إسلام ويب

تفسير سورة الدخان [30 - 37]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد امتن الله عز وجل في سورة الدخان على بني إسرائيل بأن أنجاهم من فرعون وقومه، وفضلهم على سائر أهل زمنهم، وأعطاهم من الحجج والبراهين والآيات الدالة على وحدانيته عز وجل، وأنه المستحق للعبادة، فكان ذلك امتحاناً واختباراً لهم، فآمن منهم من آمن، وكفر منهم من كفر، وقد ذكر الله تعالى زعم المشركين وإنكارهم للبعث، فرد الله عز وجل عليهم هذا الزعم الباطل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد نجينا بني إسرائيل... إنه كان عالياً من المسرفين)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    أما بعد:

    فقال الله عز وجل في سورة الدخان: وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ * مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ * وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ * إِنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ * فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ [الدخان:30-37].

    إنجاء الله لبني إسرائيل

    لما ذكر الله عز وجل قصة فرعون مع موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وكيف أنجى الله موسى ومن معه من المؤمنين، وأهلك فرعون وجنوده، وجعله عبرة وآية للخلق، مَنَّ على بني إسرائيل بأن نجاهم من العذاب المهين، فقد كانوا رجالهم خداماً وعمالاً مسخرين عند فرعون وجنوده وقومه، وكذلك النساء كن مسخرات في العمل، فكان الكل في مهانة وفي ذلة، فإذا بالله عز وجل منجيهم من ذلك.

    ففرعون زعم للناس أنه ربهم الأعلى، وهؤلاء كانوا يعبدون الله سبحانه وتعالى، فنجى الله عز وجل من عبدوه، وأهلك من كفروا به سبحانه وتعالى.

    قوله: وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ [الدخان:30] إسرائيل هو يعقوب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وهؤلاء بنو إسرائيل، أي: بنو يعقوب، ومعنى الآية: أن الله أنجى بني إسرائيل من العذاب الفظيع الذي أهانهم به فرعون، فقد سخرهم في الأعمال المهينة الشاقة، وكانوا لا يملكون لأنفسهم شيئاً.

    قوله: مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ [الدخان:31] أي: من فرعون الذي كان يعذبهم، إنه كان عالياً كافراً جباراً مسرفاً على نفسه، مفسداً في الأرض بغير الحق، فترفع أن يعبد الله سبحانه، وعلا على قومه، فقال: أنا إلهكم، بل قال: أنا ربكم الأعلى.

    تفسير قوله تعالى: (ولقد اخترناهم على علم على العالمين)

    قال سبحانه : وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [الدخان:32] أي: لقد فضلناهم على كل عالمَ زمانهم، فما كان أحد منهم يعبد الله سبحانه وتعالى إلا موسى عليه الصلاة والسلام ومن معه من بني إسرائيل، فقربهم الله عز وجل واختارهم في هذا الزمان، وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله اطلع على أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب)، فالله عز وجل يبغض المشرك الذي يكفر بالله سبحانه، بينما الذي يوحد الله سبحانه يحبه، فقبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن على التوحيد إلا القليل من بقايا أهل الكتاب؛ فقد كان أهل الكتاب منتشرين في كل مكان، فكان منهم من هو على دين موسى عيه الصلاة والسلام، ومنهم من هو على دين عيسى عليه الصلاة والسلام، فوحدوا الله عز وجل ولم يشركوا به شيئاً، فلم يقولوا: عزير ابن الله، ولم يقولوا: المسيح ابن الله، وإنما عبدوا الله سبحانه وتعالى.

    فهؤلاء هم الذين كان سلمان يدور بينهم رضي الله عنه، فقد كان أبوه صاحب بيت النيران لملوك الفرس، وكانوا يعبدون النار من دون الله عز وجل، فهرب سلمان من بيت أبيه واتبع أهل الكتاب، وأخذ يبحث عن الدين الحق، حتى أظله زمان النبي صلوات الله وسلامه عليه، فعبد الله سبحانه قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وبعد ما جاء النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    فهؤلاء كانوا بقايا من أهل الكتاب، فكان سلمان يذهب إلى واحد منهم فيقول له: علمني، فيعلمه ويقول له: كن معي، فيمكث معه سنين يعبد الله عز وجل على التوحيد الخالص، ثم إذا دنا الأجل من هذا الراهب يقول سلمان : بمن توصيني؟ أي: أن اذهب إليه فاعبد الله معه، والبلد كلها فيها نصارى، لكن الراهب يعلم أنهم على الباطل، ولذلك يقول له: اذهب إلى المكان الفلاني فإن فيه راهباً يعبد الله سبحانه، يعني: على التوحيد الذي أنا عليه، فيذهب للمكان الفلاني، والمكان مليء بالنصارى، ولكن هذا الراهب موحد لله عز وجل، فيذهب إليه سلمان الفارسي رضي الله عنه ويمكث معه فترة من الزمن، فهو رضي الله عنه قد مكث مع رهبان كانوا موحدين الله سبحانه، وبعضهم كان منافقاً مجرماً يأخذ أموال الناس بالباطل، فعندما يموت إذا بـسلمان يفضحه ويقول للناس: هذا كان يأخذ أموالكم، ويجعله في المكان الفلاني، فيذهبون إلى المكان فيجدون أموالهم، فهو لم يكن يعبد الله حق العبادة، فيأخذونه ويحرقونه بعد موته.

    وفي النهاية: مكث عند راهب من الرهبان، وعند دنو الأجل منه قال: لا أعلم أحداً على الأرض يعبد الله سبحانه وتعالى، ولكن قد أضلك زمان نبي يبعث في بلاد العرب.

    فإذا بـسلمان يسافر إلى بلاد العرب مع مجموعة من العرب في قصة طويلة، وفي النهاية يسترقّونه بعد ما كان له شأن رضي الله عنه، فصار عبداً رقيقاً، وباعوه من يهودي في المدينة، وصار عبداً عند يهودي في المدينة، حتى قدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وكان الرهبان قد أخبروا سلمان بصفات النبي صلوات الله وسلامه عليه، فمن صفاته أن بين كتفيه خاتم النبوة صلوات الله وسلامه عليه مثل بيضة الحمامة، ومن صفاته عليه السلام أنه يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، فإذا بـسلمان يختبر وينظر هل هذا رسول الله أم لا؟ فيذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويأخذ معه تمراً فيقول: هذه صدقة.

    فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يرفع يده ويعطيها لأصحابه يأكلون، وسلمان شاهد ينظر ذلك، ثم يأتي له مرة أخرى بطبق فيه تمر ويقول: هذه هدية، فيأكل منها النبي صلى الله عليه وسلم ويعطي من معه فيأكلون، ثم إذا بـسلمان يدور حول النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن ينظر إلى خاتم النبوة بين كتفيه، فانتبه النبي صلى الله عليه وسلم لذلك فأسقط ردائه صلى الله عليه وسلم، فنظر لخاتم النبوة بين كتفيه، فأسلم سلمان رضي الله عنه واتبع النبي صلى الله عليه وسلم، وأراد أن يخرج من الرق لكن لا يقدر أن يخرج من ذلك، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يكاتب صاحبه، فإذا باليهودي يتعنت ويقول: ازرع لي ثلاثمائة شجرة وأنا أتركك، فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يطلب من أصحابه أن يعينوه، فأعانه أهل المدينة بثلاثمائة فسيلة، فكان كل منهم يعطيه شيئاً، والعادة أننا عندما نغرس غرساً فليس كل غرس يخرج، فمنها ما يموت، ومنها ما يخرج، فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يدعوا بالبركة، ويذهب مع سلمان رضي الله عنه فتخرج جميعها وتنبت، وكلها كانت صالحة، فيعتق سلمان رضي الله عنه ليجاهد في سبيل الله سبحانه وتعالى.

    والغرض من ذلك كله: بيان أن أهل الكتاب كان القليل منهم قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم على الحق، فهؤلاء الذين يحبهم الله عز وجل، ففي عهد موسى عليه الصلاة والسلام كان أهل الأرض جميعهم منه من يعبد الأصنام، ومن يعبد الأحجار، ومن يعبد الخلق، ومن يعبد الجان، فكل منهم يعبد شيئاً، إلا من كان مع موسى فإنهم كانوا يعبدون الله عز وجل، فهؤلاء اصطفاهم واختارهم الله على علم منه بما في قلوبهم من توحيده سبحانه.

    فليس المعنى: أن بني إسرائيل جميعهم قد فضلوا على الخلق، لا، وإنما الموحدون منهم فضلهم الله عز وجل على كل من كان في زمانهم، ففضلهم الله عز وجل على العالَمين، وجعل فيهم أنبياء، وجعل رسولهم موسى عليه الصلاة والسلام، وفضّل هذا الرسول بأن كلمه الله سبحانه وتعالى، فهذا اصطفاء من الله عز وجل لمن يشاء من خلقه سبحانه.

    قوله تعالى: وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [الدخان:32] أي: اختيروا على أهل زمانهم، ولما جاء زماننا قال الله عز وجل للمؤمنين: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110] أي: كنتم أخير، وأخير هنا على وزن أفعل تفضيل، بمعنى: أخير الأمم، فإذا كان بنو إسرائيل اختارهم الله عز وجل على من كان في زمانهم، فقد انتهى هذا الأمر بمجيء النبي صلى الله عليه وسلم وإيمان المؤمنين به، فأنزل الله عز وجل كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ [آل عمران:110]، ولم يقل: أنتم خير أمة، ولكن كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ [آل عمران:110]، وكأن: (كان) تفيد الماضي، أي: جعلكم الله أنتم الخيار منذ الأزل، وإن جاء زمان بني إسرائيل فاختارهم ولكن كنتم أنتم الأخير، فكنتم خير أمة عند الله سبحانه وتعالى من قبل أن تخلقوا، ومن قبل أن تأتوا، كنتم أنتم الأخير من الجميع.

    كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110]؛ لكونكم تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ [آل عمران:110]، ولو آمن آهل الكتاب كما آمنتم أنتم وكما تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر لكان خيراً لهم.

    تفسير قوله تعالى: (وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين)

    قال سبحانه: وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ [الدخان:33] أي: آتينا بني إسرائيل من الآيات والحجج والبراهين الكثيرة، وذلك عندما أرسل الله عز وجل إليهم موسى فقال: أنا رسول من رب العالمين، فآتاه الله آيات كثيرة تدل على أنه رسول من عند الله عز وجل، آتاه آيات حسية؛ لأن بني إسرائيل لا يؤمنون إلا بما يرونه أمامهم، وأما الإيمان بالغيب فإنهم يؤمنون به تارة ويكفرون تارات كثيرة، ولذلك رأينا كيف أنهم لما أمروا أن يسجدوا لله سبحانه لم يسجدوا ولم يطيعوا، وإذا بالله عز وجل يرفع الجبل فوق رءوسهم كأنه ظلة، وظنوا أنه واقع بهم، وعند ذلك سجدوا لله عز وجل، ويقال لهم: ادخلوا الباب سجداً، فيدخلون وهم يستهزءون بما قيل لهم، وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ [البقرة:58]، فدخلوا وبدلاً من أن يسجدوا على رءوسهم أخذوا يزحفون على إستاتهم وعلى مقاعدهم استهزاء بما قاله الله عز وجل.

    ثم قال لهم: قولوا حطة، أي: يا رب! حط عنا خطايانا، فقالوا: حنطة، يحرفون ويستهزءون بكلام رب العالمين، فهؤلاء هم بنو إسرائيل لعنة الله عليهم وعلى أمثالهم فيما يصنعون، فليس هؤلاء الذين هم اختارهم الله عز وجل، وإنما اختار الموحدين المؤمنين الذين اتبعوا موسى النبي صلوات الله وسلامه عليه، فآمنوا به وكانوا معه، فاجتباه واصطفاهم الله واختارهم على العالمين. وآتينا الجميع من الآيات التي تدل على أن موسى رسول من رب العالمين، كاليد، والعصا، وما أرسله الله على فرعون وقومه: فأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ [الأعراف:133]، وقوله: وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ [الأعراف:130]، فهذه تسع آيات بينات ليعلموا وليوقنوا أن هذا رسول من رب العالمين، وأن الله ناصر عباده المستضعفين.

    قال تعالى: وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الآيَاتِ [الدخان:33]، كذلك آيات النعم على بني إسرائيل، فأنعم الله عز وجل عليهم بالآيات وأنزل المن والسلوى عليهم، وإن كانوا في التيه لكن الله عز وجل يمن وينزل ما يشاء سبحانه وتعالى، وقد أخبر الله عز وجل أنه ابتلاهم، والله عز وجل يبتلي عباده بالخير ويبتليهم بالشر، كما قال سبحانه: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء:35]، وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ [الأنبياء:35]، فالشر في نظركم وإلا فكل ما يأتي من عند الله عز وجل فهو خير، ولكن العبد حين يبتلى بالمصيبة يستشعر الشر من ورائها، وإن كان الله له حكمة عظيمة في كل ما يصنعه.

    وقال: هنا: وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاءٌ [الدخان:33] أي: امتحان واختبار، مُبِينٌ [الدخان:33]، أي: بيّن واضح، فامتحنهم الله عز وجل لينظر هل يثبتون على الإيمان أم يكفرون، فكانوا يتقلبون: فيؤمنون حيناً ويكفرون أحياناً. فنبلوهم بالخير ونبلوهم بالشر، نبلوهم بالخير فأنزلنا عليهم المن والسلوى، ونهاهم نبيهم أن يدخروا شيئاً، فكلوا من طائر السلوى ما شئتم، ولا تدخروا شيئاً، وكذلك المن الذي ينزل من الأشجار، فكلوا من العسل ولا تدخروا شيئاً، فابتلاهم الله بالخير، وأعطاهم من الخير الكثير، فإذا بهم يطلبون: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا [البقرة:61]، فيريدون فولاً وعدساً وثوماً، فقد ملوا اللحم والعسل، فابتلاهم الله بالخير فلم يصبروا، وقيل لهم: لا تدخروا، فادخروا اللحم، فخالفوا أمر الله عند ذلك، وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن بني إسرائيل ادخروا اللحم ففسد؛ لأنهم إنما أمروا أن يأكلوا ولا يدخروا شيئاً، فكان الله يبتليهم ويمتحنهم، فلم يثبت منهم على الحق إلا القليل.

    تفسير قوله تعالى: (إن هؤلاء ليقولون ... إن كنتم صادقين)

    قال تعالى: إِنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ [الدخان:34]، ذكرنا في أول السورة كيف أن قريشاً طغت على النبي صلى الله عليه وسلم، وأنهم أفسدوا في الأرض، وأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليهم ثم دعا لهم، فقال تعالى: إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ * يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى [الدخان:15-16].

    ثم ذكر لهم فرعون وهو أشد منهم قوة، وكيف أن الله أهلكه، وكيف أن الله أنجى بني إسرائيل من فرعون وجنوده، فالله ضرب لنا هذا المثال حتى نعرف قدرة الله العظيمة سبحانه وتعالى، ثم رجع يتكلم عن قريش فقال: إِنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ [الدخان:34-35]، فهؤلاء الكفار من أهل مكة يقولون للنبي صلوات الله وسلامه عليه: إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ [الدخان:35]، وهذه هي عادة الكفار، فهم يقولون: نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ [الجاثية:24] .. وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ [الأنعام:29] أي: لن نبعث مرة أخرى، ثم يجادلون النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ويقولون: لو بعثنا مرة أخرى فسيكون لنا أفضل مما في هذه الدنيا، فربنا قد أعطانا الكثير في الدنيا لفضلنا، ولأننا نستحق ذلك، فإذا بعثنا يوم القيامة سيؤتينا أيضاً، فهم لا يؤمنون بالبعث، ولكن كأنهم يتنزلون، أي: على فرض أن هناك بعثاً كما تقول: فسيؤتينا أكثر مما أعطانا في الدنيا؛ لأننا نستحق ذلك.

    إِنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ [الدخان:34] و(إن) هنا بمعنى: ما، و(إن) و(إلا) بمعنى: ما، من أسلوب القصر، أي: ما هو الأمر إلا موتة واحدة فقط، فسنموت وينتهي الأمر على ذلك، فهذه العقيدة التي كانت في قلوبهم وعقولهم هي التي كانت تدفعهم إلى الظلم، فيظلم الإنسان غيره ما استطاع؛ لأنه يعتقد ألا بعث بعد الموت.

    والإيمان بالبعث يهذب أخلاق الإنسان المؤمن، ويجعل المؤمن في خوف عظيم؛ لأنه يعلم أن هناك بعثاً، وأن الله عز وجل سيسأله في ذلك اليوم، فيندفع المؤمن إلى الخير، وأما الكافر فيندفع إلى عمل الشر؛ لأنه لا يتوقع بعثاً، فهو يريد كل شيء في الدنيا.

    قال الله سبحانه: إِنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ [الدخان:34] إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ [الدخان:35] أي: بمبعوثين، والإنسان إذا نام على الأرض فسينشر مرة أخرى، أي: يحيا مرة ثانية، وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ * فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [الدخان:35-36] أي: إذا كنت تزعم أننا سنرجع مرة أخرى فأدنا آبائنا الذين ماتوا من أجل أن نصدق ذلك، وكأن هؤلاء لا يريدون الإيمان بالغيب، وإنما يريدون المشاهدة، فيريدون أن يشاهدوا واحداً من الموتى يبعث أمامهم، وهذا كما قاله أبو جهل اللعين للنبي صلى الله عليه وسلم: (ابعث لنا قصي بن كلاب) أي: إذا كنت تريد ذلك فابعث لنا جدك قصياً ، وكان رجل صدق، فإذا قال هذا الشيء صدقناك، فيا ترى لو حدث ذلك هل كانوا سيؤمنون؟ لا، فالله سبحانه يعلم بأن هؤلاء لن يؤمنوا، ولذلك لما تعنتوا مع النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا [الإسراء:91-92].

    فكل هذه الأشياء ويقول له قائلهم: ولو فعلت ذلك فلن نؤمن بك، أي: حتى لو عملت لنا كل الذي طلبناه منك فلن نؤمن لك، فكان كفرهم عناداً واستكباراً وحسداً للنبي صلى الله عليه وسلم على ما آتاه الله سبحانه من البنيات والهدى، فقالوا: فأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [الدخان:36]، فهم يكذبون البعث ولكن يقولون ذلك على وجه التعنت.

    تفسير قوله تعالى: (أهم خير أم قوم تبع ...)

    قال الله عز وجل: أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ؟ [الدخان:37]، أي: أن هؤلاء المغرورين، وهؤلاء القلة الحقيرون، هؤلاء القرشيون الذين هم ذنب الدنيا كلها، فبجوارهم فارس والروم، فلا الفرس يحسبون لهم قيمة، ولا الروم كذلك يحسبون لهم قيمة، وإنما هم قاعدون في حماية هؤلاء وهؤلاء، ويتشدقون بأنهم الملوك، فيخرج منهم الوفد لزيارة الروم أو الفرس، فيفدون عليهم ضيوفاً ويتعززون بذلك، وأما هم فلا قيمة لهم مع وجود البيت الحرام في بلدهم، فهم قد أدخلوا الأصنام في بيت الله الحرام، وعبدوا غير الله وأشركوا معه غيره، فأبغضهم الله سبحانه وتعالى، فجعل في قلوبهم الحسد والغل والبغض لبعضهم البعض، فلا يكون أحدهم مع الآخر إلا لأهداف دنيوية، ويغير بعضهم على بعض، ويأخذ بعضهم مال بعض، ويسبي بعضهم نساء بعض، فهذه كانت عادة هؤلاء الناس، فالله عز وجل يقول لهؤلاء الجهلة الذين يجادلون النبي صلى الله عليه وسلم: أأنتم خير؟ أأنتم أقوى عدداً؟! أأنتم أكثر عدداً؟! أأنتم فيكم الخيرية أم قوم تبع الذين فتحوا الدنيا بأجمعها؟ و(تبع) لقب لمن يكون ملكاً على اليمن، وكذلك كل ملك يملك مصر يقال له: فرعون، وكل ملك يملك الحبشة يقال له: النجاشي، وكل ملك يملك الفرس يقال له: كسرى، ومن يملك الروم يقال له: قيصر، فـ(تبع) لقب لكل من ملك حمير، وسمو: (تبعاً)؛ لأنه يتبع بعضهم بعضاً، فهذا الملك ويتبعه غيره.

    وكان أشهرهم هو: أسعد الحميري أبو كريب ، فهذا كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم ألف سنة، وقد جاء في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما أدري أتبع لعين أم لا؟)، أي: أنا لا أعرف، أتبع ملعون كافر أم لا؟ (وما أدري أعزير نبي أم لا؟)، فكان عليه الصلاة والسلام لا يدري في وقت من الأوقات، ثم أخبره الله سبحانه وتعالى بإسلام هذا الرجل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا تبعاً فإنه كان قد أسلم)، فكان مسلماً رضي الله عنه، لكن ما الذي جعله يسلم مع أن قومه أهلكهم الله عز وجل؟

    فقول الله عز وجل: أهؤلاء المشركون خير أم قوم تبع، ليس المراد ذات تبع؛ لأنه كان قد أسلم، وإنما المراد قومه، فقال الله عز وجل: أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الدخان:37]، والذين من قبلهم من القرون، كقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، أهلكناهم جميعاً، وقد كانوا كثيرين جداً.

    وتبع هذا الذي فتح البلاد قالوا: إنه وصل إلى سمرقند فدمرها، ثم أعاد بناءها مرة أخرى، وكأن الله يقول لقريش: إن هذا الرجل من عندكم، وكان هو أول من كسا الكعبة، والكفار من قريش عندما أرادوا أن يبنوا الكعبة لم يجدوا أموالاً من الحلال، ولذلك لم تبن الكعبة على قواعد إبراهيم، فالجزء الذي من الحجر يكون ستة أذرع أو سبعة أذرع، فكان من المفروض أن يكون بداخل الكعبة، لكنهم أخرجوه، لقلة المال، فأين الخير في قريش؟! أأنتم أكثر مالاً وعدداً وقوة أم قوم تبع الذين فتح بهم تبع البلاد كلها؟! فدار بهم في الدنيا حتى وصل إلى المدينة، فقاتل أهلها، وقوم تبع كانوا أقوياء في العتاد والعدة، ولما كان هنالك أخبره بعض أهل الكتاب فقال له: إن هذه المدينة مهاجر نبي في يوم من الأيام، أي: النبي محمد صلوات الله وسلامه عليه فأسلم الرجل، وصدق بالنبي صلوات الله وسلامه عليه، وترك المدينة وذهب إلى الكعبة فكساها، وكان أول من كسا الكعبة هو تبع رحمه الله، وأما قومه فقد كانوا أشراراً.

    فالغرض: أن الله عز وجل أخبر عن قوم تبع، ولم يقل الله: تبع، كما ذكر فرعون، ولكن ذكر قومه، ولذلك أبي بن كعب يقول: إن الله عز وجل ذكر قوم تبع بأنهم كانوا أشراراً، وأما تبع فكان رجلاً مسلماً، أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ [الدخان:37]، أي: أجرموا في حق خالقهم سبحانه، وأجرموا في حق الخلق فاستحقوا العقوبة، فإذا كنا قد أهلكنا قوم نوح وعاد وثمود، وأهلكنا أصحاب الأيكة، وأهلكنا قوم تبع، فهل أنتم القلة القليلة لا نقدر عليكم؟ وأنتم الذين تعنتم وكأن لكم قدراً كبيراً، وكأن لكم قيمة، كلا لكم شيء، ولا تستحقون أن يرد عليكم، قال: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنتَظِرُونَ [السجدة:30]، حتى أهلك الله عز وجل من شاء منهم في يوم بدر، وآمن من شاء الله عز وجل منهم بعد ذلك واتبع النبي صلى الله عليه وسلم، وحسن إسلامه، وجاهد في سبيل الله عز وجل.

    نسأل الله عز وجل أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.