إسلام ويب

تفسير سورة الشعراء [52 - 68]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بين الله عز وجل في هذه الآيات الكريمات قصة إنجاء موسى عليه السلام وقومه من بطش الطاغية فرعون، فلما أن أذن فرعون لموسى بالخروج من مصر خرج ليلاً في قومه وبادر بالخروج؛ لأن الوحي قد جاءه بأن فرعون سينكث عهده، وفعلاً أرسل من يجمع الناس ويؤلبهم عليهم ثم اتبعوهم، وكان قدر الله تعالى أن أخرج فرعون وجنده إلى مصيرهم وهو الهلاك والغرق في البحر، فلما كادوا أن يدركوا موسى وقومه جاء الفرج وتجلت قدرة الله سبحانه عندما ضرب موسى البحر فانغلق، وصارت فيه الطرق التي سلكها مع قومه فنجوا، ثم أهلك الله تعالى فرعون وجنده.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأوحينا إلى موسى أن أسرِ بعبادي ... وكنوز ومقام كريم)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد إلا إله الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل: وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ * فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ * فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ [الشعراء:52-58].

    ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات قصة خروج موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام مع بني إسرائيل من مصر، وكيف أهلك الله عز وجل فرعون وجنوده شر هلاك، فآتاهم العذاب من حيث لا يتوقعونه، فأمر الله عز وجل موسى أن يسير بعباده في الليل فقال: أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ [الشعراء:52].

    وأخبره أن فرعون سيتبعهم، وكان موسى قد ظن أن فرعون لا يتبعه؛ لكونه أذن لهم في الخروج من مصر، فخرج ومن معه، فأوحى الله إليه بذلك؛ حتى لا يخاف، وليطمئن أن ربه سبحانه معه.

    قال تعالى: فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ [الشعراء:53].

    أي: من يجمعون الناس بعد أن تنبه فرعون لخروجهم، ويقول الجامعون: إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ [الشعراء:54-55].

    فجمع الناس بهذه المقولة: إن بني إسرائيل عدد قليل قد خرجوا وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ [الشعراء:55-56].

    يعني: عددهم وقوتهم لا تقارن بعددنا وقوتنا؛ فلذلك سنذهب إليهم ونرجعهم إلى هنا بقوتنا وعددنا.

    قال الله عز وجل، فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ [الشعراء:57] أي: خرج فرعون وجنوده فتركوا أرضهم وديارهم، وتوجهوا إلى البحر الأحمر متبعين لموسى عليه السلام ومن معه.

    قال سبحانه: فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ [الشعراء:57-58].

    يعني: كانت لهم في هذه الديار الجنات والبساتين، وعيون الماء فضلاً عن أن لهم من الله عز وجل هذا النهر العظيم نهر النيل، والكنوز والمقام الكريم الذين كانوا يعيشون فيه، فأخرجهم الله عز وجل من هذا كله، وكنوز الأرض كثيرة موجودة في مصر، وكان الفراعنة يستغلونها، ويستخرجون الذهب ثم يصنعون منه الحلي، ويجعلونه مع الموتى في قبورهم، ويصنعون أشياء كثيرة من ذلك.

    فأخبر الله عز وجل أنه أخرجهم من هذه الكنوز، ومن مقامهم الكريم الذي كانوا يقومونه في أرض مصر.

    والمقام الكريم: هي المجالس، أو الأرض نفسها، أو المنابر التي كانوا يتكلمون فيها أمام الناس، والناس تذعن لهم في ذلك.

    فأخرجهم الله عز وجل مما أعطاهم من نعم، وخرجوا متجبرين متكبرين جاحدين لربهم سبحانه مطاردين نبي ربهم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

    قال الله سبحانه: كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ [الشعراء:59].

    وقال الله سبحانه وتعالى في سورة القصص: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ [القصص:5-6].

    فكان بنو إسرائيل مستضعفين، وكانوا يتبعون موسى عليه الصلاة والسلام، فأراد الله عز وجل أن يري خلقه قدرته وقوته في أن يضع المستكبرين ويذلهم ويرفع المستضعفين ويعزهم بإيمانهم، وبنصرتهم لدين ربهم سبحانه.

    فإذا به يورث هذا الذي تركه فرعون من أموال وكنوز لبني إسرائيل، فمكن لهم وأورثهم ذلك، قال: كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ [الشعراء:59].

    ثم رجع لتفصيل هلاك فرعون فقال: فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ [الشعراء:60].

    يعني: فرعون اتبع موسى ومن معه في وقت شروق الشمس عند الضحى، وكان من المفترض أن أصحاب موسى قد خرجوا بالليل أن يسبقوهم ويفوتهم، لكن فرعون بما معه من خيل سريعة أدركوهم أو كادوا، فقال: قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى [الشعراء:61] وهم فزعون خائفون، إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء:61].

    وأما موسى عليه السلام فهو مطمئن بربه سبحانه وتعالى؛ لأن الله تعالى يطمْئِن قلوب أنبيائه وأوليائه.

    قالوا: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء:61].

    يعني: أوشكوا على أن يلحقوا بنا، فكل فريق يرى خصمه أمامه.

    قال تعالى حكاية عن موسى: قَالَ كَلَّا [الشعراء:62] وهي أداة ردع وتسكيت، أي: اسكتوا ولا تتكلموا في ذلك؛ فإن الله عز وجل هو الذي ينصرنا.

    قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء:62]، فمن شدة الفزع كأنهم نسوا ربهم سبحانه، ولذلك لم يقل موسى: إن معنا ربنا سيهدينا، وإنما قال: إن معي، فأنا مطمئن بربي، وواثق به حتى وإن تزلزتم وتزعزعتم وشككتم، فربي سيهديني إلى الطريق.

    فالله عز وجل يهدي موسى عليه السلام على ما يشاء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك الحجر)

    قال تعالى: فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ [الشعراء:63].

    ذكروا أن موسى عليه الصلاة والسلام لما خرج من مصر متوجهاً إلى الشام هو ومن معه تاهوا عن الطريق، فتعجب موسى من ذلك، فسأل من معه لماذا يحدث ذلك؟ فقال علماء بني إسرائيل: إن يوسف عليه السلام لما حضره الموت أخذ علينا موثقاً من الله ألا نخرج من مصر حتى ننقل عظامه معنا.

    فقال موسى: فأيكم يدري مكان قبره؟ -وهذا الحديث ذكره أبو يعلى والحاكم وصححه، وصححه أيضاً الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة- فقالوا: ما يعلمه إلا عجوز لبني إسرائيل، فأرسل إليها موسى عليه الصلاة والسلام فقال: دليني على قبر يوسف.

    قالت: لا والله لا أفعل حتى تعطيني حكمي، تعني: إذا أعطيتني ما أريد دللتك على مكان القبر.

    فقال: وما حكمك؟

    قالت: حكمي أن أكون معك في الجنة.

    فكأن موسى عليه الصلاة والسلام ثقل عليه ذلك، فالجنة ليست بيده حتى يوافق على ذلك، فلما تحير موسى عليه الصلاة والسلام قال له ربه: أعطها حكمها. فلما أعطاها ما أرادت دلتهم على المكان وكان قد غطته المياه، فاحتفروا واستخرجوا عظامه، فلما أقلوها إذا بالطريق مثل ضوء النهار.

    والمقصود بالعظام جسد يوسف الصديق؛ لأن الله عز وجل حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، ولذلك جاء: (أن تميماً الداري قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ألا أتخذ لك منبراً يا رسول الله يحمل عظامك؟!)، والمنبر لن يحمل العظام بل سيحمل الجسد كله، فالعظام تطلق على الجسد.

    قال: فأوحى الله إلى موسى أن أعطها حكمها ففعل، فأتت بهم إلى بحيرة فقالت: انضبوا هذا الماء، فأنضبوه واستخرجوا عظام يوسف عليه السلام، فتبينت لهم الطريق مثل ضوء الشمس، أو مثل ضوء النهار.

    وجاء في سبب ذكر هذه القصة التي ساقها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي موسى (أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل بأعرابي، فطلب منه أن يأتي إليه إلى المدينة؛ حتى يكافئه على معروفه، فنزل الأعرابي ضيفاً على النبي صلى الله عليه وسلم فأكرمه، ثم قال له: حاجتك؟! يعني: سلني ما تريد.

    فقال: ناقة أركبها، وأعنزاً أحلبها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أعجزت أن تكون مثل عجوز بني إسرائيل؟!)، يعني: أعجزت أن تطلب مثل ما طلبت! فقال الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم: وما عجوز بني إسرائيل، فقص عليهم هذه القصة.

    فبدلاً من أن يطلب الأعرابي الآخرة طلب حاجته في الدنيا، ولكن غيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين كانوا يخدمونه كان يقول لأحدهم: سلني، فيقول: أسألك مرافقتك في الجنة.

    فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أعني على نفسك بكثرة السجود، يعني: أكثر من السجود، وأكثر من القيام حتى أدعو لك فتكون معي في الجنة.

    والغرض أن الله سبحانه أخبر أنه أخرج بني إسرائيل من مصر وأهلك فرعون، فلما كاد فرعون أن يصل إلى موسى ومن معه إذا بالله عز وجل يوحي إلى موسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ [الشعراء:63].

    وكان بنو إسرائيل وقتها في غاية القلق، فيسألون: أين أمرك ربك أن نسير؟ فكان يشير إلى البحر، فيأتي أحدهم يريد أن يقتحم البحر فلا يقدر، فيرجع إلى موسى، وهنا جاء الأمر من الله عز وجل أن اضرب البحر بعصاك.

    وعصا موسى عصا عجيبة، كانت فيها آيات عظيمة، قال: قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا [طه:18] يعني: حال سيرى، وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي [طه:18]، أي: أضرب الشجر فتسقط الأوراق لتأكلها الأغنام، وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى [طه:18] أي: لي فيها منافع أخرى.

    وهذه العصا صارت حية بعد ذلك، وكانت آية لموسى وعلامة على نبوته عليه الصلاة والسلام ومعجزة له من عند ربه سبحانه، ثم كانت آية لفرعون وجنوده فلم يتعظوا ولم يعتبروا.

    ثم كانت آية في مرة أخرى عندما كان موسى عليه الصلاة والسلام يغتسل وحده، وكان بنو إسرائيل يغتسلون عراة وكأن ذلك كان جائزاً في شرعهم، وكانوا يقولون: إن موسى لا يغتسل معنا لأنه آدر، أي: فيه عيب في خلقته فيستحي أنه يكون معنا.

    فإذا بموسى يغتسل مرة ويريد الله عز وجل أن يبرئ موسى مما يقولون فوضع ثوبه على حجر، ففر الحجر بها، فإذا بموسى يجري وراء الحجر ويقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر.

    فنظر إليه بنو إسرائيل فوجدوا أنه سليم ومن أصح الناس، فلما أخذ الحجر ضربه بعصاه فجرح الحجر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن بالحجر لندباً من أثر الضرب) فكأن الحجر حين جرى صارت له الطبيعة الإنسانية، فعوقب كما يعاقب الآدمي، فكانت العصا في يد موسى يضرب بها هذا الحجر.

    وهنا مرة أخرى يضرب بها جماداً وهو البحر، فهذا من عجيب آيات الله سبحانه وتعالى فلما ضرب البحر قال الله عز وجل: فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [الشعراء:63].

    وقال له سبحانه: وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُندٌ مُغْرَقُونَ [الدخان:24].

    يعني: وقفت الأمواج في مكانها، وشقت الضربة البحر وفلقته، فإذا في البحر اثنا عشر طريقاً، لك سبط من أسباط بني إسرائيل طريق يسيرون فيه وذلك بضربة عصاه عليه الصلاة والسلام.

    والله عز وجل يخبر أن البحر أصبح رهواً، أي: جامداً كأنه ثلج، وأمواج البحر كما هي ماء ولكنها واقفة في مكانها، وينضب البحر في الأماكن التي يسير فيها موسى ومن معه من بني إسرائيل: فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [الشعراء:63].

    ويذكر الله لنا أن موسى عليه الصلاة والسلام قال: قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى [الشعراء:62-63].

    فجاء الوحي وهو قوله: أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ [الشعراء:63]، أي: جزء من البحر: كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [الشعراء:63]، أي: كالجبل العظيم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأزلفنا ثم الآخرين... ثم أغرقنا الآخرين)

    قال تعالى: وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ [الشعراء:64].

    يعني: قربنا فرعون ومن معه، فحين بدأ موسى وقومه الدخول في الطرق التي فتحها الله لهم في البحر أقبل فرعون وراءهم، وإذا به ينظر إلى البحر فاحتار: هل يدخل ورائهم أم يقف؟ فأخذته العزة فاقتحم وراءهم كأنه يريد أن يريهم أنه هو الذي شق البحر، قال سبحانه وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ [الشعراء:64]، يعني: قربناهم وأدخلناهم داخل البحر.

    قال تعالى: وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ [الشعراء:65].

    فكانت النجاة من رب العالمين سبحانه، فلما خرج آخر رجل من بني إسرائيل كان فرعون ومن معه قد تكاملوا في وسط البحر، وهنا جاء أمر الله سبحانه للبحر كما أمره في البداية أن ينفلق أمره أن يلتئم، فالتأم عليهم، فأغرقهم أجمعين، قال سبحانه: ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ [الشعراء:66].

    أي: أغرقنا هؤلاء الأبعدين: فرعون ومن معه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين)

    قال تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً [الشعراء:67]، أي: في ذلك آية عظيمة وعجيبة ما كان يظن بنو إسرائيل وقوعها، فلما رأوا الآيات أمامهم كان من المفترض أن يكونوا أكثر الخلق إيماناً، فقد رأوا كيف أهلك الله عز وجل فرعون، ولكن في قلوبهم شيء؛ ولذلك قال موسى عليه السلام: إِنَّ مَعِيَ رَبِّي [الشعراء:62].

    يعني: أنكم في شك، وأما أنا فمعي ربي سيهديني، فهداه الله عز وجل وأنجاه وأنجى من معه.

    وكذلك لما كانوا في طريقهم في البحر تشككوا أيضاً؛ لأن في البحر اثني عشر طريقاً، فكانوا يطلبون من موسى أن يروا إخوانهم، ويتساءلون: هل أخذهم فرعون أم غرقوا في البحر؟ فإذا به يتعجب من أمرهم هذا، فيضرب في كل مكان من هذه الطرق فيفتح لهم كالشبابيك، فينظر بعضهم إلى بعض.

    ثم لما خرجوا بعد ذلك قالوا: إن فرعون لم يهلك مع أنهم يرون الماء يلتطم على فرعون وجنوده، وكأنه قد بقي في أذهانهم قول فرعون: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24]، وهذا من إجرام فرعون وعتوه وعلوه.

    فإذا بالله تعالى يريهم آية أخرى من الآيات فقال: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً [يونس:92].

    فأنجى بدنه ولم يجعله يغرق أو تأكله أسمالك البحر مثلاً، ولكن قذفته الأمواج بعد ذلك على البر، فنظر بنو إسرائيل إليه.

    والقرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي يذكر فيه الله سبحانه وتعالى أنه أخرج فرعون بجسده من البحر، وأما التوراة التي فيها ذكر موسى وذكر الخروج فلا تذكر إلا أن الله أغرقه فقط وأما إخراجه فلا؛ ولذلك كان هذا سبباً لإسلام أناس من الكفار منهم الطبيب الفرنسي الجراح، موريس بوكاي الذي درس التوراة والإنجيل والقرآن وعمل مقارنة بينها وبين العلم الحديث، ثم أسلم وقال: هذا الكتاب كتاب رب العالمين سبحانه، ثم ذكر قصة فرعون ومن معه، فقال: إن الجثة لما أخذت إلى فرنسا لتحليلها أو لترميمها كشفوا عليها فوجدوا فيها آثار الموت غرقاً، وأن هيئة الجثة تدل على أن هذا ميت مات غرقاً، فقد وجدت أنسجة الجثة مليئة بالملح، وأثبتت التحاليل أيضاً: أنه قعد في البحر فترة وجيزة.

    فيقول الدكتور: أظهرت أشعة إكس تكسير العظام دون تمزق الجلد واللحم.

    يعني: أن عظمه من الداخل متكسر، وجلده ولحمه من الخارج غير منزوعين ولا متقطعين. فقال أهل الطب: وهذا دليل على أن الماء ضغط عليه حتى كسر العظام الداخلية، وأما الجسد والأنسجة الخارجية فلم تتأثر، وهذا لا يكون إلا من ضغط الماء فقط.

    فقالوا: إن هذا الفرعون الذي جثته عندهم هو فرعون موسى الذي أغرقه الله سبحانه وتعالى، هو الذي يسمونه منبتاح .

    وقد ذكره الله تعالى في سورة يونس فقال: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ [يونس:92]، وكأن المعنى أن نخرج البدن سليماً، وفعلاً خرجت الجثة سليمة لينظر لها بنو إسرائيل.

    فلعله لو نهشته أسماك البحر أو نزلت عليه صخور من البحر لم يعرفوا هيئته، ولكن الله عز وجل أخرج الجثة أمامهم ليروا أن هذا هو فرعون.

    قال سبحانه: لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ [يونس:92].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن في ذلك لآية.... وإن ربك لهو العزيز الرحيم)

    ثم ذكر الله عز وجل لنا في هذه الآيات: أنه أنجى موسى ومن معه أجمعين، وأغرق الآخرين، وعقب بالتعقيب الذي سيتكرر ثمان مرات في هذه السورة: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ [الشعراء:8] أي: إن في ذلك الذي سمعتم ورآه بنو إسرائيل قبل ذلك لآية عظيمة من الله سبحانه وتعالى، وحجة وبرهان عظيم على ما نقول: من قدرتنا على إهلاك الظالمين، وإنجاء المؤمنين، ولكن لم يكن أكثرهم مؤمنين، بل أكثر من في الأرض ضالون عن سبيل الله، قال سبحانه: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام:116].

    قال تعالى: وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء:9].

    أي: العزيز الغالب القوي الذي لا يقهر، فأهلك فرعون وجنوده، والرحيم بالمؤمنين فأنجى بني إسرائيل، وكأن في ذلك إشارة لهذه الأمة أن الله عز وجل ينجي المؤمنين، ويهلك الكافرين.

    وهذه السورة من السور المكية كما ذكرنا قبل ذلك، وقد نزلت في وقت كان المسلون في ضعف، وفي قلة وذلة، وكانوا يؤذون من الكفار ويعذبون، فنزلت هذه الآيات تطمئنهم أنه لن يعمل فيكم أكثر مما عمل في بني إسرائيل، وقد أنجاهم الله عز وجل، وأورثهم الأرض واستخلفهم وكذلك أنتم، فجاء وعد الله ومكن الإسلام والمسلمين.

    نسأل الله عز وجل أن يعز الإسلام وأهله، وأن يذل الكفر وأهله.

    أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمين.