إسلام ويب

تفسير سورة القصص [36 - 49]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يخبر الله تعالى عن مجيء موسى وأخيه هارون إلى فرعون وملئه، وعرض ما آتاهما الله من المعجزات الباهرة الدالة على صدقهما فيما أخبرا عن الله عز وجل من توحيده واتباع أوامره، فلما عاين فرعون وملؤه ذلك وشاهدوه وتيقنوا أنه من عند الله عدلوا بكفرهم وبغيهم إلى العناد والمباهتة، فكان عاقبتهم أن أهلكهم الله جميعاً، وذلك جزاء الظالمين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات ... )

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ [القصص:36].

    ذكر لنا ربنا سبحانه وتعالى في هذه الآية وما قبلها كيف أنه أرسل إلى موسى صلوات الله وسلامه عليه، وأنزل عليه الوحي لما جاء موسى إلى طور سيناء، فالله سبحانه وتعالى كلمه وأسمعه سبحانه كلامه، وأوحى إليه بأنه صار رسولاً له سبحانه، قال تعالى: وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى [طه:13]، أي: استمع لوحينا، فأوحى الله عز وجل إليه: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه:14].

    ثم أمره سبحانه أن يذهب هو وأخوه هارون إلى فرعون إنه طغى، وذلك بعدما سأل موسى ربه سبحانه أن يجعل هارون معه نبياً، جاءت الرسالة لموسى عليه الصلاة والسلام، وتوجه موسى إلى فرعون فذهب إليهم بآيات الله سبحانه التي علمه ربه والتي دربه عليها.

    ذكر محاجة موسى لفرعون وقومه

    قال الله تعالى: فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ [القصص:36] ومكث فيهم موسى فترة طويلة يدعوهم إلى الله سبحانه، وناظرهم وحاجهم، وقال له فرعون: من هذا الرب الذي تدعو إليه؟ أو لك رب غيري؟

    فموسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أجاب فرعون بإجابات فصيحة وبليغة، وقد شفاه الله عز وجل مما كان بلسانه من عقدة، فأجاب فرعون وحاجه، ولم يقدر فرعون على الرد على موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام كما تقدم في الآيات في سورة طه، قال: قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى * قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى * قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى * كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُوْلِي النُّهَى [طه:49-54].

    وفرعون كان يقول لقومه: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24]، فبين موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أن الذي يخلق والذي يرزق، والذي ينزل من السماء ماء وينبت به أزواجاً من نبات شتى، والذي يطعمكم ويسقيكم ويعطيكم هو الله سبحانه وتعالى.

    وفرعون يعلم في نفسه أنه حقير وأنه ليس إلهاً، وأنه كذاب يكذب على قومه، وفرعون لم يكن له أولاد، فكان يكذب على قومه ويخدعهم ويقول: أنا ابن الشمس؛ وذلك لأنه لم يكن له أبناء، فكان يوهمهم أنه ليس منهم وإنما هو ابن للشمس، فاتبعوه وعبدوه من دون الله سبحانه وتعالى، وقال: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24]، وأوهمهم أنه يقدر على الخلق فقال: وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ [الزخرف:51]، فاستخفهم فأطاعوه.

    فيبن موسى للجميع أن الرب الله سبحانه وتعالى: قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ [الشعراء:26]، قال فرعون لقومه: إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ [الشعراء:27] فقال موسى: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ [الشعراء:28]، ففرعون رمى موسى بالجنون؛ لأنه لا يقدر على المواجهة بالقول وبالحجة، فإذا به يذكر قومه بما كان عليه موسى قبل ذلك، قال: أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ [الزخرف:52]، أي: أنا خير من هذا الذي يزعم الخيرية، وليس عنده ما يدل على ذلك.

    فلم يقدر فرعون في معرض المناقشة أن يأتي بجواب مقنع أو برد مفحم على ما يقوله موسى، وإنما غاية ما هنالك أنه يعجب القوم منه ويقول: أَلا تَسْتَمِعُونَ [الشعراء:25] وقال: .. إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ [الشعراء:27]، فلما لا يجد بداً من أنه يواجه بالقوة يقول له: لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ [الشعراء:29] أي: فلجأ فرعون إلى التهديد وإلى الوعيد، فموسى يقول له: قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ [الشعراء:30]، أي: أولو جئتك بآية بينة من عند رب العالمين: قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ [الشعراء:31-33].

    هذه الآيات التي أراها الله عز وجل لموسى قبل ذلك ودربه عليها حتى لا يفزع موسى حين يراها للمرة الأولى، فلما ألقى العصا فإذا هي ثعبان مبين، فيفزع فرعون ومن معه، ولا يفزع موسى عليه الصلاة والسلام، ثم يأخذ هذه الحية من الأرض فترجع مرة ثانية عصا، ويريهم يده ويخرجها من جيبه فإذا بها كالشمس لها شعاع، فيتعجبون لذلك، ففرعون حين رأى ذلك سارع بأن يقول: إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ [الشعراء:34] وقال في سورة طه: فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ [طه:58] أي: لنأتينك بسحر أعظم من هذا السحر الذي أتيت به أو مثله، فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى [طه:58] هذه حجة الإنسان المهزوم الذي يرى نفسه ضعيفة.

    ففرعون حين رأى ما فعل موسى وذلك بفضل الله سبحانه، رأى نفسه مهينة حقيرة وأنه غير قادر على مجابهة موسى فقال: أعطنا وقتاً حتى نأتي لك بسحر مثل هذا الشيء، ولذلك قال: فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى [طه:58]، أي: نختار مكاناً وسطاً يجتمع فيه الناس كلهم.

    ففرعون يرى نفسه ضعيفة، فيلجأ إلى السحرة، ويبعث إليهم من أقصى الأرض ومن أدناها، من شمال مصر ومن جنوبها، فيجتمع إليه السحرة الذين يرغبون في القرب من فرعون، ويرغبون في مال فرعون.

    قال تعالى: فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ [الشعراء:41]، أي: هل ستجعل لنا جائزة إن كنا نحن الغالبين؟ يقول لهم: نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ [الشعراء:42] أي: سأعطيكم أجراً إن غلبتم موسى، ليس هذا فحسب، بل سأقربكم إلي وستكونون جلسائي.

    فلما اجتمع السحرة وألقوا حبالهم وعصيهم وهم كفار وقالوا: بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ [الشعراء:44] فهم يقسمون بعزة فرعون إنهم هم الغالبون، فهم عندما ألقوا كان منظرها منظراً مخيفاً، حتى إن موسى عليه وعلى نبينا عليه الصلاة والسلام فزع، وإذا بالله يطمئنه ويثبته ويقول: لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى [طه:68] أي: أنت أعلى من هؤلاء، وأنت ستغلبهم، وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا [طه:69]، فألقى عصاه فإذا بها تأتي إلى كل هذه الحبال والعصي التي أخافت موسى فتلتهمها ولا تترك منها شيئاً، إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى [طه:69].

    فالسحرة الآن عرفوا ما هو الحق، فخروا لله سجداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الشعراء:47-48]، أما فرعون فإنه لم يؤمن؛ لأنه يظن أن ذلك يضيع منه الملك، وطمس الله على قلبه ولم يهده، ليكون إماماً إلى النار والعياذ بالله، فإذا بفرعون يستكبر على هؤلاء، ويقول: قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى [طه:71] أي: ستنظرون من الذي هو أشد عذاباً، أهذا الإله الذي يتوعدكم موسى به، أو أنا؟

    فالسحرة قد استيقنوا من أمر ربهم سبحانه، وقد دخل الإيمان في قلوبهم، فإذا بإيمانهم إيمان قوي، فقالوا: لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا [طه:72] لا نفضلك على هذه الآيات، وأقسموا بالذي فطرهم وهو الله أنهم لا يؤثرون فرعون على ما جاءهم من الآيات والبينات.

    فإذا بفرعون يقتل هؤلاء السحرة، ويقطع يداً ورجلاً من كل إنسان، ويصلبهم على جذوع النخل، فكانوا في أول النهار كفاراً سحرة، وكانوا عن الله بعداء، وإذا بهم في آخر النهار يصيرون مؤمنين شهداء، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء.

    فالسحرة جاءوا إلى فرعون حتى يقربهم، فإذا بهم يرون الآيات فيؤمنون بالله وحده لا شريك له ويقتلون شهداء، ويخاف قوم موسى من فرعون، فإذا بالله يؤيده بآيات وراءها آيات كما قال هنا: فَلمَّاَ جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ [القصص:36].

    ذكر الآيات التي أرسلها الله على فرعون وقومه

    ذكر سبحانه وتعالى أن الله أيد موسى بتسع آيات بينات من عنده سبحانه، منها: اليد والعصا، فهما آيتان من عند الله سبحانه.

    وكذلك قال تعالى: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ [الأعراف:133]، فهذه خمس آيات من الله سبحانه وتعالى لهؤلاء القوم.

    ثم بعد ذلك قال: وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ [الأعراف:130] آيتان أخريان، فالجملة تسع آيات من عند الله سبحانه وتعالى، فهو سبحانه أخذهم بالقحط وعدم المطر وقلة المياه وعدم الثمرات، لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ [الأعراف:130].

    فهرعوا إلى موسى وطلبوا منه أن يدعو الله سبحانه وتعالى لعله يكشف عنهم فيؤمنوا، فكشف عنهم فلم يؤمنوا، فأرسل عليهم الطوفان، فهم لما نقص الماء استجاروا، فإذا بالله يرسل عليهم الماء شديداً عليهم، فيجأرون ويلجئون إلى موسى أن يكشف عنهم، فيدعو ربه فيكشف عنهم، فيرجعون إلى الكفر ولا يؤمنون، فأرسل عليهم الجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات، فإذا بهم يرون هذه الآيات، آية وراء آية تملأ بيوتهم وأراضيهم فيفزعون إلى موسى، أكل الجراد ثمارهم، فإذا بهم يجأرون إلى موسى ويقولون: ادع ربك يكشف عنا هذا، ونؤمن لك، ونرسل معك بني إسرائيل، فلما كشف عنهم الجراد الذي أكل زروعهم فإذا بهم لا يؤمنون، ويرجعون إلى تكذيبهم وإلى عادتهم الأولى، فإذا بالله سبحانه وتعالى يرسل عليهم الضفادع فملأت بيوتهم، فإذا بهم يستغيثون بموسى، فكشف الله عز وجل عنهم فكذبوه، فأرسل عليهم الدم في طعامهم وفي مياههم حتى كان الشيء أمامهم يجدونه مليئاً بالدم، فإذا بهم يستغيثون بموسى فيكشف عنهم، ومع ذلك لم يعتبر هؤلاء القوم، والله عز وجل له حكمة في أن يؤخر عذابهم حتى إذا أهلكهم، رأى الناس كيف يأخذ الله عز وجل الظالم المعاند أخذ عزيز مقتدر.

    فهنا يخبر الله سبحانه عن قولهم في هذه الآيات لما جاءتهم: قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى [القصص:36] أي: مختلق، وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ [القصص:36] أي: أول مرة نسمع مثل هذا الكلام، وهذا ليس جواباً بحجة، فهؤلاء قالوا: ما سمعنا بهذا الكلام قبل ذلك، هذا ليس رداً للحجة، ولكن الحجة ترد بمثلها، فلم يكن عند فرعون ولا قومه من الحجج ما يردون بها على موسى إلا أن يقولوا: لم نسمع بهذا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( وقال موسى ربي أعلم ... وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون )

    قال الله تعالى: وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [القصص:37].

    (ربي أعلم) هذه قراءة الجمهور.

    وقراءة نافع وأبي جعفر وابن كثير وأبي عمرو : ربيَ أعلم .

    قوله: وَمَنْ تَكُونُ لَهُ هذه قراءة الجمهور.

    وقراءة حمزة والكسائي وخلف : ومن يكونُ له .

    قوله: ومن يكون له عاقبة الدار يعني: من تكون له العاقبة الحسنة يوم القيامة.

    قوله: إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ أي: مهما ظلمتم أيها القوم فإن عملكم لا ينجح، ولن تفلحوا في الدنيا ولا في الآخرة.

    وقال فرعون لقومه: يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38] يقول: ما علمت وهو كذاب في نفسه ويعرف ذلك، وقال: يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ يبجلهم ويعظمهم حتى يستجيبوا له، ولم يقل: (يا أيها الناس) ولكن قال: يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أي: يا كبار القوم يا وزراء يا رؤساء، مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38].

    ثم قال: فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ [القصص:38] أي: سأذهب لأبحث عن الإله الذي يقول عنه موسى هذا، مع أنه لا يوجد في الأرض إله غيري، بزعمه وبكذبه لعنة الله عليه، فقال لـهامان وزيره: فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ أي: اصنع لي طوباً أحمر من الآجر قوياً شديداً وابن لي صرحاً عظيماً وبرجاً عالياً هائلاً، حتى أطلع على هذا البرج وأنظر أين إله موسى هذا الذي يقول عنه، قال: فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى [القصص:38].

    وهنا قوله: لعلي فيها قراءتان: يقرؤها نافع وأبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر (لعليَ) بفتح الياء، والباقون (لعليْ أطلع) بسكونها.

    ثم قال: وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ [القصص:38] الكذاب هو الذي يعلم أنه إنسان ضعيف، وأنه يحتاج إلى برج، ولو كان إلهاً لما احتاج إلى برج ليصعد عليه، والناس لو كانوا عقلاء لفهموا ذلك، ولكن الله عز وجل وسمهم ووصفهم بأن عقولهم خفيفة وأنهم أغبياء لا يفهمون، قال: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ [الزخرف:54].

    صعد فرعون فوق هذا الصرح العالي البناء المرتفع الهرم الذي بناه له لينظر في السماء، ثم نزل بعد ذلك وقال: ما رأيت إلهاً، فموسى يكذب عليكم فلا يوجد شيء فوق في السماء، وكأنه صعد إلى السماء أمام قومه، وقال قبل أن يصعد: وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ فهو لما صعد رجع إليهم وزعم لهم أن موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام يكذب.

    قال الله تعالى: وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ [القصص:39]، أي: فرحوا بما أخبرهم به فرعون لما رجع إليهم، وقال: ما رأيت إلهاً، فاستكبروا في الأرض بغير الحق وظنوا في أنفسهم أن الله لا يحاسبهم ولا يجزيهم، وظنوا أنهم لو بعثوا لكانوا أفضل حالاً مما هم عليه الآن، ولذلك كانوا يحنطون جثثهم ويجعلونها في القبور حتى يرجعوا للملك مرة ثانية.

    قراءة الجمهور لا يُرْجَعون .

    وقراءة حمزة والكسائي وخلف ونافع ويعقوب : لا يَرْجعون .

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم ... ويوم القيامة هم من المقبوحين )

    قال الله تعالى: فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ [القصص:40].

    وبعد هذه الاستطالة خلال سنين طويلة إذا بالله عز وجل ينصر جنده، ليعلم النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون أنه مهما طال زمن الاضطهاد، ومهما طال زمن الأذى على المؤمنين، أنه لابد وأن يأتي يوم ينصر الله عز وجل عباده ويهزم هؤلاء الكفرة، ففعل بفرعون ما سمعنا، قال: فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ .

    وانظر إلى التعبير: فنبذناهم والنبذ هو الإلقاء بالشيء الحقير، كأنه شيء تقدر عليه وتملكه فتأخذه بيديك وترميه بيدك؛ لحقارته وضعفه ولقوتك وقدرتك.

    فأخبر الله سبحانه أنه نبذ فرعون وألقاه في اليم كما تلقى المهملات، قال: فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ أي: هذا الذي علا واستكبر يرمى كالزبالة بداخل اليم، فانظر وتعجب لأمر الله سبحانه.

    وقال تعالى: وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ [القصص:41] أي: جعلنا فرعون وملأه وجنوده أئمة يدعون إلى النار بإغوائهم، فهم كانوا يغوون الناس ويدعونهم إلى الضلالة، فكانوا أئمة الضلالة هم ومن اتبعهم في النار.

    قال سبحانه: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ [القصص:41] أي: لا يجدون ناصراً لهم، ففرعون وجنوده في نار جهنم لا ينصرهم أحد.

    وقال تعالى: وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً [القصص:42] أي: قفينا على آثارهم، فمن يسمع بذكر فرعون وجنوده، يقول: لعنة الله عليه وعليهم، لا أحد من المؤمنين يذكرهم بخير، إلا ما كان من أهل الاستخفاف ومن أهل الحماقة ومن أهل الجهل، الذين يقولون: آباؤنا الفراعنة فيفتخرون بهم، فهؤلاء أتباعهم وأشياعهم، ومن افتخر بهم كان سبيله النار وراء فرعون؛ كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن رجلين في عهد موسى افتخرا وذكرا الآباء، فأحد الاثنين افتخر بالآباء عن الآخر، فقال له: أنا فلان بن فلان بن فلان، وعد تسعة آباء له، وقال الآخر: أنا فلان بن فلان بن الإسلام، -أي: يكفيني شرف الإسلام، فافتخر بدين رب العالمين سبحانه- فأوحى الله إلى موسى: أن قل لهذين المفتخرين: أنت افتخرت بتسعة آباء من الكفار أنت عاشرهم في النار، وأنت افتخرت بالإسلام فأنت في الجنة).

    فهذا الذي افتخر بالآباء الكفار كهؤلاء الذين يقولون: أجدادنا الفراعنة، يعني: يفتخرون بالكفار، فهذا مآلهم: وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً [القصص:42] فكل من يقلد فرعون ويتبعه فهو ملعون في الدنيا، ففرعون وجنوده وملؤه من ذكرهم من المؤمنين، قال: لعنة الله على فرعون وعلى أشياعه وعلى أتباعه وعلى جنوده.

    ثم قال: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ [القصص:42] أي: من أهل القبح، يقبحهم الله، ويشوه وجوههم، ويحشرهم في نار جهنم زرق العيون سود الوجوه، على أقبح ما يكون من الكلاحة قبحهم الله، فمن يسمع بذكرهم يقول: لعنة الله عليهم وقبحهم الله، وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ [هود:98]، بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ [هود:99]، بئس ما يردون عليه يوم القيامة وبئس ما يعطون من عطاء في نار جهنم والعياذ بالله، فاحذروا وحذروا من يفتخر بآل فرعون، فإنما هم جهلاء لا يدرون، يفتخرون بالكفار الذين يتبعونهم في الدنيا، فيتبعونهم في نار جنهم يوم القيامة، نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى ...)

    قال الله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [القصص:43].

    لما أخبرنا الله سبحانه وتعالى بقصة فرعون وكيف أنه سبحانه أهلكه وأتبعه في هذه الدنيا لعنة، وجعله هو وقومه يوم القيامة من المقبوحين، وجعلهم أئمة يدعون إلى النار، ذكر بعد ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل قد آتى موسى الكتاب، يعني: التوراة من بعد هلاك قرون سابقة، يعني: لم يكن هذا الأمر جديداً، ولم يكن بدعاً من الرسل عليهم الصلاة والسلام، ولكن كما فعل الله بقوم فرعون فعل بقرون سابقة بأقوام قد كفروا بالله سبحانه وكذبوا المرسلين، فأهلكهم الله سبحانه، كقوم نوح وعاد وثمود وأصحاب الأيكة وقوم لوط وأصحاب مدين وغير ذلك من الأمم التي أهلكها الله عز وجل، فقد جعلهم الله عز وجل عبرة، وآتى موسى الكتاب يذكره بهؤلاء كيف صنع بهم.

    قوله: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ أي: أعطيناه وأنزلنا عليه التوراة، مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى القرون: جمع قرن، والقرن الأمة من الناس الذين يدركهم زمان واحد، فنقول مثلاً: القرن الذي فيه النبي صلى الله عليه وسلم، فكل من رأى النبي صلى الله عليه وسلم وعاش مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم عاشوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم وقد رأوه فهؤلاء قرن، حتى إذا انقرض هؤلاء، فقد انقضى قرن من القرون، ثم قرن يليهم الذين لم يروا النبي صلى الله عليه وسلم، ورأوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فهؤلاء قرن حتى ينقضي آخر هؤلاء ممن رأى الصحابة، فيأتي قرن آخر وهم الذين لم يروا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورأوا الذين من بعدهم .. وهكذا، قرون في أزمنة متتالية، فأهلك الله عز وجل قروناً كثيرة، إما بالعذاب، وإما بالموت الذي يأتي على الجميع.

    قوله: بَصَائِرَ لِلنَّاسِ أي: آتينا موسى التوراة بصائر للناس ليتبصروا وليتذكروا، وليعتبروا بهذه التوراة التي أنزلها الله عز وجل على موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام.

    ثم قال: وَهُدًى [القصص:43] من الضلالة لمن عمل بها.

    فإذاً: التوراة تبصرة للناس وكذلك هداية من الضلالة لمن عمل بها ورحمة من الله سبحانه وتعالى، فإنزال الكتب السماوية رحمة من الله عز وجل للعباد.

    كان من الممكن أن يكتفي سبحانه بما جعل في قلوب العباد من فطر تعرف ربها سبحانه ويحاسبهم على ذلك، وقد أخبرنا في كتابه سبحانه وتعالى أنه جمع هؤلاء الخلق في يوم من الأيام وفي زمن الأزمنة قبل أن يوجدهم هكذا على هذه الأرض، فأخذهم من ظهر آدم وأشهدهم على أنفسهم، فقال لهم: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [الأعراف:172] هذا ميثاق من مواثيق الله عز وجل على عباده، لا يذكر العباد هذا الموقف، ولكن الله يذكرنا به: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الأعراف:172] أي: لئلا تقولوا يوم القيامة: إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الأعراف:172].

    كأن الناس وهم في الدنيا يغفلون عن ذلك، ولكن كل إنسان في قلبه ما يدل على خالقه سبحانه، فالذي يقول: لا خالق لا رب لا إله، هذا كذاب شهد الله عز وجل أن في قلبه ما يدله على الخالق سبحانه، حتى وإن نطق بلسانه بخلاف ذلك.

    ومن أفظع وأعظم هؤلاء الكذابين فرعون، هذا الذي قال للناس وأمرهم أن يعبدوه من دون الله، قال: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38]، أي: ما علمت من يستحق العبادة إلا أنا، فهذا الكذاب اللعين قال ذلك، وقال لقومه: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24]، فلا استقر على هذا الذي قاله ولا استمر عليه حتى مات، بل لما أهلكه الله قال مستغيثاً بالله: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس:90].

    هذا الذي قال: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24]، وقال: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38]، وقال: فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ [القصص:38]، فهذا أعظم الكذابين المفترين قال في وقت هلاكه وغرقه: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ [يونس:90].

    صدق الله العظيم حيث أخبرنا في كتابه: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف:87]، فكل إنسان مهما تعالى ومهما استكبر ومهما زعم أنه مخلوق بالصدفة، فإن في قلبه ما يدل على خالقه سبحانه وتعالى، ولكنه جاحد، فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:33]، فهم يكذبون آيات الله مع معرفتهم أنها الحق، فربنا سبحانه وتعالى جعل في قلوب العباد فطراً تدلهم على خالقهم سبحانه وتعالى.

    أيضاً أخذ عليهم الميثاق الذي غفلوا عنه، فقال: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا [الأعراف:172]، كذلك جعل في كل إنسان عقلاً يتفكر ويعرف أن كل أثر يدل على المؤثر في هذا الأثر، وكل شيء يدل على واجد هذا الشيء، فالإنسان بعقله لو فكر واستقام عقله وبعد عن الهوى وعن الشهوات وعن العصبيات لعرف أن الله هو خالقه، وأنه الحق الذي يستحق العبادة سبحانه وتعالى.

    كان من الممكن أن يكتفي ربنا سبحانه وتعالى بذلك، ولكن نزل الكتب رحمة منه سبحانه، كما قال هنا: بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى [القصص:43] تبصيراً للناس، فإن كنت متغافلاً فهذه الكتب تدلك على خالقك سبحانه وتعالى، وتدلك هذه الآية على معجزة من معجزات نبيك صلوات الله وسلامه عليه، وتهديك إلى صراط مستقيم.

    قوله: وَرَحْمَةً أي: أن إنزال الكتب رحمة من رب العالمين، لو لم ينزل الكتب لاستحق الخلق عذاب رب العالمين.

    قوله: لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ أي: لعلهم يتذكرون الآن ما نسوه قبل ذلك، فيهتدون، ولعلهم يذكرون النعم ويعبدون خالق هذه النعم سبحانه، ويقيمون على إيمانهم، ويثقون بثواب الآخرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر ...)

    قال الله تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه ذاكراً نعمه عليه: وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ [القصص:44] يعني: هذه القصة ساقها الله عز وجل وكرر ذكرها في القرآن، فقد ذكر موسى في القرآن أكثر من مائة وثلاثين مرة، وذكر ما أنزله عليه وما فعله بنو إسرائيل معه، وما فعله فرعون معه قبل ذلك، كل ذلك لم يره النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يقرأه، ولم يجلس مع أهل الكتاب يحدثونه عن ذلك، ولكن معجزة من معجزاته، فقد جاءهم بالتفاصيل التي حدثت بين موسى وفرعون، فهذه رحمة من رب العالمين على النبي صلى الله عليه وسلم، وآية من آياته، ومعجزة للنبي صلى الله عليه وسلم أن أطلعه الله عز وجل على شيء ما كان يعرفه هو ولا يعرفه العرب الذين جلس معهم صلى الله عليه وسلم وهو منهم.

    فلذلك يقول الله هنا مذكراً له ولهم بهذه النعمة: أنت لم ترَ ذلك فليتعظ هؤلاء وليتعظ أهل الكتاب، وليتذكروا أن هذا لا ينطق بكذب، قد جاءكم بما قاله موسى وما فعله مع فرعون، وما فعله الله عز وجل مع بني إسرائيل ومع فرعون، فكيف عرف النبي صلى الله عليه وسلم ذلك؟ لا شك أنه وحي من رب العالمين.

    فلذلك يقول: وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ أي: لم تكن بجانب الجبل الغربي، يعني: إذا جئت أنت إليه وجعلت وجهك جهة القبلة يكون هو تجاه الغرب.

    قوله: إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ أي: أوحينا إليه بأمر الرسالة، وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ أي: لم تشهد ذلك حتى تحدث به، كم بينك وبين موسى؟ آلاف السنين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( ولكنا أنشأنا قروناً فتطاول عليهم العمر ... )

    قال الله تعالى: وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ [القصص:45].

    قوله: ولكنا أنشأنا قروناً أي: أوجدنا وخلقنا قروناً يأتيهم رسول يذكرهم، وبعد ذلك يتباعد الزمن بينهم وبين رسولهم فيتطاول عليهم العمر، فإذا بهم يرجعون إلى الكفر وإلى الضلال، فقال: فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أي: طالت عليهم السنون فنسوا ربهم سبحانه وتعالى.

    قوله: وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ أي: لم تكن مقيماً في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا، يعني: قصة موسى عليه السلام مع صاحب مدين، لم تكن أنت معهم حتى تعرف كيف تزوج موسى، وكيف حدثت له هذه القصة التي هي من خصوصيات موسى، عرفها أهل الكتاب وأنتم لم تعرفوها إلا من عند الله سبحانه، حين أخبركم بها.

    فقوله: وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا أي: مقيماً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا أي: تذكرهم بالوعد والوعيد، وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ أي: أرسلناك إلى هؤلاء كما أرسلنا موسى إلى قومه، وكما أرسلنا شعيباً إلى قومه .. وهكذا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( وما كنت بجانب الطور ... )

    قال الله تعالى: وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [القصص:46].

    أي: لم تحضر جانب الجبل في المكان الغربي منه حيث نزلت الرسالة على موسى عليه الصلاة والسلام.

    قوله: إِذْ نَادَيْنَا أي: كلمنا موسى وناديناه.

    وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ أي: رحمة بكم أنتم أيها المؤمنون، بأن أوحى إليكم بهذه الرسالة الخاتمة التي تعظ الناس وتعلم الناس، وهي الشريعة الأخيرة التي تنزل من السماء على الخلق، فرحمكم الله عز وجل بذلك.

    وفي صحيح مسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله اطلع إلى أهل الأرض فمقتهم جميعهم عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب) أي: مقتهم الله قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم كانوا على الكفر وكانوا على الشرك بالله، حتى أهل الكتاب كانوا على الكفر والشرك، إلا بقايا من أهل الكتاب ممن عرفوا الله عز وجل وعرفوا أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام، وانتظروا النبي صلى الله عليه وسلم، فكان تنزيل هذا القرآن رحمة من الله بالخلق، وإلا لو ماتوا على ذلك لكانوا كلهم في النار.

    وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ يعني: هؤلاء الذين كان فيهم صلى الله عليه وسلم لم يأتهم نذير إلا بقايا من ملة إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام؛ لأن موسى لم يرسل إليهم، لذلك لا يعرفون شيئاً عن شرع موسى، ولم يدعُ هؤلاء، والمسيح عيسى عليه الصلاة والسلام لم يدعُ هؤلاء، وإنما بعث إلى خراف بني إسرائيل الضالة، فهؤلاء من قرون لم يأتهم نذير، فلذلك كانوا أهل فترة، حتى جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم فبلغهم الرسالة، فاستحقوا الوعد واستحقوا الوعيد بعدما جاءهم النذير من رب العالمين، وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ .

    إذاً: من نعمة الله عز وجل على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى الخلق أنه أرسله رحمة للخلق جميعهم، للإنس وللجن، وهذه من خصائصه، قال: (وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وأرسلت إلى الناس كافة).

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم ... )

    قال الله تعالى: وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ [القصص:47].

    أي: لولا نزلت عليهم بلية وعذاب من السماء، ليس بظلم من الله، ولكن بما كسبت أيديهم، فهؤلاء لو أهلكهم الله بعذاب فإنما ذلك بسبب كفرهم وشركهم، فهم كانوا يعرفون الله سبحانه، حتى ذهب رجل منهم إلى بلاد الشام، فوجدهم يعبدون أصناماً، وهذا الرجل هو عمرو بن لحي الخزاعي فأتى بصنم فوضعه في مكة، فأعجب أهل مكة هذا الصنم، فصنعوا أصناماً مثله حول الكعبة، فكفروا وأشركوا بالله سبحانه وتعالى.

    قوله: ولولا أن تصيبهم مصيبة أي: بسبب هذا الذي صنعوه وبكفرهم وبعدهم عن الله، ثم تشريعهم لأنفسهم أشياء ما أنزل الله بها من سلطان، قال تعالى: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [المائدة:103] فهم يفترون ويقولون: هذه محرمة؛ لأنها وصيلة، وهذه محرمة؛ لأنها حام، وهذه محرمة؛ لأنها كذا، فيجعلون من الأنعام سوائب يسيبونها، فلا يأكلها أحد ولا ينحرونها بدعوى أنها سائبة متروكة هكذا، ويحرمون أشياء ويقولون: هذه لذكورنا خاصة دون نسائنا، فإذا كانت ميتة فهي للذكور وللإناث جميعاً، وإذا كانت مذكاة فهي للذكور خاصة، نقول: من الذي أحلها هنا وحرمها هنا؟

    هم بعقولهم الفارغة يكذبون على الله ويشرعون تشريعات باطلة، فيقول الله سبحانه: وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ أي: تصيب قريشاً، وتصيب العرب، مصيبة أي: عذاب من عند الله، بما قدمت أيديهم أي: من كفر وشرك بالله، فإذا حدث شيء: فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا [القصص:47]، هذا كلامهم وهذه حجتهم، لم نكن نعرف شيئاً، لو أرسلت إلينا رسولاً لاتبعنا آياتك: فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، والإنسان في تمنيه يقول ما يشاء، ولكن المحك والاعتبار بما يحدث في الواقع، فالآن نقول لكم: هذا الرسول قد جاء إليكم فماذا أنتم فاعلون؟ هل ستتبعونه أم لا؟

    وقبل إتيان الرسول يخبر الله عز وجل أنه لو تركهم من غير رسول وعذبهم فإنهم يستحقون العذاب، ويوم القيامة سيقولون: لو أرسلت إلينا رسولاً، والله أعلم من الذي سيصدق ومن الذي سيكذب؟ ها نحن أرسلنا إليكم رسولاً، ومع ذلك كذبتموه، فهؤلاء عندما يبعثون يوم القيامة سيقولون: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ [المؤمنون:107]، أي: أخرجنا من النار ولو رجعنا إلى الكفر والشرك فإنا ظالمون، فالله أعلم بما في قلوب عباده، وما الذي يستحقونه، لو عذبهم فهو غير ظالم لهم سبحانه، ولو رحمهم فبفضله وبكرمه سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( فلما جاءهم الحق من عندنا ... أتبعه إن كنتم صادقين )

    قال الله تعالى: فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ [القصص:48].

    يعني: الخلق لا يعجبهم شيء، الله يهديهم وينزل عليهم الرسالة ويرسل إليهم الرسول ولا يعجبهم ذلك، فيطلبون من الله تعنتاً ويقولون: لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى [القصص:48] يعني: هو جاء لنا بقرآن، فنحن نريد أن نرى معجزات، وذلك بأن يأتي لنا بعصا تنقلب ثعباناً، نريد أن نرى يداً تبقى بيضاء مثل الشمس، نريد أن نرى كذا.. لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى .

    كذلك اليهود قالوا هذا الشيء لما أمروا بطاعة النبي صلى الله عليه وسلم والدخول في دينه، والعجب أنهم كانوا يعرفونه قبل أن يبعث صلوات الله وسلامه عليه، يعرفون صفاته بما قرءوه واطلعوا عليه في كتبهم، بل كانوا يتوعدون المشركين بأنه سيبعث رسول، وأنهم سيقاتلون مع هذا الرسول في هذا الزمان، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كانوا أكثر خلق الله عداوة وبغضاً للنبي صلوات الله وسلامه عليه وللمؤمنين، فقال الله سبحانه في هؤلاء المشركين واليهود الذين قالوا: لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى ، قال الله سبحانه: أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ يعني: هؤلاء لم يصدقوا موسى من قبل.

    فاليهود ينجيهم الله سبحانه فيكذبون موسى، ولما ذهب موسى لميقات ربه قالوا: ضل موسى عن ربه، وهذا رب موسى عندنا، وذلك لما صنع لهم السامري العجل، فأخرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ [طه:88]، يعني: موسى نسي إلهه وذهب يبحث عنه فوجدناه أمامنا.

    فهؤلاء عبدوا العجل الذي صنعه لهم السامري من دون الله، أليس هؤلاء هم الذين رأوا الآيات التي نزلت على موسى، ومع ذلك كفروا فعبدوا العجل من دون الله سبحانه؟ فاستحقوا عقاب الله، فأمرهم بأن يقتل بعضهم بعضاً بما كفروا وكذبوا على الله سبحانه، فقال الله في الجميع: أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ [القصص:48]، قوله: قالوا سحران يعني: التوراة والقرآن سحران اجتمعا مع بعضهما، فلا نصدق هذا ولا ذا، هذا قول المشركين.

    قوله: قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ هذه فيها قراءتان: قراءة الكوفيين عاصم وحمزة والكسائي وخلف : سحران تظاهرا يعني: التوراة والقرآن.

    وقراءة باقي القراء: ساحران وهم يقصدون محمداً صلى الله عليه وسلم وموسى عليه الصلاة والسلام، أو محمداً وعيسى عليهما الصلاة والسلام.

    قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا اجتمع بعضهما إلى بعض، وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ ، فقال مشركو العرب عن موسى وعن محمد عليهما الصلاة والسلام: سحران أو ساحران تظاهرا، وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما، أما اليهود فقالوا ذلك عن موسى وعن هارون: قالوا ساحران تظاهرا ثم صدقوا بهما بعد ذلك.

    أو أن المشركين وكذلك اليهود يقولون ذلك عن المسيح وعن محمد صلوات الله وسلامه عليهما، فيقول اليهود عن المسيح: ليس هو المسيح الذي يبعثه الله، وكذلك قالوا عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، فجمع الله أقوال الجميع، قالوا سحران يعني: عن كتب الله سبحانه التوراة والقرآن، أو عن رسولين من رسل الله: محمد صلوات الله وسلامه عليه والمسيح، أو محمد وموسى.

    فإذاً: اليهود كذبوا بالمسيح وكذبوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأهل مكة الكفار كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم ومن قبله من الرسل ولم يتبعوا أحداً منهم، وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ .

    فقال الله سبحانه للجميع: قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [القصص:49]، أي: أنتم تقولون: إن الرب الذي في السماء خلق كل شيء، وتعبدون الأصنام حتى تقربكم إلى الله، فأين دليلكم على ذلك، هاتوا كتاباً من الله يدلنا على أنكم صادقون فيما تقولون؟.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصلّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.