إسلام ويب

تفسير سورة الأحقاف [1 - 5]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يخبر الله تعالى أنه أنزل الكتاب على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ووصف نفسه بالعزة التي لا ترام، والحكمة في الأقوال والأفعال، فهو سبحانه لم يخلق السماوات والأرض على وجه العبث والباطل وإنما خلقهما لحكمة بالغة، فإذا كان كذلك فهو المستحق لأن يعبد وحده لا شريك له، وأن من يعبد غيره ممن لا يملك لهم نفعاً ولا ضراً فذلك دليل على الغباء الذي استولى على أفكارهم وعقولهم.

    1.   

    مقدمة بين يدي تفسير سورة الأحقاف

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الأحقاف: حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنْ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ [الأحقاف:1-5].

    سورة الأحقاف هي السورة السادسة والأربعون من كتاب الله عز وجل، وهي السورة السابعة في عداد الحواميم بحسب ترتيب نزلوهن، وهن سبع سور من آل حاميم، أولهن غافر، ثم فصلت، ثم الشورى، ثم الزخرف، فالدخان فالجاثية، وهذه السورة سورة الأحقاف.

    فهذه سبع سور كلهن بدأهن الله عز وجل بالحرفين: حم ، وهذه السورة في ترتيب نزولها في القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم السورة الخامسة والستون، وقد نزلت بعد الجاثية، ونزل بعدها الذاريات، هذا في ترتيب النزول، وأما في ترتيب المصحف فهي السادسة والأربعون.

    وهي سورة مكية إلا آيتين منها، والآيتان هما قول الله عز وجل: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ [الأحقاف:10]، هذا الشاهد هو عبد الله بن سلام ، وقد كان في المدينة، وكذلك قول الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ [الأحقاف:35]، قالوا: أيضاً نزلت في المدينة.

    وبما أن هذه السورة كما ذكرنا سورة مكية، ففيها إذاً خصائص السور المكية، ففيها التحدي للكفار بهذا القرآن العظيم، حيث بدأها عز وجل بقوله: حم[الأحقاف: 1]، ولذلك عقب بعدها: تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [الأحقاف:2]، وهذه السورة في ترتيبها بعد السورة التي سبقتها -وهي سورة الجاثية- مناسبة، فهناك مناسبة بين ختم سورة الجاثية وبداية هذه السورة، فختمت الجاثية بقول الله عز وجل: فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَرَبِّ الأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الجاثية:36-37]، وبدأ هذه السورة بقوله: حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [الأحقاف:1-2]، فهو رب السماوات ورب الأرض، وهو الذي أنزل الكتاب من السماء إلى الأرض رحمة بعباده سبحانه وتعالى، وإقامة للحجة عليهم، فناسب آخر هذه السورة بدء هذه السورة.

    إن الحروف المقطعة في أوائل السور هي من جنس الحروف العربية التي يتكلم بها العرب، والله عز وجل يتحداهم، ولذلك دائماً ما تجد في السورة التي يبدؤها بذكر الحروف المقطعة، مثل: الم [البقرة:1]، الر [يونس:1]، كهيعص [مريم:1]، وغير ذلك من السور تجد فيها إشارة بعد ذلك إلى هذا القرآن، سواء إشارة مباشرة بعدها، أو بعدها بآيات، فيذكر الإشارة إلى هذا القرآن، ففي سورة البقرة قال تعالى: الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ [البقرة:1-2]، وقال في آل عمران: الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ [آل عمران:1-3]، وهنا يقول: حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [الأحقاف:1-2]، وقبلها في الحواميم كذلك: حم * تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا [فصلت:1-3]، إلى غير ذلك مما يذكره الله عز وجل.

    فالله عز وجل كأنه يقول: هذا القرآن من جنس الحروف التي تتكلمون بها فائتوا بمثله، فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ [هود:13]، فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة:23]، فما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.

    1.   

    بعض خصائص سورة الأحقاف

    من خصائص هذه السورة أنه سبحانه يشير فيها إلى إعجاز هذا القرآن العظيم، وأنه منزل على النبي صلى الله عليه وسلم من عند الله وليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك فيها الاستدلال بخلق السماوات والأرض على قدرة الله سبحانه، وأنه وحده هو الذي يستحق أن يعبد، فالذين يدعون من دون الله يعرفون أنهم جماد، وأنهم لا ينفعون ولا يضرون، وأنهم لا يملكون لأنفسهم شيئاً، فمن الذي يستحق أن يعبد؟! هل يعبدون هذه الآلهة الباطلة وهي لا تملك لنفسها شيئاً، أم يعبدون الله الذي خلق السماوات والأرض، وأنزل على عبده الكتاب بالحق؟!

    إذاً: فهنا استدل بإتقان خلق السماوات والأرض على التفرد بالألوهية، وأنه الخالق الرب الذي يخلق ويفعل ويصنع ويقدر سبحانه، فهو وحده الذي يستحق أن يعبد.

    وكذلك فيها إثبات جزاء الأعمال، فالله عز وجل خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق وأجل مسمى، وبعد هذا الأجل يحاسب الناس على ما صنعوا وعلى ما قدموا في هذه الدنيا.

    وكذلك فيها الإشارة إلى البعث بعد الموت.

    إن هذه السورة سورة مكية نزلت على قوم كلهم مشركون يعبدون غير الله سبحانه وتعالى، فنزل القرآن يدعوهم إلى عبادة الله، وإلى أن يتفكروا ويعقلوا، وكأنه يقول لهم: انظروا ماذا في السماوات والأرض، وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ [يونس:101].

    وفيها إثبات رسالة النبي صلوات الله وسلامه عليه، قال تعالى: وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ [الأحقاف:10] أي: فشهد عبد الله بن سلام للنبي صلى الله عليه وسلم بأنه نبي، وأن هؤلاء اليهود يكذبونه مع معرفتهم له عليه الصلاة والسلام.

    وفيها أيضاً الثناء على المؤمنين الذين آمنوا بالله سبحانه، وذكر خصالهم الحميدة، وكيف أن الإنسان المؤمن يدعو ربه، فيعلمه الله عز وجل أن يقول: حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الأحقاف:15].

    وفيها أيضاً بيان الأخلاق الحميدة وخاصة في رعاية جانب الوالدين، ووصية الله عز وجل بالوالدين والإحسان إليهما قال: وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتَّى [الأحقاف:15]، فذكر الله عز وجل ما يرقق به قلب الإنسان على والديه.

    وكذلك في هذه السورة العظيمة يذكر بما حدث من الأمم السابقة من كفر بالله سبحانه وتعالى، وخاصة قوم عاد، وهم أصحاب الأحقاف، وكيف أهلكهم الله عز وجل بالريح العقيم التي أرسلها عليهم.

    وكذلك هذا القرآن إن لم تؤمنوا به فغيركم يؤمن به، وقد استمع الجن إلى النبي صلى الله عليه وسلم وجاءوا إليه مسرعين، فاستمعوا إلى هذا القرآن وولوا إلى قومهم منذرين، قال تعالى حاكياً عنهم: قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الأحقاف:30-31]، فالجن بلغت وعملت ما عليها.

    فالجن حين سمعوا القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم من سورة الرحمن مدحهم صلى الله عليه وسلم، فقال للصحابة وقد تلاها عليهم فسكتوا: (مالي أراكم سكوتاً! للجن كانوا أحسن منكم رداً، ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن:16]، إلا قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد)، فحمدوا ربهم، وأثبتوا أن الله عز وجل وحده الذي يفعل كل شيء وخير، وفضل، فهو الفعال لما يريد، ولا يكذبون بشيء من نعم الله سبحانه وتعالى.

    وقد بدأ ربنا هذه السورة بقوله سبحانه: حم ، وكما ذكرنا قبل ذلك في الست السورة السابقة أن (الحاء) حرف، و(الميم) حرف، وكذلك كل ما كان في فواتح السور، ولذلك كان أبو جعفر إذا قرأها يقرأ (ح) ويسكت، (م) ويسكت، لبيان أن هذه ليست كلمة، وإنما ذا حرف وذا حرف، وكذلك إذا قرأ: الم [آل عمران:1]، كهيعص [مريم:1]، حم [الأحقاف:1]، عسق [الشورى:2]، طه [طه:1]، يس [يس:1]، لبيان أن هذه ليست أسماء وإنما هي حروف مقطعة، وذكرنا قبل ذلك أن الحاء تمد مداً طبيعياً حركتين، وأن الميم تمد مداً طويلاً ست حركات، والحاء أيضاً فيها قراءات كما ذكرنا قبل ذلك: فيها الإمالة، يقرؤها ابن ذكوان ويقرؤها شعبة عن عاصم ، وحمزة والكسائي وخلف فيقرءون (حِ) بالإمالة ويقرؤها ورش وأبو عمرو بخلفه بالتقليل، يعني: بين الفتح وبين الإمالة، ويقرؤها باقي القراء (ح) بالفتح، ففيها ثلاث قراءات.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (حم، تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم)

    قال الله تعالى: حم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [الأحقاف:1-2]، التنزيل كما بدأ في السورة السابقة في الجاثية: تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [الجاثية:2]، فيه بيان أن هذا القرآن نزل من السماء من عند رب العالمين، قال سبحانه: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ [الدخان:3]، وقال: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر:1]، وقال هنا: تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [الأحقاف:2].

    وقد تكررت كلمة التنزيل مع هذا القرآن، فقال سبحانه: تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:42]، وقال: تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الواقعة:80]، وقال: تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ [السجدة:2]، وكونه نزل من السماء فيه إثبات العلو لله سبحانه وتعالى.

    قوله: تَنْزِيلُ الْكِتَابِ أي: الكتاب المعهود وهو هذا القرآن العظيم، مِنَ اللَّهِ يعني: ابتداء التنزيل من عنده سبحانه من فوق سماواته، فهو الله المألوه المعبود سبحانه وتعالى، وهو المستحق للعبادة وحده لا شريك له والله لفظ الجلالة.

    قوله: (العزيز)، وهو من أسمائه الحسنى وصفاته العلى، فهو الغالب القوي القادر الذي لا يمانع، فنقول هنا: إن العزيز هو القادر، ولكن نقول: هناك فرق بين الاسمين، فإن عزة الله عز وجل تمنع أن يمانعه أحد وأن يتحداه أحد، فإذا رفع إنسان رأسه بالتحدي أسقطه الله وأذله سبحانه وتعالى بقوله: كُنْ فَيَكُونُ [البقرة:117]، فالله عز وجل هو العزيز الغالب، فإذا قضى أمراً فلا بد وأن يكون ما قضاه وقدره سبحانه وتعالى.

    قوله: (الحكيم) أي: الذي له الحكمة العظيمة، فقد يفعل الإنسان من الشر ما يفعل، ويحلم عليه لحكمة؛ لأنه يعلم أنه يتوب في يوم من الأيام ويرجع إلى الله، أو يعلم سيزيد فيمهله ليأخذه وينتقم منه ويجعله عبرة للخلق، فله سبحانه الحكمة العظيمة البالغة، فهو الحكيم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق)

    قال الله تعالى: مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ [الأحقاف:3] أي: أن الله خلق السماوات وخلق جميع الخلق متلبساً بالحق، وخلقها ليحق الحق ويري عباده قدرته سبحانه، وأنه الإله الحق وحده لا شريك له.

    قوله: مَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ أي: كذلك خلق الأرض بالحق سبحانه، وأنزل فيها الكتاب وأنزل الميزان، فعلم العباد كيف يصنعون بهذا الميزان، وأنزل الشريعة ليحكم بينهم بالعدل، وأرسل فيهم الرسل ليعلمهم ذلك، فعرف العباد العدل وعرفوا الحق، فما ضلوا وأضلوا إلا بعدما عرفهم الله سبحانه وتعالى الحق، فبغى بعضهم على بعض، وحسد بعضهم بعضاً، فالله ما خلق السماوات والأرض إلا بالحق سبحانه.

    قوله: وَأَجَلٍ مُسَمًّى أي: خلق السماوات وخلق الأرض لأجل مسمى، فإذا جاء الأجل الذي قدره الله سبحانه وتعالى، إذا بالكواكب والنجوم والشمس والقمر كل هذه الأشياء تهوي، وإذا بالسماء تنكشف وتزول، وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ [التكوير:11]، وكذلك إذا بهذه الأرض والجبال التي فيها يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا [طه:105-107] أي: أن كل شيء له قدر مقدور، وله وقت معلوم عند الله سبحانه، فإذا جاء ذلك الوقت إزاله وأفناه من مكانه سبحانه.

    قال: وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ أي: أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق بالحق، وعلم العباد ما هو الحق، وجعل لهم أجلاً محدوداً وعمراً معدوداً لن يتجاوزه أحد، وفي النهاية يرجعون إلى الله سبحانه، ولكن الكفار يكذبون، ومع ذلك هم لا يضرون الله شيئاً وإنما يضرون أنفسهم.

    فقوله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ يعني: عن الذي أنذروا به، فقد أنذرهم الله عز وجل بالساعة، وأنذرهم بالحساب وبالجزاء وبالعقاب بالنار، فهم معرضون عن هذا كله، متشاغلون بالدنيا، مستهزئون بما جاءهم من عند ربهم، مدبرون لاهون غير مستعدين ليوم الحساب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني...)

    قال الله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [الأحقاف:4].

    قوله: قُلْ أَرَأَيْتُمْ كلمة أَرَأَيْتُمْ في كل القرآن فيها أربع قراءات: قُلْ أَرَأَيْتُمْ، وهي قراءة نافع وأبي جعفر ويقرؤها الأزرق بالمد الطويل: قُلْ أَرآيْتُمْ، ويقرؤها الكسائي : قُلْ أَرَيْتُمْ .

    وقوله: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ ، أي: هذه الأصنام التي تدعونها وتزعمون أنها تستحق عبادتكم ما الذي خلقته؟ أروني ماذا تصنع هذه الأصنام؟ وماذا تخلق هذه الأصنام؟ فالمشركون قبل غيرهم يعرفون أنها لا تنفع ولا تضر.

    قوله: أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ أي: هل لهم شرك في السماوات؟ وهل أطلعتكم الأصنام أنها شاركت في خلق الشمس وفي خلق القمر وخلق السماوات؟ فالكافر سيجيب: لا، ما حصل هذا الشيء، إذاً: اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ، وهنا إما أنك تقرأ: مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ اِْتُونِي بِكِتَابٍ ، فإذا وصلت قرأت الهمزة هنا إلا في قراءة ورش وخلف لـأبي عمرو ، وإذا وقف عليها حمزة فإنه يقرؤها بالياء، فهنا ورش يقرؤها: أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ يصلها هكذا، لكن باقي القراء إذا وصلوا: أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ اِئْتُونِي ، فيقرءون بالهمزة، وإذا وقفوا وبدءوا منها فجميع القراء يبدءونها بالألف التي بعدها ياء (ايتوني)، فالألف مكسورة بعدها ياء، فهذه ألف وصل.

    إذاً: فليس هناك أحد قرأها في الابتداء فيقول: اِئْتُونِي بِكِتَابٍ ، بل كل القراء إذا بدءوا في هذه وأمثالها فإنهم يقرءونها: اِيْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [الأحقاف:4].

    فهنا يعلم ربنا سبحانه المسلمين الاستدلال الصحيح، فالاستدلال إما أن يكون استدلالاً عقلياً، وإما أن يكون استدلالاً نقلياً، فالاستدلال العقلي أم تعمل قلبك وعقلك في هذا الكون لتستدل، وأما الاستدلال النقلي السمعي فهو الكتاب والسنة، فلذلك ربنا سبحانه وتعالى يذكر لهؤلاء خلق السماوات والأرض، وهذا هو الاستدلال العقلي، فكأنه يقول لهم: هل هذه الأصنام التي تعبدونها من دون هل لها شرك في هذه السماوات؟ وهل تخلق شيئاً؟

    وهل هي تقدر أن تطلع في السماء وتخلق شيئاً من النجوم أو غيرها؟ فهذا دليل عقلي.

    ثم قال: اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ أي: هاتوا كتاباً سابقاً نزل على رسول من الرسل عليهم الصلاة والسلام، يكون قد أخبر بهذا الذي تقولونه، أو ائتوني بكلام صحيح لرسول من الرسل من قبلكم يقولون ذلك.

    إذاً: فقد جمع الاستدلال كله في ذلك، الاستدلال العقلي والاستدلال النقلي، فالاستدلال العقلي يكون بالتفكر في الأشياء العقلية التي يعمل فيها العقل، والاستدلال النقلي يكون بالكتاب وبالسنة.

    قوله: ( إن كنتم صادقين ) أي: لو كنتم صادقين فيما تدعون فائتوا بهذا الشيء الذي تقولونه، لكن لكونهم كاذبين فلا يقدرون أن يقولوا: إن هذه الأصنام تنفع وتضر مع الله سبحانه وتعالى.

    ولذلك لما كان صلى الله عليه وسلم يرسل سراياه لهدم الأصنام كان البعض من المشركين يتخيل أن الأصنام ستنتصر وستنتقم لنفسها؛ فلذلك كانوا يتفرجون على الصحابة الذين يهدمونها لعلها تنتصر لنفسها، فكان عندهم حلم بهذا الشيء، فيجدون الأصنام تتكسر أمامهم ولا تصنع شيئاً، فيضحك منهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لغبائهم واعتقادهم أن هذه الأصنام تنفع أو تضر، أو أنها ترد على من يكسرها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له...)

    قال الله عز وجل: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ [الأحقاف:5] أي: من أشد ضلالاً وأبعد في التيه وفي الغباء مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ أي: لو بقي الشخص جالساً أمام الصنم إلى يوم القيامة فلن يرد عليه، فمن أغبى من هذا الإنسان الذي يدعو صنماً من دون الله: يا هبل! اعملي لي كذا، يا لات اعملي لي كذا، يا عزى اعملي لي كذا..!، وهو يعلم أنها لا تنفع ولا تضر، وكم رأى هؤلاء المشركون من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أفعالاً بهذه الأصنام، ففي المدينة كان البعض منهم في وقت كفره يعبد صنماً من دون الله عز وجل، فيأتي إليه ابنه وقد أسلم مع النبي صلوات الله وسلامه عليه فيلطخ هذا الصنم بالعذرة، فيجيء الأب فيراه ويتعجب ويقول: من الذي عمل هذا في المعبود الذي أعبده؟ وينظف الصنم ويرجعه إلى مكانه مرة ثانية، فيأتي الابن ويصنع به مثل ما صنع به في المرة الأولى، إلى أن تكرر هذا الفعل أكثر من ثلاث مرات، فقام الأب المشرك فأعطى الصنم سيفه وقال: دافع عن نفسك! دافع عن نفسك! فيجيء الابن فيأخذ الصنم فيرميه منكساً في الخلاء بين العذرات، فيجيء الرجل فينظر إلى هذا الصنم ويعلم أنه لا ينفع ولا يضر فيقول له: إن العنزة لتدفع عن نفسها، وأنت لم تدفع عن نفسك شيئاً، لو كنت إلهاً لم تكن في هذا الذل الذي أنت فيه، فتركه وذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم، فهذا كان تفكيرهم، وهكذا كانت عقولهم، فقد وصلت بهم إلى أن يعطي للصنم سيفاً، فأين عقله الذي عنده؟!

    ولما دخل في الإسلام كان يضحك على نفسه، ويقول: أنا كنت أعطي السيف للصنم من أجل أن يدافع عن نفسه؛ ولذلك يذكر الله عز وجل هؤلاء المشركين بمثال يدل على غبائهم، وكيف أنهم يعبدون هذه الآلهة من دون الله! قال تعالى: كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ [الرعد:14]، فهل ذا فعل عاقل؟ لو قام واحد إلى النهر ووقف وقال له: تعال يا ماء أنا عطشان وظل يناديه إلى أن تقوم القيامة، فلن يستجيب له الماء، ولن يأتي إلى فمه، فليس عاقلاً من يصنع ذلك، وكذلك الذي يزعم أن الصنم ينفع من دون الله ويضر، ويعبد الصنم، ويدعوا الصنم ويذبح للصنم، ويتقرب إليه.

    وهذا ربنا سبحانه وتعالى يقول: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60]، فكيف تدعو صنماً من دون الله عز وجل؟ وكذلك كل من دعا شيئاً من دون الله عز وجل، كأن يذهب إلى أموات قد ماتوا وذهبوا إلى ربهم سبحانه، سواء كانوا صالحين أو كانوا غير ذلك، ويدعوهم من دون الله: يا سيدي فلان! اعمل لي كذا، والله عز وجل يقول: أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ أي: تعبد أمواتاً غير أحياء، وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ، فالميت في قبره سواء كان هذا الميت نبياً أو ولياً أو رسولاً، هذا الميت لا يعرف متى تقوم الساعة، فقد دخل قبره وانتهى أمر الدنيا وأمر التكليف، وهو الآن في انتظار الساعة وهو في قبره، فلما يخبر الله عز وجل عن الأصنام هذه، يقول: هي مثل هذه الأموات، أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ * إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ [النحل:21-22] أي: الله عز وجل لا إله إلا هو سبحانه.

    وقال سبحانه: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:59].

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.