إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد حسن عبد الغفار
  3. شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - باب ذكر استواء خالقنا العلي الأعلى وصفة العلو لله جل وعلا

شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - باب ذكر استواء خالقنا العلي الأعلى وصفة العلو لله جل وعلاللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مما يجب على المسلم أن يؤمن بأسماء الله وصفاته، إيماناً لا يتطرق إلى معتقده أي شك فيه، فيؤمن بما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن الصفات الذاتية المعلومة من دين الله ضرورة: صفة العلو، فالله تعالى علي بذاته وقهره وشأنه، والأدلة العقلية والنقلية على علو الله أكثر من أن تحصى، بل إن أكبر دليل على علوه سبحانه الفطر السليمة، التي تجد عند الملمات والضرورات والمشكلات ضرورة في الاتجاه إلى الله سبحانه في العلو، فترفع يديها داعية ربها سبحانه في اتجاه العلو، أما منكر صفة العلو فهو جاحد لم يقدر الله حق قدره.

    1.   

    انقسام صفات الله تعالى إلى ذاتية وفعلية وخبرية

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم, وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد: إخوتي الكرام! فمازلنا مع هذا الكتاب العظيم, كتاب التوحيد: لـابن خزيمة إمام الأئمة.

    فقد ذكر المصنف الآيات والأحاديث التي تثبت صفات ربنا جل وعلا الثبوتية الذاتية, ثم هو ينتقل بنا الآن إلى الصفات الفعلية.

    باب: ذكر استواء خالقنا العلي الأعلى.

    يعني: استوائه على العرش.

    قال المؤلف رحمه الله: [باب ذكر استواء خالقنا العلي الأعلى الفعال لما يشاء على عرشه، فكان فوقه وفوق كل شيء عالياً، كما أخبر الله جل وعلا في قوله: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5].

    وقال ربنا عز وجل: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف:54] .

    وقال في (الم تنزيل) السجدة: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [السجدة:4].

    وقال جل وعلا: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ [هود:7] ].

    انتقل مؤلفنا رحمة الله عليه، ورضي عنه وعن علماء السلف إلى الصفات الفعلية للذات العليا لرب البرية جل في علاه, فصفات الخالق تنقسم إلى: صفات ثبوتية ذاتية، وصفات ثبوتية فعلية, وصفات ثبوتية خبرية.

    1.   

    ضابطٌ في معرفة صفات الله تعالى الفعلية

    وقد نقل المصنف لنا الصفات الثبوتية الخبرية من يد وساق ورجل وقدم وعين, فأخبرنا بكل هذه الإخبارات عن النبي صلى الله عليه وسلم, ثم انتقل بنا من الصفات الخبرية إلى الصفات الفعلية.

    وضابط الصفات الفعلية لرب البرية: أنها تتجدد, وأنها تتعلق بالحوادث، أما ضابطها لطالب العلم المتقن: أنها تتعلق بالمشيئة, فإن شاء فعل وإن شاء لم يفعل, فهذه هي الصفات الفعلية.

    فتتجدد: كما قال الله تعالى: مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ [الأنبياء:2]، وتدرج النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة بتدرج أوامر الله جل وعلا النازلة عليه، فقد كانت تتعلق بالحوادث.

    إذاً: فالضابط الذي يريح طالب العلم: أن يضع قبلها إن شاء, فإن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، فالله يتكلم، إن شاء تكلم وإن شاء لم يتكلم، وكذلك في النزول والإتيان والقهر وهكذا.

    فالغرض المقصود: أن ضابط الصفات الفعلية لرب البرية: أن تضع قبلها: إن شاء.

    1.   

    ذكر صفة العلو وأقسامه

    واليوم نتكلم بإذن الله عن الصفات الفعلية التي أولها: صفة الاستواء أو العلو, والعلو علوان:

    علو مطلق, وعلو مقيد.

    فالعلو المطلق: هو علو الذات, وهذا قبل أن يخلق الخلق, وقبل أن يخلق العرش, فهو علي بذاته سبحانه جل في علاه, وهو علي في قهره, علي في شأنه, رفيع الدرجات، كما قال الله تعالى: (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ [غافر:15]، وقال تعالى: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ [الأنعام:18]، فله العلو المطلق سبحانه جل في علاه.

    والعلو المقيد: هو الذي يتكلم عنه مصنفنا اليوم, وهو الاستواء على العرش, كما قال تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، فاستوى، أي: علا وارتقى سبحانه وتعالى.

    والاستواء في اللغة يأتي على معان ثلاثة:

    فهو يتعدى بنفسه, ويتعدى بإلى, ويتعدى بعلى.

    فإذا تعدى بنفسه فمعناه: أنه بلغ المنتهى, تقول: استوى الطعام، أي: بلغ منتهاه في النضج.

    وإذا تعدى بإلى فمعناه: القصد لا العلو، كما قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ [البقرة:29]، أي: قصد السماء فخلقها سبع سماوات, وقال لها هي والأرض: ائتيا طوعاً أو كرهاً، (قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فصلت:11] .

    إذاً: استوى إذا تعدى بإلى يكون معناه: القصد لا العلو, حتى نرد على أهل البدعة والضلالة.

    وإذا تعدى هذا الفعل بعلى فمعناه: علا وارتفع, قال تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، أي: علا وارتفع على العرش، ويفهم من هذه الآيات: أن الاستواء على العرش كان بعد خلق السماوات والأرض.

    1.   

    عقيدتنا في استواء الله عز وجل على عرشه

    وعقيدتنا في استواء الله جل وعلا: هي عقيدة الإمام مالك في قوله: الاستواء في اللغة معلوم. فقصد: العلو والارتفاع، قال: الاستواء في اللغة معلوم, والكيف مجهول, فلا تقل: كيف استوى الله على عرشه؟ قال: والكيف مجهول, والسؤال عنه بدعة, والإيمان به واجب.

    إذاً: اعتقادنا في استواء ربنا جل وعلا على عرشه أن نقول: الاستواء معناه: العلو, فالاستواء في اللغة معلوم, والكيف مجهول, والإيمان به واجب, والسؤال عنه بدعة, فهذا هو معنى الاستواء.

    1.   

    الأدلة العقلية والنقلية على علو الله تعالى

    واستواء الله جل وعلا صفة فعلية كما بينها الله لنا وأثبتها في كتابه سبحانه، وأثبتها له رسوله, بل وأجمع الصحابة الكرام على استواء ربنا جل وعلا على عرشه, والعقل يقبل ذلك والفطر السليمة كما سنبين.

    أما بالنسبة للكتاب: فإن كل دلالات العلو المطلق يستدل بها على العلو المقيد والاستواء على العرش.

    قال الله تعالى: (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [سبأ:23]، وقال جل في علاه: (الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ [الرعد:9]، والقاعدة في أسماء الله تعالى تقول: إن أسماء الله تعالى كلها حسنى، ومعنى الحسن هنا: أنها متضمنة لصفة كمال مندرجة تحتها، فالعلي: يتضمن صفة العلو، والرحيم: يتضمن صفة الرحمة، والكريم: يتضمن صفة الكرم وهكذا.

    فإن قيل: فهل (النور) اسم من أسماء الله؟

    فالجواب: لا؛ لأنه صفة من صفات الكمال وليس اسماً.

    أما الدلالات الأخرى: فبالتصريح أنه استوى وعلا على عرشه, كما قال الله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، أي: علا وارتفع سبحانه وتعالى، وقول الله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الحديد:4] إذاً: فالاستواء جاء بعد خلق السماوات والأرض، وقال تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف:54]، وقال في الآية الأخرى: وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ [هود:7].

    فهذه دلالات من الكتاب على استواء الله جل وعلا بالتصريح على عرشه, يعني: أنه علا وارتفع على العرش.

    ومن الدلالات على علو الله جل وعلا على عرشه أيضاً: التصريح بالفوقية, فالفوقية تدل على أنه فوق العرش, كما قال ابن مسعود : (والعرش فوق السماء السابعة, والله فوق العرش, ولا يخفى عليه شيء من أفعالكم) .

    قال الله تعالى: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ [الأنعام:18]، وهذا الدليل والشاهد، وقال الله تعالى عن الملائكة: يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ [النحل:50]، فالملائكة في السماء والله من فوقهم، أي: من فوق عرشه سبحانه وتعالى.

    ومن الدلالات الفوقية: التصريح بالعندية, أي: أن الله جل وعلا ينزل بأمره من عنده, فالتصريح بالعندية يدل أيضاً على علو الله جل وعلا، كما قال الله تعالى: وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ [الأنبياء:19]، أي: الملائكة، فالعندية هنا تدل على: العلو والفوقية.

    وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله كتب كتاباً عنده, أن رحمتي سبقت غضبي)، فالعندية هنا أيضاً تدل على: علو الله جل في علاه.

    ومن الدلالات أيضاً على علو الله واستواءه على عرشه: رفع الأعمال إليه، وعروج الملائكة إليه, وأن الكلم الطيب يصعد إليه, وأن الأوامر تنزل من عنده، وكذلك الرفع الذين يكون من النزول إلى العلو, فكل هذه المعاني تدل على العلو لله سبحانه وتعالى.

    أما بالنسبة للرفع: فقد قال الله عن عيسى -بعدما كذب اليهود الذين ادعوا وزعموا أنهم قتلوه ظلماً وزوراً وهو رسول الله- قال: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [النساء:158]، والرفع يكون إلى أعلى, فهذه دلالة أيضاً على فوقية الله جل في علاه.

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم عن الله جل وعلا: (يرفع القسط ويخفضه)، وصرح بالعروج إليه فقال: سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ * تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج:1-4] .

    وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن لله ملائكة يسيحون في الأرض, ينظرون إلى حلق الذكر, وإلى حلق العلم, فيلتفون حول هذه الحلق ويكتبون الأسماء, فيعرجون بها إلى الله فيسألهم وهو أعلم بهم, ماذا كانوا يفعلون؟ قالوا: يكبرونك ويهللونك ويحمدونك, فيقول: ماذا يسألون؟ فيقولون: الجنة، فيقول: أعطيتهم الجنة وعصمتهم من النار، ثم يقول ملك: ربي! إن فلاناً قد جاء لحاجة, فيقول الله جل وعلا -وهي أكبر بشارة لطلبة العلم- فيقول: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم)، فالملائكة تعرج إلى الله جل وعلا، فدل ذلك على الفوقية، وأن الله فوق عرشه بائن من خلقه سبحانه وتعالى.

    وفي الصحيحين أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن الملائكة تتعاقب فينا وتصعد بأعمالنا في الصبح والعصر, قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فيصعد الذين باتوا فيكم)، أي: يصعدون إلى الله جل وعلا بعدما كتبوا أعمال عباده جل في علاه, فهذه أدلة أيضاً تدل على الفوقية.

    وكذلك النزول: فإنه يدل على الفوقية, قال الله تعالى: لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ [النساء:166]، والنزول لا يكون إلا من علو، قال: لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ [النساء:166]، وقال الله تعالى: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ [النحل:2]، والتنزيل لا يكون إلا من علو إلى سفل أيضاً.

    فالغرض المقصود: أن النزول أو العروج أو الصعود أو الارتفاع, كل هذا يدل أيضاً على علو الله على خلقه.

    ومن الأدلة التي تدل على فوقية الله على خلقه أيضاً: أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أثبت فيها علو الله, فلما صفع معاوية بن الحكم السلمي الجارية وتراجع عما فعل, وندم على ذلك, قال: (يا رسول الله! أعتقها..)، وقد لطمها على خدها لأن الذئب خطف منها غنمة أثناء رعيها لها، وهو صاحب جبلة بشرية يغضب ويسخط، فندم على ما فعل فقال: يا رسول الله! أعتقها؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (ائتني بها، فجاءت الجارية, فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: أين الله؟)، وهذا رد على الذين يمنعون السؤال: بأين، وأن من سأل: بأين كفر، كما سنبين في ذلك, قال: (أين الله؟ قالت: في السماء)، ومعنى في السماء: أي: على السماء, وهذا مصداق لقول الله تعالى: أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك:16]، أي: الذي على السماء.

    والدليل على أن في هنا بمعنى على: قول الله تعالى: فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا [الملك:15]، أي: امشوا على الأرض, وقال أيضاً: وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه:71]، فهل شق جذوع النخل ليصلبهم فيها؟ فالمعنى إذاً: على جذوع النخل.

    وتأتي من أيضاً بمعنى العلو, كما قال الله تعالى: وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا [ق:9] والسحاب هي التي تمطر وليست السماء، قال: وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ ، أي: من العلو, فالسمو: يعني: العلو (فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: أين الله؟ قالت: في السماء)، فربط النبي صلى الله عليه وسلم إيمانها هنا باعتقادها الصحيح في علو الله جل في علاه.

    قال: (أين الله؟ قالت: في السماء, فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اعتقها فإنها مؤمنة)، فربط إيمانها باعتقاد صحيح: وهو اعتقاد علو الله جل في علاه.

    ومن الأدلة أيضاً: لما أوصى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في خطبة الوداع بالوصايا، ثم قال: (هل بلغت؟ قالوا: نعم بلغت, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم فاشهد, وكان يشير بإصبعه إلى السماء)، فهذه أدلة تثبت علو الله جل وعلا من الكتاب والسنة.

    إجماع الصحابة والتابعين على إثبات صفة العلو لله تعالى

    أما الإجماع: فقد أجمع الصحابة الكرام على علو الله، وأن الله فوق عرشه لا يغيب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض, فهذا أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه لما بلغه موت النبي صلى الله عليه وسلم ـ بأبي هو وأمي ـ (دخل عليه فبكى، فنظر إليه فقبل بين عينيه وقال: طبت حياًً وميتاً يا رسول الله! ثم خرج على الناس وعمر يتهاوى بين الناس شاهراً سيفه يقول: من قال: إن رسول الله قد مات ضربت عنقه, فإنما ذهب إلى ربه كما ذهب موسى وسيرجع إلينا, فقال أبو بكر : اسكت يا عمر ! فسكت عمر ، فقال أبو بكر : من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات, ومن كان يعبد الله فإن الله في السماء حي لا يموت) , وهذا هو الشاهد.

    فـأبو بكر يعتقد أن ربه في علو فوق العرش, قال: (ومن كان يعبد الله فإن الله في السماء حي لا يموت)، وعمر أيضاً يعتقد هذا الاعتقاد الصحيح؛ فإنه ربي على مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقد جاءت إليه خولة تردد عليه الوعد وتبين له أنه أمير المؤمنين, وأنه مسئول أمام ربه, وأن عليه أن يتقي الله في الرعية ويخشى الله سبحانه، قال رجل من عماله: قد أكثرت على أمير المؤمنين, فقال عمر بن الخطاب : اسكت! أما تعلم أن هذه خولة -رضي الله عنها وأرضاها- التي سمع الله قولها أو شكايتها من فوق سبع سماوات.

    فهنا يبين عمر أنه يعتقد أن الله يسمع صوت هذه المرأة وهي تشتكي من فوق سبع سماوات, ولذلك قالت عائشة : (سبحان الذي وسع سمعه كل الأصوات! فإن المرأة تشتكي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيخفى علي بعض حديثها, فأنزل الله: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي [المجادلة:1]، من فوق سبع سماوات)، وأيضاً اعتقاد عائشة رضي الله عنها وأرضاها هو اعتقاد عمر ، وهو نفس اعتقاد ابن عباس ، فقد دخل رضي الله عنه وأرضاه على عائشة وهي تموت, فقال لها: (أبشري)، وهذه هي السنة: أن ترجي من كان على فراش الموت بالله جل وعلا, فلا يموتن إلا وهو يحسن الظن بربه؛ لأن الله جل وعلا يقول: (أنا عند ظن عبدي بي, فمن ظن بي خيراً فله, ومن ظن غير ذلك فله)، (فدخل ابن عباس فقال: أبشري أنت زوج النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا وفي الآخرة، وأنت وأنت وأنت، ثم قال: وأنت التي برأك الله من فوق سبع سماوات)، فالله جل وعلا برأها وهو على العرش, يقصد بذلك الآيات التي نزلت من فوق سبع سماوات.

    ومن الدلائل أيضاً: قول النبي صلى الله عليه وسلم لـمعاذ: (قد وافقت حكم الله )، أي: على بني قريظة عندما قال: تقتل مقاتلتهم، قال: (قد وافقت حكم الله من فوق سبع سماوات)، وكان ابن عباس يقول أيضاً: (ما بين الأرض والسماء الدنيا مسيرة خمسمائة عام, وبين كل سماء وأخرى ميسرة خمسمائة عام، ثم قال: وفوق ذلك الكرسي, وفوق الكرسي العرش, وفوق العرش الله جل وعلا, ولا يخفى عليه منكم شيء).

    وكان هذا أيضاً اعتقاد التابعين, فقد كان مسروق يقول وهو يفسر الآيات: حدثتني عائشة التي برأها الله من فوق سبع سماوات، وهو قول مجاهد وعطاء وغيرهم، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة ومالك والإمام أحمد .

    أما أبو حنيفة: فقد جاءته امرأة فقالت: أنت معلم الناس الفقه, أسألك عن فقه أكبر, قال: ما هو؟ قالت: أين الله؟ -فهذا هو الفقه الأكبر: أن تعتقد في الله الاعتقاد الصحيح السليم- قالت: أين الله؟ فقال لها: ائيتني بعد أسبوع, ثم قال: الله فوق السماء, أو قال: فوق العرش، والعرش فوق السماء.

    ومن قال: إن الله فوق السماء ولا يعلم ما عليه العباد فهو كافر؛ لأنه ضل في صفة من صفات الله وهي: صفة العلم.

    وقال الإمام مالك : إن الله فوق عرشه، ولا يخفى عليه شيء من عباده.

    وكان الإمام الشافعي يقول: إن الاعتقاد السليم الذي عليه الأئمة والعلماء: هو أن الله فوق عرشه بائن من خلقه.

    وقالوا للإمام أحمد : ما رأيك فيمن يقول: إن الله ليس فوق العرش, قال: يكفر, أو قال: إن الله فوق العرش, أو كما قال رضي الله عنه وأرضاه.

    فهذه إجمال الآثار التي ثبتت عن الصحابة وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    1.   

    الفطر السليمة والعقل يقرران علو الله تعالى

    أما العقل فإنه يقرر ذلك؛ إذ أن العلو صفة كمال، فإنك إذا أردت أن تزدري إنساناً فإنك تقول له: هذا إنسان سافل، أي: أن فيه سفولاً، والإنسان أصلاً إذا انحط أو سفل فهذا نقص فيه, أما إذا أردت أن تظهر أن الرجل هذا رجل ذو أخلاق رفيعة فإنك تقول: إن فلاناً كامل، والعلو صفة كمال، وتقول: هذا رجل عنده أخلاق عالية, أخلاق سامية, أخلاق راقية, فالعلو صفة كمال بالعقل, والسفول صفة نقص به أيضاً, والقاعدة: أن الله منزه عن كل نقص، فبالعقل أيضاً تقرر صفة العلو, وأنها كمال, ونحن نصف الله جل وعلا بكل كمال, فإذا اتصف الإنسان بصفة كمال فالله أولى بها, فإذا وصفت عبداً بأن له الكمال في الخلق أو أن خلقه راقٍ مثلاً أو سام، فإنك لابد أن تقول: والله أولى بهذه الصفة؛ لأنها صفة كمال.

    ومن الأدلة أيضاً: الفطر السليمة, فالفطر السليمة تعتقد الاعتقاد السليم في كمال الله جل في علاه, فإن الله فوق عرشه وأنت في الأرض، إذا أصابتك مصيبة التف قلبك حول العرش, وإذا أردت أن تدعو الله جل وعلا اتجه قلبك إلى من فوق العرش سبحانه وتعالى, ولذلك كان الجويني يبين أن الله جل وعلا ليس على عرشه, فجاء الهمداني فألقى عليه شبهة من أعظم ما تكون, فقال: يا إمام! نسلم لك أن الله ليس على العرش, لكن أمراً حيرنا, قال: ما هو؟ قال: ما تضيق بنا ضائقة إلا ونجد القلوب ترتقي إلى من فوق العرش, وإذا دعونا رفعنا أيدينا إلى السماء, فما هذا؟ فضرب الإمام الجويني على رأسه وقال: حيرني الهمداني ، حيرني الهمداني .

    معنى ذلك: أنه كان يرى في نفسه ذلك, فكان إذا ضاقت به الأمور وإذا وقعت به الملمات وجد نفسه تنظر إلى السماء, فقلبه معلق بصاحب العرش, أو بمن فوق العرش سبحانه وتعالى, فإذا دعا الله لا يدعو إلا وهو رافع يديه, وهذا واقع مشاهد.

    والنبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر رفع يديه حتى ظهر بياض إبطيه وهو يقول: (اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد بعد اليوم)، وأنت كلما نزلت بك المصائب نظرت إلى السماء فدعوت، بل إنك تبكي وأنت تنظر إلى السماء بفطرة سليمة جبلت عليها.

    إذاً: فالله جل وعلا فوق عرشه, وهذا ثابت بالكتاب وبالسنة، وبإجماع الصحابة, وبالعقل السليم الصحيح الذي لا يخالف صريح السنة, وبالفطر السليمة أيضاً.

    أخي الكريم: إذا اعتقدت هذا الاعتقاد الصحيح السديد السليم فلك تبع ستحاسب عليه.

    أولاً: يجب عليك أن تتعلم هذا العلم؛ لأنه فرض عين على كل إنسان أن يعتقد في الله الاعتقاد السديد الصحيح, ولا يعتقد الاعتقاد الباطل الذي يعتقده أهل الباطل والبدع كما سنبين في الرد عليهم, لكن إذا اعتقدت بعدما تعلمت هذا, وجب عليك أمر آخر فوق هذا الأمر وهو: أن تتعبد لله بهذا الاعتقاد الصحيح، فإذا اعتقدت أن ربك جل وعلا له العلو المطلق, وعلو الشأن، وعلو القهر, رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ، وعلمت أن الله علي يحب كل علي، فلا بد أن تتعبد لله بأثر هذه الصفة, صفة الكمال, فتكون عالي الهمة أمام ربك، لا من الدون ومن الأسافل, فلا ترضى لنفسك بسفاسف الأمور, بل تكبر همتك فتقول: ولم لا أكون مثل ابن تيمية ؟ ولم لا أكون مثل العز بن عبد السلام ؟ ولم لا أكون مثل أبي بكر أو عمر ؟ فذاك فضل الله يؤتيه من يشاء, فالذي يفرق بيني وبين رسول الله هي: درجة النبوة, لم لا تكون همتك كذلك؟ إذا اعتقدت في ربك هذا الاعتقاد السديد الصحيح السليم, وأن الله علي يحب كل علي فإن همتك تكبر وتعلو, فتصبح دائماً في عروج وفي علو, ولا ترضى بالدنيا والدون, فإن الذين يلتفون حول الدنيا يلتفون حول الجيف, والأسد أبداً لا يقع على الجيف, بل تنظر لأهل الدنيا فتبكي عليهم؛ لأن الله شغلهم بالدنيا عن الدين, وأنت تعلم وتقر في نفسك إقراراً صحيحاً سديداً بأن الله لا يعطي الدين لأي أحد أبداً؛ فإن الله يغار؛ لأن الدين جوهرة, والجوهرة لا تعطى إلا لمن يصون هذه الجوهرة, وكما قال علمائنا: إن الله يعطي هذه الدنيا لمن أحب ومن لم يحب, أما الدين فلا يعطيه الله إلا لمن يحب.

    فكن -أخي الكريم- عالي الهمة حتى يصطفيك الله جل وعلا فيحبوك بالدين, ويحبوك بالعلم, ويحبوك بالرفعة والارتقاء عنده.

    إذاً: إذا اعتقدت الاعتقاد الصحيح بأن الله علي فستكون علي الهمة, علي الخلق, فإن الأخلاق السامية ترفعك عند ربك، كما في مسند أحمد عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن المسلم ليدرك بحسن خلقه درجه الصائم القائم)، إذاً: فأنت علي في همتك علي في أخلاقك, فإذا كنت صاحب أخلاق سامية فسترتقي إلى درجة الصائم القائم, فميزان المؤمن عند ربه: هو ميزان الخلق, كما قال أبو هريرة في بعض الآثار: (أثقل ما يوضع في ميزان العبد: البر، وحسن الخلق).

    لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس أخلاقاً, حتى إن الله جل وعلا لما مدحه مدحه بأرقى السمات والصفات, فقال: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4]

    واجعل يدك -أخي- هي العلية, فيد المعطي: هي العلية, وذاك فضل الله يؤتيه من يشاء, ويد الآخذ: هي اليد السفلى, لكن العلو كل العلو أن تعطي العلم أولاً, إذ أن العلماء قالوا: أكبر الصدقات وأعظم الصدقات صدقة العلم, ودليل ذلك ما جاء في الصحيحين عن ابن عباس قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس, وكان أجود ما يكون حين يدارسه جبريل القرآن, ودارسه عند موته مرتين)، ففيه دلالة: على أنه كان أجود ما يكون عندما يدارسه القرآن.

    فإعطاء العلم صدقة أيما صدقة, والفرق بين صدقة العلم وصدقة المال: أن العلم يكثر بالنفقة, والمال ينقص بالنفقة عند الذي لا يوقن بالأجر عند ربه، أما من أيقن بالأجر عند ربه تعالى فإن ماله يزيد ويعلو، كما قال صلى الله عليه وسلم: (أنفق بلال! ولا تخش من ذي العرش إقلالاً)، أما الملائكة فإنهم يقولون في الصباح والمساء: (اللهم أعط منفقاً خلفاً وأعط ممسكاً تلفاً).

    فالصحيح الراجح في ذلك: أن المال يزكو عند الاعتقاد الصحيح في الرب الجليل سبحانه وتعالى.

    أخي الكريم! إذا اعتقدت أن ربك فوق عرشه يدبر أمر خلقه, فلن تعبئ بالناس كلهم, إذ لا يمكن لأحد أن يضرك إلا الله جل وعلا, فهو الذي يدبر أمرك من فوق سبع سماوات, وهو سبحانه وتعالى الذي يملك خزائن السماوات والأرض, فلن تطلب الرزق من أحد تذللاً, وإن أخذت بالسبب أخذت به مع يقين قلبك أن المسبب هو الله جل في علاه, فأنت لن تتذلل إلا لربك, ولن تعتقد الاعتقاد الصحيح إلا في ربك, قال صلى الله عليه وسلم: (لو اجتمعت الأمة على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك, وإن اجتمعت الأمة على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك)، فالأقلام بيد الله لا بأيدي البشر, والقلوب تتحول في لحظة واحدة, فإذا اعتقدت الاعتقاد الصحيح في ربك بأنه يدبر أمور الخلق وشئون الخلق أجمعين, وأنه فوق عرشه فلن يمتلئ قلبك إلا بحب الله, ولن يمتلئ قلبك إلا بالخوف من الله جل وعلا, ولن يمتلئ قلبك إلا برجاء الله والتذلل له جل في علاه.

    أخي الكريم! إذا اعتقدت أيضاً أن الله جل وعلا فوق عرشه قاهر لعباده فلن تخاف إلا من ربك جل وعلا, وستعلم أن النصر والقوة بيده، وأن العزة بيده سبحانه، وستكون من حزب الله الذين قال الله فيهم: فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ [المائدة:56]، فإن حزب الله هم المقربون من ربهم جل في علاه.

    فإذا اعتقدت هذا الاعتقاد الصحيح السديد السليم في أن ربك قاهر فوق عباده, فإنك بإذن الله سوف تكون من حزبه ومن أوليائه، وسوف تكون ممن ينصر دينه سبحانه جل في علاه.

    هذا هو التطبيق العملي لهذا الاعتقاد الصحيح السديد, فإنك إذا اعتقدت أن ربك فوق عرشه, علي بذاته, وعلي بقهره سبحانه وتعالى، فستكون أغنى الناس وأكملهم وأقواهم وأعزهم.

    وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يضرب لنا أروع الأمثلة في ذلك فيقول: ماذا يريدون مني؟ إن قتلوني فقتلي شهادة, وإن سجنوني فسجني خلوة -أي: خلوة بربي جل وعلا- وإن نفوني فنفيي سياحة, أنا جنتي في قلبي, إن في هذه الدنيا جنة من دخلها دخل جنة الآخرة, ومن لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، نعوذ بالله من الخذلان.

    ونسأل الله ربنا جل في علاه أن يجعلنا من المعتقدين بهذا الاعتقاد الصحيح, وأن يجعلنا متعبدين له بحسن العبادة وبما يرضاه منا جل في علاه، وأن يجعل قلوبنا كلها معلقة بذاته وصفاته سبحانه وتعالى, وألا نتعلق بأي أحد من أبناء آدم، كما نسأل الله جل وعلا أن يغفر لنا ولكم.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.