إسلام ويب

تفسير سورة السجدة [16 - 22]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن المؤمنين الصالحين لا يستوون مع الفاسقين الظالمين، فلكل فريق جزاء، فجزاء المؤمنين الصالحين الجنة، وجزاء الفاسقين الظالمين النار، والكافر له عذابان: عذابٌ في الدنيا، وعذاب في القبر ويوم القيامة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع ...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة السجدة: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ * أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:16-19].

    يذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات وما قبلها صفات المؤمنين الصالحين الذين يؤمنون بآيات الله سبحانه ويقبلون عليها خاشعين متدبرين، ويخرون لله سبحانه سجداً مسبحين بحمده، لا يستكبرون عن عبادته، قال تعالى: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ [السجدة:16]، فيقومون لله عز وجل ليلاً طويلاً يصلون، أو بحسب ما يقدرون عليه.

    قال تعالى: يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا [السجدة:16]، يعني: في جميع أحوالهم يدعون الله سبحانه وتعالى وليس في الصلاة فقط، ولكن الدعاء في اليوم كله ما استطاعوا، فيدعون الله سبحانه، ويسألونه من فضله، ويتعوذون به من عذابه، ويدعون ربهم خوفاً من ناره، ومن أن يحرموا من جنته سبحانه، وطمعاً في فضله وفي كرمه وفي رحمته وفي رضوانه، وينفقون لله سبحانه وتعالى من أموالهم ومما رزقهم الله، فالفضل من الله أولاً وآخراً، هو الذي أعطى الإنسان المال وأعطاه الصحة وأعطاه حياته، فهو الذي أعطاه من فضله ومن كرمه سبحانه، وهو الذي هداه ووفقه، فهم ينفقون مما رزقهم الله، ومما تفضل به عليهم، ولم يبخلوا وقد علموا أن المال مال الله سبحانه، والرزق رزقه سبحانه، وأن المال لا تنقصه الصدقة أبداً، فهم مما رزقهم الله عز وجل ينفقون، قال تعالى: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [السجدة:16].

    وفي هذه الآية إشارة إلى أن المال ليس مال العبد، وإنما هو رزق الله سبحانه، وفيه أيضاً أن الإنسان ينفق من القليل ومن الكثير، (مما) أي: من كل ما أعطاهم الله سبحانه، أعطاهم شيئاً يسيراً، أو آتاهم شيئاً كثيراً، فهم مما أعطاهم ينفقون، فيخرجون زكاة أموالهم، وينفقون النفقة الواجبة عليهم، ويتصدقون من أموالهم، فيزيد الله عز وجل لهم أموالهم، فلا ينقص مال من صدقة أبداً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين ...)

    هؤلاء جزاؤهم عند الله جزاء عظيم، ولا يتخيل الإنسان عظمة هذا الثواب وفضل الله سبحانه وتعالى في ذلك، فلا تعلم نفس مهما أوتيت من علم: مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:17]. قراءة الجمهور: مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ، وقراءة حمزة والكسائي ويعقوب : مَا أَخْفَي .

    على الماضي، والأولى على المبني للمجهول، أي: ما قد أخفي لهم، فبنى الفعل للمجهول، والمعنى: تعظيم هذا الشيء الذي قد أخفي لهم، والذي أخفاه هو الله سبحانه الذي خلقه، فقد أخفى عنهم ذلك ليعملوا بالغيب وللغيب، فهذا غيب الثواب، والجنة غيب، والنار غيب، فالإنسان يعبد ربه وهو مستيقن بهذا الغيب، ومستيقن بثواب الله سبحانه، فيستحق هذا الثواب الذي أخفاه الله سبحانه وآمن به العبد، فهؤلاء يؤمنون بالغيب، ويؤمنون بالجنة ولم يروها، ويخافون من النار ولم يروها، فلذلك استحقوا هذا الثواب من الله سبحانه وتعالى.

    والقراءة الأخرى: (مَا أُخْفِيَ لَهُمْ) أي: ما أخفيه على الفعل المضارع، أي: الذي أخفيه لهؤلاء من الثواب العظيم عندي.

    وقوله تعالى: مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ، أي: مما تقر به أعينهم وتستقر وتفرح وتطمئن به، وتطمئن القلوب من قرة الأعين، فداخل الجنة يكون قرير العين، يعني: فرحان في غاية الفرح، يقال لهم: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [النحل:32]، فهم في جنة يحبرون، ينعمون، ويسرون، وقال تعالى في سورة يس: فَاكِهُونَ [يس:55]، فرحون مسرورون، لا أحزان في الجنة، ولا خوف فيها، قال تعالى: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:38].

    هذا الجزاء من الله بسبب ما كانوا يعملون، بسبب العمل الذي عملوه في الدنيا، إذ عاشوا في الدنيا يعبدون الله سبحانه بالمعنى الأعم للعبادة، بصلاة، وصيام، وزكاة، وحج، وأمر بالمعروف، ونهي عن منكر، وجهاد في سبيله سبحانه، فهم يعبدون الله بأعمالهم وتقواهم، ويتقنون أعمالهم ويتقربون بها إلى الله سبحانه بكل ما فرضه الله عز وجل عليهم وحثهم عليه، واستحبه منهم، فهم يفعلون ما يرضي ربهم سبحانه، فجازاهم الله بالجنة، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أهلها.

    وفي الحديث: قال الله عز وجل: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (واقرؤوا إن شئتم: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ [السجدة:16]، إلى قوله سبحانه: جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:17]).

    أيضاً جاء في صحيح مسلم عن المغيرة بن شعبة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (سأل موسى عليه السلام ربه فقال: يا رب! ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ فقال الله عز وجل: هو رجل يأتي بعد ما يدخل أهل الجنة الجنة فيقال له: ادخل الجنة، فيقول: أي رب! كيف وقد نزل الناس منازلهم، وأخذوا أخذاتهم؟! فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل ملك من ملوك الدنيا؟)، هذا أقل أهل الجنة منزلة، يقال له: (أترضى أن يكون لك مثل ملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت رب)، ويرضى بأقل من ذلك (فيقول: لك ذلك ومثله، ومثله ومثله معه، ومثله ومثله ومثله، فيقول في الخامسة: رضيت رب، فقال: هذا لك وعشرة أمثاله!) يعني رضي بالشيء الواحد مثل ملك من ملوك الدنيا، فقال: مثله ومثله، ومثله ومثله، ومثله خمس مرات، قال: رضيت رب، قال: وعشرة أمثال هذا أيضاً، هذا لأقل أهل الجنة منزلة.

    قال: (ولك ما اشتهت نفسك، ولذت عينك، فيقول: رضيت رب، قال: رب فأعلاهم منزلة؟ قال: أولئك الذين أردتهم، غرست كرامتهم بيدي) غرست، يعني: ما أكرمهم به في الجنة أنا بيدي فعلت لهم ذلك، قال: (غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها) يعني: أغلقتها وأخفيتها فلا يراها أحد أبداً، قال: (فلم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر).

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ومصداقه من كتاب الله: قوله تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:17])، هؤلاء أعلى أهل الجنة منزلة، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا منهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون)

    قال الله سبحانه: أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ [السجدة:18]، هل الإنسان الذي آمن بالغيب وآمن بالله، وآمن بالجنة، وآمن بالنار، وآمن بوعد الله الحق، وآمن بكتابه، وآمن برسله، وآمن بقضاء الله وقدره، خيره وشره، حلوه ومره، يستوي مع الفاسق؟ أي: خلع عن نفسه عباءة الإسلام، وخرج من دين الله سبحانه وتعالى، وخرج عن طاعة رب العالمين سبحانه، وإن زعم أنه على الإسلام، هل يستوي هذا المؤمن الذي يعمل مع هذا الفاسق الذي يفجر، والذي يبتعد عن شرع رب العالمين، والذي لا يريد دين الله سبحانه، والذي يعصي الله ليل نهار؟ هل يستويان؟ فالله هو الحكم العدل سبحانه وتعالى، ومن حكمته سبحانه أنه خلق الخلق ليريهم آياته، وليدخل من يشاء منهم جنته، ويعذب من يشاء منهم بناره، فهل يستوي المطيع مع العاصي؟ قال تعالى: أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ [السجدة:18]، فلا يستوي المؤمن مع الفاسق لا في الدنيا ولا في الآخرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى:(أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلاً بما كانوا يعملون)

    فصل الله سبحانه وتعالى عدم الاستواء فقال: أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:19]، هذه أعمالهم، إنسان آمن بالله، وصدق واستيقن وعمل، هذا هو المؤمن، وقوله: وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ، أي: كل الأعمال الصالحة وكل عمل يرجى به رحمة رب العالمين سبحانه، قال تعالى: فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى [السجدة:19] يؤويهم الله سبحانه، كما آواهم في الدنيا إلى بيوتهم، كما آواهم في الدنيا وأطمعهم وسقاهم، كذلك يؤويهم يوم القيامة فيدخلهم جنات عدن، فهي جنة مأوى، وجنة إقامة دائمة، يقيمون فيها فلا يظعنون منها، ولا يخرجون منها.

    وقوله تعالى: نُزُلًا [السجدة:19] أي: كرامة من الله، وضيافة منه سبحانه، والنزل: أصله طعام الضيف، والمعنى: ننزلهم هذه الجنة ليقيموا فيها إقامة دائمة، ونحن نطعمهم، ونحن نسقيهم، ونحن نعطيهم هذا النزل، ليس من عند أحد من البشر، وليس من عند أحد من الملائكة، ولكن منا نحن، نُزُلًا .

    وقوله تعالى: بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:19] أي: ثواباً من الله سبحانه وتعالى، وما يهيأ لهم من الضيافة هذا من الله سبحانه جزاء على أعمالهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى:(وأما الذين فسقوا فمأواهم النار...)

    قال الله تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمْ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ [السجدة:20]، هذا القسم الثاني: الإنسان الكافر الفاسق الذي يستكبر، والفاسق: الإنسان العاصي وإن كان مسلماً، فلا يستوي المؤمن مع الفاسق أبداً، سواء كان فسقاً أكبر مخرجاً من الملة، أو فسقاً ليس مخرجاً من الملة، فلا يستوي المؤمن مع الفاسق، ولا يستوي المطيع مع العاصي، ولا يستوي البر مع الفاجر، ولا يستوي التقي مع الشقي، قال الله تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ [السجدة:20]، هذا مكان الإيواء الذي يؤويهم، والذي لا يخرجون منه إلا ما شاء الله سبحانه وتعالى.

    قال الله تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا [السجدة:20]، كأنهم توهموا أنهم يخرجون، والنار سوداء مظلمة والعياذ بالله، تدور بهم النار فتفور بهم، فإذا فارت صعدوا إلى أعلاها فظنوا أنهم يخرجون منها، فيريدون الخروج فتهوي بهم مرة ثانية، قال تعالى: كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا [السجدة:20]، والعياذ بالله: أُعِيدُوا فِيهَا .

    وقال تعالى: وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ [الحج:21]، كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [الحج:22]، والمقامع: ما يقمع به الإنسان من مرازب من حديد، ومرزبة حديد يعني: مقلاع من حديد، يضربون بها على رءوسهم فيعادون إلى أسفل النار والعياذ بالله، قال تعالى: وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ [السجدة:20].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر...)

    قال الله تعالى: وَلَنُذِيقَنَّهُمْ [السجدة:21] أي: لنذيقنهم في الدنيا، مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ، والعذاب الأكبر: في القبر، ويوم القيامة، لكن في الدنيا لا بد أن يعذب الله عز وجل الكافر بما يبتليه من مصائب في الدنيا، ويبتليه بالحرمان، ويبتليه في الدنيا بعدم الاطمئنان، ويبتليه في الدنيا بعدم الراحة، وعدم الركون إلى الله سبحانه وتعالى، فإذا بالكافر لا يستريح، فمهما أعطاه الله عز وجل في الدنيا من مال وبنين ففي قلبه عدم الراحة، وهذا عذاب في الدنيا، فأنت تلاقي الكافر يعطيه الله أموالاً جمةً، وأشياء كثيرة ولا يُحَصِّل السعادة المنشودة، وفي النهاية ينتحر؛ لأنه لا يستشعر بالراحة التي يستشعرها الفقير المسلم، فالإنسان المؤمن بالله سبحانه يستشعر بالطمأنينة مع ربه سبحانه، يقول: يا ربي! يا ربي! يقول: لا إله إلا الله، يصلي لله سبحانه، ويستشعر بأنه في راحة عظيمة جداً، ولذلك كان يقول العباد من المؤمنين: نحن في نعمة لو علم بها الملوك لقاتلونا عليها، فالمؤمنون في نعمة وفي راحة، وفي طمأنينة وفي سعادة، لو علم بها الملوك لقاتلوهم عليها، وراحة القلب تكون بذكر الله سبحانه، قال تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28]، فالمؤمن يطمئن قلبه بذكر الله، يقول: الله، فيستريح بذلك قلبه، ويقول: لا إله إلا الله ويعلم أنه يعبد إلهاً واحداً، هو الذي ينفعه، وهو الذي يضره سبحانه تبارك وتعالى، وهو الذي يقدر على كل شيء، فيطمئن قلبه ويركن إلى ربه، ويتوكل عليه سبحانه، فيستريح من كل شيء.

    يقول الله سبحانه تبارك وتعالى في هؤلاء الكفار: وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى [السجدة:21]، قالوا: هي مصائب الدنيا، وأسقام الدنيا مما يبتلى به العبيد، وأيضاً مما يذيق الله به الكفار من عذاب في الدنيا في جهاد مع المسلمين وغير ذلك.

    وقوله تعالى: دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ [السجدة:21] عذاب النار وعذاب يوم القيامة.

    قال تعالى: لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [السجدة:21] أي: لعلهم يتوبون إلى الله بما أذاقهم في الدنيا ويرجعون إليه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه...)

    قال تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنْ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ [السجدة:22]، فالإنسان الذي يذكر بالله سبحانه، ويرى أمامه هذه الآيات، ومع ذلك يعرض عن الله سبحانه، من أظلم منه؟ الجواب: لا أحد أظلم منه، بل هذا أظلم الظلمة؛ لأنه عرف الحق ولم يتبعه وحاد عنه.

    قال الله سبحانه: إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ أي: سننتقم من هؤلاء الفجرة الكفرة الذين أعرضوا عن ذكر الله سبحانه، ننتقم منهم في الدنيا وفي الآخرة، قال سبحانه: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:124]، يذيقه في الدنيا الحياة الضنك الشديدة التي يسأم منها ويمل، من كثرة ما يبتليه الله سبحانه وتعالى حتى ولو أعطاه المال، ولكن يذيقه عذاب الدنيا وفتنها وبلاءها.

    نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2987308565

    عدد مرات الحفظ

    716462859