إسلام ويب

شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - مراجعة على ما سبقللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من تعظيم الله عز وجل أن نثبت له ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، وصفات الله جل وعلا منها صفات سلبية ومنها صفات ثبوتية، والصفات الثبوتية تكون خبرية وفعلية وذاتية.

    1.   

    أقسام صفات الله عز وجل

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    إخوتي الكرام! تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال، ونسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من الصالحين المتقبلين عنده في هذه الأشهر العظيمة.

    أقول: يتبع صيام رمضان صيام الست من شوال، قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال فكأنما صام الدهر كله)، ولم يشترط العلماء فيه التتابع، وإن كان من الحسن والمسارعة في الخيرات أن يصوم المرء ستة أيام متتابعات، فإن استطاع أنه لا يفطر بينهما فهذا حسن، وإن صامها متفرقات كالإثنين والخميس مثلاً فهذا أيضاً حسن، لكن الأفضل أن يتتابع الصيام.

    قبل أن أبدأ في كتاب التوحيد لا بد من مراجعات حتى ننشط الذهن الذي كلَّ من طول النوم.

    أقول: تكلمنا عن صفات الله جل وعلا، وهذا العلم الشريف -وهو علم التوحيد الذي هو فرض عين على كل إنسان- ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: علم المعرفة والإثبات أو العلم الخبري، والقسم الثاني: القصد والطلب.

    وعلم المعرفة والإثبات: هو علم الأسماء والصفات والربوبية، والثاني: هو علم القصد والطلب، ونحن اليوم بصدد شرح هذا الكتاب العظيم، أي: كتاب التوحيد، فهو يتكلم عن القسم الأول، وهو: معرفة أسماء الله الحسنى وصفاته العلى والربوبية؛ لأن هذا الكتاب مختص بالصفات، وتكلمنا في معارج القبول على توحيد الإلهية، فصفات الله جل وعلا تنقسم إلى قسمين: صفات ثبوتية، وصفات سلبية.

    أما الصفات الثبوتية: فهي الصفات التي أثبتها الله لنفسه في كتابه عز وجل، وأثبتها له رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته، مثل قوله: (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح:10]، وقوله: تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر:14]، وقوله: وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي [طه:41]، فهذه الآيات فيها إثبات الصفات الخبرية لله جل وعلا.

    والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إنكم تدعون سميعاً بصيراً).

    وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أعوذ بوجهك)، أي: وأعوذ بوجه الله الكريم، فأضاف الوجه لله جل وعلا، فهذه هي الصفات الثبوتية.

    والصفات السلبية: هي الصفات التي نفاها الله جل وعلا عن نفسه في الكتاب، ونفاها عنه رسوله صلى الله عليه وسلم في السنة، كما قال الله تعالى: لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى [طه:52]، وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [مريم:64]، وقال الله جل وعلا: وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ [ق:38]، كل هذه الصفات نفاها الله عن نفسه ونفاها عنه رسوله، كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام)، وقال أيضاً: (لا تدعون أصم ولا غائباً)، كل هذه الصفات نفاها النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه جل في علاه.

    والصفات السلبية للعبد أن يتعبد بها لله عز وجل وعلا بطريقين اثنين:

    الطريق الأول: ألا ينفيها نفياً محضاً؛ لأن النفي المحض لا كمال فيه، وكل ما ينسب لله جل وعلا لا بد أن يكون فيه كمال، والذي ينفى عن الله جل وعلا لا بد من إثبات كمال ضده، فنقول: النفي المحض ليس بكمال، فأنت إذا نسبت إلى الله شيئاً لا بد أن يكون فيه الكمال، فالطريق الأول في إثبات الصفات المنفية: ألا تنفي نفياً محضاً، لا بد أن تثبت كمال الضد عند النفي، كأن تقول: قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى [طه:52]، فنقول: نفى عن نفسه النسيان لكمال علمه، ولا تقل: الله لا ينسى وتسكت، فهذا سوء أدب مع الله، وقال الله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ [ق:38]، اللغوب: التعب والإعياء، فهل ممكن أن نقول: ما مس الله من لغوب بعد خلق هذه السموات والأرض ونسكت؟ لا، هذا سوء أدب مع الله، لابد أن نقول: لكمال قدرته سبحانه وتعالى، فلا بد أن تنفى الصفة مع إثبات كمال الضد لها، وهذا هو الأدب في التعبد لله في الصفات السلبية.

    كذلك لا تنفى نفياً جزئياً وتعدد النفي، فلا تقل: الله ليس بنائم، ولا بساه، ولا بناسٍ، فهذا لا يجوز بالنسبة لله جل وعلا؛ لأن هذا يعتبر من سوء الأدب مع الجليل العظيم، كما قال بعض العلماء: إذا دخلت على أمير أو ملك فقلت له: أنت لست بسارق، ولا بزان، ولا بذيء، فإنه يعاقبك أشد العقوبة؛ لأن هذا فيه سوء أدب مع هذا الملك فما بالك مع الله جل وعلا؟ فإذا نفيت لابد أن تنفي نفياً مطلقاً فلا تعدد النفي.

    1.   

    أنواع الصفات الثبوتية

    أما بالنسبة للصفات الثبوتية: فهي صفات أثبتها الله لنفسه في كتابه، وأثبتها له رسوله في سنته صلى الله عليه وسلم، وهذه الصفات ثلاثة أنواع: صفات ذاتية، وصفات فعلية، وصفات خبرية.

    والصفات الذاتية: هي الصفات التي لا تنفك عن الله جل وعلا، فيوصف بها أزلاً وأبداً مثل: الرحمن.

    لو قلنا: الرحمن وأطلقنا فهو يتضمن صفة الرحمه، والتفصيل في ذلك أن نقول: هناك اسمان إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، وهما: الرحمن الرحيم، فإذا اجتمعا فالرحمن يختص بالمؤمن والكافر، والرحيم يختص بالمؤمنين فقط قال تعالى: وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب:43] لذلك الرحيم هنا اسم يتضمن صفة الرحمة التي هي صفة فعلية، والرحمن صفة ذاتية فعندما نتكلم عنها فلا بد من تفصيل.

    نقول: السميع يتضمن صفة السمع وهي صفة ذاتية، فالله يسمع كل شيء لا تختلف عليه اللغات، فهي صفة ذاتية مثل صفة الحياة، فهي صفة ذاتية أزلية أبدية، كذلك القيومية والعزة والعلم والقدرة، فهذه صفات ذاتية أزلية أبدية.

    النوع الثاني: الصفات الفعليه: وهي الصفة التي تتجدد وتتعلق بالأسباب، وضابطها أن تقول: إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، ومثال ذلك النزول إن شاء نزل، وإن شاء لم ينزل، والكلام صفة ذاتيه فعلية، وهي قديمة النوع حادثة الآحاد، والعلو صفة ذاتية، فالله علي بذاته جل في علاه، لكن الاستواء يعتبر صفة فعلية لأن العلو علوان: علو على العرش، وهذه صفة فعلية؛ لأنه إن شاء استوى على عرشه، أما العلو مطلقاً فهو علو الذات، وهذه صفة ذاتية لله جل وعلا.

    النوع الثالث: الصفات الخبرية: وهي الصفات التي ليس للعقل فيها مدخل، وتأتي لنا عن طريق الخبر، ومسماها عندنا: أبعاض وأجزاء، اليد بعض مني وجزء مني، والعين بعض مني وجزء مني، والساق فهل نقول: اليد بعض من الله؟! حاشا لله! أما لله فنقول: إنها صفات وليست بجوارح، لكن هذا ضابطها عندنا حتى نضبط الصفة: أجزاء وأبعاض، وهذه الصفات الخبرية مثل: العين واليد والساق، وقد تكلمنا عن اليد والعين والأصابع والأنامل، وتكلمنا عن السمع والبصر والرؤية والوجه، وقلنا: القاعدة في إثبات هذه الصفات: أن نثبتها إثباتاً بلا تمثيل ولا تشبيه ولا تكييف، وبالنسبة للصفات السلبية فننزه الله عنها بلا تعطيل.

    1.   

    إثبات صفة النفس لله تعالى

    إذا أردنا أن نثبت لله النفس فما هي الأدلة على أن لله نفساً؟

    نحن نتعبد الله فلابد أن نتعرف على أسمائه الحسنى، قال ابن القيم: أدق العلوم وأجلها العلم بأسماء الله وصفاته العلى.

    من الأدلة الواردة في إثبات صفة النفس لله ما أخبر الله عن عيسى حيث يقول: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [المائدة:116].

    وقال تعالى: وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي [طه:41]، وقال تعالى: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ [آل عمران:28].

    وقال تعالى: قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [الأنعام:12] وجاء في صحيحي الإمام البخاري ومسلم : (من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملء ...) إلى آخر الحديث.

    والقاعدة تقول: إن الصفات الخبرية لا مدخل للعقل فيها، ولكن العقل لا يردها وإنما يقبلها.

    فإذا قيل لنا: ليس لله نفس، وقول الله جل وعلا: وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي [طه:41] هذه إضافة المخلوق إلى الخالق إضافة تشريف كإضافة الناقة إلى الله، وإضافة بيت الله إليه، كقول الله تعالى: وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ [الحج:26]، وقوله: فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا [الشمس:13]، فهذه إضافة المخلوق إلى الخالق، فنقول: اسم السميع لله ألا يفهم منه صفة السمع؟ سيقولون: لا نعلم إلا أن السين ضم إليها الميم والياء والعين لا نعلم لها معنىً مفهوماً فأتونا بما عندكم.

    فنقول: هذه إضافة أعيان قائمة بذاتها كعيسى، فهو قائم بذاته، والناقة، والبيت، ولو قلنا: الكلام كلام الله أضيف إليه فهل أحد فيكم رأى الكلام يمشي معه؟ لا، فهذه ليست عين قائمة لذاتها، فالمعاني إذا أضيفت إلى الله فهي إضافة صفة إلى موصوف، أما الأعيان فتكون إضافة مخلوق إلى خالق، وأضيفت لله تشريفاً وتكريماً.

    الجواب الثاني: لو قلنا بقولكم للزم بذلك لوازم باطلة منها قوله: (واصطنعتك لنفسي) سيكون معناها: واصطنعتك لغيري، كأنه اصطنعه ليتعبد لغير الله جل وعلا، وهذا كفر أن يقال ذلك، وقوله: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [المائدة:116] ستكون: تعلم ما في غيري ولا أعلم ما في غيرك! فهذا كله من اللوازم الباطلة.

    1.   

    إثبات صفة الوجه لله تعالى

    قال الله تعالى: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:27]، إذا جاء البدعي فقال: الوجه هنا عبر به عن الذات قلنا: كيف؟ قال: قال الله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:26-27]، فهل يبقى الوجه من الله فقط؟ لا، بل يبقى الذات، قالوا: إذاً: الوجه هنا معناه الذات، لا نثبت وجهاً بل نثبت ذاتاً لله جل وعلا.

    قلنا: نحن نثبت لله وجهاً يليق بجلاله، قال تعالى: إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا [الإنسان:9].

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (وأسألك لذة النظر إلى وجهك).

    وإذا قلنا إن قوله: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:26-27] المراد به الذات تنزلاً معكم فنقول: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ [الرحمن:27]، الله جل وعلا يبقى بذاته سبحانه فنقول: عبر بالوجه وأراد الذات مع إثبات الوجه له سبحانه، فهذا الذي نفترق عنهم فيه، لكن نتفق معهم: أن الله جل وعلا عبر عن ذاته بالوجه، فأنت إذا قلت: بما كسبت يداك معناه في لغة العرب معروف أي: بما اكتسبت أنت بنفسك، فنحن نثبت صفة الوجه، ومع إثبات صفة الوجه نثبت الذات، ونقول: إذا عبر عن الذات بالوجه فنحن نقر بإثبات الوجه لله.

    1.   

    إثبات صفة الصورة لله تعالى

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تضربوا الوجه ولا تقبحوه فإن الله خلق آدم على صورته)، وفي رواية النسائي : (فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن)، وهل ابن خزيمة في مسألة الصورة يثبت لله صفة الصورة أم لا ؟!

    نقول: هناك تأويلان: أولاً: الهاء في الحديث عائدة على المضروب، وليست عائدة على الله، فأخبره أن هذا المضروب خلق على صورة أبيه آدم عليه السلام، وهذا التأويل فيه ضعف؛ والحديث في الرواية الأخرى جاء بنص: (خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعاً)، إذاً: الهاء عائدة على آدم عليه السلام، فطوله ستون ذراعاً وسبعة أذرع عرضاً، وجاء بإسناد صحيح عند الطبراني وغيره: (أن الله خلق آدم على صورة الرحمن) فإذا قلنا: إن الله خلق آدم على صورة الرحمن فكيف نفهم هذا المعنى؟

    نقول: أولاً: لله صورة، وهي صفة من صفات الله، وهل الصورة تشبه صورة الإنسان؟ حاشا لله! فمعنى: (خلق آدم على صورة الرحمن) أن آدم متكلم كما أن الله متكلم، وأن آدم سميع كما أن الله سميع، وإن آدم بصير كما أن الله بصير.

    إذاً: خلق الله آدم على صورة الرحمن سميعاً بصيراً متكلماً، فهذا هو معنى الحديث.

    وابن خزيمة يقول: الصورة إضافتها إضافة مخلوق إلى خالقه. ونحن نخالفه في هذا، ولا يصح أن نقول: إن إضافة الصورة إضافة مخلوق إلى خالقه، بل هي إضافة معنى إلى الذات الموصوف بهذه الصفة.

    وفي القول الثاني لا يمنع أن نقول: طوله ستون ذراعاً مع إثبات الصورة لله، فلله يد وله أصابع، والدليل على أن لله أصابع حديث: (قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن)، واليهودي الذي أخبر النبي أن الله يضع السماوات على أصبع.. إلخ فأقره النبي صلى الله عليه وسلم وضحك إقراراً له.

    1.   

    إثبات صفة اليد لله عز وجل

    لو قيل: إنه قد ورد في صلح الحديبية لما قال عروة للنبي صلى الله عليه وسلم: (ما أرى حولك إلا أوباشاً من الناس أو قال أشواباً من الناس يفرون عنك، فقال أبو بكر : نحن نفر عن رسول الله؟ امصص بظر اللات، فقال: من القائل؟! قالوا: أبو بكر ، فقال له: لولا يد لك عندي ما كافأتك بها لأجبتك) اليد هنا بمعنى النعمة، فهذا دليل على أن معنى: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح:10] يعني: نعمة الله فوق أيديهم، لا كما تقولون -يا أهل السنة والجماعة- أن المعنى: يد الله فوق أيديهم دون مماسة، هل يد الله تلامس يد البشر؟! لا إذاً معناها النعمة.

    يرد عليهم أن الله قال في آية أخرى: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:75] فسيصير المعنى أن لله نعمتان، وهذا محال فإن نعائم الله لا تحصى.

    الجواب الثاني: لو قلنا بأن اليد بمعنى النعمة والنبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر هذا لصحابته الكرام إذاً قد قصر في البلاغ، وحاشاه صلى الله عليه وسلم من ذلك، ولو أولنا اليد هنا بمعنى القدرة لكان في ذلك حجة لإبليس حيث سيقول: وأنا يا رب خلقتني بقدرتك كما خلقت آدم بقدرتك، ولا يكون فيه تشريف وتكريم لآدم عليه السلام.

    1.   

    إثبات صفة العلم لله عز وجل

    صفة العلم لله جل وعلا ثابتة بالأدلة الواردة في ذلك، والذين نفوا علم الله جل وعلا لهم أقوال في ذلك، فالجهمية ينكرون العلم ويقولون: لا عليم ولا علم، والمعتزلة يثبتون الاسم دون الصفة.

    والقدرية: يثبتون العلم الأزلي لله عز وجل دون العلم الغيبي المستقبلي، فنفوا عن الله علم ما يكون في المستقبل؛ لأن القدرية يقولون: إن الله لا يعلم بأفعال العباد حتى يفعلوها، فهنا نفوا علم الله بما سيكون مستقبلاً، أما علم ما مضى فيقرون به لله تعالى، وعلم ما لم يكن لو كان كيف سيكون ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: العلم الممكن، والقسم الثاني: علم مستحيل، فمثال العلم الممكن قال تعالى: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ [التوبة:47] يعني: هؤلاء المنافقون إذا خرجوا في الصف المسلم نشروا فيه الذعر، وأعملوا فيه الفتنة حتى يرجعوا أدراجهم، فالمنافقون لو قدر الله أن يخرجوا لخرجوا، وهذا ممكن، لكن الله جل وعلا بعلمه للغيب منعهم حتى لا يفشلوا الصف المسلم.

    أما المستحيل فقال تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء:22] هذا من المستحيل أن يكون هناك رب غير الله جل وعلا، كذلك من المستحيلات: (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الأنعام:28]، كيف تكون هذه من المستحيلات؟

    أن الله كتب على نفسه أنه من ذهب إلى الآخرة لا يرد إلى الدنيا.

    وهناك من أعيد إلى الدنيا بعد موته، وهذه حالة خاصة.

    وعبد الله بن حرام عندما استشهد كلمه الله جل وعلا كفاحاً، فطلب من الله جل وعلا أن يرده إلى الدنيا ليقاتل في سبيل الله فيقتل، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله جل وعلا قال: (إني كتبت أنهم إليها لا يرجعون)، فلم يجب دعوته؛ لأن الله كتب أن من خرج من الدنيا لا يرجع إليها مرة أخرى.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.