إسلام ويب

تفسير سورة العنكبوت [63 - 66]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • آيات الله تعالى الكونية الدالة على ألوهيته كثيرة، ولذا قرر الله بها المشركين، وجعلها برهاناً على كفرهم به سبحانه؛ لأنهم يعلمون أن الله هو الذي خلق السماوات والأرض، وأن الله بيده الرزق والنجاة من المهالك، وإذا بهم يشركون بالله ويعبدون غيره عند السراء والرخاء، وما ذلك إلا لأجل أن يتمتعوا بهذه الدنيا الفانية الزائلة، ويوم القيامة لن يفلتوا من عذاب الله ونقمته.

    1.   

    دلائل ربوبية الله

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة العنكبوت: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ * وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [العنكبوت:63-66].

    يخبرنا الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات وما قبلها عن دلائل ربوبيته سبحانه، وأنه وحده الرب الخالق الفعال لما يريد سبحانه، فإذا كان هو الرب الذي يخلق ويرزق وينزل من السماء ماءً فيحيي به الأرض بعد موتها، ويعلم ذلك الكفار كما يعلمه المسلمون، فليكن هذا الإله الواحد سبحانه هو الذي يعبد ليس غيره؛ ولذلك يبكت الله سبحانه هؤلاء المشركين ويقرع آذانهم بهذه الآيات، قال تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [العنكبوت:61] فإذا كانوا يقولون: الذي سخر الشمس والقمر، والذي خلق السماوات وما فيها، والأرض وما عليها هو الله سبحانه الذي خلق كل شيء وهم يعرفون ذلك، فلماذا ينصرفون عن توحيده؟ ولماذا يعبدون غيره ويشركون به؟ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ [العنكبوت:61] يعني: تعجب من انصرافهم عن توحيد الله -الذي عرفوا أنه الإله وحده- إلى عبادة غيره.

    قال تعالى: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [العنكبوت:62] الله يوسع ويبسط لمن يشاء، ويضيق على من يشاء، وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى [النجم:48] سبحانه وتعالى، أغنى: أعطى الغنى، وأعطى المال، وأعطى السعة، وأقنى: أفقر سبحانه وتعالى.

    فالله يغني من يشاء، ويفقر من يشاء، ويعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، وهو الذي بيده ملكوت كل شيء سبحانه، وهم يعرفون ذلك، فلماذا صرفوا عن توحيده وعن عبادته؟ فعجباً لهم!!

    قال تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [العنكبوت:63] وهذا شيء يشاهدونه ويعرفونه، فالأرض تكون مجدبة لا نبات فيها ولا ماء عليها، فيسألون الله سبحانه ويدعونه؛ فينزل من السماء ماءً، فإذا بالأرض تخرج زرعها وتخرج ثمارها؛ فيأكلون ويشربون ويتنعمون، ثم يشركون بالله ويجعلون رزقهم أنهم يكفرون بالله، ويستبدلون شكر الله سبحانه كفراً به.

    قال الله سبحانه: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا [العنكبوت:63] الجواب: لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ [العنكبوت:63] شهدتم على أنفسكم، الحمد لله على نعمه وفضله، الحمد لله: الثناء الجميل على الله عز وجل بما هو أهل له من صفات كمال وجمال وجلال.

    قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ [العنكبوت:63] أحمده تبارك وتعالى على ذاته وكماله وصفاته سبحانه، وأشكره على آلائه ونعمائه: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ [العنكبوت:63] يعني: يمشون في الأرض وينظرون إلى نعم الله وآياته فلا يفهمون أنه هو الذي يستحق العبادة وحده، فينصرفون عن توحيده، قال تعالى: إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ [الفرقان:44] لا عقول لهم يفهمون بها: بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان:44].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب..)

    قال سبحانه: وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ [العنكبوت:64] الحياة الدنيا: هي الحياة التي يحياها الإنسان، لذا سميت حياة، والدار الآخرة حياة، ولكن ليست كهذه الحياة، بل هي حياة أخرى؛ ولذلك يقول تعالى عنها: وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ [العنكبوت:64] يعني: دار الحياة الدائمة، ودار الإقامة الدائمة التي لا تفنى ولا تزول.

    فقال هنا: وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ [العنكبوت:64] وعندما تقارن بين الدنيا وبين الآخرة فإنك تجد أن الدنيا لا تساوي شيئاً، قال تعالى: وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ [العنكبوت:64] يعني: مهما جد الناس فيها، ومهما أخذوا بالأسباب فهم في لعب إذا قاسوا ذلك بالآخرة.

    ويوم القيامة يتذكر الناس هذه الحياة الدنيا فيقول بعضهم لبعض: كم لبثنا فيها؟ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ [الكهف:19] لم نقعد في هذه الدنيا إلا يوماً أو بعض يوم، إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا [طه:104].

    يقولون: يا ترى كم لبثنا في هذه الدنيا؟ عشرة أيام مثلاً! يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا هو يوم واحد الذي لبثناه في الدنيا، لأنهم عندما يقيسون الدنيا بالآخرة يكون الفرق كبيراً جداً، فيوم القيامة وحده مقداره خمسون ألف سنة، والإنسان إذا عاش ستين سنة أو سبعين سنة أو أكثر أو أقل من ذلك، ثم أتى يقارنها بيوم مقدراه ألف سنة فإنه يرى أنه كان يلعب في هذه الحياة الدنيا، وعلى سبيل المثال عندما تقول: قارن بين الموظفين الذين يشتغلون في مصر، والموظفين الذين يشتغلون في الخارج، تجد الذي يشتغل في أمريكا يقول لك: أنا أشتغل من الصبح حتى الليل، وأرجع إلى البيت لأنام فقط، ولا أحس براحة أبداً، وأذهب إلى الشغل في اليوم الثاني، والموظف هنا في مصر يقول عن نفسه: أنا لا ألعب، بل أنا أشتغل وأتعب وأشقى، لكن عندما نقارنه بإنسان آخر يشتغل أحسن وأفضل منه ويشقى في عمله، نقول له: هذا الذي تفعله ليس عملاً إنما هو لعب.

    كذلك الحال عند مقارنة الدنيا بالآخرة، ففي الدنيا يذهب الإنسان ويأتي ويقعد ويقف وينام، أما في الآخرة فإنه سيقف خمسين ألف سنة بين يدي الله تبارك وتعالى: فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج:4].

    وفي هذا اليوم من شدة وهول الموقف ينظر الناس إلى مناظر فظيعة، فيرون مانع الزكاة يؤتى بزكاته فتحمى في النار ثم يكوى بها في هذا الموقف، وإذا كانت من بهيمة الأنعام يؤتى بها كلها في قاع قرقر ويبطح لها هذا الإنسان فتمشي عليه الأنعام مدة خمسين ألف سنة، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج:4] حتى يرى مصيره إما إلى الجنة وإما إلى النار، فينظر الناس إلى ذلك وهم واقفون ينتظرون الحساب، وفصل القضاء بين العباد، ومن شدة هذا الموقف يقول بعض الناس: يا رب! اصرفنا ولو إلى النار، اصرفنا ولو إلى النار.

    فإذا تذكروا الدنيا يقولون: إنها دنيا دنية ما الذي كنا نعمل فيها؟ وما هو المرض الذي أصابنا في الدنيا؟ وما هو البلاء الذي جاء لنا في الدنيا؟ لا شيء.. لا شيء.. إذا قورن بهول هذا اليوم، فإذا دخلوا النار عرفوا حقيقة ما كانوا فيه من لعب ولهو في الدنيا، ومن تضييع وتفريط، وعرفوا قول الله سبحانه: وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ [العنكبوت:64] الحياة الدنيا لهو يلهو فيها الإنسان، ولعب يلعب فيها الإنسان، فعندما يقول: أنا أعبد ربي في هذه الدنيا، فيقال له: انظر كم ساعة تنامها في اليوم؟ وكم ساعة تدخل فيها الخلاء؟ وكم ساعة تأكل فيها؟ وكم ساعة تتكلم فيها؟ وكم ساعة تصلي لله عز وجل؟

    فلو جمعت وقت الصلوات كلها في اليوم فستجد أنه لا يساوي شيئاً مقابل أربع وعشرين ساعة هي مجموع ساعات اليوم الواحد، وقد يقف الإنسان يتكلم مع أصحابه ويضحك ساعات طويلة، فإذا جاء إلى عبادة الله عز وجل إذا به يتضجر بسرعة.

    فيستشعر العبد يوم القيامة أنه كان في لهو ولعب، إلا الذين اتقوا الله سبحانه وتعالى، وعرفوا أن الأعمار غالية، وأن الدنيا لن تأتي مرة ثانية، فانتهزوا هذه الدنيا وخافوا على أعمارهم أن تضيع سدى وهباءً، فإذا بهم يعملون في هذه الدنيا بكل وسيلة وحيلة يتقربون فيها إلى الله عز وجل، بالليل يقومون لله سبحانه وتعالى، فإذا ناموا كانت نيتهم ليقوموا لله عز وجل، وليعبدوا الله سبحانه وتعالى، ولعل أحدهم يتمنى لو أنه لا ينام، وأنه يقدر على أن يتفرغ الليل والنهار لعبادة الله سبحانه وتعالى، حتى كان بعض السلف يقول لله من كثرة صلاته واستمتاعه بصلاته: يا رب! إن كنت جعلت لأحد يصلي في قبره فاجعلني أصلي في قبري! من كثرة ما استمتع بالصلاة بين يدي الله سبحانه وتعالى، وكانوا يصومون لله سبحانه ويستمتع أحدهم بصيامه في الهواجر كما يستمتع أحدنا بإفطاره وشرب الماء البارد في اليوم الحار، وقد عرفوا الثواب العظيم من وراء ذلك، عرفوا أن الذي يصوم يوماً يبعد عن النار بمقدار سبعين خريفاً، فالمؤمنون المتقون المحسنون عرفوا أن الأعمار فرصة لا تعوض، فانتهزوا ليلهم ونهارهم، كانت هممهم عبادة الله عز وجل في كل حال، تجد الشخص في قيامه.. في نومه.. في عمله يعبد الله عز وجل.

    فعندما تذهب إلى عملك تحسن عملك وتتقنه؛ لأنك تعلم أن الله يراقبك، فتؤجر على ذلك، تتعب وتشقى في العمل، وترجع إلى بيتك وقد كلت يداك من كثرة العمل؛ فيأجرك الله سبحانه حتى اللقمة تجعلها في فيّ امرأتك يكون لك أجر في ذلك.

    فكان عملك عبادة بهذا المعنى، تصلي لله سبحانه، وتصوم لله، ولذا تجد بعض الناس يترك الصلاة والصوم ويقول: أنا أعمل للأولاد والعمل عبادة وهو مفرط في حق الله سبحانه، فلابد أن يأتي بالواجبات والفرائض كما أمر الله سبحانه، ويعمل عمله الذي هو عليه فرض ليطعم نفسه ويكفي عياله، ويتقن في عمله حتى يكسب من حلال فيدعو ربه سبحانه، فيستجيب الله عز وجل له.

    فالحياة الدنيا لهو ولعب إلا ما كان فيها من ذكر لله، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها)، الدنيا لا تساوي شيئاً، ولا تستحق إلا أن تكون ملعونة ملعوناً ما فيها: (إلا ذكر الله وما والاه).

    الإنسان الذاكر لله عز وجل هو الذي يستحق رحمة رب العالمين، قال تعالى: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [العنكبوت:45] فالذكر من العبادات لله عز وجل التي خلق الإنسان من أجلها: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56].

    قال سبحانه وتعالى: وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ [العنكبوت:64] إذا كان في عمل للدنيا، أما إذا كان لله فهو الجد كل الجد، قال تعالى: وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ [العنكبوت:64] دار الحياة الباقية التي لا تزول ولا موت فيها: لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت:64] هم لم يعلموا، ولكن هي الآخرة سوف يعلمون ذلك.

    والله عز وجل يقول: لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت:64] وكأن العلم هنا علم آخر غير العلم الذي هو بمعنى المعرفة، فالعلم هنا: هو اليقين المنافي للشك، فلو بعد عن قلوبهم الشك، وعرفوا أنهم راجعون إلى الله، وأنه مجازيهم لكانوا يعلمون: وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [الأنعام:37]، بمعنى: لا يعلمون علماً يدفعهم إلى العمل ويمنعهم عن المعاصي.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين ...)

    قال تعالى: فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [العنكبوت:65] يذكرهم بنعمه عليهم سبحانه إذا ركبوا في السفينة أو في المركب: فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [العنكبوت:65] وهنا دلالة الاقتضاء تقتضي أن هنا شيء محذوف، والتقدير: إذا ركبوا في الفلك، ثم هاجت الأمواج والرياح، وتلاطمت بهم الأمواج، إذا بهم يخافون من الغرق: حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ [يونس:22-23].

    وهذه عادة الإنسان في وقت شدته يقول: يا رب! يا رب! وفي وقت رخائه ينسى ربه سبحانه وتعالى، وهنا يقول الله: فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ [العنكبوت:65] مشيراً إلى شدتهم، ففي وقت شدتهم: دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ [العنكبوت:65] يا رب! نجنا.. يا رب! نجنا: دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [العنكبوت:65]، فتوجهوا إليه وحده، فلما كانوا في الفلك وجاءت الريح العاصفة: ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:67] فدعوا الله وحده سبحانه.

    ثم قال: فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ [العنكبوت:65] إذا هم يشركون بالله فيدعون غير الله سبحانه، وكان أهل الجاهلية على ذلك، وكذلك الكثيرون من الناس اليوم على ذلك، فحينما يشتد بهم الكرب يقولون: يا رب.. يا رب! فإذا انتهى الأمر يقول أحدهم: يا سيدي فلان! يا سيدي فلان! ويدعون غير الله سبحانه وتعالى، وقد عرفنا قصة عكرمة لما فر من النبي صلى الله عليه وسلم وكره أن يدخل في هذا الدين العظيم، وركب في السفينة، فإذا بالبحر يعلو، والريح تشتد، ويأتي ربان السفينة ينادي على الناس: إنه لا ينجيكم إلا الله، ادعوا الله، فهنا جاء التوحيد، عرفوا الله عز وجل وهم في السفينة، وكان أهل السفينة مشركين، فـعكرمة بن أبي جهل فكر في ذلك، وسبحان من يمن على من يشاء بفضله سبحانه، أبوه أبو جهل ذاك الملعون الذي حارب النبي صلى الله عليه وسلم حتى قتله الله عز وجل في يوم بدر، وصار إلى لعنة الله وناره، وهذا ابنه عكرمة كاد يكون كأبيه ولكن أدركته رحمة رب العالمين سبحانه.

    فركب البحر فاراً من النبي صلى الله عليه وسلم، لا يطيق أن يكون في مكان مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما ركب وعلت الأمواج وقال ربان السفينة: إنه لا ينفعكم ولا ينجيكم إلا الله، فإذا به يتدبر في الأمر ويتفكر: إذا كان لا ينجينا في البحر إلا الله فلا ينجينا في البر إلا الله.

    فلا يستحق أن يعبد إلا الله، وأخذ على نفسه عهداً لئن أنجاه الله عز وجل ليذهبن إلى النبي صلى الله عليه وسلم وليبايعنه، وليجدنه رءوفاً رحيماً، فكان أن أنجاهم الله، وذهب عكرمة للنبي صلى الله عليه وسلم، وسلم عليه بالإسلام وأسلم رضي الله تبارك وتعالى عنه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ليكفروا بما آتيناهم...)

    قال سبحانه في الكثيرين من هؤلاء: فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ [العنكبوت:65] إذا هم يدعون غير الله سبحانه، لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ[العنكبوت:66] واللام هنا إما لام كي أي: لكي يكفروا، يشركون لكي يجحدوا ربهم سبحانه ويعبدوا غيره، وَلِيَتَمَتَّعُوا[العنكبوت:66] لكي يتمتعوا بهذه الدنيا الحقيرة باللهو واللعب، ثم يرجعون إلى الله.

    وإما أن اللام لام العاقبة، ويكون معنى: (ليكفروا بما آتيناهم): يشركون لتكون العاقبة كفرهم بالله سبحانه وتعالى، وتمتعاً قليلاً ثم يصلون إلى النار بعد ذلك.

    وإما أن اللام لام الأمر، وكسرت وقرئت أيضاً بالسكون على أنها لام الأمر، فقرأها بالكسر قالون عن نافع، وقرأها ابن كثير وحمزة والكسائي وخلف : (ولْيتمتعوا) بالسكون، وبقية القراء قرءوها بالكسر مثل قراءة حفص عن عاصم ، وقراءة ورش عن نافع: (ولِيتمتعوا فسوف يعلمون) بالكسر.

    فعلى قراءة السكون تكون بمعنى: التهديد من الله، مثل قوله سبحانه وتعالى: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ[فصلت:40] فليس المعنى التخيير أي: الذي تريدونه اعملوه، بل هذا تهديد، أي: اعمل وستعرف بماذا أجازيك، فهذا تهديد ووعيد من الله سبحانه.

    كذلك على قراءة الكسر يأتي فيها ذلك المعنى؛ لأن أصل لام الأمر السكون، فعلى ذلك يكون المعنى حتى في الكسر أيضاً التهديد من الله عز وجل لهؤلاء: (ولِيتمتعوا فسوف يعلمون) فسوف يعلمون ماذا سيحدث لهم في الدنيا وفي قبورهم ويوم القيامة يوم يبعثون.

    نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.