إسلام ويب

تفسير سورة الشعراء [46 - 56]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله سبحانه يهدي من يشاء ويضل من يشاء، فقد هدى الله سحرة فرعون بعد أن كانوا سحرة ضالين، فأصبحوا مؤمنين بالله عز وجل، وقد بين الله تعالى في سورة الشعراء طغيان فرعون وتجبره على بني إسرائيل، وكيف قام بتعذيبهم، ولنا في هذه القصة عبرة وآية.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فألقي السحرة ساجدين)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الشعراء:

    فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ * قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء:46-51].

    يذكر لنا ربنا سبحانه فضله على من يشاء من عباده سبحانه، فيهدي من يشاء ويضل من يشاء، فالله عز وجل أضل فرعون وقد رأى من الآيات الكثير، وقد جاءه موسى بتسع آيات بينات من عند الله سبحانه وتعالى، فيده فيها آية، والعصا فيها آية، قال تعالى: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ [الأعراف:133]، وأخذهم الله بالسنين ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، فكان ذلك من الله عز وجل آيات بينات لم يؤمن بها فرعون وقومه، مع أنه كلما جاءت آية قالوا متوسلين لموسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام: لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ [الأعراف:134]، وكل مرة يدعو موسى ربه ويكشف الله عنهم الرجس والعذاب، فيرجعون مرة أخرى إلى كفرهم وتكذبيهم، فالله يضل من يشاء حتى ولو رأوا أمامهم الآيات مفصلات بينات، ويهدي من يشاء ولو بآية واحدة من عنده سبحانه، فهؤلاء السحرة جاءوا مكذبين معترضين على موسى مناصرين لفرعون، ومع ذلك رأوا آية واحدة حين ألقى عصاه، فجعلت تلقف ما ألقوه من حبال وعصي، فخروا لله ساجدين، فهداهم الله جميعاً في ساعة واحدة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالوا آمنا برب العالمين ... رب موسى وهارون)

    قال تعالى: قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الأعراف:121-122]، لما قالوا ذلك إذا بفرعون تأخذه العزة ويقول: آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ [طه:71]، فانظروا إلى الاستكبار، فهو يريد أن يكون أمر الإيمان بالله سبحانه بإذنه هو، وهو الذي يقول: فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24] أي: أنه يأمرهم أن يعبدوه من دون الله سبحانه وتعالى، يقول لهم: آمنتهم من غير إذني ودخلتم في دينه؟ فهو قد رأى الآيات وامتنع من الإيمان، وأي إذن ينتظرونه منه وقد دخل قلوبهم الإيمان فآمنوا بالله رب العالمين سبحانه ولا يحتاج إلى إذن من أحد؟!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال آمنتم له قبل أن آذن لكم .... )

    قال تعالى: قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ [الشعراء:49]، قال فرعون: (آمَنْتُمْ لَهُ) أي: لموسى، إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [الشعراء:49]، فالإنسان الذي لا حجة عنده يلقي بالكلام جزافاً، ويلقي بالكلام الذي لا معنى له، ففرعون يقول ذلك لهؤلاء السحرة الذين جمعهم هو، ولم يعرفوا موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ولم يجالسوه قبل ذلك، بل جمعهم فرعون من أدنى الأرض ومن أقصاها، فاجتمعوا وقالوا: ننصر فرعون، قال تعالى: لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ [الشعراء:40]، وقال السحرة لفرعون: أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ [الشعراء:41]، فهم لم يعرفوا موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ولم يجالسوه إلا في هذه المرة، فلما رأوا الحق معه اتبعوا الحق الذي جاء من عند ربهم سبحانه وتعالى.

    فقال لهم فرعون: (آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ)، وهذا كلام كذب يعرف فرعون أنه كاذب فيه، فيقول: أنتم عملتم حيلة من ورائي، فهو يريد أن يداري أمام الناس، فقد جمع الناس ليعلموا أنه كذاب، فإذا به يقول: هذا كبيرهم؛ لأنه لم يستطع أن يقول شيئاً يرد به على موسى إلا الكذب.

    قال تعالى: (إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ) فمتى كان كبيرهم؟! ومتى علمهم السحر وقد أتى من بلاد الشام إلى مصر في هذه الأيام؟!

    يقول فرعون مهدداً لهم: (فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) أي: سنفعل بكم ما ترون.

    قال: لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ [الشعراء:50] أي: سأقطع يد ورجل كل واحد منكم، وأصلبكم على جذوع النخل؛ لأجعلكم آية للناس.

    فهذا فرعون الذي وصفه الله بأنه فرعون ذو الأوتاد، وهذه الكلمة تكررت في القرآن مرتين، فذكر الله عز وجل فرعون بهذه الصفة، وفرعون لقب لملوك مصر، واسم فرعون هذا عرفناه من كلام الذين يبحثون في التواريخ، فكل ملك من ملوك مصر يلقب بهذا اللقب: فرعون، وأما اسمه فقد ذكرنا قبل ذلك أنهم ذكروا أن اسمه: منبتاح بن رمسيس الثاني أو خليفة رمسيس الثاني، وعلماء التاريخ يبحثون في أشياء عجيبة جداً، فيصلون إلى شيء قد أثبته القرآن قبلهم، فعندما جاءت الحملة الفرنسية إلى مصر وبحثوا في الآثار المصرية استخرجوا جثث القدماء المصريين والملوك، وبعد ذلك أخرجوا اللغة الهيروغليفية التي هي لغة الفراعنة، وبدءوا يدرسونها لكي يعرفوا معانيها، وتعبوا في ذلك كثيراً.

    وصعد علماء الفلك إلى القمر فاكتشفوا أن القمر قد انشق يوماً من الأيام، والله عز وجل قال في كتابه: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1]، وهم يبحثون لكي يعرفوا اسم فرعون وصفة فرعون وكيف مات فرعون، فأتوا بتصديق لما قاله الله عز وجل في كتابه سبحانه وتعالى، والمسلمون لم يكونوا يعرفون أن فرعون هذا لقبه وله اسم آخر غير ذلك، وله وصف آخر غير ذلك إلا ما جاء في القرآن، وأنه فرعون، وأنه ذو الأوتاد، فإذا بعلماء الغرب الذين يبحثون يقولون: من ملوك الفراعنة من كان اسمه كذا، وبعد ذلك بحثوا في هذا الاسم، وقالوا: هذا فرعون موسى، واسمه بي نو خيو ، وكانوا يتساءلون: هل هذا اسم للفرعون أم وصف للفرعون؟ فبحثوا عن معنى الكلمة حتى وصلوا إلى أن: كلمة (بي) تعني: ذو، و(إن) أو (نو) بمعنى: أل، و(خيو) أو (إخ) أو (خي) بمعنى: أوتاد، وهذه هي الكلمة التي ذكرها ربنا سبحانه وتعالى في كتابه، وهذا الكلام ليس كلامنا، ولكنه كلام موجود على الإنترنت ذكره البعض من المسلمين عن دكتور من الذين تخصصوا في اللغة الهيروغليفية اسمه الدكتور علي فهمي خشيم ، وذكر يحثاً طويلاً في هذا الشيء مؤداه في النهاية أنه فرعون ذو الأوتاد الذي ذكره الله عز وجل في كتابه.

    وسمي ذا الأوتاد لأنه كان يضع لخصومه أوتاداً على الأرض ويكتفهم في هذه الأوتاد، أو أنه يربطهم على فروع الأشجار، ويدق لهم مسامير ويعلقهم فيها، فهذا هو فرعون ذو الأوتاد، فاسمه الذي وصلوا إليه هو منبتاح، وأنه كان خليفة رمسيس الثاني، ووصفه ذو الأوتاد، وربنا يذكر لنا فرعون ذا الأوتاد، وذكر لنا هنا أنه كان يصلب هؤلاء السحرة على جذوع النخل أو في جذوع النخل.

    إن فرعون هذا ذكر الله سبحانه أنه غرق، وقد نجى الله بدنه وألقاه على نجوى من الأرض بحيث ينظرون إليه ويعرفون أن هذا فرعون الذي أغرقه الله سبحانه، وأصحاب العلوم الحديثة يكتشفون ويقولون: إن هذه فعلاً هي جثة منبتاح ، وهي جثة فرعون الذي آذى موسى، والذي خرج وراء موسى وأغرقه الله، وفعلاً غرق في البحر ولم يمكث في البحر فترة طويلة حتى خرج من البحر، وهذا بناء على تحليل جثته، ونحن لا نحتاج إلى ذلك، فالقرآن يغنينا، فقد أراهم الله الآيات التي يعلم بها من يكذبه، فقد جاء القرآن بالصدق والخبر الذي لم يصلوا إليه إلا بعد 1400 عام من نزول هذا القرآن المعجز العظيم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون ... أن كنا أول المؤمنين)

    عندما أقسم فرعون أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ويصلبهم أجمعين، نرى دخول هؤلاء في الإيمان الذي لم يتعد الساعة أو الساعات القليلة، ولكن الإيمان قد استقر في القلوب، حتى إنهم ليردون على فرعون بهذا الكلام العظيم: (لا ضَيْرَ) أي: لا يضرنا، ونتخيل هنا أن هذه الكلمة تصدر من إنسان مؤمن منذ زمن بعيد قام لله وصام لله وصلى لله واستقر الإيمان في قلبه، فيقول: ليس مهماً أن أؤذى في الله سبحانه، وقد يكون الإنسان له في الإسلام فترة طويلة وبمجرد أن يؤذى يفتن، ولكن هؤلاء يتهددهم فرعون فيقولون: (لا ضير) أي: لا يهمنا هذا الشيء، لا ضرر علينا في ذلك طالما آمنا بالله سبحانه، مع أنهم لم يؤمنوا إلا قريباً.

    قال الله تعالى: (إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ) يعني: أن النهاية أننا راجعون إلى الله سبحانه وتعالى، فمتى تعلموا هذه العقيدة؟ لقد ألقى الله سبحانه في قلوبهم ذلك، فعرفوا الحق من موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام.

    قال تعالى: إِنَّا نَطْمَعُ، في أول النهار كان يطمعون في جزاء فرعون ويقولون: (أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا)، وفي آخر النهار يطمعون في ربهم سبحانه وتعالى وفي فضله الكريم.

    قال تعالى: (أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ) أي: سابقنا وسبقنا إلى الدخول في هذا الدين قبلك وقبل غيرك، فطمعنا الآن في أن يغفر لنا ربنا خطايانا ولست أنت يا فرعون، ففرعون قال: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24]، ولكنهم الآن عرفوا من ربهم سبحانه وتعالى، فطمعوا في فضله سبحانه.

    قوله: (أَنْ) يعني: لأننا.

    وقوله: (كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ) أي: أول المؤمنين بربنا سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون)

    قال ربنا سبحانه: وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ [الشعراء:52]

    جاء الوحي من الله سبحانه وتعالى لموسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام (أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي)، والإسراء: هو الخروج بالليل، وهنا كأن فرعون غفل أو نسي فأذن لموسى، أو أنه أراد أن يتخلص منه ومن معه بدلاً من أن يجعل الناس يؤمنون به، وتجربته مع السحرة معروفة، فأذن لهم بالخروج مع موسى، فإذا بموسى ومن معه يخرجون، وفكر فرعون من سيخدمه بعد ذلك، ومن سيسخره في العمل بعد ذلك، وربما خرج هؤلاء ورجعوا له بجيش مرة أخرى، فلابد إذن أن نلحقهم ونردهم إلى مصر مرة ثانية.

    قال تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى) أي: جاء الوحي من الله سبحانه لموسى: (أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي)، فطلب من فرعون أن يرسل معه بني إسرائيل، فوافق فرعون، وخرج موسى ببني إسرائيل، وكانوا قبل ذلك قد استعاروا من قوم من أقباط مصر حليهم، فأخذوا هذه الحلي وخرجوا بها، فإذا بأهل مصر يقولون: خرجوا وأخذوا ذهبنا فلن يرجع إلينا ذهبنا، وفي هذه الليلة كما يذكر المفسرون ألقى الله عز وجل الموت على من بمصر من رجالهم أو البعض من رجالهم، فإذا بهم ينشغلون في الليل ولا ينتبهون إلا عند الإشراق، والله سبحانه وتعالى يشغل من يشاء بما يشاء، ويدبر أمر من يشاء، ولكي يهرب موسى ومن معه ولا يلحقهم فرعون يريهم الله الآيات، فإذا ببعض من القوم يموتون، قالوا: ألقي الموت على أبكارهم، وعلى البعض من شبابهم، وألقي الضياع على البعض من أموالهم، والموت على البعض من حيوانهم، فإذا بهم ينشغلون في ليلتهم عن موسى ومن معه بذلك، وينتبهون في وقت الإشراق، فقال الله سبحانه: وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ [الشعراء:52]، هذه قراءة الجمهور، وقراءة نافع وأبي جعفر وابن كثير : (أن اسرِ بعبادي)، فأسرى بهمزة قطع في القراءة الأولى، وفي الأخرى بهمزة وصل في أولها.

    قوله تعالى: (بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ) قراءة نافع وأبي جعفر : (بعباديَ إنكم متبعون)، والباقون بالسكون: (بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ).

    وفيها البشارة من الله سبحانه وتعالى لموسى بالنجاة من فرعون، أي: وفرعون سيجري وراءكم ولكن نحن سننجيكم من فرعون ومن معه.

    1.   

    قوله تعالى: (فأرسل فرعون في المدائن حاشرين ... وإنا لجميع حاذرون)

    فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ [الشعراء:53]، لما انتبه فرعون أن موسى خرج بمن معه إذا به يرسل ويجمع من جنوده من يحشر الناس ويجمعهم إلى فرعون قائلاً لهم: إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ [الشعراء:54]، يعني: موسى ومن معه شرذمة قليلون، والعدد الذي ذكر عن موسى ومن معه أنهم كانوا ثلاثمائة ألف أو ستمائة ألف والله أعلم كم كان العدد، فثلث مليون شخص أو نصف مليون شخص عدد كبير، وعندما يقول فرعون: (إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ) فمعنى ذلك أن فرعون أتى بأضعاف مضاعفة أكثر من هؤلاء الذين خرجوا؛ لذلك حقرهم أمام من معه، وقال: (إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ).

    قال الله تعالى: وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ [الشعراء:55] أي: أن هؤلاء القوم غاظونا.

    قال تعالى: وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ [الشعراء:56].

    قوله: (وَإِنَّا) أي: مجموعة كبيرة.

    قوله: (حَاذِرُونَ) قرأها ابن ذكوان والكوفيون: (وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ)، وقرأها باقي القراء: (وإنا لجميع حذرون)، فـ(حاذرون) بمعنى مستعدون.

    و(حذرون) معناها: متيقظون منتبهون، أي: أننا منتبهون لهؤلاء وسنعرف كيف نأتي بهم.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.