إسلام ويب

تفسير سورة السجدة [23 - 30]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يذكر الله عز وجل عباده أنهم سيقفون يوم القيامة بين يديه فيحاسبهم على أعمالهم، ويفصل بينهم فيما كانوا فيه من خلاف في هذه المعبودات، وكما أن هذه الأرض تموت ثم يرسل الله عليها الأمطار فتحيا وتخرج خيراتها، فكذلك الإنسان سوف يموت ثم يحييه الله مرة أخرى للحساب والجزاء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وجعلنا منكم أئمة يهدون بأمرنا ..)

    قال تعالى: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة:24] (منهم) تبعيض وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا [السجدة:24] وكلمة (أئمة) يقرؤها الكوفيون بهمزتين وكذلك يقرؤها هشام عن ابن عامر بهمزتين، أما باقي القراء فيسهلون الهمزة الثانية، ومبنى ذلك على اللغة العربية، فإن العرب في الغالب لا تجمع همزتين مع بعض كما في لفظ: آدم بهمزة وبعدها مد، فعلى ذلك قرءوها هنا بتخفيف الهمزة والتسهيل، فأكثر القراء ومنهم قالون وورش بخلفه، وابن كثير ورويس وأبو عمرو يقرءون: (أئمة) بتحقيق الهمزتين وغيرهم يقرءونها بالتسهيل هرباً من جمع همزتين مع بعض فيصعب النطق بها، ولهم في هذه الكلمة: (أئمة) أربع قراءات.

    قوله: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا [السجدة:24] فالله عز وجل جعل من هؤلاء أئمة يقتدى بهم، فهؤلاء الأئمة من بني إسرائيل كيف وصلوا إلى هذه المرتبة؟ قال الله عز وجل: لَمَّا صَبَرُوا [السجدة:24] لأنهم جاهدوا أنفسهم، وجاهدوا الخلق حتى وصلوا إلى درجة عظيمة من الصبر، فاستحقوا أن يتقدموا غيرهم، وأن يكونوا أئمة للخلق، فلم يكونوا كلهم أئمة، ولكن كان بعض منهم أئمة يهدون بأمرنا، يعني: بشرعنا أو لشرعنا، يهدون الناس بأمر الله، وبإذنه، وبشريعة الله التي أمرهم أن يدعوا الناس فيها، وكذلك يهدون بأمرنا، يعني: لشريعتنا ولديننا، وقراءة الجمهور: بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا [السجدة:24] وقراءة حمزة والكسائي ورويس عن يعقوب : لِمَا صَبَرُوا [السجدة:24]، بكسر اللام، أي: بسبب صبرهم، فيكون المعنى: لما صبروا استحقوا أن يكونوا أئمة، فصاروا أئمة لصبرهم على دين الله سبحانه، وتمسكهم بدينهم.

    وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة:24]، كانوا مؤمنين بآيات الله ومستيقنين، لا شك في قلوبهم من وعد الله سبحانه تبارك وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة ..)

    قال تعالى: إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [السجدة:25] إن ربك هو وحده لا شريك له، الحكم يوم القيامة لله وحده لا شريك له، لا حاكم مع الله سبحانه، لا ملك مع الله سبحانه، فهو ملك الملوك، وهو القاهر فوق عباده، وهو الحكم الذي يحكم بين عباده يوم القيامة سبحانه وحده لا شريك له، وهو الذي يفصل ويقضي ويفتح ويحكم، وكلها بمعنى واحد، فإن فصل القضاء يوم القيامة لله وحده لا شريك له، إن ربك هو وحده لا شريك له الذي يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [السجدة:25]، فهو الذي يقضي، وهو الذي يحكم بين المؤمنين وبين الكفار، فيجازي كلاً بما يستحقه يوم القيامة، ويقضي بين الأنبياء وبين أقوامهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون..)

    قال تعالى: أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ [السجدة:26](أولم يهد لهم) أي: أو لم يتبين لهم؟ هلا ساروا في الأرض فنظروا واهتدوا أن الله سبحانه تبارك وتعالى قد أهلك أمماً سابقة كثيرين! ويتبين للناس بالبحث والتنقيب والسير في الأرض كيف أهلك الله عز وجل السابقين، فيقولون: في هذا المكان كان الفراعنة فأهلكهم الله سبحانه، وهذه آثارهم، وفي هذا المكان كانت ديار عاد، وفي هذا المكان كانت ديار ثمود، فهؤلاء صنعوا وفعلوا وفعلوا، وهذه آخر حالهم فقد صاروا جيفاً، صاروا رمماً، وتبدلت أيامهم، وذهبت أحلامهم، وهذا واقعهم أمامنا.

    قوله: أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ ، القرن: الزمن الذي يجمع أمة من الناس، فإذا فنيت هذه الأمة مضى قرن من القرون، وتأتي أمة تليها، مثلما نقول: القرن الذي كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم هو الزمن الذي اجتمع فيه النبي صلى الله عليه وسلم مع قوم رأوه صلى الله عليه وسلم، وعاشوا معه عليه الصلاة والسلام، ثم مات هو صلى الله عليه وسلم ومات أصحابه الذين رأوه، حتى مات آخر من رأى النبي صلى الله عليه وسلم فانتهى هذا القرن.

    ثم القرن الذي يليه: قوم لم يروا النبي صلى الله عليه وسلم ورأوا أصحابه عليه الصلاة والسلام، فإذا فني القرن الذي رأى النبي صلى الله عليه وسلم، ثم الذي رأى أصحابه عليه الصلاة والسلام، وقرن من بعدهم لم يلقوا الصحابة ولقوا الذين من بعدهم وهكذا، فهؤلاء قرون كثيرة، والبعض جعل مدة القرن مائة سنة أو دون ذلك، والغرض: أن القرن هو الذي يجمع أمة من الناس عاشوا معاً ثم انتهى آخرهم.

    قوله: يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ ، يمشي اللاحقون في مساكن السابقين، يعني: هذه كانت مساكن هؤلاء الأقوام، فلو كانوا عائشين هل كان أحد منهم يقدر على أن يأخذ مساكنهم؟! ولو كانوا عائشين هل كانوا سيضعونهم في متاحف يتفرجون عليهم؟! هذا فرعون .. وهذا فلان .. وهذا فلان .. لولا أن الله قد أهلكهم وأبادهم لما رأيتموهم، لو كانوا أحياء ما كان أحد يقدر على أن يأخذ منهم ذهبهم وحليهم وينظر إلى أجسادهم، ما كان أحد يقدر على ذلك لولا أن أبادهم الله وأفناهم سبحانه إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ [السجدة:26] فيها عبرة وتذكرة، أَفَلا يَسْمَعُونَ [السجدة:26] أي: هذه الآيات فيعتبرون بذلك، وأن كل من على هذه الدنيا يفنى ويبيد كما أباد الله عز وجل هؤلاء السابقين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى:(أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز ..)

    قال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ [السجدة:27]، في الآية السابقة وهذه الآية التذكرة بالموت والحياة، فالموت: أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا [السجدة:26]، وبعد الموت الدنيا فنيت ويكون البعث، كما أن الله عز وجل يميت الأرض، ثم ينزل الغيث فيحييها سبحانه تبارك وتعالى، فيكون فيه رجوع مرة ثانية للجزاء وللحساب، كما يحيي الله عز وجل أمامكم الأرض الميتة.

    أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ [السجدة:27]، السوق: الدفع، يسوق الله عز وجل السحاب من مكان إلى مكان، فينزل الماء إلى الأرض الجرز، وأصل الجرز القطع، وكأنها هي التي انقطعت عن الإنبات لسبب من الأسباب، وانقطعت عن الإنبات، وفرق بين الأرض الجرز والأرض السبخة، الأرض السبخة لا تنبت، لا أمل في حياتها، فهي أرض سبخة لا تنبت شيئاً، والأرض الجرز ماتت بسبب نقص الماء، فينزل عليها الماء فيحييها الله عز وجل أمام من ينظر إليها، قال سبحانه: فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا [السجدة:27] أي: نخرج من هذه الأرض الميتة زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ [السجدة:27] يخرج الزرع وهو قصير صغير فتأتي عليه الأنعام وتأكله، فإذا نبت هذا الزرع وصارت له سنابل وحبوب أكل منه الآدمي، فتأكل الأنعام ويأكل الإنسان.

    قوله: أَفَلا يُبْصِرُونَ [السجدة:27] أي: أفلا ينظرون فيعتبرون أن الله على كل شيء قدير، الذي أحيا هذه الأرض الميتة أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى؟ بلى إنه على كل شيء قدير.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين)

    ولكن مع ذلك كله فهؤلاء الكفار يجادلون ويقولون: مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [السجدة:28]، ما زلتم تقولون: ربنا سيفتح لكم، ربنا سيحكم لكم، سيقضي لكم، سيكون لكم النصر علينا، سنبعث يوم القيامة! فمتى سيكون هذا الكلام كله الذي تقولون؟ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [السجدة:28]، والجواب من الله سبحانه: قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ [السجدة:29]، يوم أن نحكم ونقضي وننصر المسلمين لا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ [السجدة:29].

    والكافر لو انتصر عليه المسلم هل ينفعه إيمانه؟

    نقول: ينفع الإيمان في وقت ولا ينفع في وقت آخر، فإذا دخل الإنسان في هذا الدين نفعه حتى ولو كان كافراً مهزوماً، ودعي إلى الدين فدخل فيه، حتى لو رفع عليه السيف فوق رقبته وقال: لا إله إلا الله عصم دمه، فلا يقتل في هذه الحالة، وينفعه إيمانه إذا كان صادقاً في قلبه، ولكن الكافر الذي يضرب بالسيف، فيموت فيعاين الملائكة لا ينفعه إيمانه في هذه اللحظة، فوقت الغرغرة لا ينفع الإيمان، ووقت خروج الروح لا ينفع الإيمان، فإذا شاهد الكافر الملائكة وهي تأخذ روحه من جسده فقال: آمنت، لا ينفعه الإيمان ذلك حين لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام:158]، ففي وقت انتصار المسلمين وقتلهم للكفار، ووقت معاينة الكافر للملائكة، فتقبض روحه؛ لا ينفعه الإيمان، كذلك يوم القيامة، يوم أن يصير الغيب شهادة، ويصير الشيء الذي كان لا يراه الإنسان ماثلاً أمام عينيه، فلا ينفعه إيمانه إذا جاء يوم القيامة ورأى الملائكة، ورأى الجنة والنار وقال: آمنا.. ربنا أرجعنا.. ربنا صدقنا وآمنا، لا ينفعه طالما أنه لم يؤمن من قبل.

    قال سبحانه: قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ [السجدة:29]، والفتح له معان منها: الفتح والفصل والقضاء الذي يقضيه الله عز جل بين عباده، إما بنصر المؤمنين على هؤلاء، فهو فتح في الدنيا، أو بالقضاء يوم القيامة، فهو الفتح والفصل من الله عز وجل بين العباد.

    يقول سبحانه: لا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ [السجدة:29]، يطلبون الانتظار والرجعة مرة ثانية إلى الدنيا ليعملوا.

    قال الله: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ [السجدة:30] أعرض عن هؤلاء، أعرض عن جدالهم وكلامهم الذي يقولونه: وَانْتَظِرْ [السجدة:30]أمر الله سبحانه، فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنتَظِرُونَ [السجدة:30]، فهم ينتظرون عذاب رب العالمين، ويدعون: ربنا عجل لنا قطنا، وعذابه آتيهم آتيهم! فاصبر أنت حتى يأتي أمر الله.

    نسأل الله عز وجل أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن يخذل الكفر والمشركين.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.