إسلام ويب

تفسير سورة العنكبوت [58 - 63]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • وعد الله المؤمنين بالرزق الحسن في هذه الحياة الدنيا إذا صبروا وتوكلوا على الله، وأخبر أنه كم من دابة لا تحمل رزقها ولا تدخر قوتها والله يرزقها ويطعمها ويسقيها، فمن لم يضيع رزق هذه الدابة وهو الله فلن يضيع رزق من عبده وآمن به، ولكن الله حكيم عليم، فهو يبسط الرزق لمن يشاء، ويضيق الرزق على من يشاء، ليبتلي العباد بالغنى والفقر، وفي ذلك حكم كثيرة للأفراد وللمجتمعات، ولا يصلح حال العباد إلا بتفاوتهم في الأرزاق.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    أما بعد:

    قال الله عز وجل في سورة العنكبوت: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ * اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [العنكبوت:58-62].

    لما ذكر الله سبحانه وتعالى الموت ذكر أن المرجع إليه سبحانه وتعالى ليجازي الخلق على ما عملوا، فأما الكفار فيعذبهم الله عز وجل عذاباً يغشاهم من فوقهم ومن تحت أرجلهم في نار جهنم، ويقال لهم: ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [العنكبوت:55]، وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فالله عز وجل يبوئهم من الجنة نزلاً، وينزلهم من الجنة منزلاً عظيماً عالياً، وهي غرف الجنات، كما قال عز وجل: لَنُبَوِّئَنَّهُمْ [العنكبوت:58]، أي: لندخلنهم ولننزلنهم ولننسكننهم ولنقيمنهم في هذه الجنة العالية تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [العنكبوت:58].

    وذكر الله عز وجل العمل فقال: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [العنكبوت:58]، والجزاء يوم القيامة أن يقال لهم: نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [العنكبوت:58]، يعني: أنعم بهذا لمن عمل.

    فهم لم يكتفوا بأن يقولوا: آمنا وصدقنا بقلوبنا، ولم يكتفوا بأن نطقوا بألسنتهم بكلمة التوحيد، ولكن العمل الصالح وراء ذلك، فالله أمر المؤمنين بالعمل الصالح فقال: وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [المؤمنون:51]، فلما عملوا الصالحات جوزوا بالجنات وقيل لهم: نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [العنكبوت:58].

    وروى النسائي من حديث فضالة بن عبيد قال: قال صلى الله عليه وسلم: (أنا زعيم -والزعيم: الضامن- لمن آمن بي وأسلم وهاجر ببيت في ربض الجنة وببيت في وسط الجنة)، يعني بالقصور التي في الجنات، وربض المكان: الفناء الذي حول المكان، ووسط المكان أعظم من ربضه، فالجنة فيها ربض، وكأنه المنزلة الأقل في الجنة، وفيها منزلة أخرى هي أوسط الجنة، ومنزلة أخرى هي أعلى الجنة.

    فذكر الأولى والثانية فقال: (أنا زعيم لمن آمن بي وأسلم وهاجر ببيت في ربض الجنة وببيت في وسط الجنة)، هذا للمؤمن الذي أسلم والذي هاجر في سبيل الله عز وجل، ثم قال: (وأنا زعيم لمن آمن بي وأسلم وجاهد في سبيل الله ببيت في ربض الجنة وببيت في وسط الجنة وببيت في أعلى غرف الجنة)، هذا للمجاهد في سبيل الله عز وجل، لمن يجاهد بسنانه وبلسانه وبقلبه أعداء الله .. يجاهد المنافقين، ويجاهد الكفار، ويجاهد لنشر دين الله سبحانه وتعالى، ويدفع ما يلقيه أهل الباطل من شبهات، ويدفع ما يقوله أهل الكفر من اتهامات، فيجاهد في سبيل الله عز وجل، فالنبي صلى الله عليه وسلم زعيم ضامن له ببيت في ربض الجنة، وببيت آخر في وسط الجنة، وببيت ثالث في أعلى الجنة، قال صلى الله عليه وسلم: (من فعل ذلك فلم يدع للخير مطلباً ولا من الشر مهرباً يموت حيث شاء أن يموت)، والمعنى: طالما أنك أسلمت لله وآمنت بالله وجاهدت في سبيل الله سبحانه وعملت العمل الصالح فمت حيث شئت، فسواء مت وأنت تجاهد في سبيل الله عز وجل فصرت شهيداً، أو مت وأنت على فراشك في بيتك، فلك هذا الأجر لا ينقص أبداً، والضامن لك هذا الأجر هو رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.

    يقول الله عز وجل: نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [العنكبوت:58]، أي: أن جزاءهم الجنة العالية العظيمة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم وذكر أن فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون)

    ثم قال الله سبحانه وتعالى: الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [العنكبوت:59]، أي: أنهم عملوا الصالحات وصبروا، والصبر أنواع:

    صبر على أوامر الله، فينفذ الأوامر، بأن يقول له: افعل كذا، فيفعل، ويصبر على ذلك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم)، فيجاهد الإنسان نفسه في العمل الصالح والعمل بما أمر الله سبحانه.

    وإذا نهى الله عز وجل عن شيء فالمؤمن يجتنبه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه)، أي: لا تأتوا هذا الشيء واتركوه بالكلية، فالمؤمن يصبر على ذلك.

    والله عز وجل نهى العبد عن الحرام وعن شهوات باطلة، وإذا بالنفس تدفعه ليقع فيها، ولكن يصبر ويتصبر لأمر الله سبحانه، فهذا صبر آخر، وهو الصبر عن المعصية.

    الصبر الثالث: الصبر على قضاء الله وقدره، على أقدار الله سبحانه، فحين تنزل المصيبة بالعبد يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، كما قال عز وجل: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ [البقرة:155].

    وفي أول هذه السورة قال الله سبحانه وتعالى: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [العنكبوت:2]، فلا بد من الابتلاء والاختبار والامتحان من الله عز وجل لعباده، فمن صبر على ذلك فله الأجر من الله سبحانه تبارك وتعالى.

    فعلى الإنسان أن يصبر على المصائب، ويصبر على الطاعة، ويصبر عن المعصية.

    قال الله سبحانه: الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [العنكبوت:59]، أي: صبروا لأمر الله سبحانه وتعالى، وتوكلوا على الله سبحانه أعظم التوكل، وقد جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير؛ تغدو خماصاً وتروح بطاناً)، فلو أن الإنسان يتوكل على الله سبحانه كما تتوكل الطير على ربها سبحانه لرزقه الله كما يرزق الطير؛ فإنها تصبح فتغدو تبحث عن رزقها فالله يعطيها رزقها، فقوله: (تغدو خماصاً) خمص البطن بمعنى: ضامر البطن، قل حجمها من قلة الطعام، وقوله: (تروح بطاناً)، أي: قد شبعت وامتلأت بطونها وانتفخت من كثرة ما أكلت من طعام.

    فلو أن العبد توكل على الله حق التوكل وكان واثقاً بالله سبحانه، وأن الرزق بيد الله سبحانه، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، وكل شيء بيد الله سبحانه، ولم ينسب ما هو لله لغير الله سبحانه، ولم يظن أو يحدث نفسه أن رزقي عند فلان، وفلان يعطيني الرزق؛ لرزقه الله من حيث لا يحتسب، فالرزق عند الله سبحانه، والله الرزاق العظيم الذي قال لعباده: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:56-58]، فالعبد يتوكل على الله سبحانه، وإذا أحسن التوكل جاءه رزقه من عند الله من حيث لا يحتسب، كما قال عز وجل: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3].

    فهنا ربنا سبحانه وتعالى ذكر أمر التوكل عليه سبحانه وتعالى، فذكر أنه من صفات المؤمنين الذين يستحقون الجنات.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها...)

    أخبر سبحانه في هذه الآية كيف أن الدواب كلها تتوكل على ربها سبحانه وهو يرزقها تبارك وتعالى فقال: وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ [العنكبوت:60].

    وقوله: (وَكَأَيِّن)، هذه قراءة الجمهور، وقرأها ابن كثير : (وكآين) بالمد المتوسط، وقرأها أبو جعفر بالتسهيل مع المد ومع القصر: (وكآين من دابة لا تحمل رزقها) بالتكسين فيها وبالتسهيل.

    إذاً: هنا قراءة: (وكآين من دابة) بتسكين النون سواء في قراءة ابن كثير أو في قراءة أبي جعفر ، والجمهور يقرءون: (وكأيِّن من دابة) تسكن وتدغم فيما بعدها.

    وقوله: وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا [العنكبوت:60]، في هذا إشارة إلى أنه لا يوجد دابة تحمل رزقها ذاهبة وآتية، ولكن القليل من أنواع الدواب هي التي قد تفعل ذلك، ولكن الأكثر من الدواب التي خلقها الله عز وجل لا تحمل رزقها على ظهرها فتذهب وتجيء به، وإنما تبحث فتأكل، فإذا أكلت اكتفت.

    والدابة: كل ما يدب على الأرض من حيوان، والمقصود: أن كل دابة قد خلقها الله سبحانه وتعالى لا تحمل رزقها، ولكن الله عز وجل يرزقها وإياكم.

    لقد علم الله عز وجل العباد كيف يصبرون على أمر الله سبحانه وتعالى، وكيف يتوكلون على الله ويحسنون الظن بالله سبحانه وتعالى، فيصبر الإنسان، وإن جاع لا يجلس في بيته، وإنما عليه أن يذهب ليبحث عن الرزق متوكلاً على الله واثقاً بالله، فإذا بالله سبحانه وتعالى يفتح له باب الخير، وقد يمتحنه ويختبر إخلاصه هل يصبر أو لا يصبر؟ فيضيق عليه شيئاً ثم يأتي الفتح والفرج من الله تبارك وتعالى.

    وقوله: وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ [العنكبوت:60]، أي: ويرزقكم أنتم أيضاً، فالإنسان ينظر ويعتبر، فانظر واعتبر كيف رزق الله كل هذه الدواب؛ فرزق كل طائر يطير في السماء، وكل إنسان يسير، وكل حيوان يدب على أربع، وكل حشرة، وكل شيء يرزقه الله تبارك وتعالى.

    فقوله: اللَّهُ يَرْزُقُهَا ، يعني: الدابة وَإِيَّاكُمْ ، يعني: يرزقكم الله سبحانه وتعالى.

    وقوله: (وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيم)، أي: يسمع دعاءكم حين تقولون: يا رب! ارزقنا .. يا رب! أعطنا، وهو العليم بمن يستحق هذا ومن يستحق ذلك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ...)

    قال سبحانه: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ [العنكبوت:61].

    وقوله: لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ ، يعني: لئن سألت الخلق: مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ وكل مخلوق -سواء كان مسلماً أو كافراً- يعلم أن الله هو الخالق سبحانه وتعالى، ولا يكابر في ذلك إلا كذاب جاحد مكابر، كما كابر فرعون وكما كابر النمرود ، وإذا بالله عز وجل يفضح الاثنين وغيرهما ممن جحد ذلك، فهذا النمرود لما زعم أنه يحيي ويميت قال له إبراهيم: إِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ [البقرة:258] أي: فضح وأسكت وألقم حجراً، ولما قال له إبراهيم: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ تعاظم وقال: وأنا أيضاً أحيي وأميت، فقيل له: تحيي من؟ فقال: أحكم على واحد بالإعدام ومن ثم أعفو عنه فأكون قد أحييته، فلما كان هذا الكلام كلاماً فارغاً وظاهر الفساد، ولكنه سيجد من يدافعون عن هذا الكلام، أعرض إبراهيم عن هذا الشيء الذي يعرفون أنه كاذب فيه، وأتى له بشيء ثان أشد منه لا يقدر أن يدعيه، فقال له: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ [البقرة:258].

    وسار على حذوه فرعون بعد ذلك وقال للناس كما حكى الله عنه: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24]، وقال كما حكى الله عنه: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي [الزخرف:51]، فإذا به يستخفهم فيصدقونه، فيفضحه الله سبحانه حين يغرقه في اليم ويرفع يديه ويدعو ويقول: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ [يونس:90]، فما زعم أحد أبداً أنه رب إلا وفضحه الله سبحانه وتعالى وأظهر كذبه.

    قال سبحانه: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [العنكبوت:61]، الجواب: أن الخالق واحد وهو الله سبحانه.

    إذاً: هنا العباد لا يختلفون في أمر الخالق، حتى ولو أنكروا بألسنتهم فإن القلوب تقر أنه خالقهم، ولكن في التوجه في العبادة: إلى من يتوجهون بالعبادة؟ ومن الذي يعبدونه؟ هنا يختلفون؛ فهؤلاء يعبدون شيئاً وهؤلاء يعبدون غيره إلا من هدى الله سبحانه إلى توحيده.

    قال سبحانه: فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ [العنكبوت:61]، أي: إذا كانوا يعرفون الخالق سبحانه الذي يرزق والذي خلق السماوات والأرض والذي سخر الشمس والقمر وجعل الشمس تجري لمستقر لها، والقمر يدور مع الأرض وكل شيء بحساب وبقدر عنده تبارك وتعالى، فكيف يصرفون عن توحيد الله؟!

    وقوله: أَنَّى يُؤْفَكُونَ يؤفك بمعنى: يصرف ويمشي بعيداً ويضل، والمعنى: كيف ضلوا عن عبادة الله؟! وكيف صرفوا عن توحيد الله وقد عرفوا أنه الذي يخلق ويرزق سبحانه؟!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له ...)

    قال الله سبحانه وتعالى: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ [العنكبوت:62].

    قوله: يَبْسُطُ أي: يوسع، وَيَقْدِرُ أي: يضيق، فالله عز وجل يفعل كل شيء بحساب، كما قال سبحانه وتعالى: مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا [فاطر:2]، فإذا وسع وفتح وبسط فمن يقدر أن يمسك هذا الرزق؟ وهنا قال: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ [العنكبوت:62]، أي: سواء كان مسلماً أو كان كافراً؛ لأن الدنيا لو كانت تساوي شيئاً لم يعط الكفار منها شيئاً، ولكن اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ [العنكبوت:62]، والله سبحانه وتعالى يضيق على من يشاء من خلقه، فلا يقل الإنسان: لماذا ربنا وسع لفلان ولماذا ضيق على فلان، مع أن فلاناً جيد ويصلي وهكذا وربنا مضيق عليه في الرزق؟! فهذا أمر الله سبحانه وتعالى؛ فإنه يعطي من يشاء ويمنع من يشاء: لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23]، والدنيا لا تساوي شيئاً، فيضيق على فلان الذي يصلي والذي هو يعمل الصالحات؛ حتى يرفع درجاته عنده سبحانه وتعالى.

    إذاً: أنت وإن اعترضت في الدنيا فإنك في الآخرة تعرف الجواب حين ترى هذا الإنسان قد رفعه الله عز وجل درجات عظيمة، وحين ستر عليه ذنوباً كثيرة فعلها واستتر بها، فالله ضيق عليه في الرزق كشيء من العقوبة له؛ لتكفير السيئات ومغفرة الذنوب والزلات، فالله عز وجل يبسط ويقدر سبحانه، ولذا قال: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [العنكبوت:62].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولئن سألتهم من نزل من السماء ماءً...)

    قال سبحانه: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [العنكبوت:63]، من الذي ينزل من السماء ماءً؟ ومن الذي يرسل الرياح ويسيرها كيف يشاء؟ إنه الله سبحانه وتعالى؛ فإنه ينزل الغيث ويسقي به بلدة ميتة، وينزل الغيث ماءً كثيراً غدقاً غير رائث من فضله سبحانه وتعالى.

    وكان النبي صلى الله عليه وسلم يطلب منه أصحابه أن يدعو ربهم أن يسقيهم، فإذا به يقف وهو في خطبته ويقطع الخطبة ويدعو ربه سبحانه، فإذا بالمطر ينزل من السماء، فمن الذي أتى بهذا المطر وهم يرون السماء صافية والشمس مشرقة وليس بينهم وبين جبل سلع من سحاب، فإذا بسحابة تنشأ وتتوسط السماء وتنزل على العباد رزقاً من عند الله سبحانه وتعالى؟

    إنه الله وحده الذي ينزل الغيث، وقد زعم الكفار أنهم حاولوا ذلك وقدروا على شيء من ذلك! قالوا: ننتظر سحابة مليئة بالماء وحين تأتي نرمي عليها بشيء من صواريخ أو شيء من تراب أو حاجة تفجر هذه السحابة فتنزل الماء، فهنا يقال: ما الذي صنعوا من ذلك؟ ومن الذي جاء بالسحابة؟ ومن الذي خلقها؟ ومن الذي سيرها؟ ومن الذي ملأها بالماء؟ إنه الله، وهم حين يفعلون ذلك قد ينزل شيء من رذاذ المطر وقد لا ينزل شيء، فالله عز وجل هو الذي ينزل ما يغيث به العباد، ولم يذكر رذاذاً من المطر، إنما قال: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خبِيرٌ [لقمان:34].

    نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.