجن وقبل سورة الفرقان.

    اختلاف العلماء في الآية المدنية من يس

    واختلف العلماء في الآية التي قالوا فيها إنها مدنية فقالوا: قول الله عز وجل: وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ [يس:12] هذه آية مدنية.

    وجاء فيها حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه خلت البقاع حول مسجد النبي صلوات الله وسلامه عليه، فأرادت بنو سلمة أن تقرب من مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وخشي النبي صلى الله عليه وسلم أن تخلو جوانب المدينة) فهم في أطراف المدينة حماية لها، فإن كان الجميع يتركون أطراف المدينة ويأتون إلى جوار النبي صلى الله عليه وسلم فإن الأعداء يدخلون بسهولة على المدينة؛ والمنافقين ينشرون أخباراً في أطراف المدينة لا تبلغ النبي صلى الله عليه وسلم بسهولة (فذكر النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية وقال: يا بني سلمة! دياركم تكتب آثاركم) ، وحث على لزوم الديار، فيقول: الزموا دياركم تكتب آثاركم، فنهاهم أن يقربوا من المسجد وأمرهم أن يبقوا في أماكنهم، وبين لهم أن أثر مجيء الإنسان من بيته إلى بيت الله عز وجل يكتب فيه بكل خطوة يخطوها المرء حسنة، فذكروا أن هذه الآية في ذلك.

    والصواب: أن معناها في ذلك، ولكن لم تنزل في ذلك، وليس نزول هذه الآية في المدينة، وإن كان الحديث الذي رواه الترمذي يوهم ذلك، فالصواب أنها نزلت مع باقي السورة حين أنزلها الله عز وجل في مكة، ولكن معنى الآية يوافق الحادثة فقالها لهم النبي صلى الله عليه وسلم.

    فضل سورة يس

    ذكر المفسرون أحاديث كثيرة وآثاراً في فضل هذه السورة، ولكن أكثر ما ذكروه كان ضعيفاً، فمنها قولهم:

    جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اقرءوا على موتاكم يس) هذا الحديث رواه الإمام أحمد ورواه أبو داود ورواه ابن ماجة وغيرهم من حديث معقل بن يسار بإسناد ضعيف.

    ولكن الظاهر أن هذه السورة مفيدة فعلاً في قراءتها على الموتى، فقد روى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن صفوان قال: حدثني مشيخة: أنهم حضروا غضيف بن الحارث الثمالي وكونه يذكر مشيخة معناها: عدد من التابعين، وهم وإن كانوا مجهولين ولكن بكثرة العدد ترتفع هذه الجهالة، ويغتفر فيها جهالة آحادهم بمجموعهم، فهم مجموعة من مشيخة التابعين رووا هذا عن غضيف بن الحارث الثمالي ، وهو صحابي، فحين اشتد سوقه قال لمن حوله: هل منكم أحد يقرأ يس؟ وكان صالح بن شريح السكوني يحفظها فقرأها، فلما بلغ أربعين آية منها قبض غضيف بن الحارث رضي الله تبارك وتعالى عنه.

    فقراءة هذه السورة على الإنسان الذي في سياق الموت يخفف عليه خروج الروح، فكان المشيخة من التابعين يقولون: إذا قرئت عند الميت خفف عنه بها، ففيها أنه يستحب أن تقرأ هذه السورة على الإنسان الذي يموت في سياق الموت، ولم يرد أنه بعدما يموت يقرأ عليه ذلك، وإن كان الراجح فيمن قرأ قرآناً وأهدى ثوابه لميت أنه يصل الثواب إليه.

    فسورة يس ذكر في فضلها أحاديث ضعيفة، وهي من أفضل ومن أعظم سور القرآن، لكن الغرض هو بيان أن الأحاديث التي في الفضائل لابد من صحتها عن النبي صلى الله عليه وسلم، حتى نذكر هذه الأحاديث وننبه فقط على ضعفها.

    فومن الأحاديث التي جاءت في فضلها وهي أحاديث موضوعة: (إن لكل شيء قلباً وقلب القرآن يس، ومن قرأ يس كتب الله له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات) .

    فعلى ذلك هي أفضل من: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، ونحن نعلم أن أعظم سورة في القرآن هي سورة الفاتحة، ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم في فضلها أن من قرأها فكأنه قرأ القرآن عشر مرات.

    كذلك سورة: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1] قد جاء أنها تعدل ثلث القرآن، وسورة قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1] تعدل ربع القرآن، فإذا كانت سورة يس تعدل القرآن عشر مرات فهذا لا يصح، وهذا موضوع على النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يس والقرآن الحكيم)

    تنوع قراءة القراء في (يس والقرآن الحكيم)

    بدأ لنا ربنا سبحانه هذه السورة بقوله: يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ [يس:1-2].

    وذكرنا أن يس [يس:1] آية عند الكوفيين فيقفون عليها، ويجوز أن توصل بما بعدها، وعند غيرهم هي جزء من التي تليها فلا بد من وصلها بما بعدها.

    وإدغام نون يس [يس:1] بالواو التي في قوله: وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ [يس:2] هي قراءة هشام عن ابن عامر والكسائي ويعقوب .

    وقرأ قنبل عن ابن كثير ، وأبو عمرو وحمزة وأبو جعفر بإظهارها.

    وبعض القراء يجوز عندهم الإدغام ويجوز عندهم الإظهار منهم نافع والبزي عن ابن كثير ، ومنهم حفص عن عاصم ، وكذلك ابن ذكوان عن ابن عامر ، والأشهر في قراءة حفص : يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ [يس:1-2] بالإظهار.

    وكذلك الياء في قوله: يس [يس:1]، أكثر القراء يميلونها، والبعض منهم لا يميلونها، فالذين يقرءونها بالإمالة: شعبة عن عاصم ، وحمزة والكسائي وخلف وروح عن يعقوب ، وباقي القراء يقرءونها بالفتح بغير إمالة.

    ويقرؤها أبو جعفر بالسكت عليها؛ حتى يبين أن الياء حرف والسين حرف.

    والراجح: أن يس [يس:1] حرفان كغيرها من حروف الكتاب العزيز: الم ، الر ، كهيعص [مريم:1]، فهي حروف مقطعة في أوائل السور، كذلك يس [يس:1] حرفان، ويدل على ذلك قراءة أبي جعفر بالسكت على الياء.

    اختلاف المفسرين في معنى (يس)

    جاء حديث ضعيف عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: (أن له عند ربه عشرة أسماء من ضمنها طه ويس) وهذا لا يصح عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، ولم يصح أنها من أسمائه صلى الله عليه وسلم.

    وذكر البعض أن يس كلمة عند العرب معناها: يا رجل! مثل كلمة (طه) ولكن الراجح فيها: أن يس [يس:1] حرفان مقطعان من حروف اللغة العربية يتحدى الله عز وجل بهما الكفار، بأن يأتوا بكتاب مثل هذا الكتاب العزيز من جنس هذه الحروف التي يقرءونها ويختمون بها، وما استطاع أحد من فحول بلغاء العرب وفصحائهم أن يأتي بمثل ذلك، ولن يقدروا أبداً أن يأتوا بمثل ذلك.

    ومن الناس من يحاول أن يأتي بكلام يشبه كلام الله فيأتي بكلام سخيف يضحك منه الناس، ومن هؤلاء الكذابين مسيلمة الكذاب الذي يزعم أنه نزل عليه وحي من السماء وقال كلاماً سخيفاً شهده عمرو بن العاص رضي الله عنه، وكان ممن سمعه، وقال له: والله إنك لتعلم أني أعلم أنك كاذب، ومن يتبعه كانوا يقولون: ولكن كذاب اليمامة خير عندنا من صادق قريش.

    والغرض أن ربنا سبحانه وتعالى يتحداهم بهذه الحروف التي في أول السور، وغالباً إذا جاءت هذه الحروف يذكر الله عز وجل القرآن أو إشارة إلى القرآن بعدها إلا في مواضع يسيرة، وقد أشار إلى القرآن بعدها بآية، فإذا قال: الم [البقرة:1] قال: ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:2] .

    الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ [آل عمران:1-3].

    فأي سورة فيها هذه الحروف المقطعة يشير بعدها إلى هذا القرآن، بياناً منه سبحانه أن هذا القرآن من جنس هذه الحروف، ولكن لا يستطيع أحد أن يأتي بمثل هذا القرآن، ولن يستطيع أحد أن يأتي بمثله، إلا أن يكون إنساناً مفترياً كذاباً من كفرة أمريكا وغيرهم، أو رجلاً يهودياً من يهود فلسطين يأخذ من آيات الله ما أراد، فيأخذ من هذه الآيات كلاماً، ويضع بدلاً عنه كلاماً من كلامه السخيف، ويؤلف كلاماً جديداً ويقول: هذه سورة الإنجيل، وهذه سورة التوراة، وهذه سورة كذا، لعنة الله عليه وعلى أمثاله.

    وقد أنزلوها مترجمة يوزعونها على أتباعهم هناك أو على من يأخذ منهم ذلك، والمسلمون في غفلة عن ذلك؛ لكن من يطلع على هذا الكلام وينظر إلى ركاكته يعرف أن هذا القرآن العظيم محفوظ من الله سبحانه وتعالى؛ لأنه كلام الله الحكيم، قال تعالى: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ [هود:1].

    هذا هو القرآن الذي أعجز الخلق برصانته ومتانته وبلاغته وفصاحته وشريعته، ومن يسمع كتاب الله يسمع نغماً عظيماً جميلاً، أعجز الأطباء الذين يعالجون الأمراض النفسية في أمريكا بالموسيقى، ويسمونه الطب بالسماع، فلما جربوا سماع القرآن وعالجوا به هؤلاء المرضى، وجوده أعلى ما يكون من تأثير إيجابي في نفسية المريض.

    فعلى المؤمن أن يتعلم ويعرف ما في القرآن وما في السنة حتى يرد على هؤلاء الكفرة المجرمين الذين يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [التوبة:32].

    قال الله عز وجل: يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ [يس:1-2] .

    أقسم الله عز وجل بهذا القرآن الحكيم، وكما ذكرنا قبل ذلك أن الحكيم من أسماء الله عز وجل، ووصف بها كتابه سبحانه وتعالى، فهو كلامه سبحانه، وهو كلام حكيم رصين، فيه الحكمة وفيه الحكم، وهو كلام محكم، أحكمه الله سبحانه وأتقنه، وأتانا بأحسن القصص فيه وأعظم الكلام وأعظم الموعظة وأعظم الشرائع.

    و(حكيم) صيغة مبالغة من حاكم، فهو كتاب حاكم مصدق لما بين يديه من الكتاب، ومهيمن شاهد على الكتب السابقة، فهو حكيم بمعنى حاكم، يعني: يحكم بين العباد.

    إذاً: هذا الذكر مصدقٌ لما بين يديه من الكتاب، ومهيمن عليه، ليحكم الرسول بين الناس به، فهو كتاب حكم وحاكم يحكم بين الناس ويحكم به.

    إذاً: القرآن الحكيم: القرآن ذو الحكمة، والقرآن المحكم، والقرآن الحاكم، والقرآن الذي لا خلل فيه ولا زلل ولا خطأ، وما من كتاب إلا ويوجد فيه أخطاء مهما راجعه صاحبه، ولذلك الإمام الشافعي رحمه الله لما ألف كتاباً وأرسله إلى ابن مهدي قال: هذا كتابي وأعلم أن فيه أخطاء فصوبها، فإني لا أدري أين هي؟ فإن الله عز وجل ذكر في كتابه فقال: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا [النساء:82]، أي: فكل كتاب من عند غير الله لابد وأن يكون فيه الاختلاف، ولا بد وأن يكون فيه الخطأ، إلا كتاب الرب سبحانه وتعالى، فهو الكتاب الذي أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير.

    قوله تعالى: وَالْقُرْآنِ [يس:2] هذه قراءة الجمهور، وقراءة ابن كثير إذا وصل، وحمزة إذا وقف: ( والقران ).

    وأيضاً عند بعض القراء أنهم يقفون على الساكن قبل الهمزة بخلفهم منهم حفص ومنهم حمزة ومنهم إدريس ومنهم ابن ذكوان فيقرءون ( والقرآن الحكيم ).

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم)

    قال تعالى: إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [يس:3]، يقول ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم،وقد أقسم له سبحانه بكتابه الحكيم إنه لمن المرسلين.

    وإذا قال له ربه سبحانه: إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [يس:3] كفى، ولكن يقسم له سبحانه لإزالة أي شك وريب في قلوب الناس، أما الرسول صلى الله عليه وسلم فلا شك في قلبه فإن جبريل يأتيه بهذا القرآن العظيم فلا يحتاج إلى التوكيد، وإنما يحتاج إلى التوكيد أتباع النبي صلى الله عليه وسلم والناس.

    فقوله: إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [يس:3] أي: رسول ونبي صلوات الله وسلامه عليه، نبي نبئ بالغيب عليه الصلاة والسلام، ورسول نزلت عليه شريعة من عند الله رب العالمين، وكل رسول نبي، ولكن ليس كل نبي رسولاً، فالنبي أعم والرسول أخص.

    الرسول صاحب شريعة يأتي بكتاب من عند الله يحكم الناس به، والنبي يحكم بشرع من كان قبله، فهو متابع منبأ بغيب من عند الله، ولكن لم يختص برسالة، ورسل الله عليهم الصلاة والسلام أقل عدداً من أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام.

    قال تعالى: إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [يس:3-4] أي: يخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الخبر: إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، ويخبر بخبر ثان: إنك عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ، والصراط: الطريق الذي يوصل بين شيئين والمعنى: إنك على طريق مستقيم من عند الله سبحانه.

    والمعنى الآخر لقوله تعالى: إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [يس:3-4] أي: من المرسلين الذين أرسلوا على صراط مستقيم، فكأن المعنى هنا: إنك يا محمد! على طريق الرسل الذين كانوا من قبلك، فهؤلاء على طريق الله وأنت على طريقهم، والكل يدعو إلى الله سبحانه وتعالى.

    عَلَى صِرَاطٍ تقرأ بالصاد وتقرأ بالسين وتقرأ بالزاي.

    أفيقرؤها قنبل عن ابن كثير وكذلك رويس عن يعقوب : (عَلَى سِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) بالسين.

    ويقرؤها خلف عن حمزة : (على زراطٍ ).

    ويقرأ باقي القراء بالصاد المكسورة: عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.

    تفسير قوله تعالى (تنزيل العزيز الرحيم)

    قوله تعالى: تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ [يس:5] يذكر الله سبحانه وتعالى أن هذا القرآن العظيم منزل من عنده سبحانه، وفي قوله تعالى: تَنزِيلَ [يس:5] قراءتان:

    فقراءة ابن عامر وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف : تَنزِيلَ بالنصب فيها.

    وباقي القراء يقرءونها: (تنزيلُ العزيز الرحيم) بالرفع.

    قوله تعالى: تَنزِيلَ أي: نزله تنزيلاً، فهو مفعول مطلق لفعل محذوف، أي: هذا القرآن نزله الله عز وجل تنزيلاً، وقراءة باقي القراء: (تنزيلُ العزيز الرحيم) ؛لأنه خبر لما قبله، والتقدير: إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [يس:3-4] هذا القرآن تنزيل العزيز الرحيم.

    وقوله تعالى: تَنزِيلَ [يس:5] مصدر نزل تنزيلاً، فالقرآن منزل جاء من علو، أي: من عند الله سبحانه وتعالى.

    وما أكثر الآيات التي تدل على علو الله سبحانه بذاته، فهو مستو فوق عرشه سبحانه وتعالى، قال تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] ، فهو عالٍ على خلقه بقهره وقدرته وجبروته سبحانه، وهو القاهر فوق عباده سبحانه وتعالى، كذلك شأنه عظيم، فله علو الشأن سبحانه، قال تعالى: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن:29].

    ومن الآيات التي تفيد أن القرآن نزل من عند رب العالمين: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء:193-195] .

    قوله تعالى: الْعَزِيزِ، العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، فالعزة صفة من صفاته، والعزيز اسم من أسمائه سبحانه وتعالى.

    والله عزيز، أي: لا يمانع ولا يغالب سبحانه، إذا قضى أمراً فلا يرد قضاءه أحد، فهو العزيز القوي الذي لا يغالب، القاهر الذي لا يمانع، الذي إذا قضى شيئاً فلابد أن يكون على ما أراد أن يكون.

    قوله تعالى: (الرَّحِيمِ): اسم من أسمائه، والرحمة صفة من صفاته سبحانه وتعالى.

    فالرحيم: ذو الرحمة العظيمة البالغة، وقد ذكر سبحانه أن رحمته سبقت غضبه والرحمن والرحيم صيغتها مبالغة، والرحمن: ذو الرحمة العظيمة التي تعم الخلق جميعهم، والرحيم : ذو الرحمة العظيمة التي خص الله بها المؤمنين في الآخرة، قال تعالى: وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب:43]، فالرحيم: يرحم خلقه سبحانه فيهديهم ويدلهم على الصواب، وينزل عليهم الكتاب، ويرسل إليهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فهو بعباده رحمان رحيم، فإذا كان في الآخرة كان بالمؤمنين رحيماً.

    والرحيم قد يوصف به خلق الله سبحانه، أما الرحمن فلا يوصف به إلا الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم فهم غافلون)

    لما نزل الله القرآن قال: لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ [يس:6].

    أي: لتنذر من هؤلاء العرب قوماً من الأقوام الذين أنت فيهم، وتنذر غيرهم، ولكن ابدأ بهؤلاء.

    قال تعالى: مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ [القصص:46] ، إذاً: لم يأت العرب من أنفسهم نذير، ولم يأتهم رسول من عند الله سبحانه، وإنما كان الأنبياء من ذرية أخرى ليسوا من هؤلاء العرب، فهذا إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام ليس من العرب، إنما مولده في العراق عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ومن أبناء إبراهيم إسحاق وإسماعيل، وقد أخذ إبراهيم وإسماعيل وهو صغير وذهب به إلى مكة ووضعه هناك مع أمه هاجر، وتركه هنالك، وجاءت رفقة من جرهم كانوا عرباً، فتعلم منهم إسماعيل العربية وكان من أفضلهم فيها، فنافسهم فيها وغلبهم فكان إسماعيل على نبينا وعليه الصلاة والسلام أبا هؤلاء العرب الذين جاءوا بعد ذلك، وكان أباً للنبي صلوات الله وسلامه عليه، فهو ابن الذبيح إسماعيل على نبينا وعليه الصلاة والسلام.

    ومن عهد إسماعيل إلى عهد نبينا صلى الله عليه وسلم، لم يكن هناك نبي من العرب، بل كل الأنبياء من ذرية إسحاق؛ لكن النبي الوحيد الذي جاء من العرب هو نبينا صلوات الله وسلامه عليه، فهو من ذرية إسماعيل، فلذلك قال الله سبحانه: لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ [يس:6] أي: ما جاءهم نبي منهم، وإن كانوا قد سمعوا عن الأنبياء الذين جاءوا إلى أممهم بالتواتر، فهم يسمعون عن قوم ثمود، ويسمعون عن قوم عاد، وعن سيدنا نوح وكيف أغرق الله الأرض في عهده لكن لم يكن لهم رسول من أنفسهم، ولذلك امتن الله عليهم وقال: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128].

    قوله تعالى: لِتُنذِرَ أي: تخوفهم من عذاب الله سبحانه وتعالى، وتهددهم بما عند الله من عذاب ومن نقمة على من يشرك بالله ومن يكذب رسل الله عليهم الصلاة والسلام.

    قوله تعالى: مَا أُنذِرَ تحتمل أن تكون (ما) نافية، يعني: ما جاء نذير لآبائهم، أو موصولة فيكون المعنى: الذي أنذر به آباؤهم من قبل، يعني: من القرون الخالية السابقة، من جاءهم من الأنبياء، فقوم عاد جاءهم هود، وقوم ثمود جاءهم صالح، فتنذرهم أنت كما أنذر السابقون قبل ذلك.

    وقوله تعالى: فَهُمْ غَافِلُونَ [يس:6] أي: غافلون عن عذاب الله سبحانه، لا يستجيبون للأنبياء ولا يهتمون بعذاب ربهم سبحانه وتعالى، فالله عز وجل أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم ليبشر المؤمنين، وينذر الكافرين.

    قال تعالى: لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [يس:7].

    أي: لقد حق القول من الله سبحانه وتعالى، وتحقق ما قضاه وقدره سبحانه أنه فريق في الجنة وفريق في السعير، قال تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [التغابن:2] فحقت كلمة ربك سبحانه على الذين ظلموا أنهم أصحاب النار، وحق قول رب العالمين: عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [يس:7].

    ومن كتب الله عز وجل له السعادة آمن ودخل في هذا الدين العظيم، ومن كتب عليه الشقاوة لم ينتفع بشيء.

    نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من السعداء، وألا يجعلنا من الأشقياء.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.