إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد حسن عبد الغفار
  3. الاختلاف في القواعد الأصولية - الاستدلال بمفهوم المخالفة والعام والخاص

الاختلاف في القواعد الأصولية - الاستدلال بمفهوم المخالفة والعام والخاصللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • دراسة علم الأصول لا يستفاد منها إذا عزلت عن التطبيق على الفروع الفقهية، فما جيء بالأصول إلا لتنظم متناثر الفروع. ومن ذلك مسألة حجية مفهوم المخالفة، وحجية العام والخاص، فالخلاف في حجية مفهوم المخالفة انبنى عليه الخلاف في مسائل كثيرة في الفروع، وكذلك الخلاف في دلالة العام على أفراده هل هي قطعية أو ظنية، وكيفية العمل عند تعارض العام والخاص.

    1.   

    مفهوم المخالفة

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه، أما بعد:

    فإن دراسة الأصول بمعزل عن الفقه آفة جسيمة استفحل خطرها، وزاد ضررها، وظهر عوارها خاصة بين طلبة العلم الشرعي مما أدى إلى عقم المادة الأصولية عند طلابها، وعند دراسة المنهج الأصولي بمعزل عن التطبيق على الفروع أصبحت دراسة الأصول بلا ثمرة، فانفصمت بذلك عرى الأصول عن أن تبنى عليها الفروع وهي في أصل وضعها إنما وضعت بمثابة المقدمة لبناء الفروع عليها واستنباطها منها.

    قال الإمام الشاطبي في المقدمة الرابعة من موافقاته: كل مسألة مرسومة في أصول الفقه لا ينبني عليها فروع فقهية أو آداب شرعية، أو لا تكون عوناً في ذلك فوضعها في أصول الفقه عارية.

    وأهمية دراسة الأصول تكمن في استنباط الفروع منها وبنائها عليها، وليس في مجرد دراسة منهج أصولي بمعزل عن التطبيق الفقهي.

    نواصل كلامنا في شرح كتاب (أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء)، وقد انتهينا من الكلام على عموم المقتضي ودلالات الألفاظ، ونتكلم الآن عن مفهوم المخالفة، تعريفه، وحكمه، ومتى لا يعتبر مفهوم مخالفة؟

    أما تعريفه: فهو حكم المسكوت عنه يخالف حكم المنطوق.

    لمفهوم المخالفة عدة أوجه فإما أن يخرج الكلام مخرج الغالب، فلا نعمل بالمفهوم، وذلك كقوله تعالى: وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ [النساء:23].

    فلا يقال بإباحة الزواج بالربائب إذا لم يكن في حجر الزوج، لأن الآية هنا لم ترد التقييد وإنما خرجت مخرج الغالب، وكون الربيبة لا تكون في حجر الزوج أمراً نادراً، فلا عبرة به، هذا هو الوجه الأول.

    أما الوجه الثاني: فأن تأتي الآية في سياق الامتنان أو سياق التنفير كقوله تعالى: [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً [آل عمران:130] فليس مفهومه جواز أكل الربا شيئاً فشيئاً كقوله تعالى: لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا [النحل:14] وهذا في سياق الامتنان.

    وقد يكون في المفهوم مخالفة المنطوق كحديث: (إنما الماء من الماء)، فمفهومه أنه لا يجب الغسل إلا إذا نزل المني، ولا عبرة بالتقاء الختانين، فهذا يخالف حديث: (إذا التقى الختانان وجب الغسل).

    الخلاف في نجاسة الكافر في ضوء مفهوم المخالفة

    إن مسألة نجاسة الكافر خلافية، لكن حتى الذين يقولون بالمفهوم لا يقولون بها، فالكافر لا يجوز السلام عليه، لكن إذا سلمت عليه هل تغسل يدك من السلام عليه أم لا؟ اختلف العلماء على قولين:

    القول الأول: الكافر نجس، فإذا سلم عليك فلا بد أن تغسل يدك منه، وإذا أكل معك فلا تأكل معه ولا تستعير منه شيئاً، وهذا قول ابن حزم ، وهذا القول لا بد للجمهور أن يقولوا به، فـابن حزم أخذ بدليل مفهوم المخالفة، لما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: (قابلت النبي صلى الله عليه وسلم وكنت جنباً فانسللت، فاغتسلت فرجعت، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا هر ! أين كنت؟ فقال: كنت جنباً فكرهت أن أجالسك فاغتسلت، فقال: سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس)، وفي رواية أخرى عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وأرضاه قال: (قابلت النبي صلى الله عليه وسلم وكنت جنباً فانسللت فاغتسلت، فقال: إن المؤمن لا ينجس)، يعني لا تفعل ذلك فإن المؤمن لا ينجس، فالمنطوق: حكم المؤمن أنه طاهر ولا ينجس، ومفهوم المخالفة: الكافر ينجس، فتمسك بها وعض عليه بالنواجذ ابن حزم .

    قال: ويعضد ذلك قول الله تعالى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ [التوبة:28]، فهذه دلالة واضحة على نجاسة الكافر، فلو سلمت على رجل من أهل الكتاب فعليك أن تغسل يدك على قول ابن حزم ، ولا ينتقض الوضوء كما لو مس الرجل المتوضئ النجاسة بيده فإنها لا تنقض وضوءه، فإذا مسكت النجاسة فعليك أن تغسل مكان النجاسة فقط. وهذا أيضًا على خلاف بين العلماء، لكن هذا هو الراجح عند أهل التحقيق.

    القول الثاني: قول جماهير أهل العلم أن الكافر ليس بنجس، فقام ابن حزم -بأسلحته الفتاكة- فقال: خالفتم ما قعدتم! أي: تؤصلون وتقعدون ولا تأخذون بالقواعد! فقال الجمهور: كيف ذلك؟ قال: قلتم: مفهوم المخالفة معتبر، ولما قال الأحناف: لا نعتبر بمفهوم المخالفة رددتم عليهم وشننتم، فنحن نرد عليكم ونقول لكم: قال النبي: (المؤمن لا ينجس) فمفهوم المخالفة: غير المؤمن ينجس، فلم لا تقولون بذلك؟ قالوا: يا ابن حزم ! نحن نتفق معك في القاعدة ونقول: مفهوم المخالفة حجة، لكننا قلنا: إن مفهوم المخالفة لا عبرة به إذا خالف منطوقاً، وكذلك مفهوم المخالفة لا عموم له كما عليه كثير من الأصوليين، فإذا قلنا: المؤمن لا ينجس إذاً: الكافر عليه نجاسة معنوية أي: نجاسة اعتقاد؛ لأنه يعبد الأوثان والعياذ بالله، فهذه نجاسة اعتقادية معنوية لا نجاسة حسية، فنحن نخصص هذا المفهوم ولا نقول بالعموم فيه، وإن كنا نتفق معك على المفهوم لكن الذي جعلنا لا نأخذ بالمفهوم هنا هو أدلة المنطوق التي هي أقوى من المفهوم، قال: ما هي؟ قالوا: لقد أباح الله الزواج من الكتابيات، والكتابية إن كانت نجسة فالمؤمن الذي تزوج بها سيمسها بيده، فلو قلنا إنه كلما قبل أو سلم أو عانق، يجب أن يغسل فذلك يلحق به المشقة الشديدة التي لا يمكن احتمالها، فحلية النكاح من الكتابيات فيه إشارة من الشرع على أن الكافر ليس بنجس نجاسة حسية.

    كذلك لقد دعي النبي صلى الله عليه وسلم من قبل يهودية، وأكل الشاة التي قدمتها وصنعتها له بيدها، فلو كانت نجسة ما أكل منها النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه.

    وكذلك: لقد توضأ النبي صلى الله عليه وسلم بماء يملكه الكتابي الكافر، فكل هذه الأفعال من النبي صلى الله عليه وسلم تدل على عدم نجاسة الكافر، فقلنا بهذه الأدلة القوية في المنطوق الذي عارضها في الظاهر المفهوم، فالمفهوم يبين أن الكافر نجس، والمنطوق يبين أن الكافر ليس بنجس، فقلنا: لا عبرة هنا؛ لأنه خالف منطوقاً والمنطوق أقوى في الدلالة من المفهوم، إذ المنطوق قوته في التصريح والمفهوم قوته في التلميح، وإذا عارض المصرح به المستنبط فإننا نقدم المصرح به، ومع هذا فإننا لا نطرح المفهوم عموماً بل نخصص عموم المفهوم، ونقول: نجاسة الكافر نجاسة اعتقادية لأنه يعبد الوثن أو الشمس أو القمر وهذه نجاسة معنوية وليست نجاسة حسية.

    1.   

    الاستدلال العام والخاص

    من المسائل التي اختلف فيها الأصوليون (مسألة العام والخاص)، فسنتكلم عن المسائل الخلافية التي تدخل في الخلاف بسبب العموم والخصوص.

    فلو قلت مثلاً: أكرموا العلماء، فهذه دلالة على إكرام كل عالم من العلماء، ويكون هذا اللفظ عاماً يصلح للعالم الصغير، والعالم الكبير، والعالم المصري، والعالم الألباني، والعالم الهندي، والعالم الباكستاني، سواء كان عالم كيمياء، أو عالم فقه أو غيرها، لكن لو قلت: أكرموا علماء الشرع فقد خصصت علماء الشرع بالإكرام، وإن كان هذا أيضاً عموماً، ولكنه عموم في بابه.

    أما الخاص: فهو اللفظ الموضوع لمعنى واحد معلوم على الانفراد. فلو قيل: أكرم زيداً ، فإن جاءك محمد فلا تكرمه؛ لأنك خصصت الإكرام لزيد، فلا يجري الحكم على محمد.

    وألفاظ العموم كثيرة نذكرها كما يلي:

    أسماء الإشارة، والأسماء الموصولة: كالذي والتي واللائي وهذا كمثل قوله تعالى: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ [الزمر:33] فهذا عام مخصوص والمراد به أبو بكر الصديق .

    قال تعالى: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ [الطلاق:4] فهذا عام في كل امرأة؛ لأن كلمة (اللائي) من الأسماء الموصولة الدالة على العموم.

    ومن ألفاظ العموم أيضاً المفرد المعرف بألف واللام وذلك كقول الله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [المائدة:38] فهذا عام في كل سارق وسارقة، وأيضًا قول الله تعالى: الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ [النور:3]، وقوله: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ النور:2] فلفظ: (الزانية والزاني) معرف بألف ولام فهي استغراقية.

    ومن ألفاظ العموم اسم الجنس المعرف بالألف واللام كأن تقول: الإنسان أي: جنسه فيدخل تحته كل أفراده، ومن ذلك قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة:228].

    ومنها المفرد المضاف كقول الله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [إبراهيم:34] فكلمة: (النعمة) مضافة إلى لفظ الجلالة: (الله) والمفرد المضاف يفيد العموم.

    ومن ألفاظ العموم أيضًا النكرة في سياق النفي كقول الله تعالى: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78]، أو قوله تعالى: وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ [التوبة:84]، فالآية الأولى في سياق النفي والثانية في سياق النهي.

    ومن النكرة في سياق النفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا وصية لوارث)، وهناك ألفاظ كثيرة من ألفاظ العموم تراجع في مظانها.

    حكم العموم

    حكم العموم أنه يعمل به على الراجح، والقاعدة عند العلماء: العام يبقى على عمومه ما لم يأت مخصص يخصصه، وهناك أقوال في هذه المسألة: فقيل: نبحث عن المخصص، وقيل: نتوقف، والثالث: نعمل به ولا نبحث عن المخصص، وعند الجمهور أنه يعمل به.

    والصحيح أن العام يعمل به حتى يأتي مخصص يخصصه.

    دلالة العام

    هذه المسألة مهمة جداً، وهي: هل دلالة العام على أفراده دلالة ظنية أم دلالة قطعية؟

    اختلف العلماء في هذا فقال الأحناف: دلالة العام على أفراد العموم دلالة قطعية وليست دلالة ظنية؛ لأنه لا عبرة بالدليل الناشئ عن الاحتمال، فتكون دلالته على أفراده قطعية وكلمة أفراده المراد بها: من يدخلون تحت لفظ العموم ويصح أن يكونوا مرادين بالنص العام.

    وقيل: إن دلالة العام على أفراده ظنية؛ لإمكانية طروء احتمال ناشئ، وإذا كان الاحتمال ناشئاً فتكون الدلالة ظنية وليست قطعية، أما الأحناف فقالوا: إذا قال: أكرم الطلبة، فدلالته على كل الطلبة دلالة قطعية، ولا نقول بوجود احتمال إلا أن يأتي الدليل، وهذا الكلام من القوة بمكان، والذي يشهد لجمهور العلم أنه ما من عام إلا وجاءه المخصص، ولذلك قعد العلماء قاعدة (ما من عام إلا قد خصص)، فدليلهم شيوع الخصوص في العموم، وكذلك قول الله تعالى: فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ [الحجر:30] فكلمة (أجمعون) للتأكيد، والتأكيد يأتي لقطع الاحتمال، فلا يوجد احتمال أن يخرج ملك واحد عن السجود، وعندما احتاج ذلك للتأكيد دل على أن الاحتمال قائم بدون التأكيد، وهذه دلالة على أن العام دلالته ظنية. والراجح هو قول الجمهور.

    ثمرة الخلاف في دلالة العام

    إن ثمرة الخلاف تظهر في المسائل الفقهية، والفائدة أن يعرف طالب العلم أن يحرر محل النزاع وكيف يرجح.

    فإذا قلنا: إن قول الجمهور هو القول الصحيح فلننظر في المسائل العلمية.

    المسألة الأولى: حكم الذبيحة التي ترك فيها ذابحها التسمية.

    فلو أراد رجل أن يعق عن ولده، فأخذ الذبيحة وذبحها ولم يسم، فهل تؤكل الذبيحة أو لا؟

    لقد اختلف العلماء في هذه المسألة فالأحناف الذين يقولون: إن دلالة العام على أفراده قطعية قالوا: لا تؤكل ذبيحة من لم يسم، والدليل: قول الله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [الأنعام:121]، وهذه الدلالة دلالة عموم لا خصوص، ووجه العموم وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [الأنعام:121].

    وقوله: (مما) هي من الأسماء المبهمة تدل على العموم ولا سيما لو قصدنا بـ (مما) هنا ذبيحة فتكون نكرة في سياق النهي فتدل على العموم يعني: لا تأكلوا كل ذبيحة لم يذكر فيها اسم الله، ويدخل في كل ذبيحة: ذبيحة المسلم، وذبيحة الكافر، وذبيحة الوثني، وذبيحة أهل الكتاب، والدلالة عند الأحناف على هذا دلالة قطعية، ولكن الأحناف استثنوا فقالوا: لو ذبح المسلم ولم يسم ناسياً فيجوز أن تؤكل ذبيحته، لأن الناسي حكمه حكم الذاكر، وقد جاء في الحديث: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان) وكأنهم خالفوا القاعدة التي قعدوها قبل ذلك، والمالكية يقولون: إن المراد من الحديث رفع الحكم ورفع الإثم.

    وقول الأحناف هذا هو أيضاً قول الحنابلة والمالكية على ما أذكر.

    والقول الثاني:قول الشافعية ورواية عن أحمد : أن التسمية ليست واجبة، وأنه إذا ذبح المسلم دون أن يسمي فللمسلم أن يأكل من تلك الذبيحة؛ لأن القاعدة عندهم أن العموم دلالته على أفراده دلالة ظنية كقول الله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [الأنعام:121] وهذا العموم أفراده هي: ذبيحة مسلم وذبيحة الكتابي وذبيحة الوثني وذبيحة الكافر، ودلالته على هذا كله دلالة ظنية يعني: أنه بالإمكان أن يخصص هذا العموم، لأنه يحتمل طروء شيء مخصص بخلاف مذهب الأحناف، قالوا: ونحن نقرر هذه القاعدة وإن خالفنا من خالفنا؛ لأنه جاء في البخاري عن عائشة (قالت عائشة: إن أقواماً قالوا: يا رسول الله إنا يأتينا اللحم من أقوام لا نعلم أذكروا اسم الله أم لم يذكروا اسم الله، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: سموا أنتم وكلوا) ووجه الدلالة أنه لو كانت التسمية واجبة لما جاز الأكل منها مع الشك، ومع ذلك قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (سموا أنتم وكلوا).

    والدليل الثاني: جاء عند أبي داود في المراسيل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم يذبح على اسم الله ذكر أم نسي)، قالوا: وهذه الأدلة عندنا مخصصة لعموم قول الله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [الأنعام:121]، والذي يوضح ذلك أن الله أباح الأكل من ذبائح أهل الكتاب، وأهل الكتاب غالباً لا يسمون، ففيه دلالة على أن التسمية سنة.

    أقول: من جهة التقعيد والتقسيم فكلام الشافعية أقوى؛ لأننا نقول: بأن قول الجمهور أقوى في أن كل عام قد يخصص وأن التخصيص وارد، فتكون الدلالة على الأفراد ظنية، وأما من جهة الأثر فقول الأحناف أقوى، وأنا أميل لذلك وأقول: لا يجوز الأكل من الذبيحة إذا لم يسم عليها؛ لعموم قول الله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [الأنعام:121]، وما ذكره غيرهم من أنه قد خصص هذا العموم فليس ذلك بمخصص، فحديث أبي داود ضعيف، والضعيف لا يخصص به، وأما حديث البخاري فهو صحيح لكنه لا يسلم من المعارضة حتى يخصص، قالوا: كيف؟ قلنا: قول عائشة : يأتون باللحم فلم نعلم.. الحديث فقال رسول الله: (سموا أنتم) فهذا إرجاع من النبي صلى الله عليه وسلم لهم إلى الأصل، إذ الأصل أن المسلم إذا ذبح أنه لا يذبح إلا أن يسمي، وهذا الأصل لا ننتقل عنه إلا بدليل، فالشك لا يزيل اليقين، واليقين أن الأصل في المسلم أنه لا يذبح إلا إذا سمى، فأحالهم النبي على الأصل، لأنهم ليس عندهم يقين يزيل هذا الأصل عن أصله، فكأنه يقول: إن المسلم الأصل فيه أنه سيذبح ويسمي، وإذا شك في التسمية فهذا الشك لا يزيل اليقين، فلا يصح هذا مخصصاً، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما أباح لهم الأكل مع عدم وجود التسمية والنزاع ليس هنا، إذ النزاع إنما هو في رجل استيقنا أنه لم يسم، وهذا لم نستيقن فيه ذلك بل هو الشك، والراجح أن يبقى العام على عمومه إلا أن يأتي مخصص، وهذا ليس بمخصص؛ لأنه لم يسلم من المعارضة.

    وأوجه من هذا القول والذي أدين لله به هو قول ابن حزم بأن المسلم إذا ذبح ولم يسم على الذبيحة عمداً فإنه لا يأكل منها وهذا أيضاً قول الأحناف، وإذا لم يسم ناسياً فأهل الظاهر أيضاً قالوا: لا يأكل منها، هذا وهو الراجح الصحيح، لأن الله جل في علاه قال: وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ [الأنعام:121]، والذي يؤكد ذلك (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـعدي بن حاتم : إذا أرسلت كلبك المعلم (شرط وقيد) وذكرت اسم الله فكل)، ومفهوم المخالفة أنه إن أرسلت كلباً غير معلم فلا تأكل، فالصحيح الراجح أن الذي لم يذكر اسم الله على الذبيحة ذاكراً أو ناسياً فإنه لا يأكل منها؛ لأنها ميتة.

    فإن قيل: قد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) والرجل قد نسي، قلنا: قد فرقنا قبل ذلك بين قاعدتي المأمورات والمحظورات، وهذا من المحظورات فيرفع الإثم فقط ويبقى الحكم، والدليل قال الله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا وهذا نهي وما وجدنا المخصص فأخذنا بعموم قول الله تعالى: (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [الأنعام:121].

    وهذه المسألة تتعلق بهذا الأصل، وهي أن الرجل الذي قتل رجلاً عمداً ثم لاذ بالفرار ودخل الحرم وتعلق بأستار الكعبة فهل يقام عليه الحد أم لا؟

    اختلف العلماء في ذلك على قولين، ومدار الخلاف فيها هو قاعدة هل دلالة العام على أفراده ظنية أو قطعية؟ قال الله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا [آل عمران:96] إلى قوله تعالى: (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [آل عمران:97] وهذه تفيد العموم، فأي شخص يدخل الحرم يكون آمناً، وكان الأصل أن تعم الآية كل إنسان سواء كان كافراً أو مؤمناً أو وثنياً ولكن الكافر والوثني أخرجوا من العموم بقوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ [التوبة:28] فبقى العموم في المسلم سواء كان سارقاً أو قاتلاً، أو زانياً، فكل هؤلاء داخلون في عموم: وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [آل عمران:97]، فاختلف العلماء إذا لم يستطيعوا أن يقتلوه إلا وهو متعلق بأستار الكعبة فهل يصح قتله أولا؟

    أما الأحناف فعلى أصلهم لا بد أن يقولوا: لا يقام عليه الحد؛ لعموم قول الله تعالى وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [آل عمران:97] حتى ولو كان قاتلاً أو سارقاً أو زانياً؛ لأن كل هؤلاء داخلون تحت عموم وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [آل عمران:97] فالأحناف يقولون: لا يجوز أن يقام عليه الحد في الحرم، ودلالة العام على الأفراد دلالة قطعية فلا احتمال للتخصيص، وهذا الذي رجحه ابن جرير الطبري وذكر أنهم قالوا: يضيق عليه ويمنع عنه الطعام والشراب حتى يخرج من الحرم فيقام الحد عليه.

    أما الجمهور فقالوا: إنه يقتل في الحرم ويقتص منه في الحرم، ويقام عليه الحد في الحرم، وقالوا: إن دلالة العام على أفراده ظنية فيحتمل التخصيص وقد جاء المخصص، قلنا: ما هو المخصص؟ قالوا: القياس والأثر، قلنا: كيف ذلك؟ قالوا: قد أباح الله قتال المشركين في الحرم بدليل قول الله تعالى: (وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ [البقرة:191] فأباح للنبي أن يقتلهم في الحرم.

    وأيضًا ابن خطل الذي كان يسب النبي صلى الله عليه وسلم قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: (إن وجدتموه متعلقاً بأستار الكعبة فاقتلوه) فوجدوه متعلقاً بأستار الكعبة فقالوا: يا رسول الله وجدناه قد تعلق بأستار الكعبة قال: (فاقتلوا)، فقتلوه وهو متعلق بأستار الكعبة.

    فهذا يدل على أن الذي استحق القتل فإننا نقتله ونقتص منه في الحرم قياساً على الكافر، قلنا: كيف تقيسون المؤمن على الكافر؟ قالوا: هذا القياس محله إباحة الدم؛ لأن الكافر مباح الدم والمقتص منه مباح الدم، فبجامع إباحة الدم قلنا نقيم عليه الحد، وهذا الراجح الصحيح؛ لأن العموم قد يخصص بالقياس.

    تعارض العام والخاص

    مسألة تعارض العام مع الخاص اختلف العلماء فيها: فالأحناف يرون أن العام والخاص لابد أن ينظر إليه من جهات: منها النظر إلى المتقدم والمتأخر فالمتقدم ينسخ المتأخر عندهم.

    وأما الجمهور فيرون أن الخاص والعام لا يتعارضان؛ لأن الخاص يقدم على العام فيعمل بالخاص في خصوصه، ويعمل بالعام في عمومه.

    فمثلاً قوله تعالى: وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ [البقرة:221] فهذا النص عام، في كل المشركات، ولكن جاء التخصيص بإباحة نساء أهل الكتاب فنقول: إنه لا يوجد تعارض بينهما، بل يبقى الخاص على خصوصه بحلية الزواج من أهل الكتاب، ويبقى العام على عمومه دون نساء أهل الكتاب، فكل المشركات اللاتي يعبدن الشمس أو القمر أو الماء أو الفيلة أو الفئران لا يجوز الزواج منهن.

    أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم.