إسلام ويب

تفسير سورة الجاثية [14 - 17]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أمر الله تعالى المؤمنين بالعفو والإعراض عن الكافرين، وذلك في وقت استضعاف المؤمنين، فالله سيجازي الكافرين بما كانوا يكسبون، ومن أشد الناس كفراً اليهود الذين اختلفوا من بعد ما جاءهم العلم، وأعرضوا عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم المبشر به في التوراة، واتبعوا أهواءهم بغير هدى من الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجعون أيام الله... )

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الجاثية: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ * وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [الجاثية:14-17].

    في هذه الآيات يأمر الله عز وجل نبيه صلوات الله وسلامه عليه أن يقول للمؤمنين الذين يدعون إلى الله عز وجل: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ والمعنى: أن يتحملوا الأذى في سبيل الله عز وجل، فالداعي إلى الله لا بد أن يمتحن ويبتلى، فأمرهم الله أن يصبروا حين يبلغون دين الله عز وجل ورسالته، وأن يتحملوا الأذى في سبيل ذلك، وقد تحمل النبي صلى الله عليه وسلم في مكة الأذى الشديد، حتى أذن الله عز وجل له بأن يهاجر إلى المدينة.

    وفي المدينة كذلك تحمل أذىً شديداً من الكفار حتى أسلم الكثيرون منهم، وتحمل الأذى الشديد من المنافقين ومن أنصارهم من اليهود، فكان يصبر صلوات الله وسلامه عليه حتى أمره الله عز وجل بأن يجاهد في سبيله سبحانه، فجاهد صلوات الله وسلامه عليه، فنصر الله عز وجل دينه بجهاد نبيه وجهاد المؤمنين.

    فالداعي حين يدعو إلى الله عز وجل عليه أن يتسم بالحلم وبالصبر، يقول الله تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [النحل:125] فإذا استجاب المدعو فلله الحمد، وإذا لم يستجب فإما أن هذا المدعو يرجى من ورائه الخير، أو لا يرجى من ورائه الخير، بل يتسبب في أذى، فالأول يصبر عليه لعله يدخل في دين الله عز وجل، والثاني الذي يؤذي الإسلام والمسلمين، ويتعرض لدين الله عز وجل بالمنع والأذى؛ فهذا يجاهد بالسيف والسنان وبالقوة واللسان، بحسب ما يقدر عليه.

    فالمؤمن الذي يدعو إلى الله عز وجل ينبغي عليه ألا يؤاخذ الكافرين أو المدعوين على كل خطأ يصدر منهم، وإنما عليه أن يتغافل عنهم لعلهم يستجيبون إلى دين الله عز وجل، ويدخلون فيه.

    ولو أن كل إنسان حوسب على كل ما يقوله لأخذ الله عز وجل الناس جميعاً بذنوبهم، ولكن الله عز وجل يعفو عن كثير وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30].

    فهذه معاملة الله عز وجل للعباد، وكم من كفار كانوا يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم ويؤذون المسلمين سواء في مكة أو في المدينة، ثم من الله عز وجل عليهم بعد ذلك فأسلموا لله رب العالمين سبحانه وحسن إسلامهم.

    فالغرض: أن الذي يدعو إلى الله عليه أن يتحمل في سبيل الدعوة إلا أن تنتهك حرمات الله فلا صبر ولا حلم ولا انتظار، فالله قد شرع دفع المضرة من الكفار بالجهاد في سبيله سبحانه، فيكون الصبر على الشيء الذي مثله يصبر عليه، أما إذا كان شيئاً قد أوجب الدين الجهاد في سبيل الله بسببه، فإنه يجب على المسلمين أن يجاهدوا كما أمرهم الله سبحانه، وقد أمرهم أن يعدوا، فقال: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ [الأنفال:60].

    إن أعداء المسلمين كثيرون، وقد يكونون معروفين وقد لا يكونون كذلك، والمعروفون قد يكونون أصدقاءً للمسلمين، أو معهم في ديارهم، ويظهرون لهم المحبة، ولكن الله أعلم بما في قلوبهم، وأنها ليست مع المسلمين، وأنهم يتربصون بهم الدوائر، ولذلك حذر الله عز وجل نبيه وحذر المؤمنين من المنافقين، الذين يتربصون بالمؤمنين الدوائر، وذكر أوصافهم في سورة براءة، وفي سورة المنافقين، وفي سورة البقرة.

    وقول الله عز وجل: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ فيه أن هذا الكافر لا يرجو حساباً، ولا بعثاً، فإذا دعي أن يدخل في الدين يقول: لا، مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ [الجاثية:24] هي الدنيا ولا حياة أخرى، فيجادل بالباطل، فالله يدعو الدعاة إلى الصبر إزاء هؤلاء وإلى الجدال بالحكمة والموعظة الحسنة. وليس ذلك لمن ينكر أشياء من الدين، أو يتعرض لسب الدين، إنما الجدال للكفار الذي يقول مثلاً: إن الآلهة متعددة وليس هناك إله واحد، كقول الكفار من قبل: أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:5]. فيجادل بالتي هي أحسن كما جادل إبراهيم وموسى عليهما الصلاة والسلام، وكما جادل النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    وقوله: يَغْفِرُوا أي: يتجاوزوا عن هذا الذي يقوله الكفار، ويستمرون في دعوتهم، لعل هؤلاء يستجيبون إلى الله عز وجل.

    وقوله: لِيَجْزِيَ قَوْمًا كأن اللام للعاقبة والمعنى لأجل أن يجزي الله قوماً بما كانوا يكسبون.

    وقوله: لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ هذه قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو ويعقوب وعاصم ، وقرأ أبو جعفر : ( ليُجزَى قوماً بما كانوا يكسبون ) والتقدير: ليُجزَى الخير قوماً، أو ليجزي الله عز وجل بالخير قوماً وبالشر قوماً، وكأنها بمعنى يعطي على قراءة أبي جعفر ، فتنصب مفعولين والتقدير: ليجزي الله الخير قوماً، أو: ليجزي الله الشر قوماً.

    وباقي القراء منهم حمزة والكسائي وخلف وابن عامر يقرءونها: ( لنجزي قوماً بما كانوا يكسبون ) والنون نون العظمة فالله عز وجل يقول: نحن نجزي هؤلاء القوم بما اكتسبوا في الدنيا من حسنات ومن سيئات.

    وتنكير (قوماً) للتعظيم هذا إذا كان القوم من المؤمنين، أما إذا كانوا من الكافرين فيكون التنكير تحقيراً لهم، وهذا من أهداف التنكير فقد يكون للتعظيم، وقد يكون للتحقير، فهنا الله عز وجل يقول: ليجزي قوماً، فإذا كانوا مؤمنين فهم أعظم وأفضل الأقوام، فنكر قوماً لتعظيمهم، وإن كانوا من الكافرين فهم أحقر الأقوام، وأي قوم هم في البعد عن الله عز وجل فالله يجزيهم بما كانوا يكسبون من سيئات، فكأن قوماً هنا عائدة على المؤمنين وعلى الكافرين، كل بما كسب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها ...)

    يقول الله تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ [الجاثية:15] الله عز وجل خلق السماوات والأرض حقاً، خلقهن بالحق، خلقهن ليحق الحق، فهو الحق سبحانه، وقوله الحق، ووعده حق، ولقاؤه حق، والساعة حق، والجنة حق، والنار حق.

    فلم يخلق الله سبحانه وتعالى هذا كله عبثاً، وإنما خلقه ليحق الحق، فالسماوات قد أقامها الله عز وجل بميزان العدل وبميزان القسط، والأرض كذلك أقامها الله عز وجل بميزان الحق والقسط.

    فيخبرنا سبحانه أنه لا بد من الرجوع إلى الله عز وجل حتى يحق الحق، فكم من إنسان كان في الدنيا من أهل الباطل هل يعقل أن يعيش في الباطل ويموت على الباطل وينتهي الأمر على ذلك؟ فلماذا خلق هذا الإنسان إن الله عز وجل خلقه لحكمة وهي أن يعبد ربه سبحانه، فإن لم يعبده استحق الجزاء من الله سبحانه وتعالى.

    فمن عمل صالحاً فعمله لنفسه وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام:164]، فلا يعمل الإنسان عملاً صالحاً ويكون الثواب لغيره، بل هو الذي يؤجر عند الله.

    وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا إذا جر على نفسه الوبال بالإساءة، وجر على نفسه عذاب الله سبحانه وتعالى فسوف يجزى بإساءتهٍ، والمرجع إلى الله عز وجل ليجازي المحسن على إحسانه، والمسيء على إساءته.

    مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ أي: له ثواب عمله وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا أي: أن نقمة الله وعذابه وعقابه على هذا العبد بسبب سيئاته.

    ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ أي: أن المرجع إلى الله سبحانه تبارك وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ...)

    قال الله: وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [الجاثية:16] كثيراً ما يذكر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ببني إسرائيل، وهم القوم الذين أوتوا كتاب التوراة من قبلنا وهو كتاب شريعة كما أوتينا هذا القرآن العظيم.

    فالله عز وجل يذكر النبي صلى الله عليه وسلم هنا ببني إسرائيل، وإسرائيل لقب ليعقوب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، والمعنى واذكر أبناء يعقوب الذين آتيناهم الكتاب الحكم النبوة.

    قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [الجاثية:16] هذه نعم الله عز وجل على بني إسرائيل، فقد آتاهم الله كل هذه النعم، فاجتباهم وجعل منهم أنبياء وفضلهم على الخلق سبحانه، كما قال: وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ، ولكن مع ذلك استوجب أكثرهم نقمة الله وعذابه؛ لأن الإنسان الذي يسيء لا ينفعه أن الله قد أنعم عليه وأعطاه في الدنيا ما أعطاه، بل لا بد أن يجازيه على إساءته.

    ولذلك يخبر الله عز وجل عن النعم التي أنعم بها عليهم، وكأنه يقول: قيسوا أنفسكم عليهم فقد آتاكم الله عز وجل نعماً كثيرة، فإذا ظننتم أن هذه النعم لفضلكم، وأنكم أهل الخير الذين تستحقون الجنة ولو بغير عمل فهذا هو الغرور، الذي تستحقون به العقوبة كما استحقها بنو إسرائيل، وإذا أخذتم ما آتاكم الله عز وجل بقوة كما أخذ الصالحون من قبلكم فسوف تستحقون ثواب الله عز وجل وجنته.

    فالله عز وجل آتى بني إسرائيل الكتاب الذي هو التوراة، والحكم بها، وقد يكون الحكم بمعنى الفصل ومعرفة القضاء بين الخلق، وقد يكون بمعنى الفقه في الدين، وقد يكون بمعنى الحكمة، وهذه هبة من الله عز وجل، فأعطى من يشاء منهم ذلك.

    وقوله تعالى: وَالنُّبُوَّةَ أي: جعلنا فيهم أنبياء، وبهذه الصفة فضل الله عز جل بني إسرائيل على العالمين لا لكونهم أهلاً لذلك، بل إن تفضيلهم هو أنه جعل لهم أنبياء تسوسهم، وتدعوهم إلى الهداية، وفي الآية إشارة إلى خبثهم؛ لأنهم كذبوا الأنبياء فكان يرسل إليهم نبي بين الفينة والأخرى.

    فالله عز وجل من عليهم برئيس يحكمهم الحكم المدني، ونبي يحكمهم بشرع الله سبحانه وتعالى، فالرئيس تكون له الجيوش والحكم بين الناس، والنبي يقوم بالتوجيه والإرشاد، كان ذلك من الله عز وجل رعاية لهم؛ لأنه يعلم ما في نفوسهم من الخبث، والشر والارتداد عن الدين، فلم يعرفوا الله سبحانه، وقد دعاهم موسى إلى ربهم، وعرفهم به وبين لهم الطريق المستقيم، وبعد أن أنعم عليهم وأنجاهم من فرعون وخرجوا من البحر وجدوا قوماً يعبدون أصناماً فقالوا لموسى: اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف:138]، فقال لهم موسى عليه السلام: إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأعراف:138-139] فالله عز وجل أنجاهم من الإهلاك ومن فرعون وقومه، وهم يريدون أن يهلكوا كما أهلك الله عز وجل هؤلاء، فأبوا إلا أن يعبدوا العجل من دون الله، فإذا بالله ينتصر لنفسه وينتقم منهم، ويأمر موسى أن يأمرهم بأن يقوم بعضهم بقتل البعض الآخر بالسيوف، فقتل في غداة واحدة سبعون ألفاً من هؤلاء المجرمين الذين عبدوا غير الله سبحانه وتعالى.

    فكان الانتقام حالاً، وهؤلاء لا يصلح معهم إلا ذلك، ويوم القيامة سوف يحاسبهم الله على ما قدموا، وسوف ينظروا بأعينهم العذاب، وكأن الله عز وجل يشير للمؤمنين بأن هؤلاء اليهود لا يصلح معهم إلا السيف، فلا تنفع معهم المعاهدات حتى يسمعوا كلام الله ويطيعوه.

    فلما عبدوا العجل من دون الله أخبرهم الله سبحانه بأنهم إذا أرادوا أن يتوبوا فعليهم أن يقتل بعضهم بعضاً، فقال الله تعالى: فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ [البقرة:54] أي: هو هذا الأخير لكم والأفضل، فقام بعضهم إلى بعض، وألقى الله عليهم ظلمة، وكل منهم يضرب الآخر بالسيف ولا يدري من يضرب، حتى قتل منهم سبعون ألفاً، فجأر موسى إلى ربه: يا رب أهلكت عبادك، فإذا بالله يعفو عنهم بعد هذه المقتلة.

    فبنو إسرائيل لا يصلح معهم الكلام، وإلا لنفع كلام موسى معهم عليه الصلاة والسلام،

    ولما قال لهم: ادخلوا الباب سجداً امتنعوا عن ذلك، فقيل لهم: خذوا ما آتيناكم بقوة، فقالوا: لا نريد ذلك، ولما رفع فوقهم الجبل بادروا إلى التوبة، ثم لما كشفه عنهم عادوا إلى ظلمهم!

    فأخبر الله سبحانه أنه فضلهم على العالمين، وأرسل إليهم الأنبياء فكان جوابهم أن كفروا بالله سبحانه، وكذبوا أنبياءهم.

    وهذا تفضيل من الله عز وجل ورعاية لشأن هؤلاء لعلهم يتوبون، فلم يستجب منهم ويتبع الأنبياء إلا القليل.

    فذكر الله المؤمنين بحالهم وقال: وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ أي: جعلنا فيهم أنبياء، وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أي: أعطيناهم من كل الطيبات، وأنزلنا عليهم المن والسلوى، وفتحنا لهم من بركات من السماء، وجعلناهم يذهبون إلى ديار الشام أرض البركة، فجعلنا لهم فيها معايش، وجعلنا لهم فيها ملكاً وفضلاً عظيماً.

    قال تعالى: وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ إما على عالمي زمانهم، أو على العالمين بأن جعل فيهم أنبياء كثيرين، فالأمة الوحيدة التي فيها أنبياء كثيرون هم بنو إسرائيل، وهذا تفضيل من الله عز وجل حتى يظلوا على الطريق المستقيم وهو فضل يستحق بسببه أن يشكر سبحانه، كيف وباقي النعم منه سبحانه وتعالى عليهم، فما استوجبوا إلا مقت الله بسبب ارتدادهم وبعدهم عن الدين!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وآتيناهم بينات من الأمر..)

    قال الله تعالى: وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [الجاثية:17]، الإنسان كما قال الله عز وجل عنه: إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ [العاديات:6] فالإنسان جحود، يبتعد عن ربه سبحانه، والله يمن عليه بالنعم وهو يستجلب لنفسه النقم، فبنو إسرائيل آتاهم الله الكتاب حتى يهتدوا، ويعرفوا أحكام الله عز جل، وآتاهم الحكم، وجعل فيهم من يحكمهم بهذا الكتاب ويبين لهم الحق، وآتاهم النبوة، وجعل فيهم أنبياء، ورزقهم من فضله وفضلهم على العالمين، وآتاهم الحجج والمعجزات والآيات على يد موسى عليه الصلاة والسلام والأنبياء من بني إسرائيل.

    فآتاهم بينات من الأمر، لعلهم يتمسكون بالدين ويستجيبون للرسل، فلما أعطاهم كل ذلك قال الله تعالى: فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ أي: أن الله فضلهم مع أنهم لا يستحقون هذا التفضيل، ولذلك ليس كل من يؤتى نعمة من الله عز وجل يستحقها، فلا ينبغي أن تحسد أحداً على ما آتاه الله عز وجل من فضله، فقد يؤتي الله عز وجل الغنى أقواماً وهم لا يستحقون إلا النار، فليس كل من يؤتى نعمة من الله عز وجل يستحق جنة الله، فاليهود أعطاهم الله كل هذه النعم وكل هذا التفضيل وفي النهاية يستحقون نار جهنم.

    يقول الله تعالى: فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فجاءهم العلم وعرفوا الحق، ومع ذلك جحدوا، واختلفوا فيما جاءهم من العلم، وأنكروا ما هو معلوم من دين الله عز وجل، ففضلوا الطمع في الدنيا على الزهد فيها وطلب الآخرة، بعد أن عرفوا التوراة، وعرفوا نبيهم، وحسد بعضهم البعض الآخر على ما آتاهم الله مما في التوراة من العلم.

    وكان من أعظم الحاسدين فيهم قارون، قال الله تعالى: إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ [القصص:76] فكان ابن عم لموسى عليه الصلاة والسلام، فحسد موسى أن آتاه الله عز وجل التوراة، وقد آتاه الله مالاً ما إن مفاتيح خزائنه لتنوء بالعصبة أولي القوة، فـقارون كان من قوم موسى، ولم يكن من قوم فرعون، فتكبر على موسى وعلى قومه ومشى مع فرعون وجنوده، وترك قومه؛ تكبراً وحسداً أن آتاه الله المال ولم يعطه التوراة، فاستحق أن يخسف الله عز وجل به الأرض.

    فبنو إسرائيل لم يكفروا بالله إلا وهم يعرفون الله سبحانه وتعالى، ويعرفون نعم الله عز وجل، ويعرفون قدرة الله، ومع ذلك كفروا واختلفوا؛ بسبب حسد بعضهم بعضاً على الدنيا.

    قال سبحانه: إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [الجاثية:17]، فليس كل من أوتي علماً يكون قلبه تقياً، فالقلوب لا يعلم حقيقتها إلا الله سبحانه وتعالى، والعلم الذي يظهر من إنسان ليس دليلاً على ما في قلبه، فبنو إسرائيل آتاهم الله عز جل علماً وفضلهم على العالمين، فإذا بهذا العلم ينقلب في قلوبهم حسداً وبغضاً لبعضهم بعضاً حتى أهلكهم الله عز وجل ولعنهم، قال الله تعالى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المائدة:78-79].

    نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.