إسلام ويب

تيسير أصول الفقه للمبتدئين - العرفللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جاء الشرع الحنيف برفع الحرج والتخفيف عن الأمة المسلمة، فما كان من أمر الدنيا فهو راجع إلى ما تعارف عليه الناس، من أجل ذلك لا يجوز الحظر على شيء من أمور الدنيا إلا إذا خالف نصاً شرعياً أو أفضى إلى مفسدة راجحة، والعرف منه ما هو عرف دنيوي ومنه ما هو عرف ديني. فالدنيوي: ما تعارف عليه الناس من أقوال أو أفعال، والديني: ما علق الشارع الحكم فيه على لفظ لم يجعل له حداً شرعياً ولا لغوياً. والعرف لا يكون دليلاً مستقلاً إلا عند مجيء الحكم الشرعي معلقاً على لفظ لم يحده الشرع ولا اللغة.

    1.   

    تعريف العرف

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    نتكلم عن الأدلة التي يستدل بها أصحاب الأصول على الأحكام، وقد سبق وأن تكلمنا عن شرع من قبلنا، وعن قول الصحابي، وهذه الأدلة مختلف فيها، وسنتكلم بمشيئة الله تعالى عن العرف.

    العرف لغة: المتعارف عليه بين الناس.

    واصطلاحاً: هو ما ألفه مجتمع -وليس فرد- من أمور الدنيا، من غير حظر من الشارع، سواء كان قولاً أو فعلاً أو تركاً.

    1.   

    الفرق بين العرف والعادة

    والعرف والعادة عند الفقهاء بمعنى واحد، ولذلك عندهم قاعدة فقهية تقول: العادة محكمة.

    والفرق بين العرف والعادة: أن العادة هي: الشيء المألوف سواء كان عند فرد أو جماعة.

    وأما العرف فهو: الشيء المألوف الخاص بجماعة.

    وعليه فإن العادة أعم من العرف، فكل عرف عادة، وليس كل عادة عرفاً.

    وبينهما فارق في القاعدة الأصولية، وقد بينا أن هناك فوارق بين القواعد الفقهية والقواعد الأصولية، كما سنبين أن العرف لا بد من ضبطه، وأنه دليل شرعي في وجه، ولا يؤخذ دليلاً شرعياً في وجه آخر.

    1.   

    شروط اعتبار العرف في الأمور الدنيوية

    هناك أعراف دنيوية وأعرف دينية، والفارق بينهما: أن الأعراف الدينية جاء النص بها، ولكنه أطلقها في بعض المواضع.

    الأعراف الدنيوية أقوال وأفعال، وحتى تعتبر هذه الأعراف لا بد لها من قيود:

    القيد الأول: ألا يخالف دليلاً شرعياً؛ لأن هناك كثير من الناس يقعون في مسائل ولا يعرفون هل فيها سعة من الشرع أو تضييقاً من الشرع؟ فلا بد لكي يكون العرف معتبراً في المجتمع -مجتمع الإسكندرية مثلاً- مأخوذاً به: ألا يخالف دليلاً شرعياً.

    القيد الثاني: ألا يؤدي إلى مفسدة.

    القيد الثالث: أن يفضي إلى مصلحة راجحة.

    فقولنا: (ألا يخالف دليلاً شرعياً) خرج به: أعراف الجاهلية، كالاستبضاع، وهو: أن تذهب المرأة لأكثر من واحد، فتذهب إلى عظيم القبيلة الفلانية فيطؤها، وتذهب إلى عظيم القبيلة الفلانية الآخر فيطؤها، وهذا ما يسمى بـ(تشريف النسب)، فجاء الشارع وألغى هذا، واعتبره سفاحاً لا يجوز.

    أيضاً: كانوا يتعاملون بنكاح المتعة، ثم جاء الشرع فألغاه.

    كذلك: كانوا يتعاملون بربا الفضل، وهو: أن يكون الدرهم بدرهمين، والدرهمين بثلاثة، وقد كان هذا في أول الإسلام مباحاً، ثم نسخ على الراجح، وهو الذي تمسك به ابن عباس، والمقصود: أن الشرع جاء فألغاه.

    فهذه بعض الأمور التي كانت أعرافاً في الجاهلية فألغاها الشرع، وهناك أعراف أخرى جاء الشارع فأقرها مثل: الدية على العاقلة، فقد كان معروفاً أن الدية على كل الأقرباء من عصبة أو ولاء، وكل هؤلاء يدفعون الدية، أي: أن الدية على العاقلة، فجاء الشرع فأقرها.

    وأيضاً: المضاربة، فقد كانت معروفة قبل الإسلام، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يضارب بمال خديجة رضي الله عنها وأرضاها، فجاء الشرع فأقر هذا العرف.

    وأما بالنسبة للقيد الثاني وهو: ألا يؤدي إلى مفسدة، فلو قلنا -على سبيل المثال- بأن الراجح أن الفخذ ليس بعورة كما بينا فقهياً، وكان في عرف المجتهد: أن كل الشباب يمشون في الساحة بالشورت، وهو: البنطلون القصير، فلا نقول: إن العرف هنا يحكم أو العادة محكمة؛ لأنه سيؤدي إلى مفسدة، وهي: فتنة النساء بهؤلاء الرجال، وكذا لا يعني العرف: أن كل إنسان حر ما لم يضر؛ لأنه سيضر وسيؤدي إلى مفسدة،

    فالعرف لو أدى إلى مفسدة لا بد أن يلغى.

    وأيضاً: لا بد أن يؤدي العرف إلى مصالح.

    ومثال ذلك: بيع السلم والمضاربة كما سنبين.

    1.   

    العرف في الأمور الدنيوية

    الأعراف الدنيوية قولية وفعلية.

    فأما القولية فمثلاً: المصطلحات عند أرباب الحرف، فهي تصح حتى ولو كانت كلمات مستقبحة عند بعض الناس، لكنها عند بعض المجتمعات أعراف معروفة، فليس فيها شيء.

    مثال ذلك: استخدام لفظ (الولد)، فكثير من المجتمعات إذا قيل: محمد رزقه الله ولداً، وعقيقته الأسبوع القادم، يتبادر إلى الذهن أنه ذكر، مع أن (الولد) لفظ يطلق على الذكر والأنثى، ومع ذلك نحن نقول: الولد في عرف المجتمع يسمى ذكراً، ويفيدنا هذا في الهبة، فلو جاء رجل من بعيد وقال: إني أحبك فخذ هذا وأعطه لولدك، فيعطى لمحمد أو أحمد، ولا يعطى للبنات؛ لأنه قال: أعطه لولدك، والولد في العرف هنا يطلق على الذكر، أيضاً العرف هنا محكم.

    ومن الأقوال أيضاً: اللحم، يطلق في العرف على: لحم البقر والغنم والبعير، ولكن لا يطلق على السمك، مع أنه بلسان الشرع يطلق على السمك أيضاً: قال تعالى: لَحْمًا طَرِيًّا [النحل:14]، وهذا يفيدنا في القسم وفي الطلاق.

    فمثلاً: لو دخل رجل على امرأته ورأى وجهها فلم يعجبه، فقال لها: أنت طالق لو لم تأكلي هذا النهار لحماً، فأتت بسمك وأكلت منه، فحكمها طالق في العرف، ولو واحد قال: والله لا آكلن اللحم أسبوعاً، وكل يوم يأكل سمكاً، فهذا لم يحنث في يمينه؛ لأن السمك في العرف لا يسمى لحماً.

    ومن الكلمات التي تنتشر بين العامة ولا يفقهونها، ولو طبق الشرع لجلدوا عليها مائة جلدة، وهذه الكلمة لا أستطيع أن أنطقها، لكن أتكلم بحروفها وهي: الخاء والواو واللام، وهذه الكلمة كثير من الساقطين والساقطات يلوكها بلسانه، ويتكلم بها، وهو لا يدري معناها، وفي اللغة العربية معناها: بوأته مكانة، فتقول: خولت محمداً مكانة كذا، أي: بوأته مكانة، لكن إذا قالها واحد لآخر فالعرف الآن جارٍ على أنه يقصد بها: مسبة، وهي: فعل قوم لوط، وهذا الذي أخذ به الإمام مالك بأن القرائن المحتفة يمكن أن تقيم الحدود، ولا يبقى فيه شبهة تدرأ بها، وهذا هو الصحيح، فلو قال واحد لواحد: يا كذا! بهذه الكلمة، وهي في العرف غلبت على اللغة، وهي الآن مسبة فيجلد عليها مائة جلدة، فالعرف يحكم، ونقول: هذا قاذف، ولا بد أن يجلد مائة جلدة؛ ولذلك كثير من العامة يسقطون في مثل هذه الكلمة، ولا يلقون لها بالاً، فلابد أن يجلدوا مائة جلدة بسبب هذه الكلمة.

    وأما الأعراف الفعلية الدنيوية، فنمثل لها بمسألة تهم كل عاقد: ففي الخطوبة يأتي الخاطب بهدايا، ويشتري ذهباً، وهو ليس من المهر في شيء، ويعطيها للمخطوبة مودة ومحبة، أسبوعاً، أو أسبوعين، أو ثلاثة، ثم تكشر له عن أنيابها، ويعرف حقيقتها، فيقول: أنا لم أدخل بك، ولم أعقد عليك، لكن أنت طالق إلى يوم الدين.

    فهذه الهدايا التي أتى بها لا تعتبر من المهر؛ لأنها في العرف تعتبر هدايا، فلا يجوز له أن يأخذ شيئاً منها، حتى لو عقد عليها، وكتب المهر وأتى لها بالشبكة، والشبكة متعارف عليها أنها من المهر، وإن كانت هدية، فتأخذ حكم الهدية، والمتعارف عليه أن كل الهدايا التي أتى بها لا يمكن أن ترد له؛ لأنها ليست من المهر، بل العرف يقول: إنها هدايا، وتسمى هدايا، وهذا عرف سائد بين المجتمعات المصرية على أن كل شيء يأتي للزوجة من الهدايا لا ترد، وإن حدث طلاق؛ لأنها هبة قال صلى الله عليه وسلم: (الراجع في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه) والصحيح: أن هذه من الأعراف المتعارف عليها.

    ومسألة: تقسيم المهر: المعروف أنه يجب أن تعطي المهر كله، ولكن المأذون الشرعي عندنا يكتب المقدم ربع جنيه لكي لا يعطيها شيئاً، والمؤخر أربعين ألفاً، ولا يعلم المسكين أن المؤخر دين في ذمته، ولو مات سيحبس في قبره، فإذا كتب على نفسه مؤخراً فهو دين في ذمته، إلا أنه يضحك عليها حتى تقول: أسقطت ما عليك.

    والمهر في العرف ينقسم إلى: مقدم ومؤخر، وهذا كله يسمى مهراً، وهو لم يعطها شيء، فلما يحدث التشاحن والتباغض والتدابر، ولا يستطيع هو أن يقيم دين الله معها، ولا تستطيع هي ذلك، ففي الطلاق يقول لها: ليس لك عندي إلا المؤخر، ويكون المقدم خمسة آلاف والمؤخر عشرين ألفاً، فليس لك عندي إلا العشرين ألفاً، والصحيح: أن لها الخمسة والعشرين ألفاً؛ لأن المقدم والمؤخر كله يسمى مهراً، ولكن بالعرف قسم إلى مقدم ومؤخر، وهو شرعاً يسمى مهراً.

    كذلك: البيع بالتعاطي: مثل رجل يريد أن يستأجر سباكاً فيقول: ائتوا بالسباك فيأتي السباك، ولا يتكلم، ويصلح الصنبور بدون كلام، ويأتي بالبضاعة وينتهي منها. فيسأله: كم تريد؟ ويأخذ عشرين جنيهاً، وهذه عامة في الأعراف أنه لن يقول له: أستأجرك لتصليح الصنبور بكذا، بل يأخذ الأجرة عرفاً، فأي سباك معروف أنه يأتي ويصلح الصنبور بعشرة جنيهات، فهو يصلحها، ويأتي بالجلدة، ويعمل كل ما عليه، فيعطيه عشر جنيهات دون أن يقول له: استأجرتك، ولا الآخر يقول: قبلت، وهذا فرع عن أصل، والأصل هو: بيع المعاطاة، وهو: أنه يأتي ويأخذ عشرين رغيفاً، ويترك للرجل المال من غير أن يقول له: أشتري منك، أو البائع يقول له: بعتك العشرين رغيفاً بعشر جنيهات، والآخر يقول: قبلت، فمتعارف عليه بين الناس أنه يضع العشر جنيهات ويأخذ العشرين رغيفاً ويذهب، فالعرف يتحكم في مثل هذه المسألة أيضاً.

    1.   

    العرف الديني

    تعريفه وترتيبه

    العرف الديني هو: أن يعلق الشارع الحكم على لفظ لم يجعل له حداً شرعياً ولا لغوياً.

    والقاعدة عند العلماء: ما لم يحده الشرع تحده اللغة، وما لم تحده اللغة يحده العرف، وهذا هو الترتيب الصحيح.

    مثال ما حده الشرع: الصلاة: فالصلاة لها حد شرعي وحد لغوي، فهي أعم في اللغة، ولكن حدها في الشرع هو: حركات مخصوصة في أوقات مخصوصة، فإذا قال الله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [البقرة:43] فقام رجل ورفع يديه ودعا، فقد أخطأ؛ لأن هذا هو الحد اللغوي، ونحن نقول: إن الحد الشرعي يقدم.

    كذلك: قال الله تعالى: وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43] هذه لها حد شرعي وهو: اثنين ونصف في المائة بعد بلوغ النصاب وحولان الحول.

    وأيضاً: قال الله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97] له حد شرعي.

    والذي حد لغوياً: كالشمس، فالشمس لها حد معروف في اللغة، وكذلك القمر، والليل، والنهار.

    الأحكام التي علقت على اللفظ ولم تحد شرعاً ولا لغةً

    هناك أحكام علقها الشارع على ألفاظ، وهذه الألفاظ ليس لها حد شرعي ولا لغوي، وأمثلة ذلك:

    قال الله تعالى عن كفارة اليمين: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ [المائدة:89] ولا يوجد تحرير رقبة الآن، فلو وجد رجل ميسور وأقسم يميناً فوجد غيره هو أفضل منه، نقول له: ائت الذي هو خير، ثم كفر عن يمينك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، والتكفير بإطعام عشرة مساكين يكون كما قال تعالى: مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ... [المائدة:89]، وهذا حسب العرف.

    فمثلاً: الذي يسكن في مبنى بآلاف، وهو يطعم أهله كل يوم لحماً أو سمكاً أو دجاجاً فلما يكفر نقول له: كفر من أوسط ما تطعم أهلك.

    ومثلاً: رجل في كرموز ما عنده طعام إلا ما أعطاه الله جل وعلا لسد حاجته، فنقول له: أطعمهم البر أو الشعير، أطعمهم من أوسط ما تطعم منه أهلك، والكل يأكل قشر الفول وليس الفول، فإذا أطعمت فأطعم بقشر الفول، المهم أنك تطعم من أوسط ما تطعم به أهلك.

    ومن الأمثلة أيضاً: الوصي الذي يكون ولياً على مال يتيم، فمحرم عليه في مال اليتيم أن يحرقه أو يأكله، ولكن يمكن له أن يتجر فيه، وأن يرعاه، وقد بين الله تعالى أن له حالتين:

    الحالة الأولى: أن يكون ولي اليتيم غنياً.

    الحالة الثانية: أن يكون فقيراً.

    فالله جل وعلا بين لنا الحكم في الحالتين، قال الله تعالى: وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ [النساء:6] أي: لا يجوز له أن يأخذ شيئاً من مال اليتيم، وقال تعالى: وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ [النساء:6]، أي: إباحة الأكل بشرط ما تعارف الناس عليه، وإن جاءه ضيف أعطاه حاجته فقط، دون أن يرتقي عن المعروف في طعامه كل يوم.

    ومن الأمثلة كذلك: قال الله تعالى: وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ [الطلاق:2] والعدالة تفتقر إلى العرف، وضابطها: خلو المرء من الفسق وخوارم المرءوة، وهي: ملكة يكتسبها المرء تربأ بنفسه أن يقع في الكبائر، أو يصر على الصغائر.

    ويفسق الإنسان إذا أتى الكبائر دون توبة، فإن تاب فليس بفاسق.

    فمثلاً: لو زنى شخص، ثم تاب توبة نصوحاً، سواء تاب بينه وبين ربه، أو أقيم عليه الحد، فإنه ترجع عدالته كما هي ولا تسقط، فمن فعل كبيرة ولم يتب فهو فاسق، أو فعل صغيرة واستمر عليها فهو كذلك، كالرجل الذي ما من امرأة تمشي أمامه إلا ونظر إليها، فتمر الأولى فيتبعها بصره، ثم تمر الثانية ويتبعها بصره، ويأتي اليوم الآخر ويقول له الرجل: اتق الله في نفسك، فتمر الأولى فيتبعها بصره، والثانية، وهكذا هو مصر على الصغائر، أو رجل قبل امرأة فيقول: هذا التقبيل ليس فيه شيء، وليس كبيرة، فيقبل الأولى، ويقبل الثانية، ويصر على التقبيل، فنقول له: أنت فاسق؛ لأنك أصريت على الصغائر، فالفسق علامته: فعل الكبائر دون توبة أو الإصرار على الصغائر، وخلو الرجل من الفسق نصف عدالة، والنصف الثاني: خلوه من خوارم المروءة، والمروءات هنا ترجع للعرف.

    ومثال خوارم المروءة الأكل ماشياً، وأذكر أن البخاري مر على رجل كان يريد منه حديثاً فنظر إليه فوجده يأكل تمرة على بابه فرجع وتركه، ورأى البخاري أيضاً محدثاً فذهب إليه ليأخذ منه الحديث فوجده يشير إلى الحمار: أن تعال أعطيك، ولا يوجد شيء، وقرب إليه القفة التي فيها الشعير ولم يكن فيها شعير فتلهف الحمار على القفة فما وجد شعيراً، فـالبخاري قال: أما أطعمته؟ قال: أنا أسليه، قال: تكذب على الحمار! والله لا آخذ منك حديثاً للنبي صلى الله عليه وسلم، وتركه، ورأى أن هذا خارم للمروءة، واليوم لو واحد يفعل ذلك مع الحمار فهو صادق مصدوق، والمهم ألا يكذب على البشر، ونحن نفعل ذلك مع الحمار، ومع الذين أتوا بالحمار، والصدق فينا أصبح عزيزاً، ويغفر الله لنا، وأقلنا كذباً، أو أكثرنا صدقاً الذي يعرض، ويعيش على التعريض، هذا أفحلنا صدقاً ويغفر الله لنا.

    دخل راوٍ من الرواة على شخص فقال له: تحدثني وأنت تأكل، أما تخشى أن تسقط مروءتك؟ قال: تحدثني الآن عن المروءة، هذا كان في القرن الثالث، فالمروءات ذهبت مع أصحاب المروءات، والجلوس في الطرقات ليس من خوارم المروءة، وأنكر علي البعض أننا كنا نتحدث في بعض المسائل الشرعية، ونحن نجلس في الطريق -والجلوس في الطرقات ليست من خوارم المروءة شرعاً- والنبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن الجلوس في الطرقات، فقالوا: (يا رسول الله! ما لنا من مجالسنا، بد قال: فأعطوا الطريق حقه) وحق الطريق:

    غض البصر، ورد السلام، وكف الأذى.

    والجلوس في المقاهي من خوارم المروءة، فإذا رأيت رجلاً أمامك قاعد يشرب الشيشة، وأنت جالس بجانبه تنظر إليه، ولا تنكر عليه، فهذه من خوارم المروءة، حتى قال بعض العلماء: إن الجلوس في الأسواق من خوارم المروءة؛ لأن الأسواق فيها الساقطات وفيها الكذب، وفيها الحلف بالله كذباً، وكل هذه من خوارم المروءة.

    فالمقصود أن قول الله تعالى: وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق:2]، أحالنا على العرف في مسائل العدالة، والعدالة تكون بالخلو من الفسق والخلو من خوارم المروءة.

    أيضاً: قول الله تعالى: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ [النساء:29] والتراضي عمل قلبي، فالأعراف تتحكم فيه وتدل عليه.

    ومن أمثلة العرف المتراضي عنه: أن الضرب على القفا عندنا في مصر عيب كبير، وفي ليبيا يسلم بعضهم على بعض بالضرب على القفا، وفي لبنان يقال: احلق له، بمعنى: مشيه، فانظر إلى الأعراف في لبنان، احلق له: أي مشيه، وهذا غير مستصاغ هنا، لكن التسليم في ليبيا بالقفا، وأنت لو ضربت صعيدياً بالقفا يمكن أن يقتلك، فالأعراف تختلف، والمسألة تدور مع العرف، والعرف يتحكم في كل مجتمع من المجتمعات، ولذلك نحن نقول: إن من السنة إذا دخل واحد أو اثنين مصريين إلى ليبيا يسلمون على بعض بالقفا، لكي لا يستوحش الليبيون منهم، أو يدخل مثلاً إلى أي بلدة، وزيهم السروال إلى الركب، والإزار والرداء فيرتدي زيهم حتى لا يكون مستوحشاً بينهم، وهذا من السنة، حتى لا يرتدي لبساً يكون من لبس الشهرة إن لم يكن الشرع نص عليه.

    وهناك أعراف من السنة علق الحكم فيها على لفظ لم يحد شرعاً ولا لغة: كالحديث في الصحيح: أن هند رضي الله عنها وأرضاها جاءت للنبي صلى الله عليه وسلم فقالت: (يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل شحيح) فطلبت أن تأخذ المال لها ولأولادها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) أي: إذا كان المعروف في المدينة أو في مكة أن عشرة دنانير تكفيك وولدك، فإذا أخذت عشرة دنانير ونصف دينار، ظلمت وتعديت، فتأخذ بحد العرف، وهذا يستدل به للنساء المظلومات في بيوتهن، فالزوج الشحيح الذي لا يعطي امرأته شيئاً لا بد لنا أن نفتي بأنه يجوز للمرأة أن تأتي وهو نائم، أو في حين غفلة فتأخذ من جيبه ما يكفيها وولدها بالمعروف، ونصرح لكل النساء بهذا، فلها أن تأخذ من زوجها الذي يمسك دون أن يعرف، بشرط أن تأخذ ما يكفيها وولدها بالمعروف، فإن كانت في حيٍّ مرفهٍ فلا تأتي وتقول: إنه يكفيني كل يوم مائة جنيه أنا وولدي بالمعروف، فإنها بهذا ستخرب بيته بسرعة، والمفروض أن تأخذ ما يكفيها وولدها بالمعروف.

    أيضاً: قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر في الصحيح: قال ابن عمر : (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير) كان هذا بعرف البلد عندهم في المدينة، والعلماء عمموا المسألة، وقالوا: صاعاً من طعام أهل البلد، فلو كان غالب أهل البلد طعامهم الأرز، فيخرج الأرز.

    أيضاً: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من أحيا مواتاً فهي له) إحياء الموات حده العرف، فيمكن أن يزرع شجرة ويكون قد أحيا مواتاً، أو يجعلها صالحة للزراعة، أو ينبت فيها ثمراً، ويكون هذا إحياء موات، فالعرف هو المتحكم في ذلك.

    شروط العمل بالعرف الديني

    الشروط التي يجب أن تتوفر في هذا القسم لنعمل بالعرف، ونقول: إنه وصف في بابه مستقل:

    أولاً: أن يكون الحكم في المسألة هو حكم الشرع، أي: جاء من كتاب أو سنة أو إجماع.

    ثانياً: أن يكون الحكم معلقاً بلفظ غير محدود شرعاً ولا لغة كما بينا.

    الثالث: أن يكون اللفظ مطلقاً، وهو لا يبعد كثيراً عن الثاني؛ ولذلك قعد الفقهاء قاعدة فقالوا: كل ما ورد به الشرع مطلقاً ولا ضابط فيه ولا في اللغة يرجع فيه إلى العرف.

    مثال ذلك: الحرز في السرقة، فإذا أردت أن تقيم الحد على سارق، وتقطع يده فلا بد من شروط، وهي:

    الأول: ثبوت هذا بوجود الشهود.

    الثاني: أن يكون بلغ النصاب، أي: فوق ربع دينار.

    الثالث: أن يكون في حرز، والحرز قد يكون في خزنة، وكذلك الجيب عند الناس حرز، فلو سرق مالاً بنصف دينار أو ربع دينار من جيب رجل فهذا سارق تقطع يده.

    إذاً: الحرز ما كان العرف يقول: بأنه حرز، وهو الذي به يقام عليه الحد.

    1.   

    العرف ليس دليلاً شرعياً مستقلاً

    الصحيح: أن العرف ليس دليلاً شرعياً مستقلاً، ولكن عندما يأتينا حكم الشرع ويعلق على لفظ لم يحد لغة ولا شرعاً، فالعرف هنا دليل مستقل.

    فإذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عائشة في الصحيح: (لا تقطع اليد في أقل من ربع دينار) أو (قطع النبي صلى الله عليه وسلم اليد في ثمن المجن) وكان ثمن المجن يقارب الربع الدينار، فنقول: قطع على أنه سرق من حرز مثله، والعرف هو الذي يحدد لنا الحرز؛ لأن الشرع لم يأت بتحديده، واللغة لم تأت بذلك أيضاً، فالعرف هنا هو الذي يحده لنا.