إسلام ويب

تفسير سورة فاطر [19 - 28]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إذا كان من الظلم والحيف التسوية بين متغايرين، فكيف يظن بالعدل سبحانه أن يسوي بين المؤمن والكافر، والعاصي والمطيع في الجزاء؟! إنه بلا شك لا يسوي من آمن بمن كفر، ولا صاحب القلب الحي والضمير اليقظ الذي يستلهم آيات الله في الكون ليستدل على الله، بصاحب القلب الميت والأذن الصماء عن سماع الهدى، والعين العمياء عن رؤية نور الآيات في الكون.

    1.   

    أمثلة تضرب لبيان الفرق بين الكفر والإيمان

    الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    أما بعد:

    قال الله عز وجل في سورة فاطر: وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ * إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ * إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ * وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ * ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ [فاطر:19-28].

    يبين الله سبحانه تبارك وتعالى لعباده ما الكفار عليه من ظلم لأنفسهم وضلالة وظلمة وبعد عن الهدى، وما يصيرون إليه يوم القيامة من دخول النار، كما يبين ما عليه المؤمن من نور وإيمان وطاعة لله سبحانه تبارك وتعالى، بضرب هذه الأمثلة للناس فقوله: وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ [فاطر:20-22] أمثلة يضربها الله عز وجل لبيان الشيء ونقيضه، حتى يتبين لمن يعقل أن هناك فرقاً بين هذا وذاك، فكل من يبصر يفهم الفرق بينهما, وجملة الأمثلة التي ضربها لنا الله سبحانه تبارك وتعالى مسوقة لبيان أنه لا يستوي الإنسان المؤمن مع الإنسان الكافر؛ لأنه لا يستوي الإيمان مع الكفر، فإذا كان الله سبحانه تبارك وتعالى قد أمر العباد بالطاعة فأطاعه قوم وعصاه آخرون، فهل يستوي مآل الجميع بأن يصيروا تراباً ثم لا بعث ولا نشور، ولا قيام من القبور، ولا حساب يوم القيامة، ولا جنة ولا نار؟ هذا بعيد جداً، إن عقل الإنسان يقول: لا. لا يستوي أبداً من عمل بالطاعة ومن عمل بالمعصية، لا يستوي من أسلم وآمن ومن كفر وترك دين الله سبحانه تبارك وتعالى، لا يستوون كما أنه لا يستوي الأعمى مع المبصر، لا يستوون كما لا تستوي الظلمة مع النور، ولا الظل مع الحرور، ولا الحي مع الميت، فكل عاقل يفهم ذلك فلا يستوي أبداً المؤمن الذي أطاع الله سبحانه مع الكافر الذي كفر بالله وعصى الله سبحانه تبارك وتعالى, قال سبحانه: وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ [فاطر:19] والعمى هنا: عمى القلب كأنه يقول: الكافر كهذا الأعمى فهو أعمى عمى ضلالة لا يعرف الحق، وكأنه غشي على بصره فلا يريد أن يفهم أو يتفهم ما جاء به النبي صلوات الله وسلامه عليه، ثم يردف بمثل آخر وهو قوله سبحانه: وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ [فاطر:20] إذا وجد الإنسان طريقاً مظلماً فإنه يبتعد عنه وإذا وجد طريقاً منيرا فإنه يسير فيه، فلا يستوي هذا مع ذاك، إذ أن هذا طريق يعرض عنه كل من ينظر ويرى، وهذا طريق يسلكه كل من ينظر ويرى، فالإيمان طريق النور، ومن يعرف الحق فلا تستوي الظلمة مع النور.

    ثم قال سبحانه مؤكداً: وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ [فاطر:21] أي: لا يستوي المكان الظليل مع المكان الشديد الحر تحت وهج الشمس، وكأن في الآية إشارة إلى مصير هؤلاء فالمؤمن مصيره كما قال الله سبحانه: وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا [النساء:57] والكافر مصيره إلى نار السموم وإلى عذاب أليم، فهل يستوي هذا مع ذاك فكأن الظل إشارة إلى مآل المؤمن وأنه إلى الظل الظليل في الجنة, وكأن الحرور إشارة إلى النار والسعير؛ لأنها مآل الكافر، فلا تستوي الجنة مع النار والمثال مسوق لبيان عدم استواء الإيمان مع الكفر، ومضرب المثل يقول: لو كنت في الفلاة ووجدت مكاناً فيه شمس حارة ومكاناً آخر ظليلاً، فهل تترك هذا المكان الظليل لتكون تحت الشمس؟ لا شك أنه لا عقل لمن يقول بهذا الشيء، الحرور: تطلق على الرياح الساخنة الشديدة، ويطلق على اليوم الحار شديد الحرارة وجاء في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قالت النار: ربي أكل بعضي بعضاً فأذن لي أن أتنفس فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فما وجدتم من برد أو زمهرير؛ فمن نفس جهنم وما وجدتم من حر أو حرور؛ فمن نفس جهنم)، وفي الحديث تذكرة للعباد، وبيان أن أشد يوم يكون على الناس برده؛ فإنه من نفس جهنم، وأن أشد يوم يكون على الناس حره؛ فإنه من نفس النار, وكما أن الحر الشديد لا يستوي مع البرد وكذلك المكان الظليل لا يستوي مع المكان الشديد الحر؛ فكذلك مصير المؤمن لا يستوي مع مصير الكافر.

    ثم يتبعه بمثال آخر فيقول: وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ [فاطر:22] الأحياء المراد بهم المؤمنون فهم أحياء يفهمون ويفقهون، وحياتهم لها قيمة، فيوم القيامة يجزون عليها أفضل الجزاء على الأعمال الصالحة, أما الكفار؛ فإن حياتهم موت لا قيمة لها، وإنما هي حياة تستجلب عليهم عذاب رب العالمين، لأنهم فيها أنكروا ربهم سبحانه وأنكروا عبادته ولم يتوجهوا إليه بل أشركوا معه غيره، فصدق عليهم أنهم أموات ضيعوا هذه الحياة ولم يستغلوها لتكون لهم الحياة الدائمة عند الله عز وجل في جنة الخلود، ولذلك لا يستوي الأحياء وهم المؤمنون مع الأموات وهم الذين كفروا بالله سبحانه تبارك وتعالى ولم يستمعوا إلى موعظة النبي صلى الله عليه وسلم.

    تفرد الله سبحانه بهداية البشر

    أخبر تعالى عن مشيئته في هداية الخلق فقال: إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ [فاطر:22] قوله: يسمع، بمعنى: يهدي، أي: يسمع سمع إجابة، وفي الآية يبين الله سبحانه تبارك وتعالى أنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء، فمع أن الجميع سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أن هناك فرق بين من سمع فانتفع، ومن استمع لما قاله النبي صلى الله عليه وسلم على وجه المعاندة والمشاقة والمحادة فلم ينتفع، فالله سبحانه هو الذي أسمع هذا فانتفع وهو الذي لم يسمع هذا فلم ينتفع، والمعنى: أن الله يهدي من يشاء إلى أن يأخذ بكتاب الله عز وجل ويعمل به, قال سبحانه: وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ [فاطر:22] يخاطب الله نبيه صلى الله عليه وسلم فيقول له: لست تسمع من في القبور، أي: الأموات؛ فالأموات لا يسمعون إلا أن يشاء الله سبحانه تبارك وتعالى، إذاً الأصل أن الميت لا يسمع كلام الأحياء! إلا أن يجعل الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم كرامة ومعجزة أن يسمع بعض هؤلاء الأموات، كأن ينادي عليهم فيسمعون ما يقوله صلوات الله وسلامه عليه, لكن الأصل قوله سبحانه وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ [فاطر:22] وقوله سبحانه إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى [النمل:80]، وفي قوله سبحانه: وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ [فاطر:22] إشارة إلى أن هؤلاء الكفار صاروا إلى حال أهل القبور؛ لعدم الجدوى في سماعهم، فإنهم يسمعون النبي صلى الله عليه وسلم وهم متحيرون شاكون، كما أنهم لا يحاولون أن يفهموا ما يقوله النبي صلوات الله وسلامه عليه، فكأنهم أموت في قبورهم.

    بيان عدم سماع الأموات كلام الأحياء

    الأصل أن الميت انقطع عن هذه الدنيا فلا يسمع شيئاً من أمر الدنيا، وأن الأموات في قبورهم إذا جاء عليهم ميت جديد تلتقي أرواحهم عند الله سبحانه تبارك وتعالى في البرزخ، فيسألون هذا الذي جاء عليهم: ما فعل فلان؟ ما فعل فلان؟ ما فعل فلان؛ لأن الأموات لا يعرفون شيئاً عن الدنيا إلا بما يخبرهم من ذهب إليهم من الأموات، فإذا كان الميت من أهل الإيمان؛ التقت روحه مع أرواح أهل الإيمان في وقت يشاء الله سبحانه تبارك وتعالى، فيسأل أهل القبور هذه الروح التي جاءت إليهم: ما فعل فلان؟ يقول: تزوج، ما فعلت فلانة؟ يقول: تزوجت، ما فعل فلان؟ فيقول أما جاءكم؟ فيقولون: ذهب به إلى أمه الهاوية، فما دام أن فلاناً مات ولم يأت إلينا في هذا المكان الذي فيه أرواح المؤمنين، فقد ذهب به إلى الجحيم والعياذ بالله, فقوله سبحانه: إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى [النمل:80] يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يسمع الموتى ولا غيره يسمعهم، إلا أن يشاء الله سبحانه تبارك وتعالى، كما أذن الله سبحانه تبارك وتعالى لنبي من أنبيائه في إحياء الموتى بإذن الله، وهو المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ولم يأذن له بإحياء كل الموتى ولكن بإحياء ميتٍ ليكون آية من آيات الله سبحانه تبارك وتعالى، فالأصل أن الميت لا يرجع إلى الدنيا أبدا ولكن الله سبحانه يجعل معجزة لأحد من خلقه في ذلك؛ لإثبات نبوته ورسالته عليه الصلاة والسلام, وكذلك نبينا صلوات الله وسلامه عليه، فقد جعل الله عز وجل له معجزات كثيرة، من ضمن هذه المعجزات أنه أسمع الموتى في بدر، فقد جاء في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه عن أبي طلحة الأنصاري رضي الله عنه: (أن نبي الله صلى الله عليه وسلم أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلاً من صناديد قريش فقذفوا في طوي من أطوى بدر خبيث مخبث) أي: أن أربعة وعشرين رجلاً من قتلى الكفار، قتلوا في المعركة فأنتنوا، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يرموا في بئر من الآبار المفتوحة وطم البئر عليهم فقال: (قذفوا في طوي من أطوى بدر خبيث مخبث) أي: بئر ليس عليها سور ثم قال: (وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليالي) والعرصة: هي الأرض المنبسطة يريد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا انتصر على قوم أقام بأرض المعركة ثلاثة أيام (فلما كان ببدر اليوم الثالث، أمر براحلته فشد عليها رحلها، ثم مشى واتبعه أصحابه وقالوا: ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته) يتساءلون أين يريد النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم الثالث وهو في مكان بدر؟ قال أنس : (فانطلق النبي صلى الله عليه وسلم حتى قام على شفة الركي) أي: البئر التي ألقي فيها هؤلاء الكفار، (فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء أبائهم يا فلان ابن فلان! أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله) أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينادي عليهم وقد دفنوا قبل ثلاثة أيام فيقول: (يا فلان ابن فلان! ويا فلان ابن فلان! هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ فقال عمر يسأل النبي صلى الله عليه وسلم: ما تكلم من أجساد لا أرواح لها!) أي: أنت تكلم أجساداً ليس فيها أرواح فلن يسمعوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لـعمر: (والذي نفس محمدٍ بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم) فدل على أن الله عز وجل في هذا الوقت وفي هذه الحالة أسمعهم نداء النبي صلوات الله وسلامه عليه، قال قتادة الراوي عن أنس: أحياهم الله حتى أسمعهم قول النبي صلى الله عليه وسلم توبيخاً وتصغيراً وحسرة وندماً. هذا لفظ الإمام البخاري ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم : (نادى عليهم وعمر كأنه تعجب من ذلك فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يخبر أن الله أسمعهم ما قاله) صلوات الله وسلامه عليه، وجاء في حديث آخر رواه الإمام البخاري ومسلم أيضاً من حديث هشام بن عروة عن أبيه أنه ذكر عند عائشة رضي الله عنها أن ابن عمر رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الميت ليعذب ببعض بكاء أهله عليه) فلما قالوا ذلك لـعائشة رضي الله عنها قالت: وهل أي: لم يأخذ انتباهه، والوهل: أن يسرح الإنسان عن الأمر فيتكلم عن شيء بغير ما هو عليه، فكأن عبد الله بن عمر وهل أخطأ في حدسه وفي ظنه حيث ظن أن الكلام على شيء وهو على شيء آخر، وهذا قول عائشة رضي الله تبارك وتعالى عنها، ثم قالت: إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنه ليعذب بخطيئته وذنبه، وإن أهله ليبكون عليه الآن قالت: وذاك مثل قوله: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على القليب وفيه قتلى بدر من المشركين فقال لهم ما قال: إنهم ليسمعون ما أقول، إنما قال: إنهم الآن ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق). ثم قرأت إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى [النمل:80].. وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ [فاطر:22] فأنكرت عائشة رضي الله عنها أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أسمع أهل القليب، واحتجت بقول الله سبحانه إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى [النمل:80] وقوله سبحانه: وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ [فاطر:22] وخطأت عبد الله بن عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه، بمجرد الرأي وهذا فيه نظر؛ لأن ابن عمر رفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فـابن عمر قد سمع هذا من أبيه عمر يحكي عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يقال أن ابن عمر سمع ذلك من النبي صلوات الله وسلامه عليه؛ لأنه كان صغيراً رضي الله عنه حين وقعت معركة بدر فلم يحضر مع النبي صلى الله عليه وسلم بدراً، وإنما حضرها عمر، وهو الذي تعجب من نداء النبي صلى الله عليه وسلم لهؤلاء فسمع ابن عمر هذا الذي حدث به من أبيه عمر رضي الله وتبارك وتعالى عنه، كما أن القاعدة أنه إذا أثبت الراوي عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً ونفى آخر فالمثبت مقدم على النافي؛ لأن المثبت حجة على النافي, كما أن النافي ليس معه علم بالأمر وغاية ما ظهر من نفيه أنه لا يعلم أما المثبت فمعه علم جديد، وهنا أنكرت عائشة رضي الله عنها وقالت: وهل ابن عمر رضي الله عنه وخطأته في حديثه، والظاهر أن الصواب مع ابن عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه, وأن عائشة رضي الله عنها غاية مقالها أنها احتجت بالآية, حيث تقول: إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى [النمل:80] وهو استدلال صحيح، فإن النبي لا يسمع الموتى، ولكن لا مانع من أن يحيي الله عز وجل له بعضهم حتى يسمعوا منه صلوات الله وسلامه عليه, فيكون الأصل: أنه لا يسمع الموتى صلوات الله وسلامه عليه ولا يسمع من في القبور، ولكن أسمعهم النبي صلوات الله وسلامه عليه في هذه الواقعة فحسب كما قال ابن عمر وجاء عن عمر رضي الله تبارك وتعالى عنهما، أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم حين ناداهم: (ما تسمع من أجساد قد جيفت؟ أو ما تسمع من أموات لا أرواح فيهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما أنتم بأسمع منهم ولكن لا يجيبون) ففي الحديث أن عمر أنكر على النبي صلى الله عليه وسلم حين سمعه يكلم الموتى، وفي هذا دليل على أن عمر وعى وعرف من النبي صلى الله عليه وسلم أنهم سمعوا كلامه، أما عائشة رضي الله عنها؛ فإنها لم تحضر الحدث، وإنما أنكرت احتجاجاً بالآية، والآية عامة، والعام يجوز تخصيصه فيكون المعنى: إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى [النمل:80] إلا أن يشاء الله عز وجل، فالله عز وجل أسمع له صلوات الله وسلامه عليه هؤلاء الكفار وهم في قبورهم.

    الميت يعذب ببكاء أهله عليه إذا كان من سنته

    ومثل ذلك ما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه)، وفي رواية: (ببعض بكاء أهله عليه) فإن عائشة رضي الله عنها قد خطأت الراوي أيضاً وهو عبد الله بن عمر رضي الله عنه وقالت له: الحديث ليس هكذا، وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه ليعذب بخطيئته وذنبه وإن أهله ليبكون عليه الآن) فالحديث يحتمل أن عائشة رضي الله عنها سمعت ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم كما يحتمل أنها لم تسمع، ولكن ابن عمر سمع من النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الميت ليعذب ببعض بكاء أهله عليه) وقد احتجت عائشة رضي الله عنها بقوله تعالى: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام:164] وهو استدلال صحيح، ولكن لو أن الميت أوصى أهله بالبكاء عليه، أو علم من حال أهله أنهم في الجنائز يصوتون ويصرخون، ويندبون حظهم، ويتضجرون من قضاء الله سبحانه ولم ينكر عليهم ذلك؛ فإنه يعذب ببكائهم، وفيه أن الإنسان إذا مات وصرخت عليه النائحة فقالت: وا بعلاه فإن الملائكة يؤنبون هذا الإنسان ويقولون له: أنت كذلك! أنت كذلك! وكذا لو ندبت وقالت: يا من كان يطعمني! أو: يا من كان يسقيني، فإن الملائكة تنهر هذا الميت وتقوله: أنت كنت كذلك؟ أنت كنت كذلك؟ منكرين عليه؛ لأن الذي يطعم ويسقي هو الله سبحانه تبارك وتعالى وهو الرزاق ذو القوة المتين، وإنما يأخذ الإنسان حاجته من رزق الله سبحانه تبارك وتعالى كما أنه وإن صح الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في أن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه، فإن الصحيح أن الميت لا يعذب بكل بكاء أهله عليه فقد جاء في الحديث : (إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا: وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون) فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك حين توفي ابنه إبراهيم وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم بكى على إبراهيم فدل على أن البكاء على الميت جائز وأن الميت لا يعذب به، وإنما يعذب الإنسان بفلتات لسانه وما يقوله تضجراً على الله سبحانه تبارك وتعالى وتبرماً بقضاء الله وقدره سبحانه.

    ولذا فإن الميت يعذب ببكاء أهله عليه إذا صرخوا وندبوا، أما البكاء الذي يسيل فيه الدمع من العين ويحزن ولا يصرخ فيه الإنسان ولا يندب حظه، ولا يشق ثوبه، ولا ينتف شعره؛ فإن الميت لا يعذب به، كما يجدر التنبيه على أن الحي الذي يفعل ذلك وهو الندب والشق، إن لم يتب إلى الله عز وجل فإنه يعذب يوم القيامة قال النبي صلى الله عليه وسلم : (النائحة إذا لم تتب تأتي يوم القيامة وعليها سربال من جرب ورداء من قطران) أي أنها تعذب في نار جهنم، والعياذ بالله.

    مهمة الداعية الإنذار والتبشير

    يقول الله سبحانه تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ [فاطر:23] إن في الآية بمعنى ما النافية والمعنى: ما أنت إلا نذير، وهذا أسلوب قصر أي: إن وظيفتك الوحيدة أنك رسول منذر ومبشر قال تعالى في سورة البقرة: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ [البقرة:119]، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي: أرسلناك لتنذر الذين يشركون بالله ويعبدون غيره، وتخوفهم من عذاب الله ونقمته، وتقيم عليهم الحجة من الله سبحانه، كما أن في قوله سبحانه: إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ [فاطر:23] ليس بيدك يا محمد! أن تحول هؤلاء من كفر إلى إيمان فليس لك أن تهدي من تشاء بل الله يهدي من يشاء قال سبحانه: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:56]، ثم قال سبحانه: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ [البقرة:119] أي: بهذا القرآن العظيم الذي أنزلناه عليك من السماء، كما يحتمل المعنى أن يكون: إنا أرسلناك بالدين الحق ولا منافاة بين المعنيين، ثم قال: بَشِيرًا [البقرة:119] أي: لتبشر من آمن وعمل الصالحات بجنات الخلود قوله: وَنَذِيرًا [البقرة:119] أي: نذيراً للكفرة والمجرمين بنار لهم فيها عذاب السموم، ثم قال سبحانه: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر:24] أي: ما من أمة إلا وقد أرسل الله عز وجل فيهم من ينذرهم من عذاب الله ومن يبشرهم برحمة الله، وخلا في الآية بمعنى: سلف ومضى.

    الهلاك عاقبة التكذيب

    قال سبحانه وتعالى: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [فاطر:25] أي: لست أول رسول يكذب فقد كذبت الأمم السابقة لرسلنا إليهم المؤيدين بالبينات والحجج قال تعالى: جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ [فاطر:25]، البينات: هي الحجج الواضحات، سواء بينات عقلية يخاطبهم الله عز وجل بها، أو أشياء بصرية ينظرون إليها من معجزات حسية تدلهم على قدرة الله سبحانه، وتثبت لهم أن هذا رسول من عند الله، أو بكتب ينزلها على رسله يعرفون منها الحق من الباطل، قوله: وَالزُّبُرِ [آل عمران:184] هي: الكتب المزبورة المنزلة من عند الله على رسله ومعنى: مزبورة: أي: مكتوبة، وزبر الكتاب بمعنى: كتب الكتاب، فقوله: وَبِالْكِتَابِ [فاطر:25] أي: بجنس الكتاب وأل هنا هي الجنسية، والمعنى: الرسالة التي جاءت إلى هؤلاء الأنبياء من عند رب العالمين سبحانه واللفظ يشمل: كل كتاب قوله: الْمُنِيرِ [فاطر:25] نعت للكتاب والكتاب المنير: أي البين الواضح الذي يبصر ما فيه من الحق من هداه الله سبحانه تبارك وتعالى، ثم قال سبحانه: ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ [فاطر:26] يخبرنا سبحانه تبارك وتعالى عن أخذه، وهو القائل عن نفسه: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ [البروج:12]، وإذا أخذ الله الكفار فلن يفلت من عذابه أحد منهم، بل سيأخذهم جميعهم ولن يقدروا على الهرب من الله سبحانه، قوله: فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ [الحج:44], أي: فكيف كان إنكاري عليهم بعقوبتي إياهم، فهم حين فعلوا المنكرات أنكرت عليهم، فأرسلت إليهم الرسل؛ ليبينوا لهم ويوجهوهم ولكنهم أصروا على كفرهم وتكذيبهم، ثم أنكرت عليهم بالقول فأرسلت بالكتاب الرسول، فلم يؤمنوا بل ازدادوا تكذيباً وعتواً، ثم أنكرت عليهم بالفعل فأخذتهم فكيف كان نكيري وفي الآية قراءات منها: إذا وصلت هذه الآية بالتي تليها فقراءة ورش (فيكف كان نكيري ألم تر) وأما يعقوب فيقرأ بالياء وقفاً ووصلاً فيقرأ (نكيري) ونكيري: إنكاري، وباقي القراء يقرءونها وصلاً ووقفاً: (فكيف كان نكير) وإذا وقفوا يقفون بالسكون، وإذا وصلوا فينطقون بالكسرة فيقولون: (كيف كان نكير ألم تر) بالكسر من غير ياء.

    آيات الله في الكون تدل على عظمته

    قال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا [فاطر:27] أي: ألم تر بقلبك ما فعله الله سبحانه تبارك وتعالى حيث أنزل من السماء ماء فأخرج به ثمرات مختلفة الألوان والأشكال فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا [فاطر:27] إن الله الخالق واحد لا شريك له، وهو الذي يستحق العبادة وحده فانظر إلى آياته سبحانه، فهو واحده الذي خلق: الأعمى والبصير، والظلمات والنور، والظل والحرور، والجنة والنار، والكافر والمؤمن، والسموات والأرض، والجبال والبحار، والأشجار والأنهار، لا شريك له سبحانه يخلق ما يشاء، وينوع ما يشاء في خلقه سبحانه تبارك وتعالى، ففي قوله تعالى: اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً أمر بالتأمل كيف أن الماء ماء واحد، ينزل من السماء يجري في هذه الأرض؛ فيخرج الله عز وجل بهذا الماء الواحد ثمرات مختلفاً ألوانها، فمنها ما هو أحمر، ومنها ما هو أخضر وغير ذلك من الألوان، فمع أن الماء ماء واحد ينزل من السماء إلا أن الله عز وجل يخلق به ثماراً مختلفة في ألوانها، وفي أصنافها وفي طعومها، وفي أشكالها وأحجامها، على أن كل نبات أخرجه الله عز وجل بهذا الماء الواحد، يكون الماء هو أكثر محتوياته. فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا [فاطر:27] فالله أنزل هذا الماء الواحد من السماء فسقاكم به، وسقى به مواشيكم وأنعامكم وزروعكم، وأخرج به ثمراتكم وحبوبكم، وهو الخلاق الواحد لا شريك له، فكيف تنكرون أن يعبد وحده لا شريك له؟ وكيف تنكرون أن يأمركم بعبادته وتتعجبون من ذلك؟ وهل من خالق غير الله يصنع ذلك ويرزقكم من السماء والأرض؟ لا إله إلا هو, ثم قال سبحانه: وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ [فاطر:27-28] أي: الذين يخشون الله هم العلماء الذين يتفكرون في هذه الآيات الباهرات، والعالم ينظر ويتأمل ويصل بعلمه إلى أن هذا الشيء مستحيل أن يوجده غير الله سبحانه تبارك وتعالى، فعالم النبات يمسك ورقة النبات -عادة إذا أخذها الإنسان العادي لا يأبه بها ويلقيها في النفايات- ثم يقطعها إلى شرائح بسيطة ثم يضعها تحت الميكروسكوب ويتأمل في جوف هذه الشريحة ومحتوياتها، ويدرس تركيبها، وما تشابه فيه غيرها من النبات، وما هي الأمراض التي تبرأ بتناولها! ثم يدركون أن الله عز وجل خلقه لحكمة عظيمة ولم يخلقه هباءً أو سداً، والعلماء هم من يتأملون في هذا الخلق العظيم فيدركون عظمة الله عز وجل، ويكونون أشد خشية له، وقوله: وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ [فاطر:27] أي: خلق هذه الجبال العالية الصعبة الوعرة، وجعل بينها طرقاً ومسالك، والجدد: الطرائق، وجدد: جمع جدة، والجدة: الطريق، فالله سبحانه برحمته جعل في الجبال العاليه الراسية الوعرة الصعبة طرقاً لمن يريد أن يسلكها، كما أن الله سبحانه تبارك وتعالى يلونها فمنها ما هو أبيض عظيم البياض، ومنها ما هو أكدر، ومنها ما هو أحمر شديد الحمرة، قد لونها ربها سبحانه تبارك وتعالى, فانظر وتأمل في بديع خلقه سبحانه تبارك وتعالى, قال سبحانه وتعالى: وَغَرَابِيبُ سُودٌ [فاطر:27] غرابيب سود أي: جبال من حجارة سوداء، ويقال: هذا أسود غربيب، أي: أسود شديد السواد، كما تقول: هذا أحمر قاني، أي: أحمر شديد الحمرة، وتقول: هذا أصفر فاقع لونه، أي: أصفر شديد الصفرة، وكذلك تقول: أسود غربيب وقد يعكس فيقال: غربيب أسود، والمعنى: شديد السواد، فالله سبحانه يخبرنا عن هذه الجبال التي نراها ويدعونا لتأمل عظمته فيها، فالمسافر الذي يركب الطائرة وينظر إلى الجبال من الأعلى يجد مناظراً عجيبة غاية في الجمال، تأسرك بألوانها فمنها جبال سوداء وجبال حمراء وجبال بيضاء، تبدي لك الأرض متعرجةً وأخرى مستوية، فلا تملك إلا أن تقول: سبحان الخلاق العظيم، وأكثر من ينظر إلى ذلك ويتأمل ويتعجب هم أهل العلم حيث يتأملون في بديع خلق الله، فلا يملك أحدهم إلا أن يقول: سبحانك ما خلقت هذا باطلا، بل كل من ينظر إليها يدرك أن الله خلق كل ذلك ليرينا من آيات جلاله وجماله سبحانه تبارك وتعالى في هذا الكون، قال سبحانه: وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ [فاطر:28] أي: الناس ألوان مختلفة، فمنها الأحمر ومنها الأبيض ومنها الأسمر، فالناس في أوربا بلون، وفي أمريكا بلون آخر، وفي أستراليا بلون ثالث، وفي الهند بلون وفي الصين بلون والسودان بلون، فمع أن الخالق واحد سبحانه إلا أنه عدد صفات مخلوقاته ليريكم من آياته، مع أنه كان قادراً على أن يجعل الجميع بلون واحد، ولكن الله سبحانه خلق ونوع في خلقه ليرينا قدرته وآياته سبحانه، قوله: وَالدَّوَابِّ أي: كل ما يدب على وجه الأرض، فإنها أنواع مختلفة ينظر المتأمل فيها ويتعجب من بديع صنع الله سبحانه فهو البديع سبحانه فاطر السموات والأرض، فقد تعددت الأشياء واختلفت ألوانها، مع أن الذي خلقها هو الخالق الواحد لا شريك له ثم قال سبحانه: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] فمن تأمل في هذا الكون، وآتاه الله عز وجل العلم، فإنه سيصل في النهاية إلى معرفة الخالق سبحانه، وأنه لا أحد يستحق أن يعبد إلا هو سبحانه تبارك وتعالى, والعلماء في الآية فاعل يخشون، فإن العلماء يخشون الله سبحانه أعظم الخشية، بل كلما ازداد العلم في قلب الإنسان، إما بدين الله سبحانه تبارك وتعالى، أو بخلق الله سبحانه، فإنه يصل بعلمه إلى أن يعرف الله سبحانه تبارك وتعالى، ويزداد خشية وخوفاً من الله سبحانه، وقولنا أن العلماء يخشون الله سبحانه لا يعني أن غيرهم لا يخافون من الله، بل هم يخافون الله ويخشونه، ولكن الأشد خشية هم من يجتمع فيهم العلم بالدين مع العلم بأمور خلق الله سبحانه تبارك وتعالى، ثم أردف الله آياته بنعوت جلاله فقال: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ [فاطر:28] أي: الله عزيز غالب قاهر لا يمانع سبحانه تبارك وتعالى، يغفر سبحانه لمن تاب وأناب إليه إن الله عزيز غفور، وقد جاء في سنن الترمذي وهو حديث صحيح عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: (ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان أحدهما عابد والآخر عالم) عابد أي: متعبد يكثر من الصلاة والصوم، والآخر عالم, قد عرف الشريعة وتعلم العلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم) فبين أن العلم رفعة قال تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11] أي: أن الله يرفع المؤمنين الذين أوتوا العلم درجات فوق خلقه سبحانه تبارك وتعالى، وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم : (فضل العالم على العابد) بيان أن العالم أفضل من العابد، والمراد بالعالم: العالم بالله سبحانه تبارك وتعالى، وبكتابه وبسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، التقي الذي يخاف من الله سبحانه تبارك وتعالى، فيبين النبي أن فضله على العابد، كفضل النبي صلى الله عليه وسلم على أدنى أصحابه صلوات الله وسلامه عليه، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن الله وملائكته وأهل السموات والأراضين حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير) وهذه مزية العالم الذي يعلم الناس الخير، وصلاة الله عليه: أي أن الله يثني عليه ويرحمه سبحانه، وصلاة الملائكة عليه: أي أنها تدعو له ربها سبحانه تبارك وتعالى، وليس ذلك فحسب بل يصلي عليه من في السموات ومن في الأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت -السمك في الماء- فإنه يدعوا لمن يعلم الناس الخير، وما ذاك إلا لأن العالم يخشى الله سبحانه تبارك وتعالى، ويصل بهذه الخشية إلى الإيمان بالله سبحانه وإلى اليقين به سبحانه، ونذكر هنا قصة جميلة ذكرها وحيد الدين خان في كتاب الإسلام يتحدا فقال: [ واقعة رواها العالم الهندي الدكتور عناية الله المشرقي -هذا الرجل وصل إلى درجة عظيمة جداً في علم الفيزياء، وكان عالماً من العلماء وله نظريات في الرياضيات والفيزياء أبهرت العالم، كان هذا الرجل العالم المسلم عناية الله المشرقي في بريطانيا في جامعة كمبريدج يتعلم هنالك، وله أساتذته هناك في هذه الجامعة يقول: كان ذلك يوم أحد من أيام سنة 1909م وكانت السماء تمطر بغزارة يقول عناية الله المشرقي : خرجت من بيتي لقضاء حاجة ما، فإذا بي أرى الفلكي المشهور جيمس جنز، الأستاذ بجامعة كمبريدج ذاهب إلى الكنيسة، والإنجيل والشمسية تحت إبطه، فدنوت منه وسلمت عليه فلم يرد عليّ وهو غارق في التفكير، فسلمت عليه مرة أخرى فسألني: ماذا تريد؟ فقال: قلت أمرين: الأول هو أن شمسيتك تحت إبطك والسماء تمطر بغزارة، فكيف تأخذ شمسية تحت إبطك والسماء تمطر عليك بغزارة، فانتبه الرجل ووضع الشمسية فوق رأسه، فعرفت أنه كان في تفكير عميق أفقده الإحساس ببرد الشتاء النازل على رأسه، قال والثاني: قال: ما الذي يدفع رجل ذائع الصيت في العالم مثلك أن يتوجه إلى الكنيسة فتوقف الرجل لحظة ثم قال عليك اليوم أن تأخذ شاي المساء عندي! قال: فوافقت فلما وصلت إلى داره في المساء خرجت زوجته في تمام الساعة الرابعة بالضبط وأخبرتني أنه ينتظرني، وعندما دخلت غرفته وجدت أمامه منضدة صغيرة موضوع عليها أدوات الشاي، وكان البروفيسور منهمك في أفكاره، وعندما شعر بوجودي سألني ماذا كان سؤالك؟ ودون أن ينتظر ردي بدأ يلقي محاضرة عن تكوين الأجرام السماوية ونظامها المدهش وأبعادها وفواصلها ألا متناهية وطرقها وأنوارها المذهلة، قال عناية الله: حتى شعرت بقلبي يهتز لهيبة الله وجلاله وأما جيمس فوجدت شعر رأسه قائم والدموع تنهمر من عينيه ويداه ترتعدان من خشية الله، وتوقف فجأة، ثم بدأ يقول: يا عناية الله! عندما ألقي نظرة على روائع خلق الله يبدأ وجودي يرتعش من الجلال الإلاهي وعندما أركع أمام الله وأقول له إنك لعظيم أجد كل جزء في كياني يؤيدني في هذا الدعاء وأشعر بسكون وسعادة عظيمتين قال: وأحس بسعادة تفوق سعادة الآخرين ألف مرة أفهمت يا عناية الله لماذا أذهب إلى الكنيسة! قال عناية الله: لقد أحدثت هذه المحاضرة طوفان في عقلي فقلت لهذا الرجل لقد تأثرت جداً بالتفاصيل العلمية التي رويتموها لي وتذكرت بهذه المناسبة آية من كتابي المقدس، يريد من القرآن أفأخبرك بها؟! قال: بكل سرور، فقال: قرأت عليه هذه الآية أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ [فاطر:27-28] قال فصرخ جيمس فقال: ماذا قلت؟ إنما يخشى الله من عباده العلماء هذه عندكم في القرآن؟ إن هذا غريب جداً إن الأمر الذي كشفت عنه بهذه الآية استمرت دراسته لي خمسين سنة من أنبأ محمداً بهذا؟ وهو لم يطلع على الفلك ولا على علوم الكون؟ قال: هذه الآية موجودة في القرآن حقاً؟ لو كان الأمر كذلك فاكتب شهادة مني أن القرآن كتاب موحى من عند الله سبحانه تبارك وتعالى! يريد قوله تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ، لقد وصل الرجل إلى هذه الخشية من الله بعد دراسة دامت خمسين سنة عرف فيها الكون والفلك والنجوم والشمس والقمر، وعرف الله سبحانه تبارك وتعالى، وعرف أن الذي يصل إلى هذه الدرجة من العلم يخاف الله، فإذا بالرجل يخبره ببساطة أن آية في القرآن تتحدث بهذا المعنى جاء بها محمد من عند ربه؟ فأجابه أن ذلك ليس ممكناً أن يأتي بها محمد من تلقاء نفسه فقد درست خمسين سنة حتى وصلت إليها، بل المؤكد أن محمداً رسول من عند رب العالمين صلوات الله وسلامه عليه.