إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد حسن عبد الغفار
  3. شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - جواز الكذب في الإصلاح - الشفاعة

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - جواز الكذب في الإصلاح - الشفاعةللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الكذب من كبائر الذنوب، ولكنه يجوز للإصلاح بين المسلمين، وقد ثبتت الرخصة في ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام، وذكر أهل العلم صوراً يجوز فيها الكذب وضوابطها.

    1.   

    خطر الكذب

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم, وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    إخوتي الكرام! فمازلنا مع هذا الكتاب المبارك للإمام العلامة اللالكائي شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة, وبعدما ساق هذا العلامة السياق البديع في الرد على المرجئة، وتكلم على حكم أهل الكبائر وعدد من الكبائر ما عدد، ساق بعد ذلك بالتناسق البديع ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في جواز الكذب للإصلاح، والكذب من الكبائر أيضاً، ولو لم يفرد الكذب بالكلام على أنه من الكبائر، لكنه يفهم من خلال السياق، ثم تكلم عما يمحو الكبائر، وهل تشترط في الكبائر التوبة أم أنها تمحى بالمكفرات؟

    ذكر هنا سياق ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في جواز الكذب للإصلاح، وهذه استثناءات من القاعدة العريضة المستقاة من الكتاب والسنة، فالغرض المقصود: أنه ألمح إلى دخول الكذب في ضمن الكبائر ولم يصرح، وهل يكون مرتكب الكبيرة خالداً في النار إذا مات مصراً عليها، أم أن شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم تنفعه ويكون داخلاً تحت مشيئة الله جل في علاه؟ وقد أردف المؤلف هذا بذكر شفاعته صلى الله عليه وسلم الخاصة بأصحاب الكبائر.

    فنتكلم عن الكذب ونقول: الكذب لغة: ضد الصدق, واصطلاحاً: هو الإخبار بخلاف الواقع، كأن تقول مثلاً: انتصر الروم، والروم قد هزموا، وهذا ما قرره الحافظ ابن حجر في تعريف الكذب اصطلاحاً.

    والكذب مذموم شرعاً, وهو من الكبائر، فقد ذمه الله جل وعلا في كتابه وذمه النبي صلى الله عليه وسلم في سنته، فقال الله تعالى مبيناً لنا أن العذاب الشديد الأليم يكون لأهل الكذب والفجور: قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [الأنعام:11]، وبين أن لعنته جل وعلا تنزل على الكاذبين المكذبين لله جل وعلا ولرسوله, وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (آية المنافق ثلاث) وفي رواية قال: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً.. - وذكر منها- إذا حدث كذب)، فعدها من الكبائر التي يتصف بها المنافقون، وبين النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً عظم خطر الكذب، فقد جاء في السنن أو في مسند أحمد عن ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن العبد ليصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإن الكذب -هنا عظم الخطر- وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن العبد ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذباً) والعياذ بالله.

    وعواقب الكذب وخيمة في الدنيا والآخرة: كمحق البركة من الرزق والبيت بأسره، فقد قال صلى الله عليه وسلم -كما في الصحيحين-: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما, وإن كنتما وبدلا محقت بركة بيعهما)، فبالكذب تمحق البركة، بل الأشد من ذلك والأنكى يكون في الآخرة، كما قال صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم يوم القيامة.. ومنهم الكذاب).

    وهنا مسألة مهمة وهي: هل الله عز وجل لا يكلم أحداً يوم القيامة ولا ينظر إليه سواء كان مؤمناً أو كافراً؟

    الجواب: هذا عام خصص بقوله صلى الله عليه وسلم: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان..) وما منكم من أحد: نكرة في سياق النفي فهي تفيد العموم، فوجب تأويل النص السابق: بأنه لا ينظر إليهم نظر رحمة، ولا يكلمهم بعطف ورفق وما أشبه ذلك.

    مسألة أخرى: هل يرون الله عز وجل في المحشر على خلاف صورته أم لا؟

    الجواب: لا، بل يرون الله على ما هو عليه، قال صلى الله عليه وسلم: (يأتيهم الله جل وعلا في صورة غير التي يعرفونها, فيقول: ما تريدون؟ يقولون: ننتظر ربنا، قال: أتعرفونه؟ قالوا: نعرفه بعلامة بيننا وبينه)، فلم يأتهيم على نفس صورته، لكنه يكشف العلامة لعباده وهي الساق، فإذا كشف عن ساقه جل وعلا سجد الكل إلا المنافقون؛ فإن ظهورهم تصير كالرخام طبقة واحدة، والله أعلم.

    والحق أن الكذب أصبح فساده مستشرياً عريضاً في المجتمعات، والكذاب قد يهدم بيوتاً بل مجتمعات بأسرها، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أنه من الكبائر، فإن كان من الكبائر فعلى العبد أن ينأى بنفسه عن أن يكون كذاباً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل كما في السنن: (أيكون المؤمن بخيلاً؟ قال: نعم, أيكون المؤمن جباناً؟ قال: نعم، ثم قيل له: أيكون المؤمن كذاباً؟ قال: لا)، فلا يجتمع الكذب والإيمان في قلب مؤمن أبداً، فإذا رأيت العبد يكذب فاعلم أن هذه إشارة وعلامة على أنه ليس بمؤمن الإيمان الكامل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل: (أيكذب المؤمن؟ قال: لا) فالكذب حرام، بل إنه كبيرة من الكبائر التي تدخل في مسألة الخلاف الذي تكلمنا عنه في مسألة المكفرات, وهل الأعمال تكفر الكبائر أم لا؟

    1.   

    الأحوال التي يجوز فيها الكذب

    ذكر المؤلف ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في جواز الكذب، ونحن نعلم أن الكذب حرام؛ لعموم النهي عنه، فهل يستثنى من هذا العموم شيء؟ نقول: نعم، يستثنى من هذا العموم في حرمة الكذب ثلاثة أحوال سنبينها، وقبل ذكرها نقرر قاعدة مهمة تنفع طلاب العلم عند سيرهم في هذا الطريق:

    القاعدة الأولى: من مقاصد الشريعة: درء المفاسد وجلب المصالح, وتمخضت هذه القاعدة وهذا المقصد قواعد كثيرة منها: أولاً: إذا تعارضت مصلحتان لا يمكن الجمع بينهما قدمت الكبرى على الصغرى.

    ثانياً: إذا تعارضت مفسدتان لا يمكن دفعهما معاً دفعت الكبرى واحتملت الصغرى، وكل ذلك مستند لآيات وأحاديث منها: قول الله تعالى: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام:108]، فبالرغم من أن مسبة الآلهة التي تعبد من دون الله طاعة وقربة إلا أن الله جل في علاه نهانا عن ذلك مراعاة للمفاسد والمصالح؛ لأنك إذا سبيت آلهتهم فستدفعهم إلى سب الله جل في علاه.

    ومن الأدلة أيضاً: ما جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـعائشة رضي الله عنها وأرضاها: (لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لهدمت الكعبة ولبنيتها على قواعد إبراهيم)، فلم يفعل ذلك من أجل المصلحة والمفسدة.

    أما بالنسبة لتعارض المفاسد مع المصالح، فإن درء المفاسد يقدم على جلب المصالح؛ ولذلك حرم الله تعالى الخمر مع أن فيه منافع، لكن المفسدة فيه كانت أعظم من المصلحة، قال الله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ [البقرة:219]، مفسدة كبيرة، قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا [البقرة:219]، ففي هذه الحالة نرفع المفسدة الكبيرة الموجودة في الخمر: من زوال العقل وانتشار الفساد والصد عن سبيل الله وعن الصلاة، ويكون درء هذه المفسدة العظيمة أولى من جلب المصلحة الكامنة في الربح الزهيد المترتب على بيع الخمر ونحوه.

    ومثال تعارض المصلحة مع مصلحة أخرى: إذا تعارضت مصلحة رفع إعلاء راية لا إله إلا الله ونصر المسلمين مع مصلحة حفظ نفسك التي تسجد لله وتنكأ في أعداء الله، فعند ذلك تقدم المصلحة الكبرى المتضمنة إعلاء كلمة التوحيد على حساب تفويت المصلحة الصغرى الكامنة في حفظ النفس الذي هو من مقاصد الشريعة.

    أما إذا تعارضت مصلحة العامة مع مصلحة الخاصة فإنها تقدم المصلحة العامة على الخاصة، وهذا مثل تلقي الركبان وبيع الحاضر للبادي، فمن مقاصد الشريعة تقديم المصلحة العامة مصلحة المجتمع على مصلحة الخاصة أو الفرد.

    إذاً: يجوز أن يكذب الإنسان مراعاة للمصالح والمفاسد، ومراعاة لمقاصد الشريعة، وهذا هو التأصيل العلمي لهذه المسألة، فنقول: يجوز الكذب في ثلاثة أحوال:

    الأولى: الإصلاح بين الناس, فللمرء أن يكذب من أجل الإصلاح بين الناس، إذ إن الإصلاح بين الناس هو من أسمى ما يكون في التعامل بين المسلمين؛ لأن الله جل وعلا يقول: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ [النساء:128]، وقال: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ [النساء:114]، (وفساد ذات البين هي الحالقة)، فهي التي تضيع الأمم، وما التشرذم والتفرق وعدم الوحدة الذي نعيشه الآن إلا بسبب التفكك وعدم الترابط, فالله جل وعلا حذرنا من فساد ذات البين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فساد ذات البين هي الحالقة، ولا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين), ففساد ذات البين هو سبب التدابر والتباغض, وهو سبب التشرذم والتفرق الحاصل للأمة كما هو حال واقعنا المعاصر الذي نعيشه الآن، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تدابروا، ولا تباغضوا، ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخواناً)، فللمرء هنا أن يقع في هذه المفسدة الصغرى -وهي الكذب- لدرء المفسدة الكبرى: وهي فساد ذات البين، فله أن يكذب بين قبيلة وقبيلة، أو دولة ودولة، أو أشخاص وأشخاص؛ حتى يصلح بينهم, فللمرء أن يذهب إلى زيد وعمرو مثلاً، فيقول لزيد: سمعت عمراً يثني عليك ثناء عالياً، فهو يرى فيك رجلاً يقتدى ويتأسى به فتلين قلبه بالكلام الطيب حتى تصلح بينهما, فهذا يجوز من باب غمر المفسدة الصغرى في خضم المصلحة العظمى الكبيرة: ألا وهي التآلف والتواد والترابط، كما قال الله تعالى: وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال:46]، فإن العزة والقوة تكون في التلاحم والترابط، ولذلك روى البخاري في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس بالكاذب الذي يصلح بين الناس أو الذي ينمي خيراً أو يقول خيراً) يعني: أنه يكذب، لكنه مأجور عند الله جل في علاه بسبب الكذبات؛ لأنه يأتي بالإصلاح, فهذه أول الحالات التي يمكن للإنسان أن يكذب فيها من أجل مصلحة أكبر.

    الحالة الثانية: بين الرجل وزوجته: كأن يبغض الرجل زوجته بسبب صعوبة التعامل معها وعدم لينها معه، فمثل هذا يجوز أن يكذب عليها فيقول: كأني أرى قطعة من القمر أمامي، وأنا أحبك أكثر من نفسي، فالشرع أجاز له أن يكذب عليها، مع أنه يريد أن يلوي عنقها، وأباح له أن يكذب على زوجته حتى في الأموال التي معه؛ من أجل أن يؤلف قلبها؛ لأنه يعلم أن المقصود من الزواج: حصول السكن والمودة والرحمة، كما قال عز وجل: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء:19]، ومن المعروف: أن تكذب عليها حتى تطيب قلبها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اتقوا الله في النساء) ومن الغريب: أن هذا الكذب يعد من باب التقوى في النساء؛ لأنهن ناقصات عقل ودين, وهذا أيضاً من المفاسد التي يجوز الوقوع فيها مراعاة للمفسدة الكبرى التي قد تقع بسبب هذه العقول الخربة؛ لأن الإنسان لو وقف أمام زوجته موقف الرجل الصنديد الصلب فإنه إما أن يجن وإما أن يقتلها، فلابد أن يصلح من حاله معها ولو بالكذب عليها؛ حتى يحصل المقصود من الزواج، وقد جاء في مسند الإمام أحمد حديث فيه ضعف: وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: بعدما حذر من الكذب: (إلا لرجل يكذب على أهله)، أي: يتلطف مع أهله بالمحبة والود.

    الحالة الثالثة التي يجوز فيها الكذب: الحرب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الحرب خدعة)، فيجوز لك أن تكذب على الكافرين في الحرب، ولو اتهموا الإسلام بالكذب، فتقع في المفسدة الصغيرة وهي الكذب من أجل المصلحة العظمى المتمثلة في نصرة هذا الدين ورفع رايته، لكن هل للرجل المجاهد إذا أراد الدخول إلى دولة ما أن يكذب وأن يزور لأجل هذه المصلحة؟

    الجواب: لا بد له من مراعاة أمور قبل ذلك، فإذا دخل بأمان هذه الدولة، فهل له أن يخون هذا الأمان أم لا؟ وهل هذه البلدة حربية ضد الإسلام أم لا؟ فهذه ضوابط لا بد أن يعرفها من يريد التزوير أو الكذب في الحرب، وسيأتي الكلام عنها بمشيئة الله تعالى.

    والغرض المقصود: أنه يجوز للمرء في هذه الحالات الثلاث أن يرتكب المفسدة الصغيرة لاستجلاب مصلحة أكبر منها. والخلاصة في هذا: أن المرء يجوز له أن يفعل المحرم مثل الكذب، لجلب منفعة لا يستغنى عنها، أو لدفع مضرة لا يمكن أن تدفع إلا بالكذب، ومثل هذا: أن يكذب التاجر على صاحب الضرائب مدعياً الخسارة في تجارته وعدم الربح ليتهرب من هذه المكوس المحرمة؛ لأنه يدفع هذه المفسدة العظمى بمفسدة صغرى، وهي الكذب.

    رجل أيضاً من المؤمنين مطارد من قبل الظلمة، وهذا الرجل المؤمن دخل عند رجل آخر فجاء إليه هذا الظالم وسأله عن الرجل المؤمن، وهذا الرجل يعلم أن هذا الظالم يريد قتل المؤمن، ففي هذه الحالة يجوز لهذا الرجل أن يكذب ويدعي عدم وجوده عنده؛ لأن هذه المضرة المتمثلة في القتل لا تندفع إلا بالكذب فجاز.

    كذلك: إذا احتاج إلى شيء ضروري لا غنى له عنه، ولا يمكن أن يحصله إلا بالكذب فله ذلك، كما أنه لو أراد أن يحصل على منفعة ضرورية لا غنى له عنها، ولا يحصلها إلا بأن يرشي هذا المرتشي الذي يأكل سحتاً، فيجوز أن تعطيه؛ لأنه لن يمشي لك هذه المعاملة التي هي حق صرف لك إلا بذلك.

    إذاً: ضابط هذا الأمر أنك تقع في هذه المفسدة الصغيرة لدفع مضرة ستقع عليك لا تندفع إلا بالكذب، أو جلب مصلحة ضرورية لك -وهذا القيد مهم- لا يمكن أن تجتلبها إلا بهذا الكذب، وقد قال العلماء: لا بد أن تكون هذه الضرورة أخروية لا دنيوية, فلا يكذب من أجل أن يتحصل على مسألة دنيوية تنفعه في دنياه دون آخرته، هذا ضابط الكلام في جواز الكذب.

    1.   

    الشفاعة

    ثم بعد أن بين الإمام الأحوال التي يجوز فيها الكذب وأن الإنسان قد يقع في المحرم دون أن يكتب عليه شيء، ذكر هل يخلد في النار من وقع في كبيرة الكذب أم أنه تحت مشيئة الرحمن؟ وهل تنفعه الشفاعة أم لا؟ فدخل في باب آخر: وهو سياق ما روي في شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر.

    أقول: الشفاعة في اللغة: هي جعل الوتر شفعاً، فتجعل الواحد اثنين، أما في الاصطلاح: فهي التوسط من أجل جلب مصلحة أو دفع مضرة، سواء بين بني البشر أو بين الله جل وعلا وبين خلقه كما سنبين, والشفاعة حق تام محض صرف لله جل وعلا: قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا [الزمر:44]، فالشفاعة ليست لأحد، وقد ذكر الله جل وعلا في كتابه العظيم شفاعة مثبتة وشفاعة منفية: أما الشفاعة المنفية فهي شفاعة الكافرين, قال الله تعالى: فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر:48]، وقال الله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ [البقرة:48]، وقال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ [البقرة:254] فهذا نفي عام، ينفي فيه الشفاعة للمشركين كما قال الله تعالى حاكياً لنا على لسانهم أنهم قالوا: فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [الشعراء:100-101], فهذه الشفاعة منفية عن الكافرين، واستثنت منها شفاعة واحدة كما سنبين لاحقاً.

    شروط الشفاعة

    الشفاعة المثبتة: هي الشفاعة للمؤمنين، ويدخل في المؤمنين أهل الكبائر الذين هم عصاة الموحدين، وقد أثبت الله جل وعلا هذه الشفاعة بشرطين لا بد من توافرهما في هذه الشفاعة:

    الشرط الأول: الإذن للشافع, قال الله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:255]، أي: فلا أحد يمكنه أن يشفع عند الله جل وعلا في أحد أن يدخله الجنة، لا مجاهد ولا حافظ قرآن ولا مؤمن ولا ملائكة ولا حتى الرسول صلى الله عليه وسلم إلا بعد إذن الله جل وعلا: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:255]، وهذا أسلوب حصر مفاده: أن الشفاعة لا تكون إلا بهذا الإذن.

    الشرط الثاني: رضا الله عن الشافع والمشفوع، قال الله تعالى: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء:28]، وهذا عموم، فلا بد أن يرضى الله عن الشافع وعن المشفوع حتى تقبل الشفاعة، وقد جمعهم الله في آية واحدة فقال: إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى [النجم:26]، فجمع الشرطين: الإذن والرضا حتى تقبل الشفاعة.

    أنواع الشفاعة

    الشفاعة تنقسم إلى قسمين: شفاعة عامة، وشفاعة خاصة، فالشفاعة الخاصة: هي لنبينا صلى الله عليه وسلم، فلا يشترك معه أحد فيها، وتكون من الموقف الذي يشتد فيه الكرب، وتدنو فيه الشمس من الرءوس قدر ميل، ويغرق الناس في عرقهم، فمنهم من يصل العرق إلى كعبيه وإلى ساقيه وإلى ركبتيه وإلى حقويه وإلى صدره وإلى أذنه, ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً، فلشدة وقع الكرب على الناس يذهبون إلى آدم فيقولون: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، ألا تشفع لنا؟ ألا ترى ما نحن فيه؟ فيقول آدم: نفسي نفسي، ثم يحيلهم إلى نوح فيقول: نفسي نفسي، ثم يحيلهم إلى إبراهيم خليل الرحمن، فيذهبون إلى إبراهيم، فيذكر كذباته الثلاث ويقول: نفسي نفسي، ثم يحيلهم إلى موسى، ومن ثم إلى عيسى عليه السلام، فيقول عيسى: نفسي نفسي، اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؛ فيذهبون إلى محمد صلى الله عليه وسلم الرءوف الرحيم بالمؤمنين فيقول: أنا لها أنا لها، وفي رواية: أمتي أمتي، قال: (فأذهب فأسجد تحت العرش، فأحمد الله بمحامد يعلمني إياها، فيقول الله: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعط، واشفع تشفع)، وهذه كرامة كبرى للنبي صلى الله عليه وسلم، للمقام المحمود الذي اختصه الله تعالى به؛ ليبين بذلك أنه سيد الأولين والآخرين صلى الله عليه وسلم، وتكون هذه الشفاعة في أهل المحشر جميعاً حتى يقضي الله بين الخلائق، وهذه خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم لا يشترك معه فيها أحد، وهو المقصود بقوله صلى الله عليه وسلم فيما يقال بعد الأذان: (وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته)، فإن الله يبعثه المقام المحمود في عرصات يوم القيامة.

    ومن أنواع الشفاعة الخاصة به: الشفاعة في دخول أهل الجنة الجنة، فلا يدخل بشر الجنة حتى الأنبياء إلا بشفاعته صلى الله عليه وسلم؛ لأنه يطرق الباب -كما جاء في الحديث- فيقال: من؟ فيقول: محمد فيقال: ما أمرنا أن نفتح إلا لك، فلا أحد يدخل الجنة أبداً وإن كان من مستحقيها إلا بعد شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم.

    أما الشفاعة الثالثة الخاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم: فهي الشفاعة المستثناة لعمه، حتى إن إبراهيم عليه السلام لا يشفع لأبيه، فقد تبرأ منه لما رآه عدواً لله جل وعلا، أما النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يشفع في عمه أبي طالب ، فبعد أن كان في الدرك الأسفل من النار أصبح عليه نعل أو نعلان من نار يغلي منهما دماغه ومع ذلك يقول: ما رأيت أحداً أشد عذاباً مني في النار، وفي البخاري : (أن العباس جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما فعلت لعمك وقد كان يحوطك وينصرك؟ فقال: لولاي لكان في الدرك الأسفل من النار).

    أما الشفاعة الرابعة: فهي مشتركة بين المؤمنين والملائكة والأنبياء والمرسلين، حتى إن الله جل وعلا يقول: (شفعت الملائكة وشفع المؤمنون وشفع الأنبياء, وبقيت شفاعة رب العالمين، فيقبض قبضة فيخرج من النار كل من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه مثقال ذرة من الإيمان)، فهذه الشفاعة عامة يشترك فيها النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون والملائكة.

    ومن هذه الشفاعات أيضاً: الشفاعة في أهل الكبائر، وهذا هو الشاهد وهو السياق الذي أورد من أجله أحاديث الشفاعة, فإنه يشفع لأهل الكبائر الذين يستحقون النار ولم يتوبوا من هذه الكبائر، وهذا قيد مهم جداً؛ لأنهم لو تابوا لما استحقوا العذاب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له).

    ودليل هذه الشفاعة قوله صلى الله عليه وسلم كما في البخاري : (لكل نبي دعوة مستجابة دعاها على قومه، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي) وفي رواية أخرى: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)، وفي بعض الروايات وإن كانت لا تصح إلا موقوفة يقول: (أتحسبونها للمتقين للمؤمنين؟) يعني: أن الشفاعة هذه لا تكون للمتقين والمؤمنين، قال: (لا، بل هي للمذنبين من أمتي) فالنبي صلى الله عليه وسلم يشفع لأهل الكبائر الذين استحقوا النار ألا يدخلوها ويدخلوا الجنة.

    ومن الشفاعات أيضاً: أنه يشفع في أناس دخلوا النار وماتوا، كما في مسند أحمد ، قال بالتصريح: (فيموتون فيصيرون حمماً ثم يؤخذون إلى نهر الحياة)، فهؤلاء أهل الكبائر الذين أدخلهم الله النار، بعدما عذبوا بكبائرهم فيموتون ويصيرون حمماً، فالنبي صلى الله عليه وسلم يشفع فيهم، وتشفع الملائكة، ويشفع المؤمنون، فيخرجون من هذه النار ويدخلون في نهر الحياة فيخرجون ويدخلون الجنة، كما جاء في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (آخر أمتي دخولاً الجنة من الذين يفعلون الكبائر فيموتون، ثم يلقون في نهر الحياة، فبعدما يخرجه الله يقول: رب أبعدني عن النار -يعني: أن لهيبها قد أصابه- فيبعده الله عن النار، فينظر فيجد شجرة يريد أن يستظل بها، فيقول: رب اجعلني تحت هذه الشجرة لأستظل بظلها، فيقول الله: ويحك يا ابن آدم! لو أعطيتك هذه لسألتني غيرها، فيعطي المواثيق والأقسام أنه لا يسأله غيرها، فما أن أجلسه الله تحت هذه الشجرة حتى نظر إلى أهل الجنة فاشرأبت عنقه)، وهو لا يستطيع الصبر ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم يعقب على هذا ويقول: (وربك يعذره)؛ وهذه دلالة يستدل بها العلماء: أن الإنسان لو أقسم على غالب ظنه، ثم وجد الأمر مخالفاً لقسمه فإنه لا يحنث، وهنا يرى أهل الجنة يتمتعون وهو في الخلف فيقول: رب! قربني من هؤلاء، فيقول: (ويحك يا ابن آدم! أما أخذت عليك المواثيق ألا تسأل؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: وربك يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليه)، فيقربه الله جل وعلا.

    وهنا قاعدة مهمة: وهي أن الله جل وعلا إذا أراد شيئاً هيأ له سببه، فاستبشر خيراً، فإن أراد الله جل وعلا بك خيراً هيأ لك أسبابه، فجعلك تحضر دروس العلم، وجعلك تفعل ما يفعل المؤمنون المتقون، وجعل همك كله منصباً في كيفية إرضاء الله جل وعلا, وهنا أراد الله جل وعلا لهذا الرجل أن يدخل الجنة فطمعه فيها، فهو الكريم ولن يخيب من طمع في كرمه، وعند ذلك يريه الله الجنة فيقول: رب أدخلنيها فيدخله الله الجنة، ويعطيه مثل ملْك ملِك من ملوك الدنيا وفوقه عشر مرات بفضل الله ورحمته، فهؤلاء هم أهل الكبائر الذين يدخلون الجنة بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، وبشفاعة المؤمنين والأنبياء والملائكة.

    ثم بعد ذلك الشفاعة الخامسة والأخيرة: وهي شفاعته صلى الله عليه وسلم في أناس كانوا في درجة أقل في الجنة ليرتقوا إلى الدرجات العلى، ولم يكن عمله قد أوصله إلى هذه الدرجة العليا فيرتقي بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، كأن يكون دون الفردوس فيرتقي بشفاعة النبي إلى الفردوس.

    وإذا كان الأب مثلاً في درجة عالية والابن في درجة أنزل منه فإنه يرتقي بشفاعة النبي إلى درجة الأب، أو العكس كما بين الله جل وعلا ذلك بقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [الطور:21] يعني: ما أنقصناهم من عملهم من شيء.

    نسأل الله جل وعلا أن يجعل النبي صلى الله عليه وسلم شفيعاً لنا، وأن يشفع فينا الملائكة، ونسأله جل وعلا أن يقبلنا في الصالحين الموفقين.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.