إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد حسن عبد الغفار
  3. شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - ترتيب الخلافة - العشرة المبشرين بالجنة

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - ترتيب الخلافة - العشرة المبشرين بالجنةللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من عقائد أهل السنة أن ترتيب الخلفاء الراشدين في الفضل كترتيبهم في الخلافة، وأفضل الأمة بعدهم باقي العشرة المبشرين بالجنة، ثم أهل بدر، ثم أصحاب بيعة الرضوان، فهم أعظم أولياء الله الذين حققوا الإيمان والتقوى.

    1.   

    ترتيب الخلفاء الأربعة في الفضل

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم, وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    فنحن على مشارف الانتهاء من هذا الكتاب الجليل العظيم: كتاب شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، وقد انتهينا من الكلام على فضائل الأئمة الأربعة خير هذه الأمة بعد نبينا صلى الله عليه وسلم: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي , واليوم سنتكلم بإذن الله عن ترتيبهم في الفضل.

    الخلفاء هم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ، فهل هذا الترتيب في الخلافة هو نفس الترتيب في الفضل أم هناك خلاف بين أهل العلم؟

    لم يحدث خلاف بين أهل السنة والجماعة في تفضيل أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه على الأمة بأسرها سوى النبي صلى الله عليه وسلم, ثم تفضيل عمر رضي الله عنه وأرضاه بعد أبي بكر .

    روى اللالكائي في هذا الكتاب العظيم أنه سئل الإمام مالك : أي الأمة أفضل؟ قال: أما أبو بكر وعمر فلا خلاف فيهما, وأما علي وعثمان فحدث فيهما الخلاف, وحقاً قد حدث بعض الخلاف بين أهل السنة والجماعة في تقديم علي على عثمان ، فقد كان أبو حنيفة والثوري وبعض علماء أهل الكوفة يرون تقديم علي رضي الله عنه وأرضاه على عثمان بن عفان ، ولم يخالفوا في تقديم أبي بكر وعمر ، فقد رضيهما رسول الله صلى الله عليه وسلم للدين فرضوهم للدنيا. وإيمان أبي بكر لو وضع في كفة ووضع إيمان الأمة في كفة لرجحت كفة إيمان أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه.

    وجاء بسند صحيح عن عبد الرحمن بن عوف قال: ما سبق أبو بكر الأمة بكثير صلاة ولا صيام، ولكن سبق الأمة بشيء قد وقر في قلبه, وعمر وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه الملهم في هذه الأمة، ولو سلك عمر فجاً لسلك الشيطان فجاً غير الفج الذي سلكه عمر رضي الله عنه وأرضاه.

    وقد قام علي بن أبي طالب على منبر الكوفة يخطب في الناس ويقول: خير هذه الأمة بعد نبينا صلى الله عليه وسلم أبو بكر ، ثم عمر ثم قال رضي الله عنه وأرضاه: من فضلني على أبي بكر وعمر جلدته حد المفتري، أي: ثمانين جلدة, وفي رواية أخرى أن علي بن أبي طالب قال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم الله أعلم، وهذه الرواية تلمح بأن علي بن أبي طالب ما كان يرى تقدم عثمان عليه, لكن سنبين بالأدلة القاطعة أن عثمان يتقدم في القدر على علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه, وهذا الخلاف بين أهل السنة والجماعة قد قطع وحسم بالأثر والنظر.

    أما بالأثر ففي الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه قال: كنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نقول: أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسمع ذلك ويقر به، فلو كان عثمان يتقدم على علي في القدر لأنكر النبي صلى الله عليه وسلم عليهم، ولقدمه على عثمان في القدر.

    أيضاً ورد عن عبد الرحمن بن عوف قال: ما رأيت الأنصار والمهاجرين يعدلون بـعثمان أحداً حتى النساء في خدورهن، يعني اتفقوا على تقديم عثمان على علي رضي الله عنه وأرضاه.

    وأيضاً جاء بسند صحيح عن أيوب السختياني أنه قال: من فضل علي على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار؛ أي: لأنهم ما اختاروا إلا الأفضل, وهو عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه.

    وجاء إلى الحسن البصري رجل من أهل الشام فقال: من أفضل أبو بكر أم علي ؟ فقال: أما علي فله سوابق وقد شاركه فيها أبو بكر -وهي سبق الإسلام ومناصرة الدين- وكان لـعلي أحداث لم يشاركه فيها أبو بكر ، ويقصد بذلك الفتن التي حدثت في قتال الجمل وصفين، وما حدث بينه وبين الصحابة مثل طلحة والزبير ، وهذه ما كانت في عهد أبي بكر ، فيفضل بذلك أبو بكر على علي .

    ثم قال: أ علي أفضل أم عمر ؟ فقال: كان لـعلي سوابق شاركه فيها عمر ، وكان لـعلي أحداث لم يشاركه فيها عمر ، فـعمر كان سيفاً قاطعاً في الحق، وما قصر في السير على نهج النبي وأبي بكر ، وكان هو الباب الذي إذا كسر فتحت الفتن، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه لم يشارك علياً في الأحداث، فـعمر أفضل من علي .

    ثم قال: من أفضل عثمان أم علي ؟ فقال له مثلما قال في أبي بكر وعمر .

    ثم قال له في الرابعة: من أفضل علي أم معاوية ؟ فقال له: أما علي فله سوابق لم يشاركه فيها معاوية ، وكانت له أحداث شاركه فيها معاوية ، فـعلي أفضل.

    إذاً: استقر عند أهل السنة والجماعة أن فضلهم مثل ترتيبهم في الخلافة: أبو بكر ، ثم عمر ، ثم عثمان ، ثم علي رضي الله عنه وأرضاه, وهذا الآن اتفاق عند أهل السنة والجماعة.

    1.   

    فضل العشرة المبشرين بالجنة

    نعتقد اعتقاداً جازماً -لأن هذا من باب الاعتقاد- أن الذي يتلو الخلفاء في الفضل باقي العشرة المبشرين بالجنة؛ الذي جمعهم النبي صلى الله عليه وسلم في حديث واحد كما في مسند أحمد عن عبد الرحمن بن عوف بسند صحيح قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: (أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة) هؤلاء العشرة بشرهم النبي صلى الله عليه وسلم أنهم في الجنة وهم يمشون بين أظهر الناس.

    وفي رواية أخرى: دخل رجل على المغيرة بن شعبة ودخل أيضاً سعيد بن زيد ، وهو أحد المبشرين بالجنة، فقام الرجل يتكلم عما حدث من الفتن بين الصحابة, فقال له: اسكت أيسب صحابة رسول الله وأنا جالس؟! سمعت أذني ورأت عيني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (عشرة في الجنة: النبي في الجنة، وأبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة..)، ثم سرد تسعة دون أمين هذه الأمة أو دون عبد الرحمن بن عوف ، لكن الحديث الأول هو الأتم ففيه ذكر العشرة الذين ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنهم في الجنة.

    من فضائل سعد بن أبي وقاص

    سعد بن أبي وقاص هو أفضل الناس بعد الخلفاء الأربعة، قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (سعد خالي، ليريني أحدكم من خاله!) يتشرف بأنه خاله من الرضاعة رضي الله عنه وأرضاه.

    وقال علي بن أبي طالب كما في الصحيح: ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أبويه لأحد إلا لـسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه, نثر له كنانته ثم قال له: (ارم سعد ! فداك أبي وأمي).

    وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة أرق فقال: ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني، فسمع صوت السلاح في الخارج، فقال: من؟ فقال: سعد بن أبي وقاص ؛ جئت لأحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم).

    من فضائل طلحة

    ومن المبشرين بالجنة طلحة الذي فدى بروحه نفس النبي صلى الله عليه وسلم، وما قاتل مع النبي صلى الله عليه وسلم أحد مثلما قاتل طلحة ، في غزوة أحد فر كثير من الصحابة وبقي رسول الله ومعه طلحة وسعد بن أبي وقاص , فـسعد بن أبي وقاص يرمي بالنبل وطلحة ينافح عنه بالسيف، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من يصد عنا القوم من المشركين وهو رفيقي في الجنة؟ فقام طلحة ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اجلس، ثم قال للأنصار: من ينافح عن رسول الله وهو رفيقي في الجنة؟ وكانوا عشرة فقام واحد تلو الآخر حتى قتلوا جميعاً رضي الله عنهم وأرضاهم، وكان طلحة يقول: يا رسول الله! لا ترفع رأسك، لا يأتيك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك يا رسول الله, ثم قاتل ونافح عن رسول الله بالسيف، وصد السيوف التي تأتي على رسول الله بيده حتى شلت, فسقط على الأرض، فجاء أبو بكر وعمر فقال رسول صلى الله عليه وسلم: دونكم صاحبكم فقد أوجب) يعني: أوجب الجنة بما فعله، وجاء في بعض الروايات أنه ما قاتل أحد مثلما قاتل طلحة وسعد بن أبي وقاص يوم أحد.

    من فضائل الزبير

    الزبير هو أول من أشهر سيفاً في سبيل الله في مكة، وذلك عندما سمع أنه قد أصيب رسول صلى الله عليه وسلم، فأشهر سيفه وخلص إلى رسول الله، فلما علم رسول الله الخبر دعا له، ودعا لسيفه, وفي الصحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم انتدب رجلاً من صحابته يوم الخندق أن يأتيه بخبر القوم دون أن يؤلب عليه الناس، فقام الزبير فذهب فأتى بالخبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ: لكل نبي حواري وحواريي الزبير), وفي رواية قال: (أنت حواريي وابن عمتي) رضي الله عنه وأرضاه.

    من فضائل عبد الرحمن بن عوف

    عبد الرحمن بن عوف إيمانه يعدل نصف إيمان الأمة، كان حليماً، وكان مستشاراً لـعمر بن الخطاب ، وقد اشتد رسول الله على سيف من سيوف الله سله الله على أعدائه بسبب عبد الرحمن بن عوف ، حدثت مشادة بين عبد الرحمن بن عوف وبين خالد بن الوليد رضي الله عنهما، فاشتد خالد على عبد الرحمن ، فقام النبي صلى الله عليه وسلم يبين فضل عبد الرحمن فقال: (لا تسبوا أصحابي)، مع أن خالداً صاحب، لكنه لا يعدل في القدر والفضل عبد الرحمن بن عوف ، ورسول الله ينزل الناس منازلهم قال: (لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه).

    من فضائل أبي عبيدة وسعيد بن زيد

    أبو عبيدة بن الجراح قال فيه عمر بن الخطاب : لو كان حياً لأوصيت له, يعني: بالخلافة، وقد كان يقدمه على كثير من الصحابة، وعندما ذهب لفتح بيت المقدس ونزل إلى المخاضة فخلع نعليه وجعلهما تحت إبطيه، قال أبو عبيدة : يا أمير المؤمنين! ما أحب أن القوم يرونك على هذه الحالة؟ فقال: لو غيرك قالها! يعني لأنبته وعزرته؛ لأن أبا عبيدة كان له عند عمر بن الخطاب مكانة عالية، فقد قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح)، فمن كان مديراً لشركة أو خليفة أو أميراً وأراد أن يستعمل رجلاً فلابد أن يكون هذا الرجل متصفاً بصفتين هما: القوة والأمانة: قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ [القصص:26]، وكان أبو عبيدة متصفاً بالقوة والأمانة، وكان أمير الجيوش في فتوحات الشام رضي الله عنه.

    وسعيد بن زيد كان من عشيرة عمر بن الخطاب ، وهو ممن بشرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة وهم يمشون على الأرض.

    فضل أهل بدر والحديبية

    نعتقد اعتقاداً جازماً أن أفضل هذه الأمة بعد العشرة هم أهل بدر, فإذا وجدت من يسب بعض صحابة رسول الله فقل له: أفضل البشر على الإطلاق بعد العشرة أهل بدر, أما أتاك نبأ عمر بن الخطاب عندما قال: (دعني أضرب عنق هذا المنافق -يعني حاطب بن أبي بلتعة لما بعث إلى أهل مكة أن النبي صلى الله عليه وسلم سيغزوكم -فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا عمر ! وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: افعلوا ما شئتم قد غفرت لكم).

    ثم نعتقد اعتقاداً جازماً بأن أفضل الصحابة بعد أهل بدر هم أهل بيعة الرضوان، قال الله تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الفتح:18] فرضي الله عنهم بالتنصيص، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لن يلج النار أحد بايع تحت الشجرة)، فهؤلاء هم أهل الفضل الذين قدمهم رسول الله، وقد قدمهم قبله الله جل وعلا.

    1.   

    بعض فضلاء الصحابة

    حمزة بن عبد المطلب

    سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه وأرضاه أسد الله وأسد رسوله، قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حمزة سيد الشهداء)، دخل حمزة على فرعون هذه الأمة وسمع أنه قد سب رسول الله وما كان قد آمن، لكن للحمية صفعه حتى شج رأسه، وكان حمزة من القوة بمكان، وقال: أما تعلم أنني على دين محمد صلى الله عليه وسلم؟!

    نصر الله به الدين، كان في غزوة بدر يضع ريشة نعام تفرق بينه وبين الذين يقاتلون، فقال أبو سفيان : من الذي كان يضعها، فقد فعل بنا ما لا يفعل غيره؟! وهو حمزة رضي الله عنه وأرضاه، وما كان أحد يجابه حمزة ، حتى وحشي ما قتل حمزة إلا غدراً، ولذلك ما أحب النبي صلى الله عليه وسلم أن يرى وجه وحشي ، فبعدما أسلم قال له رسول صلى الله عليه وسلم: (قص علي كيف قتلت حمزة)، فذكر له أنه اختبأ خلف صخرة حتى طعنه برمحه، وذكر أن حمزة لقي رجلاً من المشركين فقال له حمزة : تعال إلي يا ابن مقطعة البظور؛ لينتهك حرمته، ويبين قلة قدره، قال: فضربه حمزة فكان كأمس الدابر يعني: كالليلة البارحة، قال: وعندما ضربته برمحي اقترب مني فضمني حتى وجدت منه ريح الموت، فلما قص ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم شق عليه أيما مشقة فقال: (لا تريني وجهك) أو كما قال صلى الله عليه وسلم، والحمد لله وحشي أسلم بفضل الله جل وعلا، وهو الذي قتل مسيلمة ، طعنه بالحربة وقال: هذه بتلك، لكن أي حربة تعدل بقتل حمزة رضي الله عنه وأرضاه، وقد قيل: إنه مات مخموراً، فقال عمر: قد علمت أن الذي قتل حمزة لا يسلم من شر، والله أعلم بهذه القصة، لكن نقول: هو أسلم، ويصدق عليه حديث: (يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة، يقتل الكافر المسلم، ثم يتوب الله على القاتل فيسلم، فيدخلان الجنة).

    والضحك صفة يتصف الله بها، فنثبتها من غير تعطيل ولا تشبيه، فضحك الله غير ضحك البشر، قال الله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11].

    وقد جاء في حديث آخر إثبات ضحك الله جل وعلا، وهو: (قيل: يا رسول الله! ما يضحك الرب عز وجل؟ فقال: أن تقتل مقبلاً غير مدبر، فقال رجل: أيضحك ربنا من هذا؟ قال: نعم، قال: إذاً: لن نعدم خيراً من رب يضحك) انظروا إلى الفقه، يعني إذا كان الله يضحك فسيضحك لنا ويجعلنا من الشهداء، فالرجل صدق بصفة الضحك وقال: (أيضحك ربنا؟ قال: نعم، قال: إذاً: لن نعدم خيراً من رب يضحك، فخلع درعه وأقبل على العدو فقاتل حتى قتل شهيداً).

    فالله يضحك في الجهاد وأيضاً في جهاد النفس، ففي الحديث الذي معناه: (يضحك الله من الرجل الذي غلبته عينه يريد أن ينام ويقول: لا راحة لي في النوم إلا أن أقوم أناجي ربي).

    الغرض المقصود أن لله صفة الضحك، وهذه صفة فعلية إن شاء ضحك وإن شاء لم يضحك، وهي صفة ثبوتية، ومثلها صفة العجب، قال الله: بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ [الصافات:12] على القراءة الأخرى (عجبتُ) يعني: عجب الله.

    1.   

    العباس

    1.   

    من فضائل أمهات المؤمنين

    أمهات المؤمنين لهن الإعظام والإكبار والإجلال، والواحدة منهن أفضل من أم الرجل، وزوجات النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، وكلهن يشتركن في أصل الفضل ويتفاوتن في الكمال، واختلف العلماء هل خديجة أفضل أم عائشة أفضل؟

    أما خديجة فقد جاء في فضلها كثير من الآثار كما في الصحيح: (أن جبريل عليه السلام جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: بشر خديجة ببيت من قصب -يعني: من لؤلؤ- لا نصب فيه ولا صخب), وكانت عائشة تقول: ما غرت من امرأة مثلما غرت من خديجة رضي الله عنها وأرضها, وفي الصحيح قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع: مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد) فهذا نص في محل النزاع، ويدل على أن خديجة أفضل من عائشة ، لكن جاء حديث آخر جعل العلماء يختلفون في التفضيل بينهما، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) وسيد الطعام عند العرب هو الثريد، وكانت عائشة تقول: ما من امرأة من نسائه بكر غيري، وهذا أيضاً فضل لها رضي الله عنها وأرضها, ومن فضلها المعلوم المشهور جداً مسألة الإفك، حيث أظهر الله براءتها من فوق سبع سماوات، وأنزل براءتها بآيات في القرآن تتلى إلى آخر الزمان، فيا ويل من يتهم هذه الشريفة العفيفة الصديقة ! فيا ويل من غالى في التشيع وسب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم!

    1.   

    ضلال الشيعة

    الشيعة يزعمون أنهم يحبون آل البيت، وهم يسخطون آل البيت، كما قال علي بن أبي طالب : حبكم أصبح لنا شيناً؛ لأنهم رفعوهم عن منزلتهم, وكان الحسن يخطب فيهم ويقول: أطيعونا ما أطعنا الله ورسوله لا لأننا من آل البيت.

    الرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)، وأيضاً كان يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (يا عباس ! يا عم رسول الله! لا أغني عنك من الله شيئاً, يا فاطمة بنت محمد ! سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئاً)، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الغلو فقال كما في الصحيحين: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله) فهو عبد الله ورسوله، وهذا فيه الوسطية بين الغالي والجافي، أما الغالي فهو الذي يرفعه إلى درجة الربوبية أو الإلهية كما فعلوا مع عيسى، فقالوا: هو ابن الله حاشا لله, أو قالوا: هو الله، فقال: هو عبد حتى ينفي الغلو, وأيضاً قال: هو رسول الله، حتى ينفي الجفاء، كما قال الله تعالى: لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا [النور:63] يعني: لا تقولوا: يا محمد كما تقول الأعراب، لكن نادوه بوصفه: يا رسول الله، يا نبي الله.

    وأيضاً في الحديث: (قدم على النبي صلى الله عليه وسلم أناس فقالوا: أنت خيرنا وابن خيرنا، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستهوينكم الشيطان).

    أما الشيعة الروافض الخبثاء فقد غالوا في آل البيت، حتى إنهم وصلوا بـعلي أنه الإله المعبود, ولما سمع ذلك حرقهم بالنار، فزادوا ضلالاً فقالوا: لا يحرق بالنار إلا الله, فعبدوه من دون الله.

    والله الذي لا إله إلا هو إن الشيعة أضر على الدين من اليهود والنصارى، وأسوأ علينا من المنافقين الكاذبين الفاسقين، هؤلاء خبثاء ألهوا علياً رضي الله عنه وأرضاه، وغالوا في أهل البيت، وهم الذين خذلوا أهل البيت, فأهل الكوفة هم الذين خذلوا الحسين بعدما بعثوا له الرسائل ليقدم عليهم، فهم سبب مقتل الحسين ، وهم الذين سبوا الحسن ، فقالوا له: يا مسود وجوه المؤمنين، عندما تنازل عن الخلافة لـمعاوية تصديقاً لنبوءة النبي صلى الله عليه وسلم: (إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين).

    1.   

    الولاية

    معنى الولاية

    الولاية معناها لغة النصرة والمحبة, والولي هو النصير، قال الله: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ [البقرة:257].

    أما معنى الولاية شرعاً فهي: مرتبة ومنزلة عظيمة لعبد عند رب العباد جل وعلا تستوجب النصرة والتأييد والتثبيت عند المحن، ويشترط في هذا العبد أن يكون قد قام بالدين ظاهراً وباطناً.

    إذاً: للولاية شرعاً وجهان:

    الوجه الأول: ما يخص الرب جل وعلا من العناية بالعبد والتسديد والتثبيت والنصرة والتأييد.

    الوجه الثاني: ما يخص العبد أن يكون قد قام بالدين ظاهراً وباطناً.

    كيف يكون العبد ولياً لله؟

    كيف يكون العبد ولياً لله؟ وكيف يرتقي إلى هذه المنزلة؟

    قال الله: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]، ثم بين هذه الصفات: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63] إذاً: ولي الله جل وعلا لابد أن تتوافر فيه صفتان:

    الصفة الأولى: كمال الإيمان ظاهراً وباطناً, وهو قول باللسان، وعمل بالجوارح، وتصديق بالجنان.

    الصفة الثانية: التقوى، وهي أن يعمل بطاعة الله على نور من الله -يعني على بصيرة وعلم لا على جهل- يرجو ثواب الله, وأن يجتنب محارم الله على نور من الله يخشى عقاب الله, فهو يعبد الله رغباً ورهباً, وهذا الذي امتدح الله به أنبياءه, لا كما ينسب إلى رابعة العدوية أنها قالت: ما أعبدك خوفاً من نارك، ولا طمعاً في جنتك، ولكن حباً فيك، وهذا كلام ساقط، فهل هي أفضل من الأنبياء؟ قال الله تعالى عن الأنبياء: وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا [الأنبياء:90].

    فالمؤمن والولي الحق هو الذي قام بدين الله ظاهراً وباطناً، ويدعو الله رغباً ورهباً، ويعمل بدين الله على نور من الله يعني: على علم لا على جهل, يرجو ثواب الله، ويجتنب محارم الله على نور من الله يخشى عقاب الله, هذا هو الولي الحق.

    مراتب الأولياء

    الأولياء لهم مراتب تتفاوت كما بين السماء والأرض, وأدنى هذه المراتب: أن يقوم بالفرائض وينتهي عن المحرمات, قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: (قال الله تعالى: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب)، ثم وصف هذا الولي فقال: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه)، فيقوم بالواجبات وينتهي عن المحرمات، وهذه أول درجة.

    ثم الدرجة التي هي أعلى وأرقى أنه يتبع الفرائض بالنوافل.

    وهذه درجة عظيمة جداً، من منّ الله عليه بهذه الدرجة لا يسقط منها أبداً، مع أن العبد قد يعصي الله، وقد يتجرأ على محارم الله، تأتيه شهوة فيسقط مرة، فهو ليس بملك، لكن إذا أوصله الله لدرجة الولاية المحبوبية فلا يسقط منها؛ لأن الله جل وعلا يتبع له هذه السيئة بحسنة، ويلهمه التوبة؛ فيرتقي عند الله جل وعلا.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي أراد مرافقة النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة: (أعني على نفسك بكثرة السجود)، وقال الله تعالى: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه).

    فوائد الولاية

    إذا ارتقى المرء إلى درجة المحبة أو المحبوبية صار ولياً لله, وله مكافأة في الدنيا وفي الآخرة, أما في الدنيا فقد قال الله تعالى: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:62] يعني: لا خوف عليهم في دينهم فلا يفتنون في الدين، ولا يفتن في دينه إلا من كان منافقاً أو في قلبه دغل، أما الخوف والحزن في الدنيا فهذا لا يسلم منه أولياء الله، وكم في السجون من أولياء الله المتقين، وليس هذا نفياً لخوفهم في الدنيا من الله، ففي الحديث القدسي: (لا أجمع لعبدي خوفين وأمنين، من خافني في الدنيا أمنته في الآخرة .).

    إذاً: أولياء الله لا خوف عليهم في الدنيا من جهة دينهم، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ما ذا يريدون مني؟ إن قتلوني فقتلي شهادة، وإن نفوني فنفيي سياحة, وإن سجنوني فخلوة لربي، أنا جنتي في قلبي، فهذا لا خوف عليه؛ لأن قلبه ثابت، ولو قطع صدره ورأسه بالمناشير فقلبه ثابت بالإيمان لا يفتتن، فلا خوف عليه بحال من الأحوال؛ لأنه ولي، فأعظم فوائد الولاية التثبيت, فهو مثبت من قبل الله بقلبه، ولما فزع الصحابة من فتنة القبر وهي أعظم فتنة يراها المرء أنزل الله آية تسكن قلوبهم؛ لأنهم أولياء لا خوف عليهم، قال الله تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [إبراهيم:27]. أيضاً: لا خوف عليهم في الدنيا من أن تستأصل شأفة المسلمين، ولو اجتمع مشارق الأرض ومغاربها على أهل الإسلام، فستبقى أمة وطائفة على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم.

    أيضاً لا يحزنون في الدنيا حزناً يجعلهم يتقاعسون عن عبادة الله, فهذا هو الحزن المذموم, لكن قد يصابون بالهم والغم، لكن لا يصل بهم الحزن إلى أن يتقاعسوا عن عبادة الله أو يقنطوا من رحمة الله جل وعلا.

    قال الله: لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [يونس:64], أما في الحياة الدنيا فالملائكة عند الموت تبشرهم برحمة الله ورضوان الله وجنات عند ربهم جل وعلا, وفي الآخرة يفرحون بما يرون عند الله جل وعلا.

    أيضاً: من المكافآت ما جاء في الحديث القدسي: (فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به, ويده التي يبطش بها), ومعنى: (سمعه الذي يسمع به) أنه يكون عبداً موفقاً مسدداً من قبل الله؛ لأنه ولي لله, فأغلق عليه باب المعصية، أما سمعتم رجلاً يقول: أريد أن أدخل المسجد لأصلي لله، وما أعلم ما يمنعني، كلما أذهب أرجع؟! أما رأيتم عبداً يقول: أتقصد مكان تجمع النساء لأنظر إليهن، فما أرى أحداً منهن في الشارع؟! فهذا عبد موفق مسدد، الله جل وعلا اتخذه ولياً، فلا يرى إلا ما يحبه الله, ويعصم الله بصره من المعاصي، كما فعل الله جل وعلا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ففي الجاهلية قال له عمه العباس : اخلع إزارك واحمل الحجارة، ففعل فأغشي عليه، وفي بعض الروايات أنه مر بلهو فسمع الغناء فأغشي عليه وما سمع، وإن كان في الإسناد كلام، فهو محفوظ من قبل الله جلا وعلا.

    أما العبد الذي خلع الله عنه الحفظ فهو يتوه ويتخبط في الأرض في معاصي الله, بينما العبد المسدد المثبت الموفق الذي اتخذه الله ولياً لا يرى إلا ما يحبه الله, (وبي يسمع) لا يسمع إلا القرآن، لا يسمع إلا مجالس العلم، لا يسمع إلا الذكر، وإن جاءته الشهوة فالله جل وعلا يذكره ما يجعله يخاف من الله فيرجع عن المعصية، وإن عصى فالله يوفقه للتوبة.

    (وبي يبطش) كما قال الله: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى [الأنفال:17] وهذه لا تكون إلا لأولياء الله، فالله يغربل الناس، والنصرة ستأتي على يد قوم قال فيهم رسول الله: (لن يهزم اثنا عشر ألفاً من قلة)، فهؤلاء هم الأولياء بحق، هم الأتقياء بحق، هم الذين حققوا الدين ظاهراً وباطناً.

    وتمام مكافأة الولي قال: (ولئن سألني لأعطينه), فمن رأى في نفسه أنه يحقق الدين ظاهراً وباطناً فليرفع يده، فإن الله جل وعلا حيي كريم لن يرده خائباً. (ولئن استعاذني لأعيذنه) إن استعاذه من شيء فالله يسارع فيما يرضيه.

    ثم قال: (وما ترددت في شيء أنا فاعله مثل ترددي في قبض روح المؤمن)، انظروا إلى مكانة الولي عند الله جل وعلا! الله اصطفاه واتخذه وليه ومع هذا يتردد في قبض روحه؛ لأنه يتردد في إساءته, انظروا كيف يسارع الله جل وعلا في مرضاة عبده الولي!