إسلام ويب

تفسير سورة الشعراء [1 - 6]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أنزل الله عز وجل كتابه على نبيه واضحاً بيناً لا لبس فيه ولا غموض، وقد حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على تبليغه وتعليمه للناس، واهتم لذلك أشد الاهتمام، حتى إنه كان يحزن على إعراضهم حتى يكاد أن يهلك نفسه من شدة الحرص عليهم، ولقد أمره الله عز وجل أن يتحلى بالصبر؛ لأنه ليس عليه إلا البلاغ، وأما الهداية فليست له، وذكر سبحانه أنه لو أراد لجعل الناس مؤمنين، ولكنه لم يرد ذلك لحكمة بالغة.

    1.   

    نبذة عامة عن سورة الشعراء

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.

    أما بعد:

    قال الله عز وجل في سورة الشعراء: بسم الله الرحمن الرحيم: طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ * وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ * فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون * أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء:1-9] .

    هذه هي السورة السادسة والعشرون من كتاب الله سبحانه وتعالى، وهي سورة الشعراء، وهي سورة من السور المكية، وفيها خصائص السور المكية، وآياتها مائتان وست وعشرون آية حسب العد المدني الأخير والمكي والبصري، وعند الباقين الكوفيين والشاميين والمدني الأول: مائتان وسبع وعشرين آية.

    وهذه السورة آياتها قصيرة، وفيها حكم عظيمة جداً، وفيها ذكر الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام كعادة السور المكية، فيذكر الله عز وجل فيها الأنبياء؛ لينبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أنهم قد ابتلوا من قبله، وأن ما ابتلي به ليس شيئاً جديداً، وإنما هو سنة أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام.

    وفي هذه السورة تثبيت الله لنبيه صلوات الله وسلامه عليه، وكأن الله يقول له: كما ابتلي الذين من قبلك ثم نصرهم الله فكذلك أنت، فاطمئن إلى أن نصر الله قريب.

    وفيها تهديد للكفار والمشركين على ما يفعلونه مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع المؤمنين، وأنهم إما أن يؤمنوا وإما أن ينزل بهم العذاب والعقوبة من عند رب العالمين كما حدث مع الذين من قبلهم.

    1.   

    الكلام على الحروف المقطعة

    بدأت هذه السورة بالحروف المقطعة، وهي: حرف الطاء والسين والميم، طسم [الشعراء:1]، فهذه السورة والتي تليها والتي تليها: الشعراء والنمل والقصص تسمى بسور الطواسم، يعني: التي فيها طسم، أو التي فيها: طس، وتسمى بالطواسين.

    فقوله تعالى: طسم [الشعراء:1] هي مثل غيرها من السور التي بدأها الله عز وجل بحروف مقطعة في أوائل السور، وما قيل في هذه السور فإنه يقال أيضاً في هذه السورة، وهو أن الله عز وجل بدأها بهذه الحروف بياناً للناس أن القرآن من جنس هذه الحروف التي تتكلمون وتنطقون بها، فأتوا بسورة من مثله، فهو تعجيز منه سبحانه لخلقه، فكأنه يقول: إن هذا القرآن ليس كلاماً أعجميعاً، ولا هو بلغة لا تعرفونها، بل هو بغلتكم أنتم، وأنتم الفحول والكبار في النطق باللغة العربية خطابة ونثراً وشعراً، فأتوا بكلام مثله، أو فأتوا بسورة من مثله، أو فأتوا بعشر سور من مثله مفتريات، فلم يقدروا على شيء.

    وقيل: إن هذه الحروف المقطعة التي في أوائل السور هي مسميات للسور، فتسمى السورة بها، فيقال: سورة طسم الشعراء، والتي تليها سورة طس النمل، والتي تليها سورة طس القصص، وقيل: بل إنها أقسام يقسم الله عز وجل بها.

    وقيل: بل إنها افتتاح للسور لشد انتباه الكفار؛ لأنهم لم يتعودوا على هذا الشيء، فعندما يقول: الم، فإنهم يسمعون للذي يقول، ويسمعون لهذا الكلام الغريب، فيتلوا عليهم بعد ذلك هذا القرآن العظيم، ولذلك لا يذكر في هذا القرآن العظيم فواتح للسور مثل: ألم، الر، طسم، طس، حم، وغيرها من الفواتح إلا ويذكر بعدها إشارة لهذا القرآن العظيم، كما قال تعالى في سورة البقرة: الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:1-2]، وكما قال في سورة آل عمران: الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ [آل عمران:1-3]، وقال هنا: طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ [الشعراء:1-2]، فكأنه يشد انتباه هؤلاء بحروف لا يفهمون معناها؛ من أجل أن يتعرفوا ما هو المقصود، فإذا سمعوا ذكر لهم ما يريده منهم هذا القرآن العظيم.

    وعلماء العد يقولون: إن كل سورة يبدأها الله عز وجل بفواتح من أحرف معينة فإن هذه الحروف تكون فيها أكثر عدداً من غيرها من الحروف، فلو عددت حروف هذه السورة فستجد أن الطاء والسين والميم أكثر حروف السورة تكراراً فيها.

    قال تعالى: طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ [الشعراء:1-2]، وفي هذه السورة كرر الله عز وجل بعض الآيات فيها مرات، فكرر قوله: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء:8-9]، فقد كررها ثمان مرات في هذه السورة، فلا يذكر نبياً من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلا ويذكر هاتين الآيتين، فقد ذكر قصة موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وذكر بعده ذلك فقال تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء:8-9].

    ثم ذكر إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ثم نوحاً، ثم هوداً، ثم صالحاً، ثم لوطاً، ثم شعيباً، وبعد أن يذكر كل قصة يقول: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء:8-9]، فيكرر ذلك لتقرير هذا الأمر والتأكيد عليه، فإن في هذه آية لمن يعتبر، ففي كل قصة من قصص الأنبياء وما فعل الله عز وجل بأقوامهم آية من الآيات، ومع ذلك لم يكونوا مؤمنين، وكذلك من جاء من بعدهم لم يؤمنوا بما جاء قبل ذلك.

    وكذلك كرر الله سبحانه قوله: أَلا تَتَّقُونَ [الشعراء:106] على لسان الرسل عليهم الصلاة والسلام، فقد ذكر ذلك في خمسة مواضع من هذه السورة: في قصة نوح، وفي قصة هود وفي قصة صالح، ولوط، وشعيب.

    وكذلك كرر قوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [الشعراء:108] في قصة نوح وهود وصالح. والمقصد من ذلك التأكيد والتقرير لماذا أرسل الله الرسل، وأنه أرسلهم لبيان شرع رب العالمين، ولهداية الناس للإيمان بربهم، وأن يطاعوا ولا يعصوا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (طسم تلك آيات الكتاب المبين)

    وقد بدأ سبحانه وتعالى هذه السورة بقوله سبحانه: طسم [الشعراء:1]، فقراءها شعبة عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف بالإمالة للطاء، طِسم [الشعراء:1]، والطاء لا تمد إلا مداً طبيعياً، وتمد السين مداً طويلاً بمقدار ست حركات، وكذلك الميم.

    وتدغم السين في الميم عند الجمهور، وحمزة ينطقها بنونها ولا يدغمها.

    وأما أبو جعفر فكعادته في كل هذه الفواتح التي في أوائل السور فإنها يقرأها حروفاً مفرقة ولا يوصلها ببعضها؛ من أجل أن يبين أنها ليست كلمة، بل هي حروف مقطعة.

    قوله تعالى: تِلْكَ إشارة للبعيد، والمقصود منها التعظيم للآيات العظيمة، تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ [الشعراء:2] يعني: هذه الآيات العظيمة التي نتلوها عليكم هي آيات الكتاب المعهود الذي نزل من عند رب العالمين، وهي القرآن المبين المفصح عما فيه، البين الواضح الذي فيه الحجج، وفيه النور، وكلامه بيِّن ليس غامضاً، ولا يوجد فيه إشكال، بل تفهمون ما يقوله لكم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين)

    ثم وجه الخطاب للنبي صلوات الله وسلامه عليه مواسياً له، فقال تعالى: لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [الشعراء:3]، فقوله: بَاخِعٌ أي: قاتل ومهلك، فيقول للنبي صلى الله عليه وسلم: أنت ستقتل نفسك من أجلهم وهم لا يستحقون هذا الشيء، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى ربهم سبحانه وتعالى فإذا بهم يعرضون عنه ويكذبونه، فكان يحزن حزناً شديداً صلوات الله وسلامه عليه، فكأنه تعالى يقول له: إذا حزنت حزناً شديداً فإنك في آخر الأمر ستقتل نفسك غماً وكمداً، ولن تبلغ هذه الرسالة، ولكن اصبر وتسلى بما جاءك من عند ربك، وصابر على ذلك، وادعهم مرة ومرتين وثلاثاً، ولا تهلك نفسك من أجلهم.

    وهذه الآية كقوله تعالى: فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا [الكهف:6] أي: ستقتل نفسك عليهم؛ لكونهم لم يؤمنوا بهذا الحديث، من شدة أسفك عليهم، فهذا في سورة الكهف، وقال هنا: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [الشعراء:2-3] أي: بسبب عدم إيمانهم، إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ [الشعراء:4] أي: لو شئنا أن يؤمنوا قسراً وقهراً لأنزلنا عليهم معجزة حسية من السماء يرونها، فتكون آية من آيات رب العالمين، وعذاباً وهلاكاً عليهم، فنهلك بعضهم حتى يؤمن الباقون، فنريهم الملائكة عياناً تخويفاً لهم، فيؤمنون قهراً، ولكن لا نريد ذلك، بل نريد أن يؤمنوا وقد نظروا إلى آيات الله عز وجل المتلوة، فيعرفون ما يخبرهم به ربهم سبحانه، فيؤمنون على الغيب وليس على الشهادة؛ لأن الإيمان على الشهادة لا ينفعهم؛ لأن هذا ليس هو الإيمان بالغيب الذي يريده الله عز وجل؛ ولذلك قال: لو أردنا لأنزلنا عليهم آية بينة، ولأريناهم الجنة، ولأريناهم النار، ولأريناهم الملائكة، ولأنزلنا عليهم آيات من السماء فآمنوا قهراً وجبراً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية)

    فقال تعالى: إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ [الشعراء:4] أي: لو أردنا لفعلنا، ولكن لا نريد ذلك، وقوله تعالى: نُنَزِّلْ [الشعراء:4] هذه قراءة الجمهور، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب : نُنَزِّلْ.

    وقوله تعالى: عليهم قرأها حمزة ويعقوب : (عليهُم) في كل القرآن وقرأ الباقون: (عليهِم).

    قال تعالى: إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً [الشعراء:4] أي: هم يكذبون بنزول القرآن من السماء، ولو أردنا وشئنا لنزلنا عليهم آية يرونها نازلة من السماء، وهي إما عذاب نعذب به بعضهم، وإما آيات ومعجزات يرونها حسية أمامهم، فلو أردنا لفعلنا، وإن كان الله قد فعل أشياء من ذلك ولم تكن للجميع، وذلك مثل مسألة انشقاق القمر، قال تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1].

    معجزة انشقاق القمر

    فقد طلب بعضهم من النبي صلى الله عليه وسلم معجزة حسية يرونها، وقالوا له: إذا كنت رسولاً فاجعل القمر ينشق، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم ربه سبحانه، وأشار صلوات الله وسلامه عليه إلى القمر، فانفلق القمر فلقتين، فكان آية من السماء، ولكن لم تكن لكل الكفار، بل كانت للبعض الذين كانوا مستيقظين في هذه الليلة، ولو كانت للجميع فكفروا لنزل عليهم العذاب من عند رب العالمين، فرأى هؤلاء ذلك ثم قالوا: إنما سحر أبصارنا بهذه الشيء، فقال بعضهم لبعض: إن كان سحر أبصارنا فإنه لم يسحر أبصار الذين يأتون من رواء الجبل، فانتظروا حتى يقدم قادم فنسأله، فجاءت القوافل من رواء الجبل وسألوهم: هل رأيتم القمر في ليلة كذا قد انشق؟ فقالوا: رأيناه انفلق ثم رجع مرة أخرى.

    فهذه معجزة من معجزات النبي صلوات الله وسلامه عليه، وكان البعض من المسلمين ينكرون ذلك، ويتأولون قوله تعالى في الآية: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1] أنه في يوم القيامة سيكون هذا الشيء، وأما في الدنيا فلا، ويردون الأحاديث التي جاءت في انشقاق القمر إلى أن أثبت الكفار ذلك فرجعوا إلى عقولهم، فقد ذكر الكفار: أنه لما طلعت بهم سفن الفضاء إلى القمر -وهذا نقل زغلول النجار - نظروا فيه وبحثوا فرأوا في القمر شقاً بطول القمر كله، فقالوا: هذا الشق دليل على أنه انفلق في يوم من الأيام، والتحم مرة أخرى. قال الله عز وجل: وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1]، والنبي صلى الله عليه وسلم قد ذكر ذلك، فقد جاءت الأحاديث عنه صلى الله عليه وسلم بأنه أشار إلى القمر فانفلق، ومع ذلك لم يؤمن هؤلاء الكفار إلا لما شاء الله عز وجل لهم.

    فيقول سبحانه هنا: إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ [الشعراء:4] ، فالإنسان المتكبر يكون رافعاً رأسه إلى أعلى؛ استكباراً على الخلق، وأما الإنسان المذلول فيكون ثانياً رقبته إلى أسفل، فالمقصود هنا بقوله تعالى: فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ [الشعراء:4] أي: خضعت الأعناق وذلت بهذه الآية التي جاءت من عند رب العالمين سبحانه، فلو شئنا لفعلنا ذلك فألزمناهم الإيمان قهراً، وجعلناهم خاضعين ذليلين فيدخلون في هذا الدين، ولكن لم نرد ذلك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما يأتيهم من ذكر من ربهم الرحمن محدث ...)

    قال تعالى: وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ [الشعراء:5] أي: وما يأتي هؤلاء الكفار من ذكر من عند الرحمن، ولم يقل: من الله ولكن قال: من الرحمن؛ لبيان فضله ورحمته سبحانه، ولم يقل: من الرحيم؛ لأن الرحمن صيغة مبالغة، وفيها رحمة ربنا بالعالمين كلهم المسلمين والكفار.

    وأما الرحيم ففيها صيغة المبالغة في رحمة رب العالمين الخاصة بالمؤمنين، كما قال تعالى: وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب:43]، فهنا ناسب أن يذكر الرحمن لرحمته للخلق، فقد رحم خلقه، فأنزل الكتب، وأرسل الرسل لجميع الخلق، ولم يميز بعضهم عن بعض، حتى تكون حجة رب العالمين على الخلق جميعهم.

    وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ [الشعراء:5]، فالقرآن كلام رب العالمين، وكلام رب العالمين صفة من صفاته ليست محدثة، بل هي صفة قديمة من صفات رب العالمين، فقد أخبر أنه يتكلم سبحانه، وقد تكلم الله عز وجل بالقرآن قبل أن يخلق السموات والأرض، فهذا القرآن كلام رب العالمين سبحانه.

    وهنا يذكر أنه محدث، أي: محدث النزول، فقد نزل إلى السماء الدنيا، ثم نزل على النبي صلى الله عليه وسلم، إذاً: فتجدد النزول يكون باعتبار الحوادث، وإلا فهو كلام قديم من قبل النبي صلى الله عليه وسلم، ومن قبل الأنبياء من قبله عليهم الصلاة والسلام.

    قال سبحانه: وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ [الشعراء:5] يعني: نزول هذا القرآن هو المحدث؛ لأن مجيء جبريل عليه السلام به كان بحسب الحوادث، فإذا حدثت حادثة نزل جبريل عليه السلام بآيات من كتاب الله سبحانه.

    ثم قال تعالى: إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ [الشعراء:5] أي: أن الكفار يعرضون عما جاء فيه.

    ثم قال تعالى: فَقَدْ كَذَّبُوا [الشعراء:6] أي: فعلوا ذلك. فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون [الشعراء:6] أي: سيأتيهم من عند رب العالمين أخبار ما كانوا به يستهزئون، فقد كانوا يستهزئون بأنك ستنتصر عليهم وسيكون ذلك، وكانوا يستهزئون بأنهم سيغلبون وسيكون ذلك، وكانوا يستهزئون بأنهم سيموتون ويبعثون، وسيكون ذلك، فهذه أنباء ما كانوا به يستهزئون، فإنه آت.

    نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.