إسلام ويب

تفسير سورة العنكبوت [2 - 10]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بين المولى سبحانه وتعالى أنه لا يكفي ادعاء الإيمان فقط، بل لا بد لكل مؤمن أن يبتلى بما يظهر أن إيمانه حقيقي وقوي أم ضعيف، ثم إن ذلك الابتلاء سنة الله تعالى الماضية منذ بدأ الخليقة إلى أن تقوم الساعة، وهذا الابتلاء فيه رفع لدرجات المؤمنين وتمحيص لهم وغفران لذنوبهم، أما أصحاب السيئات فليسوا بمعجزين ربهم، فلا بد أن يرجعوا إليه ليجازيهم على سوء ظنهم به تعالى. وقد أوصى الله تعالى بالوالدين، وأن يطاعا فيما يأمران به ما لم يكن معصية أو إثماً؛ لأنهما السبب في وجودك بعد الله تعالى، ولهما من سابق التعب والنصب والجهد ما يجعل طاعتهم عليك فرضاً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا ...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    في هذه الآية التي ذكرها الله عز وجل من سورة العنكبوت وما قبلها يخبرنا ربنا سبحانه تبارك وتعالى أن الإنسان إذا قال: لا إله إلا الله ودخل في هذا الدين العظيم، فإنه لا يظن أنه سيعيش سعيداً في الدنيا بغير بلاء فيها، بل لا بد وأن يصيبه شيء من بلاء الدنيا.

    وكلما كان الإنسان قريباً من الله عز وجل، قريباً من دين الله سبحانه وتعالى، ممتثلاً أوامر الله، منزجراً عن نواهي الله سبحانه كلما أصابه البلاء أكثر من غيره.

    قال تعالى: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [العنكبوت:2] أي: لا بد وأن يفتنوا وأن يبتلوا حتى يكفر الله عز وجل عنهم من سيئاتهم، ويرفع درجاتهم.

    وقد أخبرنا سبحانه أنه فتن الذين من قبلنا، قال تعالى: وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت:3]، وقد كانت الفتنة في السابقين فتنة عظيمة وكانت الأصار عليهم والأغلال شديدة، لكن من رحمته سبحانه أن وضع عنا ذلك قال تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف:157]، ومن الأغلال التي كانت على بني إسرائيل: أنهم إذا أذنبوا ذنباً أمروا أن يقتل بعضهم بعضاً كما حدث لهم عندما عبدوا العجل، فقام بعضهم لبعض، وظللت عليهم غمامة وأظلم النهار، فقتل في موقف واحد فوق السبعين ألفاً من اليهود؛ حتى قبل الله توبتهم، وهذا كان من الآصار.

    أما في ديننا من تاب تاب الله عز وجل عليه، والإسلام يجب ما قبله، والتوبة تمحو الذنوب بفضل الله سبحانه وتعالى.

    وقد كان على الذين من قبلنا آصار في عباداتهم، فلا تصح منهم صلاة إلا في بيعهم وكنائسهم، أما نحن فأيما رجل من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أدركته الصلاة في مكان من الأماكن فعنده مسجده وطهوره، فيتطهر إن لم يجد ماء بالتراب، وإن وجد مسجداً صلى فيه، فإن لم يجد فالأرض مسجد وطهور، وهذا من فضل الله ورحمته. ومن الأغلال التي كانت على الذين من قبلنا أنه أن إذا أصاب البول ثوب أحدهم لم يجزئه إلا أن يقصه بالمقص، أما في ديننا فيكفي أن يغسله بالماء.

    فهذه الآصار والأغلال التي كانت على الذين من قبلنا رفعها الله عز وجل عنا، قال تعالى: وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [الأعراف:157].

    وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أحدهم كان ينشر بالمنشار، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه فلا يصده ذلك عن دينه، أما هذه الأمة فالإنسان المكره منها ولو على كلمة الكفر معذور في ذلك.

    أما السابقون فلم يكن لهم عذر في ذلك، فكان أحدهم إذا ابتلي ليفتن عن دينه لا بد وأن يصبر وإلا مات على ذلك، ولذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (دخل رجل الجنة في ذباب، ودخل رجل النار في ذباب، مر رجل على قوم من الكفار لهم وثن يعبدونه من دون الله فقالوا: قرب -أي: لإلههم الذي يعبدونه- قال: ما أقرب؟ قالوا: قرب شيئاً ولو ذباباً قال: ما كنت لأقرب لغير الله شيئاً، فقدموه فضربوا عنقه، فدخل الجنة بذلك، ومر بهم رجل آخر فقالوا: قرب، قال: ما أقرب؟ قالوا: قرب ولو ذباباً، فقرب ذباباً فكان من أهل النار)، أما نحن في ديننا فقد أذن الله عز وجل في التلفظ بكلمة الكفر لمن قلبه مطمئن بالإيمان حال الإكراه فقال: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النحل:106].

    فالذين من قبلنا فتنوا فتناً شديدة، وصبروا، والله عز وجل أعطاهم الأجر على ذلك، وجعل في أمتنا التيسير والتخفيف، ولكن لا بد من البلاء، قال تعالى: وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت:3].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ...)

    وقد ذكرنا في الحديث السابق معناها، وأن معنى العلم أنه يعلم علم شهادة بعدما كان علماً غيبياً.

    قال تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [العنكبوت:4]، يعني: هل يظن الذين يشركون بالله سبحانه ويقعون في معاصي الله أن يفلتوا من عذاب الله؟

    إن ظنوا ذلك فهو ظن السوء منهم، فكأن من ظن ذلك فقد شبه ربه بالمخلوق، فلما كان يقدر أن يهرب من المخلوق ظن أنه يهرب من خالقه سبحانه وتعالى، وكان بعض الحمقى والمغفلين من أهل الجاهلية يتعاظم بجسمه وبقوته فيقول لغيره من هؤلاء الكفار: إن محمداً يخيفنا بالنار، فإننا إذا جئنا يوم القيامة وقفت أنا فمنعتكم!!

    يظن أنه في الدنيا مثلما يقف ليصد الناس فيوم القيامة سوف يقف على باب النار ويمنع الباقين، وذلك من جهله وحماقته وغبائه.

    ويفرح هؤلاء بما يقول هذا المغفل ويصدقونه، وإن كان التصديق ظاهراً لكن يستحيل أن يكون الإنسان في قلبه يصدق مثل هذا الشيء.

    فقال سبحانه: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [العنكبوت:4].

    بل كان بعضهم يقول للآخرين: إن محمداً يزعم أن على جهنم تسعة عشر، ونحن عددنا كثير، فكل رجل منا برجل منهم. كأنه يظن أن ملائكة الله كالناس المغفلين الذين يراهم أمامه من هؤلاء.

    ويذهب أحدهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم بجمجمة إنسان ميت ويقول: تزعم أن ربك قادر أن يبعث هذه ويفتها بيده، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: (نعم، يبعثها ويدخلك النا).

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( من كان يرجو لقاء الله ... لغني عن العالمين )

    قال سبحانه: مَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ [العنكبوت:5] أي: من كان يخاف من عذاب الله ويؤمل رحمة الله؛ فإن الموعد سيأتيه، فكل ما هو آت قريب وإن طال في نظرنا؛ لأننا نقيس ذلك بأعمارنا وبسنين الدنيا، أما عند الله عز وجل فيوم واحد كألف سنة مما تعدون، فإذا قال: هذا قريب، فهو قريب.

    قال تعالى: وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ [العنكبوت:6].

    فكل إنسان يعمل الصالحات، وكل مؤمن يجاهد في الله سبحانه فجهاده لنفسه، أي: ثواب هذا الجهاد لنفسه، ونفعه لها، فهو المنتفع في النهاية، ولن ينفع ربه شيئاً، قال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [العنكبوت:6]، أكد الله غناه عن كل العوالم، سواء كان العالم العلوي أو العالم السفلي.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات ...)

    قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ [العنكبوت:7].

    فالمؤمنون الذين يعملون الصالحات يقسم الله سبحانه وتعالى أنه سيكفر عنهم سيئاتهم، قال تعالى: لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ[العنكبوت:7]، وهذا الفعل المضارع المسبوق بلام التوكيد والمنتهي بنون التوكيد الثقيلة دليل على وجود القسم، كأنه يقول: والله لنفعلن بهم ذلك ولنكفرن ذنوبهم، ولنمحون عنهم ما وقعوا فيه من خطايا، فتابوا إلى الله عز وجل، فنفعهم إيمانهم ونفعتهم توبتهم.

    قال تعالى: وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ[العنكبوت:7] هذا الفعل أيضاً جواب القسم، والتقدير: والله لنفعلن ذلك ونجزيهم الأجر العظيم.

    قال تعالى: وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ[العنكبوت:7]، أي: أحسن ما كانوا يتوقعون، فقد توقعوا من الله عز وجل أن يعطيهم ثواباً فأعطاهم ثواباً مضاعفاً.

    توقعوا من الله عز وجل أن يدخلهم جنة على نحو معين؛ فإذا به يدخلهم جنات فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( ووصينا الإنسان بوالديه ...)

    قال الله سبحانه وتعالى: وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا [العنكبوت:8].

    وفي سورة الأحقاف قال: وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا [الأحقاف:15]، وفي سورة لقمان: وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ [لقمان:14]، وفي سورة البقرة قال: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [البقرة:83]، أي: أحسنوا إليهم إحساناً.

    وفي سورة النساء قال تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [النساء:36].

    فأمر الله عز وجل بالوصية بالوالدين.

    وكذلك في سورة الإسراء ذكر الله عز وجل الوصية بالوالدين والإحسان إليهما فقال: فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا [الإسراء:23]، فالإنسان ينظر إلى الذي أنعم عليه وأوجده وخلقه وهو الله سبحانه وتعالى فيعبده، وينظر إلى السبب في وجوده في الدنيا وهما والداه، فلهما فضل عليك أن أوجدك الله عز وجل بسببهما، ولهما فضل التربية لك، والرعاية، والعناية بك، والرحمة عليك، ولذلك قال الله سبحانه: وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء:24]، أي: رحماني وأنا صغير، وربياني وحملاني.

    وقال تعالى: وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [الإسراء:24]، فأمر العبد بالتواضع لوالديه وألا يؤذيهما ولو بكلمة أف التي هي أقل الكلمات التي تؤذي، فما بالك بما هو أعظم من ذلك؟!

    قال سبحانه هنا: وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا [العنكبوت:8]، أي: وصيناه أن يحسن إليهما بكل عمل فيه حسن، قال تعالى: وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا [العنكبوت:8]، أي: أطع والديك في أمر بمعروف أو في نهي عن منكر، وأطع والديك إذا أمراك بشيء مباح، أما إذا أمراك بمعصية فلا تفعل هذه المعصية ولا تطعهما، وصاحبهما بالمعروف حتى لو كانا كافرين يهوديين، أو نصرانيين، أو مشركين وثنيين، قال تعالى: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [لقمان:15]، وهنا قال: وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [العنكبوت:8]، كيف يكون العمل عند ذلك؟ فَلا تُطِعْهُمَا [العنكبوت:8]، قال: وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ [العنكبوت:8]. يعني: إذا اجتهدا وبذلا الجهد العظيم في دفعك عن طاعة الله سبحانه، وفي إيقاعك في الكفر بالله سبحانه فإياك أن تطيعهم في ذلك، ومع ذلك صاحبهما معروفاً، فلهما فضل عليك وهما أبواك.

    قال تعالى هنا: وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا [العنكبوت:8] وقال سبحانه: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [لقمان:15] ففي الآيتين لم يمنع الابن المؤمن من مصاحبة الأب والأم الكافرين، ولا من برهما والإحسان إليهما، وكذلك الإنفاق عليه أن ينفق عليهما.

    بل قيل له: كن معهما في الخير، ولكن احذر من الطاعة في الشر، وفي المعصية والكفر.

    ثم قال تعالى: إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [العنكبوت:8]، إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ [لقمان:15].

    فقد يستسهل الإنسان المعصية، ولكن لما يتذكر أنه راجع إلى الله فيحاسبه، فالخوف من الحساب يمنعه من المعصية، ويدفعه إلى الطاعة، وفي سورة لقمان قال تعالى: فَأُنَبِّئُكُمْ [لقمان:15]، فإذا كان ينبئك بما كنت تعمل فمعناه: أنه سيحاسبك، فإن عملت الخير فلك الجزاء الحسن، وإن عملت الشر فعليك الوزر والحساب.

    وذكر المفسرون أن هذه الآية نزلت في سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه إذ قال رضي الله عنه: أنزلت في أربع آيات: فذكر قصة وفيها قال: قالت أم سعد وكانت كافرة: أليس قد أمر الله بالبر؟ قال: بلى. قالت: والله لا أطعم طعاماً ولا أشرب شراباً حتى أموت فتعير بي أو تكفر.

    وفي رواية قال سعد : وكنت باراً بأمي فأسلمت، يعني: أنه كان عظيم البر بأمه رضي الله تعالى عنه، قال: وبقيت أياماً على ذلك، وكانوا إذا أرادوا أن يطعموها يشجروا فاها بالخشب ويحطوا بداخله الطعام لكي لا تموت.

    فلما استمر الأمر على ذلك ذهب لأمه وقال رضي الله عنه: يا أماه! -يقول ذلك على وجه التعطف والتحنن عليها- لو كانت لك مائة نفس، فخرجت نفساً نفساً ما تركت ديني، فإن شئت فكلي، وإن شئت فلا تأكلي.

    فلما رأت الأمر على ذلك، وأنه متمسك بدينه أكلت.

    فهذه من الفتن التي قد يبتلى بها الإنسان المتمسك بدينه، وقد تجد من يصلي فيقول أبواه: لا تصل، ولا تذهب إلى المسجد، فإذا تنازل عن أمور دينه شيئاً فشيئاً ضيع كل شيء، وإذا تمسك بذلك لعل الله عز وجل يهدي هؤلاء فيتركانه على ما هو عليه من طاعة ربه سبحانه.

    فالإنسان عندما يبتلى بشيء من ذلك فليتذكر ما صنع سعد رضي الله تعالى عنه، وكيف أنه صبر لأمر الله سبحانه، وطاعة الله تبارك وتعالى فيها الخير والبركة.

    ويقول ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت هذه الآية في عياش بن أبي ربيعة أخي أبي جهل لأمه، أي: أنه فعلت أمه نفس هذا الشيء، وعيروه بذلك، فثبت فإذا بالله عز وجل يثبته في ذلك. وجاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت في جميع الأمة. وهذا معناه: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات ...)

    قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ [العنكبوت:9]، هذا جزاء الذل للمؤمنين، كما قال تعالى: لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ[العنكبوت:7].

    فالله عز وجل يجعل المؤمنين مع الصالحين، والصالحون هم من قاموا بأمر الله عز وجل على الصلاح؛ فأصلحوا أنفسهم، فأصلح الله عز وجل لهم سيرتهم، وأصلح حالهم وبالهم، وجعلهم في جنته سبحانه وتعالى.

    والمعنى: الذين هم في غاية الصلاح، وقد بلغوا أقصى درجات الصلاح في كل أمورهم، فسنجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات معهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( ومن الناس من يقول آمنا بالله ... )

    قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ [العنكبوت:10].

    هنا ذكر فريقاً آخر من الناس الذين في إيمانهم ذبذبة: إما أنهم المنافقون، أو أن إيمانهم ضعيف بأقل فتنة يرتد ويرجع على عقبيه.

    وقد كان من أهل مكة من آمن ودخل في دين الله تعالى: فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم مكثوا في مكة مستضعفين حتى كان عام الفتح.

    قال الله عز وجل: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ [العنكبوت:10]، فتنة الناس هنا عذاب الناس، فالمشركون كانوا يعذبون بعض المؤمنين، فإذا كان هذا المؤمن إيمانه ضعيف فيرى العذاب الذي ينزل به فيتزعزع إيمانه ويقول: ليس جهنم أكثر مما أنا فيه، فيرتد عن هذا الدين، وكأنه جعل عذاب الله عز وجل يماثل عذاب البشر.

    أو أنهم المنافقون الذين يظهرون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم.

    وقد ذكرنا أن هذه السورة منها ما نزل بمكة، ومنها ما نزل بالمدينة، فإن كانت هذه الآية نزلت بمكة فالمقصود المؤمنون إيماناً ضعيفاً، وإن كانت نزلت بالمدينة فالمقصود المنافقون.

    وقال مجاهد رحمه الله تعالى: نزلت هذه الآية في أناس كانوا يؤمنون بألسنتهم، فإذا أصابهم بلاء من الله أو مصيبة في أنفسهم افتتنوا.

    وهنا التذكير للمؤمن أن يثبت على دينه، وأن يلازم أمر الله سبحانه، فإذا نزل به البلاء انتظر الفرج من الله ولا يتذبذب ولا يرتد على عقبيه؛ فإن في ردته شماتة للكفار به، وضياعاً له في دنياه وأخراه.

    نسأل الله عز وجل أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.