إسلام ويب

تفسير سورة العنكبوت [53 - 58]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أمر الله تعالى عباده المستضعفين أن يهاجروا إلى أرض يستطيعون أن يعبدوا الله فيها، والهجرة قد يخاف فيها من الموت أو الفقر، فأخبرهم الله أن كل نفس ذائقة الموت، فلا يتركوا الهجرة خوفاً من الموت، فإنهم إن ماتوا مهاجرين فسيدخلهم جنات النعيم، ووعدهم بالرزق، فإنه تكفل برزق كل مخلوق خلقه فكيف يضيع رزق من هاجر لأجله؟!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة العنكبوت: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ * اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [العنكبوت:56-62].

    لما أخبرنا الله سبحانه وتعالى عن المشركين وعن تهورهم واستعجالهم العذاب، فقال الله سبحانه: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ [العنكبوت:53]، وكل ما هو آت فهو قريب، فالمشركون يطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم تعجيل العذاب، ولكن الله قد قضى أن عذابهم له أجل مسمى، فهو في علم الله عز وجل، والمؤمنون يستعجلون عذاب الكافرين، ويستعجلون الانتصار عليهم، والله عز وجل قد أجل عنده أجلاً، فإذا جاء أجل الله عز وجل ونزل قضاؤه وقدره بهؤلاء وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً [العنكبوت:53] أي: فلن يأتيهم بعلامة قبلها، ولكن يأتيهم بغتة: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [العنكبوت:53].

    وقال تعالى: يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ [العنكبوت:54]، أي: هؤلاء الكفار الذين يطلبون العذاب وينتظر المؤمنون عذابهم يخبر الله سبحانه وتعالى بأنهم تحيط بهم جنهم يوم القيامة، (وإن جهنم لمحيطة بالكافرين)، فلا يقدرون على الهرب منها، ويوم القيامة يستشعر الجميع أن الدنيا لم تكن شيئاً مهما طالت وإذا سئلوا قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ [المؤمنون:112-113]، فمهما طال العمر بالإنسان فإنه في يوم القيامة يقول: لبثنا يوماً أو بعض يوم، أي: جزءاً من اليوم، فالإنسان الذي يستعجل في الدنيا يقال له: لا تعجل ستعرف يوم القيامة أن الدنيا لم تكن شيئاً، وأن طول عمرك في الدنيا لا يساوي شيئاً، قال الله عز وجل عن عذاب يوم القيامة الذي يستعجلونه: يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [العنكبوت:55]، أي: فقد أحدقت بهم جهنم، وأحاطت بهم، فمن فوقهم نار، ومن تحتهم نار، وهم محبوسون داخلها لا انفكاك لهم عنها، ولا مهرب منها.

    لقد أمر الله عز وجل المؤمنين في الدنيا بأن يهاجروا من الأرض التي فيها الكفر، والظلم فقال: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ [العنكبوت:56]، أي: لم تخلقوا لتهانوا في مكان تقدرون على الهرب منه والخروج منه، فاخرجوا فإن أرض الله واسعة كما أخبرنا الله سبحانه وتعالى.

    وقوله: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا [العنكبوت:56] هذا نداء للمؤمنين، وهذه قراءة نافع وأبي جعفر وابن كثير وابن عامر وعاصم ، وباقي القراء يقرءونها: (يا عبادِ الذين آمنوا).

    إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ [العنكبوت:56] قراءة الجمهور، (إن أرضي) بالسكون، وقراءة ابن عامر : إن أرضيَ واسعة فإياي فاعبدون وقراءة الجمهور: فَاعْبُدُونِ [العنكبوت:56]، وقراءة يعقوب وقفاً ووصلاً: فاعبدوني .

    فالله عز وجل يأمر المؤمنين بقوله: (اعبدوني) أي: في أي مكان، فلا تصبروا على البقاء في مكان تهانون فيه، وتمنعون فيه من إقامة شعائركم، وشرائع الله سبحانه بل هاجروا منه إلى مكان آخر.

    والمؤمنون منهم من هاجر مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ومنهم من بقي بمكة ولم يهاجر، فكان المسلمون يراسلونهم، ويطلبون منهم أن يخرجوا، فيقولون: نخشى إن هاجرنا، والبعض منهم خرجوا، واستطاعوا أن يصلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والبعض الآخر أمسك بهم الكفار، وعذبوهم وضربوهم في مكة، فالله عز وجل يقول للمؤمنين: إن أرضي واسعة فمن استطاع أن يهاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فليفعل ذلك، ومن استطاع ولم يفعل وظل مع الكفار، ومع من يفتنه عن دينه مع قدرته على الخروج فقد وقع في قوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ [النساء:97]، فهم كانوا مستضعفين في بلدهم لكنهم كانوا يقدرون على الخروج من هذه الأرض ومع ذلك ظلوا فيها، فقد بقوا في مكة يفتنهم الكفار فيفتنون، فأخبر الله سبحانه عن هؤلاء وأمثالهم الذين فتنهم الكفار فارتدوا على أعقابهم، وتركوا دين الله سبحانه بقوله: أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا [النساء:97] وهنا يقول: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ [العنكبوت:56].

    والإنسان مخلوق لعبادة الله سبحانه، قال سبحانه: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، فالمطلوب منه العبادة، وعمر الإنسان غالٍ جداً لا يساويه أي ثمن من الأثمان، وأغلى شيء عند الإنسان عمره، فكلما عبد الله سبحانه وتعالى كلما كان قريباً من ربه سبحانه، ويكون منزله في أعلى الجنات، وكلما فرط وقصر كلما بعد شيئاً فشيئاً حتى يكون في النار، ولذلك على الإنسان أن ينتهز لحظاته، وساعاته وأوقاته حتى يدخل جنة الخلود بعمله الصالح بعد رحمة الله سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كل نفس ذائقة الموت ...)

    قال الله سبحانه: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [العنكبوت:57]، فهذه نهاية كل إنسان، فلا أحد سيخلد في هذه الدنيا، وطالما أن الله عز وجل أمرنا بعبادته فلنعبد الله سبحانه، وإذا ضُيق على الإنسان في مكان فليخرج إلى مكان آخر، فلا يمكث في مكان يفتن فيه، ويبتعد عن دين الله، ثم يقول: أنا معذور، يكفر بالله سبحانه ويقول: أنا معذور، ويفعل أفعال الفساق ويقول: أنا معذور، فطالما أنه يستطيع أن يخرج إلى مكان آخر فليبتعد عن الفساق وعن الظلمة والكفار، وليعبد الله سبحانه وتعالى، فأرض الله واسعة.

    فلا أحد سيفر من الموت، فإن الموت محيط بالإنسان، ومهما أمل الإنسان في العيش وفي الحياة فإنه في نهاية المطاف سيأتيه الموت من حيث لا يدري، ومن حيث لا يحتسب: (كل إنسان يغدو فمعتق نفسه أو موبقها)، وكما ذكر النبي صلوات الله وسلامه عليه، فإن الإنسان يأتي عليه الصباح لا يدري هل سيكمل باقي يومه أو يموت في هذا اليوم؟ وهل سيموت على طاعة أم يموت على معصية؟ وقد أخبرنا الله عز وجل أن الموت يأتي للإنسان بغتة، فبعد أن كان في الدنيا إذا به عند الله سبحانه، وبعد أن كان في ظهر الأرض إذا هو في بطنها.

    فمن عمل صالحاً فإنه يستبشر حين يلقى الله سبحانه وتعالى بعمله الصالح؛ كجهاده في سبيل الله وغيره من الأعمال الصالحة، أما الإنسان الذي يفر من الله، فإنه مهما فر فإن الموت محيط به، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (وقد رسم لأصحابه خطوطاً على الأرض، فقال هم الخط الأول: (هذا الإنسان، وخط بعده بقليل وقال: وهذا أجله، وخط بعده بكثير وقال: وهذا أمله).

    فالإنسان يريد أن يحقق أمله وأمله بعيد جداً، فبينما هو ينظر إلى الأبعد إذ جاءه الأقرب، فليس كل ما يؤمله الإنسان سيأخذه، وأسعد الناس الذي يأتيه موته وهو مطيع لله سبحانه وتعالى، انظروا إلى الشيخ أحمد ياسين رحمة الله عليه، وكيف قتله اليهود لعنة الله عليهم، ولكم أن تعتبروا بهذا الرجل فقد ختم الله عز وجل له بالعمل الصالح فقد صلى الفجر ثم خرج فقتل شهيداً، فلعله ما كان يحلم بهذا الشيء، فإنه لم يكن يقاتل بسلاح ولا في يديه مدفع، وجاءته الشهادة وهو خارج في ذمة الله سبحانه وتعالى، وهذه بشارة من الله سبحانه وتعالى، فمن كان يدري أن الشهادة ستأتيه في هذا الوقت، نسأل الله عز وجل أن يجعله من الشهداء، وأن يسكنه الجنة.

    ولعل الإنسان يرى المنظر فضيعاً جداً، أن يسقط على إنسان صاروخ أو قنبلة أو يأكله قطار، أو تدوسه سيارة، إنه منظر صعب ورهيب جداً، ولكن الحقيقة أن الشهيد عند الله عز وجل له أجر عظيم، ففي الوقت الذي يأتيه حتفه لا يشعر بشيء، (ما يجد الشهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة)، فالبعوضة تقرص الإنسان فلا يحس بها، وكذلك الشهيد، حتى وإن كان المنظر أمام الناس منظراً مروعاً ومنظراً صعباً، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم يطمئنهم ويقول لهم: لا تخافوا على الشهيد، فإن الله أرأف به منكم، فالله عز وجل يجعل هذا الشيء الهائل الذي تراه شيئاً يسيراً جداً، ويبشر الشهيد بالحور العين تستقبله، ويغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى منزله من الجنة، وغير ذلك من خصائص الشهيد عند رب العالمين سبحانه.

    فـأحمد ياسين قتل في سبيل الله سبحانه وتعالى نحسبه على يد الكفار، يقول عمر رضي الله عنه وقد قتله أبو لؤلؤة المجوسي لعنة الله عليه، لـابن عباس : اذهب فانظر من قتلني، فيذهب ويبحث ثم يقول له: قتلك أبو لؤلؤة ، فقال عمر : الحمد لله الذي لم يجعل قتلي على يد أحد من المسلمين، فقد كان يخاف أن يكون رجلاً من المسلمين ظلمه مثلاً فقتله.

    و عمر بن الخطاب كان يسأل الله عز وجل الشهادة، ويقول: اللهم ارزقني شهادة في بلد نبيك صلى الله عليه وسلم، فيتعجبون له، كيف تقتل في بلد النبي صلى الله عليه وسلم والجهاد بعيد عنها؟! والبلد دار إيمان، وكل الذين فيها مسلمون، فيقول: يأتي بها الله إن شاء، وليس في قلب عمر أنه سيموت هذه الموتة رضي الله تعالى عنه، فإذا بالشهادة تأتي إليه وهو في المحراب يصلي بالناس رضي الله عنه، والموت يأتي للإنسان بغتة، يا ترى هل كان عمر رضي الله عنه وهو ذاهب يصلي يدري أن أحداً سيقتله، لم يكن يدري رضي الله تعالى عنه، وكذلك كل إنسان، فطالما أننا لا ندري متى يأتي علينا الموت فليكن العمل الصالح دائماً هو هدفنا.

    مرة من المرات أحد إخواننا صلى معنا الفجر، ثم ذهب، فلما وصل عند سكة الحديد داسه القطار، نرجو له الشهادة عند الله سبحانه وتعالى، والذي صلى الفجر هو في ذمة الله عز وجل، والله عز وجل يحذرنا على لسان النبي صلى الله عليه وسلم من أذى هذا الإنسان الذي صلى الفجر في جماعة.

    ولذلك نستبشر خيراً لمقتل الشيخ أحمد ياسين رحمة الله عليه، نسأل الله أن يسلط على اليهود من يبيدهم، وأن يزيلهم، وأن يدمرهم تدميراً هم ومن يدافع عنهم، كما نسأله سبحانه أن ينصر الإسلام والمسلمين، وأن يدمر الكفرة والمجرمين، اللهم احصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً.

    يقول الله سبحانه: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ[العنكبوت:57]، أي: المرجع إلى الله عز وجل، فأعد الجواب الذي ستقوله لله عز وجل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفاً ...)

    قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا [العنكبوت:58] يطمئن الله عز وجل المؤمنين، بأن الدنيا زائلة، فمهما طالت، ومهما عُذب المؤمن فيها فإنها ستزول ولن تبقى.

    ومعنى لنبوِّئنهم أي: لننزلنهم منزلاً في أعالي الجنات، وهذه قراءة الجمهور، وقراءة أبي جعفر لنبوينهم ، وقراءة حمزة والكسائي وخلف : لنثوينهم من الثوى بمعنى: الإقامة، أي: لندخلنهم مكاناً يقيمون فيه ولا يخرجون منه، من الجنة غرفاً ، الغرف هي الأماكن العالية الرفيعة الفخمة، فالله عز وجل جهز هذه الغرف للذين آمنوا وعملوا الصالحات، فهم لم يقولوا: آمنا، بألسنتهم وكفرت قلوبهم وفسقت أعمالهم، لا؛ بل قالوا: (آمنا) بالقول، وصدق ذلك القلب والعمل، والغرف معناها: الجنات العظيمة العالية، وليس كما يتخيل الإنسان الغرفة التي في بيته، فهذه وإن سميت غرفة لكن هناك فرق كبير بين هذه وبين تلك، فقد قال سبحانه: غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [العنكبوت:58].

    وقد روى البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم)، فأهل الجنة الذين هم في أدنى الجنات وفي أوسط الجنات ينظرون إلى أهل الغرف الذين هم في أعالي الجنات، قال صلى الله عليه وسلم: (يتراءون) والترائي: هو النظر للشيء البعيد، مثلما تنظر إلى الكواكب التي في السماء.

    قال صلى الله عليه وسلم: (إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق)، الغابر: أي: البعيد جداً، و(الدري): أي: المتلألئ في الأفق، قال: (من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم)، أي: لتفاضل الدرجات، فبحسب عمل الإنسان يرفعه الله عز وجل درجات، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا في أعالي الجنات. (قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟) أي: أن الغرف العالية ليست إلا للأنبياء، قال صلى الله عليه وسلم: (بلى، والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين)، (بلى) يعني: ليس كما تقولون، ولكن هناك رجال مؤمنون سيبلغون ذلك، وهم رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا منهم.

    وروى الترمذي عن علي رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن في الجنة غرفاً ترى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها)، أي: قصوراً عظيمة في الجنة، وصاحب هذه القصور يرى داخلها وهو خارجها، ويرى خارجها وهو داخلها، (ترى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها، فقام أعرابي فقال: لمن هي يا رسول الله؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام وأدام الصيام وصلى لله بالليل والناس نيام)، فالذي يريد أن يصل إلى هذه الغرف فليعلم أنها لمن أطاب الكلام)، أي: كان خلقه حسناً، وكلامه طيباً، ليس رديئاً ولا فاحشاً، ولا نماماً، ولا مغتاباً، بل هو صادق في كلامه ولا يخرج من فمه إلا الطيب.

    (وأطعم الطعام) أطعم الفقير والمسكين، وابن السبيل، والجار، والضيف، وأطعم أهله، (وأدام الصيام) يعني: صام كثيراً، ولذلك جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال، فكأنما صام الدهر)، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر كصيام الدهر، فالنبي صلى الله عليه وسلم يخبرنا بما يسهل علينا، فإذا أردت أن يكون أجرك كمن صام الدهر صم من كل شهر ثلاثة أيام، وصم الإثنين والخميس، ففيهما يرفع العمل إلى الله سبحانه وتعالى، وصم يوم عرفة، ويوم عاشوراء وهكذا، فالإنسان المؤمن يتحرى الأوقات الفاضلة، فيكثر فيها من الصيام بحسب ما يقدره الله عز وجل عليه.

    قال: (وصلى بالليل والناس نيام)، فهو مع الناس حسن الخلق، وهو مع الله في صيام وقيام، وقيام الليل في البداية قد يكون صعباً على الإنسان، ولكن مع العادة يصير متعة للإنسان، كما قال الثوري رحمه الله: كابدنا قيام الليل عشرين سنة، واستمتعنا به عشرين سنة.

    نسأل الله عز وجل أن يعيننا على عمل أهل الغرف العاليات، وأن يجعلنا منهم ومعهم.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.