إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. محمد حسن عبد الغفار
  4. سلسلة عبادات أهل الاسلام والإيمان وأهل الشرك والنفاق
  5. عبادات أهل الإسلام والإيمان وأهل الشرك والنفاق - مقدمة كتاب قاعدة عظيمة في الفرق

عبادات أهل الإسلام والإيمان وأهل الشرك والنفاق - مقدمة كتاب قاعدة عظيمة في الفرقللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • شيخ الإسلام ابن تيمية من الأئمة الأفذاذ الذين منّ الله تعالى لهم على هذه الأمة، وقد ولد في عصر كان العالم أحوج ما يكون إلى فقهه وعلمه، وذلك لما جاء به من حمل راية التجديد ومحاربة ما يخالف الدين، وأعانه على ذلك قوة علمه وحصافة فهمه كما شهد له بذلك علماء عصره، ومن كتبه الجديرة بالعناية كتاب: قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق.

    1.   

    مقدمة تعريفية بشيخ الإسلام ابن تيمية

    مولده ونشأته

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] .

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71] .

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    الإخوة الكرام: نحن على موعد مع كتاب منهجي مهم جداً، يتكلم فيه مؤلفه على التوسل المشروع والتوسل الممنوع، ويتكلم فيه عن زيارة القبور، ولكن لا بد لنا من مقدمة بين يدي هذا الكتاب.

    واسم الكتاب: قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق، وهذا الكتاب هو من تأليف شيخ الإسلام أحمد ابن عبد الحليم بن تيمية رحمه الله، وشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية توفي سنة سبعمائة وثمانية وعشرين.

    إن ولادة الإمام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية تظهر حكمة الله جل في علاه، وتظهر أن الله جل في علاه ما شرع هذا الدين إلا ليحفظه مصداقاً لقوله جل في علاه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9].

    فيوم مولد شيخ الإسلام هو يوم موت سلطان العلماء العز بن عبد السلام ففي سنة وفاته جعل الله تعالى شمس شيخ الإسلام تشرق على الدنيا.

    أيضاً الإمام أبو حنيفة كان موته ينبئ بولادة الإمام الشافعي ، فـالشافعي ولد بعد موت الإمام أبي حنيفة ، وهذا يدل على أن الله جل في علاه يحفظ دينه، فـالعز بن عبد السلام كان آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، وسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية كانت كسيرة سلطان العلماء العز بن عبد السلام حذو القذة بالقذة.

    وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يجهر بالخير آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر، سواء كان باللسان أوبالسنان ، وولد بحران.

    مكانته العلمية

    كان ابن تيمية عالماً نحريراً، ولو قلتُ: إنه العلم الأوحد الفرد والبحر الذي لا ساحل له ما أبعدتُ، فهو نحرير في اللغة، نحرير في البلاغة، نحرير في الحديث، نحرير في الفقه، نحرير في الفلسفة، نحرير في العقيدة، وما من علم إلا وغاص فيه شيخ الإسلام ابن تيمية ، كما قال عنه ابن القيم : إنه بحر لا ساحل له.

    لقد كان الإمام ابن تيمية ينافح عن دين الله باللسان وبالسنان، وكان العلماء قاطبة يمدحون شيخ الإسلام ، العدو منهم والحبيب.

    إن الإمام ابن تيمية حفظ كتاب الله جل في علاه من الصغر، ثم بعد ذلك حفظ الصحيحين، ثم تعلم فقه الإمام أحمد بن حنبل ، ثم قرأ فقه الإمام الشافعي ، ويقال: إنه أخذ هذا العلم على الإمام النووي لكن يُرجع للتاريخ في هذا؛ لأن في هذه النسبة نظراً.

    وأخذ أيضاً فقه المالكية وفقه الأحناف، ولذلك قالوا: كان إذا ناظر شافعياً تراه أعلم من هذا الشافعي بفقه الشافعي ، وإذا ناظر المالكي كان أعلم بمذهب المالكية من المالكي، وكان شيخ الإسلام محرراً لمواطن النزاع، مرجحاً لأبواب الفقه والحديث.

    وكان شيخ الإسلام ابن تيمية محدثاً حافظاً.

    لقد كان العلماء يختلفون في علومهم فمنهم من يكون مشتغلاً بالفقه، ومنهم من يشتغل بالنحو، ومنهم من يشتغل بالحديث، أما شيخ الإسلام فاشتغل بكل هذه العلوم، وفاق العلماء في كل هذه العلوم.

    شهادة العلماء له

    دخل على شيخ الإسلام ابن تيمية علم من أعلام الأمة وكان هذا العلم مفخرة للمصريين في العصر المتأخر، وهو ابن دقيق العيد وكان ابن دقيق العيد عالماً نحريراً، وكان من العلماء في علم الحديث وعلم الفقه، كان مالكياً، ثم بعد ذلك انتقل إلى الفقه الشافعي، فأتقن علم المالكية وعلم الشافعية، وكان هو القاضي في مصر، وكان أحمد بن طولون على مذهب الإمام مالك ، وكان الإمام ابن دقيق العيد هو المستشار الوحيد له، وهو قاضي القضاة في مصر.

    فسمع ابن دقيق العيد عن شيخ الإسلام ابن تيمية فرحل إليه إلى الشام، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية شاباً يافعاً، فدخل ابن دقيق العيد على شيخ الإسلام ابن تيمية فسلم عليه وتكلم معه في مسألة علمية، فسكت ابن دقيق العيد وأخذ شيخ الإسلام يشرق ويغرب شمالاً وجنوباً في الكلام على ما يخص هذه المسألة بكل الأدلة من الكتاب ومن السنة ومن النظر ومن الأثر، فلما سمع ابن دقيق العيد ذلك منه لم يرد عليه بشيء وبعد أن سلم عليه خرج من مجلسه، فقام الناس صفوفاً يسألون ابن دقيق العيد : هل رأيته؟ قال: رأيته. قالوا: كلمته؟ قال: كلمته. قالوا: ماذا تقول فيه؟ قال: أقول: لم ير مثل نفسه. وهذه شهادة من ابن دقيق العيد لشيخ الإسلام ابن تيمية .

    وكفى فخراً لـشيخ الإسلام أن كل الطوائف من أهل البدع يستدلون به.

    وكان الرجل كما يقول المؤرخون: لا يعرف الفرق بين الدرهم والدينار.

    وكان كما قال ابن القيم : إذا نزلت بنا الملمات نزلنا على مجلس شيخ الإسلام فاطمأنت قلوبنا. قالوا: وكنا ننظر إلى شيخ الإسلام فتطمئن قلوبنا. فهذا الرجل كأن الله لم يخلقه لهذه الدنيا، إذ لا يعرف شيئاً عن هذه الدنيا، ولذلك ابتلي ابتلاء شديداً ونزلت عليه النكبات تترا؛ لأنه كان ينافح عن دين الله جل في علاه.

    والإمام الذهبي ترجم لشيخ الإسلام ابن تيمية قريباً من ثلاثة أسطر، وذلك لأنه يقول: شيخ الإسلام ابن تيمية يغني عنه ترجمته.

    وقد كان الذهبي يقول: إن الحديث الذي لا يعرفه شيخ الإسلام ليس بحديث، وهذا يدل على سعة علم الرجل واطلاعه، ولذلك قالوا: إنه في عصر ابن تيمية لم يحفظ أحد مسند أحمد إلا ابن تيمية.

    و الإمام ابن كثير يقول: رأيت في الدنيا ثلاثة: ابن تيمية وابن دقيق العيد والثالث المزي صاحب تحفة الأشراف، وكان المزي عالماً نحريراً في علم الرجال، قال ابن كثير : فدخلت عليهم، فرأيت أحفظهم لمتن رسول الله في الحديث شيخ الإسلام ابن تيمية ، ورأيت أعلمهم بالرجال المزي ، ورأيت أفقههم في المتون ابن دقيق العيد.

    وكان هذا في صغر سن شيخ الإسلام ابن تيمية ، لكن لما كبر سن شيخ الإسلام ابن تيمية واتسعت العلوم والفهوم عنده أصبح لا نظير له ولا ند له.

    محنته وكراماته ووفاته

    ابتلي شيخ الإسلام ابتلاء شديداً، فأولاً: سجن، ثم بعد ذلك نفي، ثم بعد ذلك مات في سجنه، وكان يقول: ماذا يريد أعدائي مني؟ إن سجنوني فسجني خلوة بربي، وإن قتلوني فقتلي شهادة، وإن نفوني فنفيي سياحة، لذلك حاروا فيه فاجتمعوا جميعاً وقال بعضهم: اقتلوه، وقال الثاني: لا، اقطعوا لسانه، وقال الثالث: عزروه.

    فانظروا إلى كرامات شيخ الإسلام ابن تيمية فإنه ما لبث بعدما قالوا ذلك كثيراً إلا والذي قال: اقتلوه قد قتل، والذي قال: اقطعوا لسانه قد قطع لسانه، والذي قال عزروه قد عزر!! وهذه كرامة لشيخ الإسلام ابن تيمية.

    والكرامة الأعظم له حدثت عند موته، وذلك أنه نزل مصر -وهذه الرسالة تهتم بما قاله في مصر- ليبين لهم التوسل المشروع والتوسل الممنوع، والكلام على الأموات، والكلام على الحلف بغير الله، وشد الرحال للقبور، فأبطل هذه الأصول، فحسدوه، ثم سجنوه، ثم بعد ذلك عندما خرج من سجنه سجنوه في الشام حتى مات، وصدق فيه كلام الإمام أحمد حين قال: بيننا وبينهم الجنائز. فقال ابن القيم وابن كثير : وأما جنازة ابن تيمية فكانت أعظم ما تكون، اجتمع فيها الرجال والشيوخ والأطفال والنساء والنصارى واليهود، أو قال: والنصارى. فاجتمع هؤلاء جميعاً في جنازة ابن تيمية تكريماً من الله له كما كرم الله قبله صحابة رسوله والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

    وكانت وفاته في سنة (728هـ) فرحمه الله رحمة واسعة.

    1.   

    مقدمة في قاعدة مهمة في العبادة

    الفرق بين التوسل والاستغاثة بغير الله

    إن هذا الكتاب العظيم يختص بتوحيد العبادات.

    قبل أن أدخل على الكتاب أذكر قاعدةً مهمةً جداً ألا وهي:

    إن كل عبادة ثبت بالشرع أنها عبادة فصرفها لله توحيد وصرفها لغير الله شرك.

    وهذا قوام كل ما سنأتي عليه بالتفصيل، ومعنى (ثبت بالشرع) أي: بالكتاب أو السنة، وبالمثال يتضح المقال:

    قال الله تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:60]فقوله: (ادعوني) فيه دلالة على أن الدعاء عبادة صرفها لله توحيد وصرفها لغير الله شرك.

    أولاً: نثبت أن الدعاء عبادة بالدليل، قال الله تعالى: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الدعاء هو العبادة)، أو قال: (الدعاء مخ العبادة) .

    إذاً: لدينا حديثان وآية، الآية قوله تعالى: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ، والحديث: (الدعاء مخ العبادة) وهو حديث ضعيف، والحديث الصحيح هو: (الدعاء هو العبادة).

    ونريد تطبيق القاعدة السابقة على عبادة الدعاء، والمثال: لو أن رجل نزلت به البلايا فاعتكف في المنبر ودعا ربه عز وجل فقد أتى بالتوحيد عملاً بقول الله تعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ [النمل:62] .

    لكن هناك رجل ذهب إلى البدوي يدعوه مخاطباً: فقال يا بدوي ، أنت عند ربك الآن، وأنت ولي من أولياء الله الصالحين، وإن الكربة قد نزلت بي فأرجو أن تدعوَ الله لي أن يكشف عني هذه الكربة، وهذه كرامة لك؛ لأنك من أولياء الله الصالحين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فهل هذا الرجل الآن صرف العبادة لغير الله، أم لم يصرفها لغير الله؟

    قبل الجواب نتذكر القاعدة وهي: أن كل عبادة ثبت بالشرع أنها عبادة فصرفها لله توحيد وصرفها لغير الله شرك.

    نذكر مثالاً آخر ليتضح المقال أكثر: جاء رجل آخر إلى البدوي وقال له: يا بدوي ! نزلت بي الكربة فاكشف عني هذه الكربة وأعطني.

    فما هو الفرق بين المثال الأول والمثال الثاني؟

    الجواب: إننا قلنا: إن العبادة إذا ثبت بالشرع أنها عبادة فصرفها لله توحيد وصرفها لغير الله شرك، فالأول عندما قال للبدوي : يا بدوي! أنت قريب من ربك، ادع الله أن يكشف عني الكربة، فهو لم يدع البدوي ، وهذه هي مسألة التوسل، وهي مسألة أخرى سنتكلم عنها، وواجب على طلبة العلم وغيرهم أن يعرفوا التفريق بين الشرك الأصغر والشرك الأكبر، وبين التوسل والاستغاثة والطلب، فالأول لما ذهب إليه وقال: ادع الله لي ففعله هذا توسل وليس بدعاء، فهو ما طلب منه أنه يجلب له الخير، أو يدفع عنه الضر، بل طلب من الله أن يدفع عنه الضر ويجلب له الخير، ولكن عن طريق دعاء هذا الولي، فيعتبر هذا توسلاً وليس من الاستغاثة وإن كان بينهما عموم وخصوص.

    وفي الصورة الثانية: عندما قال الرجل: يا بدوي ! اكشف عني الكربة، فقد صرف عبادة لغير الله، وهذه العبادة هي الدعاء.

    الفرق بين الشرك في النذر والمعصية به

    المثال الثاني: النذر عبادة، ومعروف مشهور بين العامة أنهم يقولون: نذرت للسيدة زينب شمعاً لنجاح ابنتي، فهل هذا يجوز أو لا؟

    نرجع للقاعدة قبل أن نقول: يجوز أو لا يجوز، ونضبط المسألة أولاً ونقول: هل النذر عبادة أو لا؟

    الجواب: النذر عبادة، الدليل على ذلك قوله تعالى: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ [الإنسان:7] ووجه الدلالة سنعرفه من خلال بيان تعريف العبادة، والعبادة هي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.

    وبعد هذا التعريف نقول: إن الله تعالى إذا مدح شيئاً فقد أحبه، وسياق آية النذر سياق مدح؛ لأن الله إذا مدح عباده بفعل شيء فقد دل ذلك على أن هذا الشيء عبادة؛ لأن الله يحبه وقد مدحه، فالله لا يمدح إلا ما يحب، وهذا هو وجه الدلالة استنباطاً.

    أما التأصيل الصريح فهو في قول الله تعالى: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا [مريم:26]، ووجه الدلالة في ذلك هو إقرار الله لها على النذر، فدل ذلك على أنه عبادة.

    وأيضاً في الآية الأخرى قال تعالى: إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا [آل عمران:35]، وهي نذرت هنا للمسجد، وهذا فيه دلالة على أن النذر عبادة، فإذاً: النذر عبادة فصرفها لله توحيد وصرفها لغير الله شرك.

    مثال آخر:

    رجل قال: إن ابني مريض فإن شفي الله ابني فسأتصدق بألف درهم.

    والثاني قال: إن ابني إن نجح لأذبحن عند البدوي ذبيحة وأفرقها على الفقراء.

    والثالث قال: إن أتى أبي ورأيته بعيني، فامرأتي طالق.

    فالصحيح في ذلك أن نقول: إن النذر الأول توحيد؛ لأنه عبادة صرفه لله جل في علاه.

    والنذر الثاني فيه توحيد وفيه شرك، والنبي صلى الله عليه وسلم بين أن الذبح في مكان يعبد فيه غير الله جل في علاه منهي عنه، ولما رأى رجلاً يذبح إبلاً ببوانة نهاه صلى الله عليه وسلم عن ذلك؛ لأنه قد كان فيها صنم يعبد، وإنما نهاه لأنه ذريعة للشرك ولا يقال له: شرك؛ لأنه لم يصرف عبادة لغير الله جل في علاه، بل هو نذر أن يذبح لله، فإذا نذر أن يذبح لله فهو توحيد لله وليس شركاً، لكنه وقع في منهي عنه وهو أنه ذبح في مكان يعبد فيه غير الله جل في علاه.

    وأما الثالث فهو نذر ينزل منزلة اليمين المعلقة، على قول الجمهور، وأما على قول شيخ الإسلام ابن تيمية فينظر في نيته: إن كانت نيته تهديداً فلا تطلق زوجته، وإن كانت نيته الطلاق فتطلق امرأته.

    ختاماً لهذه المسألة نقول: إن العبادة هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة. قال ابن القيم : وتدور رحى العبادة على خمسة عشر أمراً، وذلك أن المكلف يتكون من لسان وقلب وجوارح، وأحكام الشرع التكليفية خمسة: واجب، ومستحب، ومباح، ومكروه، ومحرم. فيتعلق بكل عضو من الأعضاء سواء القلب أو اللسان أو الجوارح خمسة أحكام.

    فالحاصل من ضرب ثلاثة أعضاء في خمسة أحكام يساوي خمسة عشر أمراً.

    فيجب على القلب التصديق، وهو قول القلب، ويجب عليه التوكل والإنابة والخوف والرجاء فكل ذلك من واجبات القلب، أما واجب اللسان فهو قول لا إله إلا الله، فلن يدخل أحد الإسلام إلا بقوله: لا إله إلا الله محمد رسول الله.

    وأما واجبات الجوارح فالصلاة والجهاد وغيرها، فالثلاثة الأعضاء لكل عضو منها خمسة أحكام، فتكون الجملة خمسة عشر أمراً كما قال الإمام ابن القيم .

    وللعبادة ركنان: غاية الذل مع غاية المحبة.

    وشروط العبادة: الإخلاص ومتابعة النبي صلى الله عليه وسلم.

    والعبادة عبادتان: عبادة عامة وعبادة خاصة.

    أو: عبادة القهر: وهي عبادة الربوبية.

    وعبادة الاختيار: وهي عبادة الإلهية، إذاً العبادة عبادتان: عبادة عامة ويدخل فيها المؤمن والكافر والمشرك, وعبادة خاصة وهي لا تكون إلا من المؤمن وهي العبادة الاختيارية.

    فعبادة القهر هي عبادة الربوبية التي قال الله عنها: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم:93] فسواء كنت طويلاً أو قصيراً، أو أبيض أو أسمر، إذا أراد الله أن يقدر عليك المرض فلا تستطيع أن ترد هذا القدر، بل أنت فيه عبد لله رغم أنفك، قال الله تعالى: وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا [آل عمران:83] ، فهذه هي عبادة القهر.

    والعبادة الثانية خاصة بالمؤمنين: وهي عبادة الإلهية التي قال الله فيها: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23]، فهل كل الناس عبدوا الله جل في علاه؟ لا، بل منهم من عبد ومنهم من لم يعبد الله جل في علاه، فهذه هي العبادة الاختيارية.