إسلام ويب

تفسير سورة الجاثية [1 - 6]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يرشد الله سبحانه وتعالى خلقه إلى التفكر في آلائه ونعمه وقدرته العظيمة التي خلق بها السماوات والأرض وما فيهما من المخلوقات المختلفة الأجناس والأنواع، من الملائكة والجن والإنس والدواب والطيور والوحوش والسباع والحشرات، وما في البحر من الأصناف المتنوعة، واختلاف الليل والنهار، وتصريف الرياح، والسحاب المسخر بين السماء والأرض، وكل هذه تدل على عظمة الخالق سبحانه، وأنه المستحق للعبودية وحده لا شريك له.

    1.   

    مقدمة بين يدي تفسير سورة الجاثية

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الجاثية: حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ * وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ * وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ [الجاثية:1-6].

    هذه السورة الخامسة والأربعون من كتاب الله عز وجل وهي سورة الجاثية، وهي السورة السادسة من آل حم، وأول سور الحواميم غافر، يليها فصلت، يليها الشورى، يليها الزخرف، يليها الدخان، يليها الجاثية، يليها الأحقاف، سبع سور بدأها الله عز وجل بـ(حم)، وترتيب نزولها على ترتيب ورودها في المصحف العظيم، فهذه السورة هي السادسة في نزولها من الحواميم.

    وتسمى بسورة الجاثية، لأن فيها ذكر يوم القيامة، قال الله عز وجل: وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً والجثو: هو النزول على الركب، يكون الإنسان قد نصب قدميه واتكأ على ركبتيه كهيئة الذي يكاد أن يقع ساجداً، هذا هو الجاثي، جثا على ركبتيه، يعني: جلس جلسة الخاشع الذليل، فكذلك الأمم يوم القيامة تجثو على الركب تنتظر ما الذي يصنع بها، وتسمى أيضاً بسورة الشريعة؛ لأن الله عز وجل ذكر فيها: ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الجاثية:18].

    سورة الجاثية هي سورة مكية، وفيها خصائص السور المكية من ذكر آيات الله سبحانه وتعالى، من خلق السماوات والأرض، واختلاف الليل والنهار، وتصريف الرياح، وما أنزل الله عز وجل من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها، وبث فيها من كل دابة، وكل هذا يدعو الخلق إلى أن يتفكروا في آيات الله سبحانه وتعالى؛ ليؤمنوا وليوقنوا وليعقلوا بما ذكر الله سبحانه وتعالى، وهذه السورة فيها ذكر ما كان من تكذيب السابقين، ومن تكذيب القرشيين وأهل مكة للنبي صلوات الله وسلامه عليه، وأيضاً فيها ذكر شيء من اعتقاد هؤلاء الجهلاء من الكفار من أنهم في هذه الحياة الدنيا يموتون ويحيون وما يهلكهم إلا الدهر، ولا بعث في ظنهم، فيخبر تعالى أن هذا كذب وسترون يوم القيامة: وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية:28].

    ثم يذكر الله سبحانه وتعالى الجنة وأهل الجنة وما يصيرون إليه من نعيم مقيم، ويذكر النار وأهل النار وما يصيرون إليه من عذاب أليم.

    آيات هذه السورة سبعة وثلاثون في العدد الكوفي، وستة وثلاثون آية عند باقي القراء، وسبب الخلاف (حم)، فعدها الكوفيون آية مستقلة، وعند غيرهم (حم) وما بعدها آية واحدة: (حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم) هذه الآية الأولى في غير المصحف الكوفي.

    وكلمة (حم) الحاء تمد حركتين مداً طبيعياً، والميم تمد مداً طويلاً.

    والحاء فيها الفتح وفيها الإمالة وفيها التقليل، الفتح قراءة الجمهور، والإمالة قراءة ابن ذكوان وشعبة عن عاصم وحمزة والكسائي وابن خلف ، والتقليل قراءة الأزرق عن ورش وأيضاً هي قراءة أبي عمرو بخلفه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى:(حم، تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم)

    قال الله تعالى: حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [الجاثية:1-2] دائماً تجد بعد ذكر فواتح السور الإشارة إلى القرآن، وفواتح السور فيها التحدي بأن هذا القرآن العظيم مكون من حروف أنتم تنطقون بها وأنتم تحفظونها، فائتوا بمثل هذا القرآن، إن كنتم تقدرون فافعلوا، ثم قال: هاتوا عشر سور مثله مفتريات، ثم قال لهم: هاتوا سورة واحدة إن كنتم تقدرون على ذلك.

    وهنا قال تعالى: تَنزِيلُ الْكِتَابِ أي: هذا تنزيل الكتاب، على أن قوله: تنزيل خبر، أو أن قوله: تَنزِيلُ مبتدأ، وجملة: مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ الخبر.

    فقوله: تَنزِيلُ الْكِتَابِ فيه إشارة إلى صفة من صفات الله عز وجل وهي صفة العلو؛ لأن الكتاب نزل من عنده سبحانه وتعالى، جاء من عند الله العزيز الحكيم الذي هو في السماء سبحانه وتعالى، كما قال تعالى: أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ [الملك:16-17] فله العلو سبحانه وتعالى، علو الشأن وعلو القهر وعلو الذات، فهو فوق سماواته مستو على عرشه، بائن من خلقه سبحانه وتعالى.

    فالكتاب نزل من عند رب العالمين، نزل بواسطة روح القدس جبريل الأمين عليه السلام على النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    قال تعالى: تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ذكر هنا ثلاثة من أسمائه سبحانه: (الله) وهو اسمه الأعظم سبحانه وتعالى، لفظ الجلالة (الله) المعبود سبحانه وتعالى.

    ثم (العزيز) أي: الذي له العزة وله الكمال سبحانه وتعالى، وهو العزيز الغالب الذي لا يغالب، الذي إذا أمر بشيء لابد وأن يكون على ما أمر به سبحانه، الذي لا يمانع، وإذا نهى عن شيء سبحانه وتعالى وأراد شيئاً لابد وأن يكون كما يريد سبحانه وتعالى.

    (الحكيم) أي: أنزل الكتاب بحكمته سبحانه وتعالى، وجعله منجماً، وكانت الكتب قبل ذلك تنزل على الرسل مرة واحدة، والقرآن نزل إلى بيت العزة في السماء الدنيا في ليلة القدر، ونزل بعد ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاث وعشرين سنة، من الله الحكيم سبحانه الذي له الحكمة البالغة، بأن جعل هذا القرآن العظيم على هذا النحو الذي نقرؤه ونحفظه ونتلوه، وجعل فيه هذه الأحكام العظيمة، وأنزله على النبي الكريم، واختاره من بين الخلق أجمعين عليه الصلاة والسلام، وجعل هذه الأحكام التي في القرآن أحكاماً في العهد المكي وأحكاماً في العهد المدني، ونسخ ما شاء من الأحكام بحكمته سبحانه، فهو الذي يحكم كل شيء سبحانه وتعالى، ويحكم في كل شيء سبحانه، فهو الحكيم الذي له الحكمة، والحكيم الذي له الحكم، والحكيم الذي يخلق سبحانه وتعالى ويقضي، ألا له الخلق وله الأمر سبحانه وتعالى، فهو الحكيم الذي لا تجد في صنعته خللاً ولا تقصيراً سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين)

    قال الله تعالى: إِنَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ [الجاثية:3] كأنه يقول لخلقه: انظروا إلى السماوات والأرض، وهذه الدعوة تكررت في كتاب الله عز وجل، أي: الدعوة إلى النظر في ملكوت السماوات والأرض، قال تعالى: قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [الأنعام:11] أي: سيروا في الأرض وانظروا عاقبة الأمم السابقة، كيف صنع الله عز وجل بهم، وقال سبحانه: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [البقرة:164] ذكرها في سورة البقرة، وكرر مثل ذلك في سورة آل عمران: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ [آل عمران:190].

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم حين نزلت عليه هذه الآية مع عشر آيات من آخر سورة آل عمران: (لقد أنزل علي الليلة آيات ويل لمن قرأها ثم لم يتفكر فيها) فالمؤمن حين يقول له ربه: انظر، فلينظر إلى ما أمر الله عز وجل أن ينظر فيه، وإذا أمره أن يتفكر وأن يتذكر فليتعظ وليعتبر وليتفكر كما أمره الله سبحانه وتعالى.

    وهنا يكرر هذا الشيء وهذا المعنى: إِنَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ أي: الكل ينظر إلى السموات وإلى الأرض، والكل يعرف بديع هذا الخلق العظيم الذي حارت العقول في ذلك، ولكن المؤمن هو الذي يستدل أن هذا ما خلق عبثاً ولا سدى، وإنما له خالق أوجده وخلقه وأحسنه وأتقنه وأبدعه، ألا وهو الله سبحانه، وهو يصدق بما جاء من عند رب العالمين، ويصدق رسل الله عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين، فالمؤمن هو الذي ينتفع بهذه الآيات.

    فأنت عندما تنظر إلى السماء لن تخترق السماء الدنيا بنظرك، وإنما ترى ما تحت هذه السماء الدنيا، ومع ذلك لا تدرك جميع ما تحت هذه السماء من مليارات النجوم والمجرات، وغيرها من آيات الله عز وجل، وكلما نظر الإنسان تحير وتعجب من قدرة الخالق العظيم سبحانه وتعالى، فازداد إيماناً فوق إيمانه.

    إذاً: هذه الآيات ينتفع بها من صدق الرسل عليهم الصلاة والسلام ومن تابعهم ومن آمن بكتب الله سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وفي خلقكم وما يبث من دابة...)

    قال الله تعالى: وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [الجاثية:4].

    قوله: وَفِي خَلْقِكُمْ أي: على الإنسان أن ينظر إلى نفسه، كيف خلقه الله سبحانه وتعالى، كيف كان شيئاً صغيراً جنيناً في بطن أمه، وكان قبل ذلك نطفة وعلقة وصار هذا الإنسان هذا الخلق العظيم البديع الذي خلقه الله سبحانه وتعالى.

    كلما نظر الإنسان تعجب في خلقه، خلقة الإنسان وهو في بطن أمه كيف تكونت هذه النطفة فصارت هذا الإنسان؟! كيف تجمعت العروق في الإنسان وعملت شبكة الأوعية الدموية؟! كيف تجمعت خلايا الإنسان وتكون منها مخ هذا الإنسان؟ فأنت حين ترى الصور للجنين وهو في بطن أمه، وهو يتكون خلقاً من بعد خلق تتعجب من هذا المنظر، ثم بعد ذلك يصير هذا الإنسان الجميل على هذه الخلقة العظيمة، كل هذا يتم عن طريق التصوير للجنين في بطن أمه (بالميكروسكوبات الإلكترونية)، فتنظر إلى صورة هذا الإنسان وهو يتخلق شيئاً فشيئاً في بطن أمه، عروقه تكون عبارة عن ذرات وخلايا متناثرة تتجمع وتتجمع إلى أن تكون شبكة عجيبة جداً في جسم هذا الإنسان، وطول هذه الشبكة تزيد على أربعين كيلو، والكيلو الواحد يعتبر كثيراً جداً، كيف تجمعت هذه الخلايا داخل هذا الإنسان حتى صارت على هذا الطول؟! والإنسان عندما ينظر إلى طول جسمه كيف يكون بداخله هذه المئات والألوف من الكيلومترات من الخلايا التي لو رصت بعضها بجوار بعض رصاً لبلغت هذا الطول العظيم! كل هذه خلقها الله سبحانه وتعالى.

    خلايا كلها متشابهة كلها صورة واحدة، وتنقسم هذه الخلايا إلى أقسام، فمنها: ما يتكون منها العروق، ومنها: ما يتكون منها المخ، ومنها: ما يتكون منها القلب، ومنها: ما يتكون منها الجلد.

    فالمؤمن هو الذي يصدق ويؤمن ويعلم أن الذي كونه وقال له: كن فكان على هذا النسق وهذا النظام البديع الذي خلقه هو الله سبحانه وتعالى.

    قوله: وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثّ أي: أنت في خلقك نشرت فيك هذه الخلايا فصرت هذا الإنسان، وجعل هذا أبيض وهذا أحمر وهذا أسود وهذا كذا وهذا كذا، لكن هذا الإنسان الذي في أقصى الشمال مثل ذلك الإنسان الذي في أقصى الجنوب، والإنسان الذي في المكان الحار جداً، هو نفس الإنسان الذي في المكان البارد جداً، فهو سبحانه الذي خلق هؤلاء جميعهم.

    كذلك تعددت الألسن وتعددت اللغات وتعددت الألوان ولكن الخلقة واحدة فلا تتعجب فإنه خلق الله سبحانه وتعالى.

    قال: وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ بث بمعنى نشر ونثر وأذاع، فهو سبحانه بث في كل مكان وأوجد خلقاً من الخلق منها ما نعرفه ومنها ما لا نعرفه.

    قال: آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ أي: آيات للذي عنده يقين وعنده إيمان واعتقاد ثابت بالله سبحانه وتعالى.

    فالإيمان هو التصديق، واليقين أشد هذا التصديق، كأنه يرى هذا الغيب ماثلاً أمامه.

    فقوله: آيات قراءة الجمهور بالضم فيها، وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب : آياتٍ بالكسر، كأنها على العطف على ما قبلها. إِنَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ [الجاثية:3] كذلك هنا: وما يبث من دابة آياتٍ لقوم يوقنون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق...)

    قال الله تعالى: وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الجاثية:5] كذلك قوله: آيات قراءة الجمهور بالضم، وقرأها حمزة والكسائي ويعقوب : آياتٍ بالكسر.

    أي: اختلاف الليل والنهار من آيات الله، فالليل يأتي في وقته والنهار يأتي في وقته، يزيد هذا وينقص هذا، واليوم أربعة وعشرون ساعة، يزيد الله عز وجل في الليل ما يشاء وينقص من النهار بقدره، ويزيد في النهار ما يشاء، وينقص من الليل بقدره، تتعاقب عليكم فصول العام هذا شتاء وهذا صيف وهذا خريف وهذا ربيع، في كل سنة أربعة فصول تتكرر على العباد، الليل هو الليل والنهار هو النهار يزيد الله ما يشاء ويقلل وينقص فيما يشاء، ويجعل لنا ذلك آية من الآيات.

    إذاً: الإنسان يتفكر كيف أن هذا الليل يطول ويقصر وهذا النهار كذلك، وهذا الليل أسود بهيم وهذا النهار مشرق مضيء، وهذا الليل يكون بارداً وهذا النهار يكون حاراً، وهذا فيه كذا وهذا فيه كذا، آيات من آيات الله عز وجل، فمن آياته أن جعل لكم الليل نوماً وسباتاً وسكناً، وجعل النهار لكم معاشاً وحياة ورحمة ورزقاً، كل هذا من آيات الله سبحانه وتعالى.

    قوله: وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ أي: ما أنزله لكم من المطر من السماء فيكون سبباً لأرزاقكم، يحيي به الأرض بعد موتها، ويغيثكم الله عز وجل ويحييكم به سبحانه وتعالى.

    وخلق كل دابة من ماء، فأنزل الماء من السماء ليحيي به العباد.

    قوله: فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا أي: كانت يابسة جامدة فنزل عليها الماء واهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [الحج:5]

    ثم قال: وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ أي: أن الله تعالى صرف الرياح وأرسل هذه شمالاً وهذه جنوباً وهذه شرقاً وهذه غرباً، ويسوق بها السحاب، ويحمل بها ما يشاء ويلقح بها الأشجار، ويخرج لكم ما يشاء سبحانه من خلقه، وهذه الرياح يجعلها عقيماً على قوم ويجعلها مرسلة بالرحمة على قوم آخرين، ويجعلها عذاباً على قوم ويجعلها رحمة لآخرين.

    قوله: الرِّيَاحِ قرأها الجمهور بالجمع، وقرأ حمزة والكسائي وخلف بالإفراد: الريح.

    إذاً: الله سبحانه وتعالى يصرف الرياح ويرسلها بما يشاء، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا هاجت الريح ورأى في السماء سحابات سوداء فزع صلى الله عليه وسلم، تقول السيدة عائشة : (كان يدخل ويخرج ويتغير وجهه صلى الله عليه وسلم فإذا أمطرت السماء سري عنه صلوات الله وسلامه عليه، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك: أنه إذا رأى الرياح هاجت وإذا رأى سحابات السماء سوداء يتغير صلوات الله وسلامه عليه، فقال: وما يؤمنني يا عائشة؟ قد رأى قوم الريح فقالوا: هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا [الأحقاف:24] فكانت عذاباً من الله عز وجل عليهم)، وهم قوم عاد.

    فلذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أمطرت السماء سري عنه عليه الصلاة والسلام.

    وكان صلى الله عليه وسلم إذا هاجت الريح يسأل الله من خيرها ويتعوذ بالله من شرها.

    قال سبحانه في هذه الآيات: آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ أي: يفهمون ويتدبرون ويعقلون عن الله عز وجل ما يقوله لهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق...)

    قال الله تعالى: تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [البقرة:252] أي: هذا القرآن العظيم يشتمل على آيات.

    قوله: نَتْلُوهَا عَلَيْكَ أي: نقصها عليك ويقرؤها عليك جبريل تلاوة ليعلمك، بالحق أي: هذه الآيات متلبسة بالحق.

    إذاً: نزل هذا الكتاب من السماء متلبساً بالحق، ويتلوه عليك جبريل بالحق، ويشتمل هذا القرآن على الحق.

    قوله: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ أي: إذا لم يصدقوا كلام رب العالمين فماذا سيصدقون

    قوله: فبأي حديث وهذه قراءة الجمهور بالهمزة.

    وقرأ الأصبهاني عن ورش وقرأ حمزة وقفاً: فبيي.

    وقوله: يؤمنون قراءة الجمهور بالياء، وقرأها ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف ورويس عن يعقوب: (تؤمنون) بالتاء على الخطاب.

    فالله عز وجل يقول لهؤلاء الكفار: إذا لم تؤمنوا ولم تتفكروا ولم تعقلوا ولم تستيقنوا بهذه الآيات التي جاءت من عند الله بالحق، فبأي شيء ستؤمنون؟!

    فهذا خطاب لهؤلاء الذين يعقلون والذين يتفكرون: انظروا هل هذه الآيات التي جاءت من عند الله عز وجل تدلكم على الله سبحانه أو هذه الأصنام التي تعبدونها؟! وأنتم تعرفون أن هذه الأصنام التي تدعونها من دون الله، لا تنفع ولا تضر، فكيف تعبدونها من دون الله؟!

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.