إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد حسن عبد الغفار
  3. شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - فضائل الصحابة - حكم من سب الصحابة

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - فضائل الصحابة - حكم من سب الصحابةللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم هم أفضل الخلق بعد الأنبياء، كيف لا وقد تخرجوا من مدرسة سيد الأولين والآخرين، ومعلم البشرية أجمعين عليه الصلاة والسلام، وفضائلهم أشهر من نار على علم، وإنما تظهر لنا كي نتأسى بهم ونحذو حذوهم لننال شيئاً من الفضل الذي نالوه، ونحصل بعضاً مما حصلوه، ونرغم بالثناء عليهم أنوف المبتدعين والمنافقين، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون.

    1.   

    نظرة إجمالية للموضوع

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد:

    فما زلنا مع هذا الكتاب المبارك، وهو شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، ونحن في خاتمة هذا الكتاب في الكلام على الأخيار أفضل الخلق على الإطلاق بعد الأنبياء والمرسلين، وهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي الكلام عليهم سنبين فضلهم، وواجب الأمة نحوهم، وحكم من سبهم، أو كفرهم، أو لعنهم، ثم مع ذلك سنفرد -إن شاء الله- أياماً متتابعة في الكلام على خلافة أبي بكر وصحتها، وهل كان علي وصياً، أي: هل أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بخلافة علي أم لا؟! والكلام على ما دار بين أبي بكر وفاطمة، وبينه وبين عمر، وأيضاً سنذكر الكلام في مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه، والكلام عما دار بين معاوية وعلي، وسنتكلم ذباً عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نختم بكرامات الأولياء، وسيدور الحديث مع أهل البدعة والضلالة في مسائل كرامات الأولياء.

    1.   

    تعديل الله وتزكيته للصحابة الكرام

    إن الله جل وعلا فضل هذه الأمة تفضيلاً عظيماً، فجعلها أفضل الأمم، وميزها بميزات لا تدانيها أمة في التاريخ في ذلك.

    وأهم هذه الميزات أنه فضلهم برسولهم محمد صلى الله عليه وسلم فجعله سيد المرسلين وخاتم الأنبياء، وهو القدوة والإمام؛ بل سيد الخلق أجمعين صلى الله عليه وسلم، فهذه من مميزات هذه الأمة.

    إن من سنن الله الكونية أنه إذا اختار رسولاً بشرياً وجعله أفضل الخلق؛ فإنه يختار له صحبة تنصره على ما يدعو إليه، وتنشر دعوته، وتعينه، وتتحمل معه المشاق.

    فموسى عليه السلام تخير الله له خيرة الناس في وقته، وكذلك عيسى عليه السلام اختار الله له الحواريين لصحبته، وكانوا من أفضل أصحابه، لكن النبي صلى الله عليه وسلم اختار الله له أفضل الناس بعد الأنيباء على الإطلاق، فلا يدانيهم أحد من صحابة رسول أبداً، فهؤلاء الصحابة أعلى البشر على الإطلاق بعد الأنبياء والمرسلين، وقد اختارهم الله على علم عنده، ورباهم الرسول على عينه.

    ولقد أنزل الله جل وعلا عدالة الصحابة من فوق سبع سموات؛ حيث قال جل وعلا: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ [آل عمران:110].

    فقوله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ فيه أن خيرية الأمة مبتدأ من صحابة رسول الله، أي: من أبي بكر إلى آخر الصحابة موتاً رضي الله عنهم وأرضاهم.

    وكذلك بين الله جل وعلا عدالتهم وأنهم خير الناس، فقال تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا [البقرة:143]، قال المفسرون: معنى وسطاً: أي خياراً عدولا، فلا أحد أخير من صحابة رسول الله، ولا أعدل منهم، فعدلهم الله في كتابه، ونشر النبي صلى الله عليه وسلم فضائلهم في سنته، وأثنى عليهم.

    ومدحهم الله جل وعلا فزكى صدقهم ويقينهم وتوكلهم وإيمانهم، فقال الله تعالى: الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ [آل عمران:172].

    ثم بين الله صدق هؤلاء في التوكل عليه -لذلك جعلهم سادة وقادة ولهم الريادة- فقال الله تعالى: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران:173]. بل وأرقى من ذلك: لما جاءت الجموع والأحزاب من فوقهم ومن أسفل منهم، وزاغت منهم الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، وظنوا بالله الظنونا -أي: المنافقون المتظاهرون بمظهر الصحابة الكرام- ماذا قال المؤمنون الأخيار الذين اختارهم لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم؟ قالوا كما أخبر الله عنهم: قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ [الأحزاب:22]، فزكاهم الله جل وعلا، بل وزكى صدقهم في بيعهم أنفسهم له جلا وعلا، وكل منهم يبيت ويقول: أي منا سيراق دمه تحت هذه الراية الشريفة، أي: راية لا إله إلا الله؟!

    وأنزل الله آيات معدلاً لهم، ومبيناً صدقهم، ومنتصراً لهم على من ناوأهم أو لمزهم أو غمزهم فقال سبحانه: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ و(من) هنا للتبعيض، أي: هؤلاء فقط.

    1.   

    صور من صدق صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم

    قال تعالى: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [الأحزاب:23]، نزلت هذه الآية في أنس بن النضر وأمثاله رضي الله عنهم أجمعين.

    وذلك أنه في يوم أحد جاء أنس بن النضر وقال: إن أول قتال مع رسول الله لم أشهده، والله لئن أشهدني الله جل وعلا قتالاً مع رسول الله ليرين الله مني خيراً. صدق مع الله فصدقه الله، ونشر الله ذكره إلى يوم الدين بقوله سبحانه: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ [الأحزاب:23].

    ففي غزوة أحد فر كثير من أصحاب رسول الله بل من أفضلهم كـعثمان بن عفان ، وكثير من الصحابة فروا عن رسول الله، وبقى وحيداً فريداً صلى الله عليه وسلم، ودخل أنس بن النضر وسط الجموع والصفوف والأسنة والرماح، يقول له سعد بن معاذ -الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (منديل سعد في الجنة أفضل من الدنيا وما فيها، وخير من الدنيا وما فيها)، أتعرفون سعداً ؟ هو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اهتز عرش الرحمن لموت سعد)- وهو يفر: أين أنت يا أنس ؟! أي: أين تذهب يا أنس ؟! فصفوف المشركين مكتظة متكتلة، فقال له أنس : إيه يا سعد ! والذي نفسي بيده! إني لأجد ريح الجنة من دون أحد، ودخل رضي الله عنه وأرضاه -وصدق الله: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [الأحزاب:23]- يقاتل حتى آخر نفس في حياته فقتل، ولم يعرف بين القتلى، حتى عرفته أخته ببنانه، ووجد فيه تسعين ضربة، ما بين ضربة بسيف أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، ونزلت فيه هذه الآية الكريمة: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [الأحزاب:23].

    وقام قائمهم فنظر إلى السماء فقال: اللهم ارزقني بكافر جلد صنديد، يبقر بطيني ويجدع بأنفي، ثم آتيك فتقول: فيم هذا؟ فأقول: فيك يا رب العالمين! فاستجاب الله له، فكان في الصباح مثلما قال.

    وجاء الصادق لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد إيمان بصدق وهو يوزع الغنائم، فأراد النبي إعطاءه، فيقول له: (يا رسول الله! ما على هذا بايعتك، بايعتك على أن أدخل ساحة الوغى، فأقاتل فأضرب هاهنا. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اصدق الله يصدقك).

    وأنزل الله: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [الأحزاب:23]، ووجد الرجل بعد الغزوة ما ضرب إلا بالمكان الذي أشار إليه.

    وقام طلحة رضي الله عنه وأرضاه الذي قدم نفس رسول الله على نفسه عملاً بقول الله: وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119]، فما كان لهم أن يرغبوا بأنفسهم عن نفس رسول الله أبداً.

    في غزوة أحد بعدما فر الناس عن رسول الله، وبعدما قتل عشرة من الأنصار أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم وما بقي إلا طلحة رضي الله عنه درعاً لرسول الله فيقول: يا رسول الله! لا ترفع رأسك يأتيك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك يا رسول الله! ثم شهر سيفه وقاتل به حتى دق وكسر، فألقى به، وصد السيوف عن رسول الله بيده حتى شلت، ثم قال رسول الله لـأبي بكر وعمر : (دونكم صاحبكم فقد أوجب)، أي: أوجب الجنة بصدقه؛ لأنه فداني بنفسه.

    وجاء أبو دجانة رضي الله عنه وأرضاه فاحتضن رسول الله، والرماح والسيوف تأتي على ظهره، وهو يقول: فداك أبي وأمي يا رسول الله!

    1.   

    طرف من صفات الصحابة في القرآن

    لقد بين الله مكانة الصحابة وعدالتهم ورضي عنهم وأرضاهم، في كثير من المواطن في الكتاب العزيز فقال سبحانه: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ [الواقعة:10-11] ثم قال: ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ [الواقعة:13-14]، ووالله لو أن أحداً من الصحابة في هذا العصر لقاد ولساد مشارق الأرض ومغاربها؛ فإن الله ملكهم الدنيا بأسرها في مدة وجيزة من عمر الزمن.

    وصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين هم الذين قال الله فيهم: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الحشر:8].

    ثم قال عن الأنصار ولم يبخس حقهم: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر:9]، فعدلهم الله من فوق سبع سماوات، فتباً تباً وسحقاً سحقاً لمن ينتقص من قدرهم.

    قال الله جل وعلا فيهم -يبين الأخلاقيات السامية العالية-: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ [الفتح:29]، هذه من أفضل الصفات التي اتسم واتصف بها هؤلاء الأخيار، أي: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [الفتح:29].

    وحدثت بين أبي ذر وبلال رضي الله عنهما حادثة كالآتي: قال أبو ذر لـبلال : يا ابن السوداء! -أي: عيره بأنه أسود- فذهب بلال يشتكي لرسول الله صلى الله عليه وسلم -انظر إلى تطبيق الآيات- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لـأبي ذر : (أعيرته أمه؟! -فلا يوجد أنساب، ولا تفاخر بمكانات ولا أموال، ولا سيادة أو ريادة، إنما هو الدين، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13]- إنك امرؤ فيك جاهلية) فما كان من أبي ذر إلا -وهو يطبق بحق هذه الآية الكريمة: رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ - أن نزل بخده على التراب وقال: يا بلال ! والذي نفسي بيده! لا أرفع خدي حتى تطأ بقدميك عليه، وهذا رفعة لـبلال ، وتبيين لمكانته، وقد قال فيه قبل ذلك عمر رضي الله عنه وأرضاه -وهو يبين لـأبي سفيان وسهيل بن عمر مكانة بلال -: بلال سيدنا، وأعتقه سيدنا أو قال: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا، أي: بلال رضي الله عنه وأرضاه.

    وأجمع ما أنزل الله جل وعلا في تعديل الصحابة هو قول الله تعالى: وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا [الفتح:26].

    قال الله تعالى: (وألزمهم كلمة التقوى) يعني: لا إله إلا الله.

    وقوله: (وكانوا أحق بها وأهلها)، يقول ابن مسعود رضي الله عنه -فيما ورد عنه بسند صحيح-: إن الله نظر في قلوب العباد ووجد أن خير هذه القلوب هو قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فاختاره ليكون سيد المرسلين، ثم نظر في قلوب العباد بعد رسول الله فوجد أفضل القلوب قلوب أصحابه؛ فاختارهم لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولنصرة دينه.

    ثم قال عنهم: فإنهم أبر الناس قلوباً، وأعمقهم علماً، وأحسنهم أخلاقاً.

    ثم أرشدنا قائلاً: من كان مستناً فليستن بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    تعديل النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه في سنته

    لقد عدل رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه ونشر فضائلهم في سنته، ومن أعظم ما خشي منه هو سب أصحابه؛ شكراً لجميلهم، وقد شكرهم الله في كتابه، كما شكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على حسن صنيعهم في سنته، ففي الصحيحين يبين النبي صلى الله عليه وسلم أنهم حصن لهذه الأمة، قدوات لها، فبجهادهم تؤتى الأمة ما وعدت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (النجوم أمنة السماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي -يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم- فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي) -أي: أصحاب رسول الله هم الوقاية لهذه الأمة من الفتن والملمات، فقال رسول الله: (وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما توعد).

    ولذلك كان المسمار الذي كسر النعش بالكلية هو قتل عمر ، قال حذيفة في الصحيح لـعمر بن الخطاب لما سأله عن الفتن: فتنة الرجل في أهله وماله تكفرها الصلاة والزكاة، فقال: ليس عن هذا أسأل، أسأل عن الفتن التي تموج كموج البحر، قال: مالك ولها يا أمير المؤمنين! بينك وبينها باب، فقال عمر : يا حذيفة ! أيفتح الباب أم يكسر؟! فقال حذيفة : لا يا أمير المؤمنين! بل يكسر، فقام عمر وقال: إذاً لن يقام ثانية!

    ومعنى: (لن يقام ثانية) أي: ستصبح الأمة في فتن إلى يوم القيامة، وهذا هو الذي حدث، فلما حدث حذيفة بهذا الحديث، قالوا له: أعلم عمر من الباب؟ قال: والله! إني حدثته بحديث ليس بالأغاليط، وقد علم عمر من الباب -أي: هو رضي الله عنه- فلما قتل عمر أقبلت الفتن تترا، فقتل عثمان ، ثم جاء علي فظهرت رءوس الزندقة في خلافته، وجاءت الفتن بين صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنا لله وإنا إليه راجعون، فنستغفر الله مما حدث، ونترحم عليهم، ونترضى عنهم، ونقول: رب! هؤلاء هم الأخيار، ربنا! اغفر لإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، اللهم! حقق دعاءنا يا رب العالمين، وألحقنا بصحابة نبيك الكريم، واجعلنا معهم في الفردوس الأعلى يا رب العالمين.

    ولقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته كثيراً من سب صحابته الكرام، أو التجرؤ عليهم، فقال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (لا تسبوا أصحابي) ثم قال: (لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، والمد: هو قدر كف اليد، ومعنى الحديث: لو أتيتم بجبال من ذهب فتصدقتم بها، والصحابة جاء أحدهم بكف اليد من بر لا من ذهب فأنفقه فهو عند الله أفضل من هذه الجبال من الذهب.

    وحثنا النبي صلى الله عليه وسلم على حب أصحابه فقال: (الله! الله! في أصحابي)، يوصي الأمة بصحابته خيراً.

    والمتمتعون الرافضة يسبون عائشة ، وأبا بكر وعمر علناً والعياذ بالله، ولا أحد يتصدى لهذا المنكر! وسنبين أن هذا من واجب الأمة بأسرها، أي: أن لا تسكت عن هذا الطعن في أبي بكر وعمر سيدا هذه الأمة.

    علامة الإيمان حب الصحابة وعلامة النفاق بغضهم

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في صحابته: (من أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم).

    بل أرقى من ذلك دلالة جعل النبي صلى الله عليه وسلم علامة الإيمان حب صحابته وعلامة النفاق بغضهم، ثم نجد كثيراً من الناس يستمعون لبعض المتنطعين الذين يتكلمون في صحابة رسول الله ويلمحون بالتنقيص من قدرهم ويقولون: والله! قمنا بعد ما سمعناه وفي قلوبنا غل لـمعاوية ، أو غل لـعائشة ، لمز وغمز في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم تصريحاً أو تلميحاً، وسيرد هؤلاء بإذن الله على الحوض فيردون، ثم يقول فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: سحقاً سحقاً، وعقابهم عند ربهم جل وعلا بانتظارهم.

    ومما يدل على أن علامة الإيمان حب الصحابة، وعلامة النفاق بغضهم: ما ورد في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار)، فاللهم! حبب إلينا الأنصار، واجعل قلوبنا عامرة بحب صحابة رسولك صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    عزة الصحابة الكرام بدينهم

    إن الصحابة هم الخيار والأفاضل والأماجد، وهم الذين جعلهم الله جل وعلا يجوبون ربوع الأرض فسادوا وقادوا في مدة وجيزة من عمر الزمن، ثم نشروا دين الله جل وعلا، وكانت مهتم في هذه الدنيا: هي تعبيد الناس لربهم، كما بين ذلك ربعي بن عامر، عندما دخل على رستم عزيزاً برمحه يقطع فرشه التي من حرير، ثم يطأ عليها ببغلته، فيقال له: دع بغلتك في الخارج، ودع سلاحك، فيقول: لا والله! دعوتموني فسأدخل كما أريد، فقال رستم : دعوه، فدخل، فقطع وسادة ثم ربط بغلته، وأخذ برمحه يضرب ويطعن في فراشه الوفير، بعزة المسلم، بشموخ لا تذلل فيه إلا لله جل وعلا وحده فتعجب منه رستم وقال: يا هذا! من أنتم؟ وماذا تريدون؟ فقال ربعي -يبين دعوتنا، ومنهجنا ومهمتنا في هذه الدنيا-: نحن عباد لله، ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ولنخرجهم من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.

    وإنما سعة الدنيا والآخرة بالذل لله، والتوكل عليه، والصدق معه سبحانه وتعالى.

    وصحابة رسول الله هم الذين جاءنا الدين على أكتافهم غضاً طريا، فتباً تباً لمن يسبهم.

    قال أبو زرعة الرازي -وهو الإمام المعروف الذي قال عنه الإمام أحمد : ما جاوز هذا الجسر مثل أبي زرعة ، فقد كان حافظاً ثقة ثبتاً.

    وقال عنه ابن أبي حاتم -وهو ابن خالته-: لما مات أبو زرعة ما خلف بعده مثله.

    وكان يقول بعض علمائنا: أبو زرعة يا أبا حاتم أحفظ من البخاري .

    وكان صاعقة في الحفظ، وكان فطناً لبيباً، ينظر إلى الذين يتنطعون ويسبون أصحاب رسول الله فيرد عليهم: من سب أو انتقص قدر صحابي فهو زنديق، إذ أنه يلمح بضرب الشريعة، والشريعة لم تأتنا إلا عن طريق الصحابة، فإن لم تعدل الصحابة فلا شريعة، وقال: من انتقص من قدرهم فهو زنديق، وهم العدول قد عدلهم الله جل وعلا، وعدلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فهؤلاء هم القدوة والأسوة الذين نفتخر بأنهم أجدادنا حقاً، لا فرعون ولا هرقل ولا كسرى ولا قيصر، إنما أفتخر بأجدادي حقاً: كـخالد بن الوليد وعمرو بن العاص وأبي عبيدة بن الجراح وأبي دجانة الذي تبختر ومشى مشية التعجب بين الصفين ورسول الله يشكر له هذه المشية ويقول: (هذه مشية -أي: مشية التفاخر والتبختر والكبر- يبغضها الله إلا في هذا الموقف)؛ لأنه يعتو ويتكبر على المتكبرين الكافرين.

    وأبو دجانة هو الذي أخذ سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم بحقه بعد أن هز النبي الخشبة -وهذه من معجزاته- فأصبحت سيفاً، فقال: من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فقام الزبير بن العوام حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو أول من أشهر سيفاً في سبيل الله، والذي قام في مقتلة عظيمة بينه وبين الروم يشق الصفوف ويقتل يميناً ويساراً، ويرجع ويقول: هل منكم من يستطيع أن يفعل ذلك؟!

    فقال: أنا يا رسول الله! فيجلسه، ثم يقوم الثانية فيجلسه، ثم يقوم أبو دجانة فيقول: أنا يا رسول الله! آخذ هذا السيف بحقه.

    ثم تأتي الغزوة فيربط أبو دجانة عصابة حمراء على رأسه، ويقول الصحابة من الأنصار -مفتخرين به-: ربط أبو دجانة عصابة الموت، فينزل في ساحة الوغى فيقتل مقتلة عظيمة في أهل الكفر، ثم يجد امرأة تجهز على كل جريح من المسلمين، فرفع عليها السيف، فلما رآها امرأة -وكانت هنداً رضي الله عنها وأرضاها قبل أن تسلم- لم يقتلها، وقال بعدما علاها بالسيف: أترفع بسيف رسول الله أن يقتل امرأة، وتركها ورحل رضي الله عنه وأرضاه.

    1.   

    واجب الأمة نحو الصحابة

    حب الصحابة

    إن واجب الأمة نحو الصحابة يتمثل في أمور:

    أولاً: حبهم؛ فهو دين نتعبد الله جل وعلا به، كيف لا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق -أو علامة النفاق- بغض الأنصار)، وقد قال أنس كما في الصحيحين: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المرء مع من أحب).

    فمن تحب ستكون معه، فإن كنت تحب البابا شنودة ، وأهل الكفر والضلال، فأنت معهم، وإن كنت تحب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرجو الله أن تكون معهم في الفردوس الأعلى.

    وما رأيت حديثاً أفرح لي بمثل هذا الحديث أو قال: ما فرحنا بمثل هذا الحديث، إذ أننا نحب رسول الله -كأنه يلمح بأن عمله لا يصل به إلى أن يكون مع النبي صلى الله عليه وسلم في الفردوس الأعلى- وأبا بكر وعمر، ونرجو الله أن نكون معهم بهذا الحديث: (من أحب قوماً حشر معهم).

    ونحن إذا أحببنا صحابة رسول الله فنحن معهم إن شاء الله.

    فأول واجب على الأمة إذاً: هو حب صحابة رسول الله، وتعميق ذلك في قلوبنا، وفي قلوب الأهل والأقرباء والأصدقاء؛ لأنه دين نتعبد لله جل وعلا به، والمرء مع من أحب.

    والإمام مالك يبين لنا كيف نحب رسول الله وصحابته الكرام فيقول: كان السلف يعلمون صبيانهم حب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وسئل ابن المبارك : من الجماعة؟ فقال: أبو بكر وعمر .

    وسئل الحسن : حب أبي بكر وعمر سنة؟ قال: لا، فريضة.

    فلازم وواجب حب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما دام أن رسول الله قد ربط الإيمان به وجعله علامة له.

    نشر فضائلهم ومدحهم بما فيهم

    ثانياً: نشر فضائلهم، ومدحهم بما فيهم، وجعلهم أسوة لنا، فنغرس في أبنائنا أنهم هم القدوة والأسياد، والقادة بحق، وهم الذين كانت لهم الريادة المطلقة.

    فتأتي إلى كتب التاريخ -التي فيها فضائل الصحابة- فتسطر لأولادك فضائل الصحابة، وتحكي لهم عن خالد قائد الأمة، الذي يقول عنه النبي صلى الله عليه وسلم -لما ارتقى المنبر وهو يبكي-: (أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب، واستلم الراية سيف من سيوف الله سله الله على المشركين، جعل الله النصر على يديه).

    هذا هو الذي جعل هرقل ملك الروم يقول له: من أنت؟! أأنزل الله لك سيفاً من السماء تقاتل به فلا تهزم أبداً؟!.

    هذا سيف الله المسلول الذي ما دخل معركة قط إلا وجعل الله النصر على يديه.

    فعلم أولادك حب خالد وسيرته وشجاعته، ثم تورد لهم عنه ما قاله وهو يموت -وأسأل الله أن لا نكون ممن عناهم خالد - ما في جسدي موضع إلا وفيه طعنة برمح، أو ضربة بسيف، أو رمية بسهم، ألا لا نامت أعين الجبناء.

    نعوذ بالله أن نكون كذلك، ونعوذ بالله أن ينزع من قلوبنا حب الجهاد في سبيله، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من لم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من النفاق).

    ثم احك لأهلك وقرابتك عن أبي عبيدة بن الجراح ، فقد لا يعرف أحد من هو أبو عبيدة وما مكانته.

    أبو عبيدة هو الذي يقول فيه عمر -وهو على فراش الموت-: لو كان أبو عبيدة حياً لأعطيته الخلافة؛ لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح).

    واحك لهم عن جليبيب، وبين لهم أمراً من أهم الأمور: وهو أن الشهرة لا تساوي شيئاً، وفي الحديث: (إن الله يحب التقي الخفي النقي)، فالله تعالى يحب العبد الأشعث الأغبر، الذي إذا طرق على الأبواب دفع، فإذا أقسم على الله أبره.

    جليبيب هو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم في الغزوة: أتفقدون أحداً؟ قالوا: لا نفقد أحداً، بحثنا عن كل أحد فما فقدنا أحداً، قال: ولكني أفقد أخي جليبيب ، فإذا عرفه الله ورسوله، ما ضره أن الصحابة لم يعرفوه.

    فواجب على كل الأمة أن تحدث أبنائها عن هؤلاء الأخيار، وأن تبين سيرهم، وأن تمدحهم، وتجعلهم قدوة تتخذ، فإذا فعلنا ذلك نحشر معهم إن شاء الله جل وعلا.

    الذب عنهم

    ثالثاً: النصرة لهم والذب عنهم، فلا يرضى مسلم بسب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تقبل أحداً يفعل ذلك، أي: يسب أبا بكر أو عمر أو عائشة ، كالرافضة الذي يقول قائلهم: اللهم! العن صنمي قريش أبا بكر وعمر . حاشا لله، بل اللهم! العن من لعنهم وانتقم منه يا رب العالمين.

    فأنت يجب عليك أن تذب عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن لا ترضى عمن يسبهم عملاً بقول الله تعالى: لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ [النساء:148]، وهم قد ظلموا، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً)، فهذا من حقهم عليك يا مسلم.

    وسل نفسك من الذي أوصل إليك القرآن غضاً طرياً؟! ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ابن مسعود : (من أراد أن يأخذ القرآن غضاً طرياً فليأخذه من ابن أم عبد) أي: ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه؟!

    ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يحتضن ابن عباس : (اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل)، فعلى أكتاف هؤلاء وصلتنا الشريعة غراء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فوجب عليك أن تذب عنهم، وأن تنصرهم، وأن ترد على من يتنطع ويتكبر ويتجبر عليهم، وإذا سمعت رجلاً يقدح في عائشة وفي شرفها فاقطع لسانه إن أردت؛ لأنه قد كفر برب العزة جل وعلا، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه) فلا بد أن تذب عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وجوب الكف عما شجر بين الصحابة

    رابعاً: الكف عن الخوض فيما شجر بين صحابة رسول الله، كموقعة الجمل وصفين ومقتل عثمان ، وغيرها من الفتن التي دارت بين الصحابة، فلا تتكلم بها، كما قال إمام أهل السنة والجماعة عند أن سألوه: ماذا تقول في هذه الفتن؟ فقال: ما أقول إلا بقول الله تعالى: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [البقرة:134].

    وقد قال ابن كثير كلاماً ما معناه: حروب رحم الله أجسادنا منها، فنبرئ ألسنتنا وأقلامنا من الخوض فيها.

    ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : أجمعت الأمة على وجوب الكف عن الكلام في الفتن التي حدثت بين الصحابة.

    ونقول: كل الصحابة عدول، وكل منهم اجتهد، فمنهم من اجتهد فأصاب كـعلي فله أجران، ومنهم من اجتهد فأخطأ كـمعاوية فله أجر، فكل منهم مأجور، القاتل والمقتول، حتى الطائفة الباغية لها أجر واحد لا أجران، يعني: ليس فيهم مأزور بفضل الله سبحانه وتعالى.

    فيجب على الأمة الكف عن الخوض في الفتن التي حدثت بين الصحابة، واعتقاد أن كل الصحابة عدول، وأنهم اجتهدوا فمن أصاب منهم فله أجران، ومن أخطأ فله أجر.

    وهذا التأصيل والتقعيد أصل في التعامل مع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    حكم من سب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم

    إن قلنا: لعنة الله جل وعلا على كل من سب صحابة رسول الله جاز ذلك؛ لأننا لا نلعن معيناً، وإنما نلعن طوائف، كما يقول الله: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [الأعراف:44].

    والساب للصحابة لا يخلو من أربعة أقسام:

    حكم من كفر الصحابة

    القسم الأول: من سبوا صحابة رسول الله وكفروهم، وقالوا: ارتدوا ولم يبق منهم مسلم إلا أربعة نفر، فهؤلاء كفروا بالإجماع، كغلاة المعتزلة الذين يقولون: إن صحابة رسول الله ارتدوا على أعقابهم بعد موت رسول الله.

    وما الدليل على كفرهم؟

    الجواب: مخالفتهم لظاهر القرآن، وصريح آياته.

    حكم من فسق الصحابة لأجل دينهم

    القسم الثاني: من يسبون كل الصحابة ويفسقونهم لدينهم، ولنصرتهم له، فهؤلاء أيضاً كفار بالإجماع.

    حكم من سب أبا بكر أو عمر أو عائشة رضي الله عنهم

    القسم الثالث: من يسبون أبا بكر وعمر وعائشة ، فهؤلاء كفرة، رغم أنف من يقول: إنهم غير كفرة.

    فقد بين الله جل وعلا عدالة أبي بكر في قوله: وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ [النور:22]، فالله العظيم جبار السماوات والأرض يحدث ويخاطب عبداً من عبيده ويقول له للتعظيم والتفخيم: (ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة)، فهنيئاً لك يا أبا بكر أن يقال عنك: (أولو الفضل).

    وكان أبو بكر في مكة من أغنى أغنيائها، وكان من الجود بمكان، فأنفق كل أمواله على رسول الله، كما قال الرسول في الصحيح: (وواساني بأهله وماله) وجاء للنبي صلى الله عليه وسلم فقال له الرسول: (ما تركت لأهلك وعيالك؟ قال: تركت لهم الله ورسوله.

    ونظر جبريل إلى أبي بكر وعليه ثياب رثة، فقال جبريل مشفقاً على أبي بكر وهو بالثياب الرثة بعدما كان من أغنى الأغنياء: يا رسول الله! أبلغ أبا بكر بأن الله يقرئه السلام ويقول: يا أبا بكر ! إن ربك عنك راض، فهل أنت عن ربك راض؟) الله أكبر، لمن هذا الكلام؟ لعبد من عباد الله يقال له: (يا أبا بكر ! إن ربك عنك راض) ثم يقال له: (فهل أنت راض عن ربك؟!)، ومعنى ذلك: أأنت راض عن قضاء ربك عليك؛ لأنك بعدما كنت أغنى الأغنياء وسيد السادة رضيت أن تبقى فقيراً مع رسول الله، مهزوماً حتى ينصرك الله وينصر رسوله صلى الله عليه وسلم، فهل أنت راضٍ عن الله، وعن قضائه وقدره؟! قال: والله! إني عن ربي راض، والله! إني عن ربي راض، والله! إني عن ربي راض.

    وقد زكاه الله جل وعلا في كتابه فقال: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى [الليل:5-6]، وفي آخر الآيات قال: إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى [الليل:20]، الإخلاص أمر في القلوب لا يعلمه إلا الله، لكن إخلاص الصديق نشره الله بين الناس.

    فمن سب أبا بكر أو عمر كما تفعل الرافضة في أعيادهم، أي: أحياناً يأتون بصنم من حلوى ثم يضعون في بطنه عسلاً ثم يشقون بطنه ويدخلون رؤوسهم ويشربون من العسل ويقولون: نشرب من دم الصنم الأكبر! حاشا لله.

    ثم ترى قائلهم عندما يريد أن يسب أمه أو ابنته أو أخته يقول لها: يا عائشة ! خسئت وخسئ أبوك إن كان علمك ذلك.

    يقولون عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها التي قال فيها عمار في موقعة الجمل -لما لعنها أو سبها رجل-: أخرس الله لسانك، إنها زوجة نبينا في الدنيا وفي الجنة، ولكن الله يبتليكم بها لينظر هل تسمعون كلامها أو تسمعون كلامه، فسبحانه وتعالى.

    فبين رضي الله عنه أنها زوجة النبي صلى الله عليه وسلم في الآخرة وهي حبيبة النبي صلى الله عليه وسلم، وأبوها حبيب النبي صلى الله عليه وسلم، كما في الحديث: (ولو كنت متخذاً من الناس خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً).

    فمن سب عائشة في شرفها فهو كافر ملحد زنديق، كما صعد قائلهم وأميرهم وسب عائشة علناً، ورماها بالزنا والإفك والعياذ بالله، والله جل وعلا قد برأها من فوق سبع سماوات، فمن رمى عائشة بالإفك فعليه لعنة الله؛ لأنه كافر ملحد يستحق الخلود في نار جهنم، إلا أن يتوب الله عليه، فإذا تاب الله عليه فمات مسلماً تائباً فالحمد لله.

    حكم سب الصحابة لا لدينهم أو شرفهم

    القسم الرابع: الذي يسب الصحابة لا لدينهم ولا لشرفهم ولا لشيء من ذلك، وإنما حقداً عليهم، أو لتقديم أحد منهم على أحد، كمن يسب معاوية مثلاً فيقول: سرق الخلافة، وهو الذي أنشب الحرب بينه وبيه علي .

    فهذا ليس بكافر لكنه فاسق على شفا جرف هار، سينهار به إن لم يتب.

    بل هو ذريعة للكفر، وباب من أبوابه، لكن لا نقول بكفره بحال من الأحوال، بل نقول: فاسق مبتدع زنديق من سب معاوية أو غيره من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.

    1.   

    الأسئلة

    حكم الشيعة

    السؤال: هل كل الشيعة كفار؟

    الجواب: الشيعة ليسوا كلهم كفاراً، بل يوجد من الشيعة من هو كافر ملحد لا يشك مؤمن في كفره، لكن نصطحب التقعيد الذي قعدناه، أي: أن الكفر كفر نوع وكفر عين.

    فمن الشيعة من هم كفار كالذين يقولون: إن القرآن الذي بين أيدينا ليس هو بالقرآن الصحيح، بل هو ثلث القرآن فقط، أما ثلثيه فهو في كتاب فاطمة ، أو في السرداب، مع الرجل الذي ينادونه: يا إمام خرج اخرج، فيكونون أضحوكة وهم أمام السرداب.

    فالمقصود: أن هؤلاء كفار.

    ومثلهم الذين يسبون عائشة علناً، كغلاة المعتزلة الذين يقولون: ارتد الصحابة إلا أربعة نفر.

    ومن الشيعة الزيدية، وهم لا يسبون أبا بكر وعمر ، ولا يقدحون في خلافتهما، بل يقرون بها، لكن يقولون: علي أفضل من أبي بكر وعمر ، وهو أحق بالخلافة منهم، لكن الناس عدلوا عن الأفضل للمفضول، وإمامة المفضول تصح؛ لأن أبا بكر صلى بالنبي، وكذلك عبد الرحمن بن عوف ، فهما إمامان مفضولان، والفاضل صلى الله عليه وسلم صلى خلفهما، فتجوز إمامة المفضول، فهذا التأويل لهم، فليسوا بكفار.

    ومما ينبغي أن نؤكد عليه هنا: أن القول قد يكون كفراً وكذلك الفعل ومثلهما الاعتقاد لكن القائل أو الفاعل قد لا يكفر، حتى تقام عليه الحجة وتزال عنه الشبهة، ولا أقول: إن علماء الشيعة وعوامهم كفار، بل أتحرج من هذا، ولا أستطيع التجرؤ عليه، لكن الشيخ ابن جبرين وهو من جبال أهل العلم، يقول ذلك، لكني لا أقلده في هذا.

    أقول: علماؤهم كفار، لكن العوام ليسوا بكفار حتى تقام عليهم الحجة، وتزال عنهم الشبهة، وهذا منهج شيخ الإسلام ابن تيمية عند أن يتكلم عن المعتزلة والجهمية والذين ينفون صفات الله جل وعلا، فيقول: علماؤهم كفار، أما العوام فلا، للعذر بالجهل، قال تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15].

    فلو وجدت رجلاً يذبح لغير الله جل وعلا، هل تكفره؟ لا تكفره، بل تقول: هذا الجاهل فعل كفراً، وقال كفراً، لكن لا أكفره حتى أقيم عليه الحجة وأزيل عليه الشبهة.

    أما لو جاءني رجل وقال لي: أنت مفتر كذاب أفاك!

    فأقوله له: لماذا يا رجل؟!

    قال: لأنك تكفر اليهود والنصارى وهم أهل كتاب.

    أقول له: سأبين لك الحجة على أنهم كفار، فإن لم تكفرهم بعد ذلك فأنت كافر؛ لأنك تكذب الله.

    فإن قال: كيف ذلك؟

    أقول له: هم يقولون: إن الله ثالث ثلاثة، فهل هذا صحيح عنهم؟ وهل كفروا بذلك؟

    فإن قال لي: هذا القول صحيح عنهم؛ لأن الله يقول: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ [المائدة:73] وهو قول باطل، وهم كفار بذلك.

    فأقول له: الحمد لله الذي نجاك من الكفر.

    فإن قال: لا، أي: لم يقولوا ذلك، أو ليسوا كفاراً بقوله، وعاند وعتى فأقول له: كفرت أنت أيضاً.

    الخلاصة: أنه لا بد من قيام الحجة وإزالة الشبهة حتى يكفر قائل الكفر أو فاعله.

    وما هو ضابط إقامة الحجة عليهم؟

    كثير من العلماء لم يبينها وسأقعد لك قاعدة قد من الله علينا بها، وهذه القاعدة مهمة جداً في معنى إقامة الحجة، فنقول معناها: أن يفهما مثله، وليس المعنى مجرد وصول المعلومة؛ لأنه قد يعاند ويجحد.

    وقد لا يفهمها مثله، فلو أتيت برجل صيني وكلمته بالمصري ففهم كلامك، ثم قال لك: ابتعد عني، لا أريد أن أفهم منك شيئاً، أو يقول: لن آخذ منك شيئاً، فهذا الرجل يكفر؛ لأن مثله يفهم هذه الحجة.

    فالضابط في المسألة: بلوغ الحجة، ومعناها: أن تصل إليه ويفهمها مثله، وليس مهماً أن يفهمها هو، لكن الأهم أن يفهمها مثله؛ لأنه قد يكون جاحداً، فلا يريد أن يفهم منك.

    وكذا لو تعمد عدم الفهم يكون كافراً؛ لأنه معرض، وقد قال الله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ [الأحقاف:3].

    التقية عند الرافضة

    السؤال: ما مكانة التقية عند الرافضة؟

    الجواب: التقية عند الرافضة أصل العقائد، بل هي مقدمة عندهم على لا إله إلا الله، وهي من أهم الأشياء في حياتهم، فنسأل الله أن يهديهم إلى سواء السبيل.

    حكم التزوج من نساء الشيعة

    السؤال: هل يجوز التزوج بامرأة شيعية؟

    الجواب: المسألة فيها تفصيل، فأي شيعية تتزوجها؟ إن كانت هذه الشيعية من الكفار الذين حكم الدليل عليهم بالكفر، فلا يجوز أن تتزوجها؛ لأنها كافرة، وليست من أهل الكتاب حتى نقول: إنها تقاس على النصارى واليهود، بل هي كافرة، وتعد من المشركين، فلا تتزوجها، أما إذا كانت من الزيدية مثلاً فنقول: تزوجها مع الكراهة، وعلمها السنة؛ لعلها أن ترجع إليها، أما إن كانت متمسكة بما هي فيه، فستفسد عليك أولادك.

    حكم الزواج بالكتابية

    السؤال: هل يجوز أن يتزوج الرجل امرأة من أهل الكتاب وهو يعلم أنها قد وقعت في الزنا؟

    الجواب: الشروط التي اشترطها الله للزواج من أهل الكتاب معلومة وهي:

    أولاً: أن تكون من أهل الكتاب حقاً.

    ثانياً: أن تكون محترمة ذات حشمة، بل أرتقي وأقول: المسلمة الزانية لا يصح العقد عليها؛ لأن الله جل وعلا يقول: الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [النور:3]، ولذلك من المحرمات في النكاح -كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية : العقد بين الحر العفيف والزانية.

    فإن كان لا يجوز أن يعقد على امرأة مسلمة زانية، فمن باب أولى إن كانت زانية من أهل الكتاب.

    ولا بأس في الزواج من العفيفة من أهل الكتاب؛ لقول الله تعالى في سورة المائدة: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ [المائدة:5].

    أما الزانية فشرط الجواز قد اختل، والحكم يدور مع علته حيث دارت، لكن لا ينبغي أن نقول: إنه لا يجوز النكاح من أهل الكتاب عموماً؛ لأننا بذلك عطلنا ظاهر الكتاب، وإجماع الصحابة على جواز الزواج من الكتابية، والآية ظاهرة في ذلك، فإن وجدنا المحصنة -إن شئنا- تزوجناها، وإلا فلا.

    ولو زنت الكتابية مرة واحدة ثم كفت عن ذلك فهل هذا توبة لها؟

    الجواب: الضابط أن يطهر فرجها.

    وتعرف ذلك بأن تسأل جيرانها، أو من يعيش معها، فإن كان جيرانها فاسقون فابحث عن أخرى ممن تمتنع عن الفاحشة، ولا نظلم أهل الكتاب بالقول بعدم وجود عفيفات فيهم بل ذلك موجود بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن معاوية : (إن أهل الكتاب سيتملكون الدنيا بحسن أخلاقهم) أي: بحلم وعطاء وبر وغيرها من الأخلاق العالية التي هي من أخلاقيات الإسلام، شعروا أم لم يشعروا.

    والزنا عندهم في الإنجيل حرام، فالمتدينات من نسائهم لا يزنين.

    وكذا من كان عندهن نخوة وكرامة، وأخلاقيات عالية يترفعن عن هذا.

    والزواج بالمسلمات لا ريب أولى، ومن كان من الفئة التي تتغرب لعلم معين تنتفع به الأمة، لا للدنيا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أنا بريء ممن يقيم بين أظهر المشركين) يعني: ممن يقيم عندهم لا لمصلحة شرعية، فهذا إن خاف العنت نقول له: يجوز أن تتزوج كتابية، لكن تحرى أن تكون محصنة.

    ويحذر من مغبة مخالفة النبي صلى الله علي وسلم بالبقاء بين أظهر المشركين لغير مسوغ شرعي.

    حكم الترضي على غير الصحابة

    السؤال: هل يجوز أن نترضى عن أهل الصلاح والجهاد فنقول: رضي الله عنهم؟

    الجواب: لا، لا يترضى إلا على صحابة رسول الله، أما التابعون فاختلف العلماء فيهم، والصواب: أنك لا تترضى إلا على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع أن الله جل وعلا قد قال: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [التوبة:100]، لكن العلماء قصروها على صحابة رسول الله، وإن ذكر التابعون في الآية.

    فإذا قال الإنسان: رضي الله عنهم، لغير الصحابة، ومراده بذلك دعاء فلا بأس، أي: يدعوا الله أن يرضى عنهم ويرضوا عنه، فمثل هذا الدعاء بلفظ الترضي جائز للصحابة وتابعيهم بإحسان كما في الآية، أما إذا قالها على أنه أمر قد حسم -أي: قد رضي الله عن المقول فيه ذلك- فلا يصح إلا للصحابة فقط.

    ولو أردت أن تذكره أي: لفظ الترضي، فقله في أصحاب القرون الثلاثة المفضلة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم).

    عدم علم النبي صلى الله عليه وسلم بالغيب

    السؤال: لماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أصحابي أصحابي) لمن منعوا من الورود على حوضه، ألا يعلم رسول الله ما في القلوب؟

    الجواب: رسول الله لا يعلم ما في القلوب، والذين منعوا من الورود على حوضه رأى منظرهم كالصحابة وكانوا من المنافقين، والله أعلم بهم، ألم يقل الله جلا وعلا: وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ [التوبة:101]، فدلت الآية على أنه لا يعلمهم، فهؤلاء من الذين لا يعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (أصحابي أصحابي -أي: في الظاهر-، فيقال له: لا تدري ما أحدثوا بعدك، فيقول: بعداً بعداً، سحقاً سحقاً) فلا حجة في الحديث لمن يدعي أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب.

    والمبتدعة سيدخلون في الحديث؛ لتغييرهم وتبديلهم، فإذا كان هؤلاء من الصحابة في الظاهر ويقال لهم ذلك فمن باب أولى من جاء بعدهم من المبتدعة، أي: سيقال لهم: (سحقاً سحقاً، بعداً بعداً).

    ولما سب خالد عبد الرحمن بن عوف قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أصحابي أصحابي، لا تسبوا أصحابي) مع أن خالداً صحابي وأي صحابي! لكن الإسلام يبين حتى منازل الصحابة، وهذا تفضيل آخر سنبينه، أي: أن كل الصحابة يتفاوتون، فأعلاهم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان على خلاف فيه: إذ الشوكاني والثوري وأبو حنيفة يقدمون علياً على عثمان كما سنبين، فهذا الترتيب أي: بتقديم عثمان على علي قد أجمع عليه بعد ذلك أهل السنة والجماعة، ثم بعد ذلك العشرة المبشرين بالجنة، ثم الصحابة الأفاضل.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم يبين لـخالد وهو الصحابي الجليل أن عبد الرحمن يقدم عليه؛ لأنه أي: عبد الرحمن من السابقين الستة، وقد قال الله تعالى: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا [الحديد:10].

    وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدمون توحيدين -فسادوا وقادوا-: توحيد رب العالمين وتوحيد الاتباع لرسول الله، فلا يوجد أهواء، ولا إحداث، ولا بدع، بل كلهم يقولون: سمعنا وأطعنا.

    وأما نحن فصرنا غثائية، كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم (.. قالوا: أو من قلة نحن يا رسول الله؟! قال: لا، إنكم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل).

    قال تعالى: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ [الرعد:17]، فنحن غثاء في هذا الزمان إلا قليلاً.

    ونحن في غربة تحت غربة تحت غربة، ولا عبرة بكثرة المخالف، يقول تعالى مبيناً لنا أن الكثرة مذمومة: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام:116]، فإن القلة التي هي على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه هم أهل الحق، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم).

    ويوجد كثير من الناس قد يسمع الرقة والموعظة فترق نفسه، فالذي كلمه وقال له: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ستفطر عندنا) هذا هو الذي يأخذ منه الدين، وأما العالم الذي يهتم بالدين فلا يأخذ عنه شيئاً، فالأمة ضائعة بسبب هذا، أي: لم تعرف موازين الناس، ولم تقدرهم قدرهم، أي: لم يضعوا كلاً في قدره ومكانته، فلم يعلموا أن الداعية داعية، والعالم عالم، وهو بستين ألف داع، إذ العالم داعية وزيادة، فالعالم يرسخ لنا العلوم التي نسير بها إلى الله جل وعلا، أما الداعية فما له إلا كلمات طيبة يجذب بها الناس، ثم قد يكون مخلصاً فيقول: لست لها أنا، بل لها العلماء، اذهبوا فتعلموا، أنا أتيت بكم إلى الطريق ولكنه ليس طريقي الصحيح، وإنما هو طريق العلماء، فنحن ضعنا بمثل هذا.

    والعوام لا دخل لهم بشيء، وإنما يريدون الكلمة الطيبة لكي يذهبوا ورائها.

    ودليل ذلك أن علياً بن أبي طالب لما صنف الناس إلى ثلاثة أقسام: عالم رباني، وطالب علم على سبيل النجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم.

    وهذا هو المهم، أي قوله: لم يستضيئوا بنور العلم، أي: لما كانوا كذلك أصبحوا أتباع كل من يتكلم عن الدين بعاطفة، فيقولون: هذا هو الدين.

    وهذا خطر، فهناك بعض الناس يستغلون هذا ويجعلونهم أي: العوام، رأس مالهم، حتى يقول العامة: هذا هو الدين، فالدين عندهم ليس في اللحية، أو في مسواك، أو في قميص قصير، فأصبح كل الناس يتكلمون في الدين: الدين كذا وكذا، وهذا حلال وهذا حرام، مع أن الحنفيات عندما تعطب ولا ينزل منها الماء، لا يأتون إلا بالسمكري، ولا يمكن أن يأتوا بغيره كرجل ميكانيكي مثلاً، لكن الدين تجد أي شخص يتكلم فيه، ثم تقول العامة: هذا هو عالم الدين.

    فلذلك ضعنا وضيعنا؛ لأننا لم نعرف موازين الناس وأقدارهم، ولم نعرف الطريق الصحيح الذي نصل به إلى رب العالمين.

    ونسأل الله جل وعلا أن يشكر لكل ساع مجاهد سعيه وجهاده، لكن ما أحوجنا لذكر مسألة الراهب، فبعد أن علم الراهب الغلام وجد أن الغلام فاقه، فقال له: صرت الآن خيراً مني، أي: أنت الآن مقدم علي، فقدمه ليدعو إلى أبواب الخير وينشر دعوة الله، أي: لما أخلص الراهب كان هذا الغلام في ميزان حسناته، والغلام أدى ما عليه، فنشر دعوة الله جل وعلا، وقتل بعد دعوته الناس لتوحيد الله جل وعلا، فما أحوجنا إلى من يقول ذلك، أي: يقول: لست أنا، بل فلان الفلاني اذهبوا إليه لتعلموا دينكم، فلا أحد يقول هذا الآن إلا من رحم ربك، فادع الله ليل نهار: اللهم ارزقني رجلاً يسلك بي الطريق الصحيح، ويعلمني العلم النافع الذي يرسخ في قلبي فلا أسأل بعده أبداً، نسأل الله ذلك.

    وليس عزيزاً على ربنا جل وعلا أن يجعلك في سنة طالب علم جيد، قد أتقنت العقيدة والمصطلح والأصول والفقه.

    وتأمل كفار قريش كيف عرفوا المراد منهم في القرآن لما فقهوا اللغة العربية فقالوا: أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:5] قالوا ذلك لأنهم علموا أن لا إله إلا الله، لها قيود ولوازم.

    والصحابة كانوا يحرصون أيما حرص على التعلم من النبي صلى الله عليه وسلم، فأروى الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم هو أبو هريرة ثم عبد الله بن عمرو بن العاص ، لكن عبد الله بن عمر كان يكتب، نفسه، وأبو هريرة كان يحفظ في صدره فقال قائل: أكثر علينا أبو هريرة ، فقال أبو هريرة : إن إخواننا الأنصار شغلهم الزرع، وإخواننا المهاجرون شغلهم الصفق -الذي هو التجارة- وكان أبو هريرة يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على شبع بطنه، فيقول: وكنت أجوع ومن شدة الجوع يغشى علي، فيحسبون أن بي جنون وليس بي إلا الجوع، وقد مكثت مع رسول الله لأحفظ حديثه عليه الصلاة والسلام.

    فكانوا أي: الصحابة حتى المشغول منهم بالتجارة، لا يشبه الذي نحن عليه الآن، نحن الآن ماذا يشغلنا؟ تشغلنا الآلة الحاسبة، والدرهم الذي ذهب، والدرهم الذي جاء، والعمل الذي نمضي فيه الساعات الطوال، والعلم الذي نحصل عليه هو ما نحصله من كلام الخطيب يوم الجمعة، أو ما نحصل عليه من كلام رجل يكلمنا عن الحب والعطف والحنان والشوق، فنقول: دعنا نسمع هذه الكلمات كي ترقق قلوبنا وانتهى الأمر.

    ولو قلت: لن أضيع وقتي، بل نصف ساعة أجلس فيها مجلس علم، أحضر البركة، ولا يفقدني الله جل وعلا، وتصعد الملائكة باسمي، فيثني الله علي في الملأ الأعلى، وأتعلم مسألة أعمل بها، لكنت جهبذاً من جهابذة العلم إن شاء الله.

    وانظر إلى عمر بن الخطاب عندما شغله الكسب ماذا عمل؟

    قال لأخيه من الأنصار: تنزل يوماً فتتعلم من رسول الله فتعطيني ما تعلمته، وأنزل اليوم الثاني إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتعمل أنت، فأعلمك ما قاله رسول الله.

    كانت أمي دائماً -رحمة الله عليها وعلى أبي- لما أن ترى معي كتاب الأم للشافعي تقول: يا بني! اتق الله في نفسك، وذاكر كتب الجامعة، أليس النبي صلى الله عليه وسلم جاءه رجل فقال : (إن أخي يجلس معك ليل نهار وأنا أعمل من أجل أنفق عليه فقال للطالب: أخوك أفضل منك).

    يعني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليس طالب العلم هو الأفضل، بل قال: أخوك الذي يعمل أفضل منك، قلت لها: أبعدت النجعة، فقد استدللت بحديث موضوع، وسأصحح لكي المفاهيم، بحديث صحيح: جاء رجل يشتكي للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا رسول الله! إني أعمل وأكد لأخي وهو يجلس عندك في المجلس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعه لعلك ترزق به)، انظر ماذا قال له، ولم يقل له: إنه أفضل منك فقط، بل قال له: الخير الذي يأتيك هو بسببه، أي: بسبب أنه يجلس ويتعلم على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فلو فرغ المسلم نصف ساعة من وقته لحضور درس علمي يتعلم فيه مسألة جديدة ليعمل بها، أو يتعلم أمراً يرفعه الله به، والله ليصبح بعد عام رجلاً عنده كم علمي مبارك، ولا يقوى أحد أن يعمي عليه المسائل.

    والفرق بيننا وبينهم أنهم لم يأخذوا العلم جملة لكي يضيع منهم جملة، فالصحابة تعلموا العلم ليعملوا، ولذلك جاء بسند صحيح في شعب الإيمان عن ابن عمر أنه قال: تعلمنا الإيمان. أي: أول شي تعلمناه الإيمان حتى نطبقه، ثم تعلمنا القرآن، فنزل نور القرآن على نور الإيمان، فأصبح نوراً على نور.

    فالنور الذي على نور هذا لمن علم وعمل، ولذلك كان سفيان الثوري يقول: أيها المحدثون! زكاة أربعين حديثاً حديث واحد، يعني: اعمل بحديث واحد من كل أربعين؛ لتكون قد أديت زكاة علمك، فترتقي به عند ربك جل وعلا.

    أول ما يجب على المسلم تعلمه

    السؤال: ما هو الترتيب الصحيح في دراسة العلوم الشرعية؟

    الجواب: الترتيب الصحيح أنك أولاً: تؤمن بالله، فكيف تؤمن به؟ لن تؤمن بالله حتى تعرفه، أي: تعرف عنه ما أوجب عليك معرفته، مما يدلك عليه؛ لقول الله جل وعلا: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [محمد:19]، ثم قال عقبها: وَاسْتَغْفِرْ [محمد:19]، فأنت لا بد أن تعلم، ثم تعمل.

    فتعرف عن الله أسماءه الحسنى، وصفاته العلى، ودينه الذي أنزله.

    ولو سأل سائل عن سبب ضياع الأمة الآن، وما الشيء الذي جعل الأمة ترتجف من أشياء قد تكون أضعف من الذباب؟!

    الجواب: سبب هذا كله هو ضعف اليقين بالله، فلو علمت أن الله جل وعلا إذا أراد أن يقلب الدنيا رأساً على عقب بقوله: كوني، فتكون، فحينها لن تخف إلا من ربك جل وعلا، ولن تذل إلا له، ولن تتوكل إلا عليه، فوجب عليك أن تعلم من الله؟!

    فإذا عرفت ربك ارتفعت نفسك وسمت.

    فاللهم ارزقنا تعظيمك يا رب العالمين.

    ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه: (أنا أعلمكم بالله).

    تفضيل الصحابة على من بعدهم

    السؤال: كيف الجمع بين حديث: (أجر الواحد منهم بخمسين منكم، فقال أبو هريرة : يا رسول الله! بخمسين منهم، قال: لا، بخمسين منكم) أي: القابض على دينه في آخر الزمان أجره بخمسين من الصحابة، وبين حديث: (لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه

    الجواب: الجمع سهل بفضل الله، فنقول: الأمة كلها في ميزان الصحابة، إذ (الدال على الخير كفاعله)، فإذاً أجر أحدهم يلصق بما بعده.