إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. محمد حسن عبد الغفار
  4. سلسلة أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة
  5. شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - سياق ما روي عن النبي في الذنوب التي عدهن من الكبائر

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - سياق ما روي عن النبي في الذنوب التي عدهن من الكبائرللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الخطأ والتقصير من طبيعة الإنسان إلا من عصمه الله، فلما كان الأمر كذلك فتح الرحمن سبحانه لعباده أبواب رحمته، وحذرهم من الإصرار على المنكرات، والإعراض عن البحث عن المكفرات، ودعاهم إلى التوبة، والتوبة لا يقبل منها إلا النصوح، وهي ما اجتمع فيها ثلاثة أشياء: الندم على ما كان، والعزم على عدم العودة، والإقلاع عن المعصية، وإن كانت المعصية متعلقة بآدمي فلابد من التحلل منه؛ ولذا اختلف العلماء في توبة القاتل.

    1.   

    الكبائر

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    تكلمنا فيما سبق عن الكبائر، وحد الكبيرة والصغيرة، والفرق بينهما، وذكرنا هل للكبائر مكفرات من الأعمال أم لا؟ وذكرنا الخلاف بين العلماء في ذلك.

    ثم ساق المؤلف ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذنوب التي عدهن في الكبائر مثل: الشرك بالله، والقتل والزنى، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، وأكل الربا، والسحر، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات، وشهادة الزور، والسرقة، واستحلال البيت الحرام، والطعن في الأعراض، وتكلمنا على كثير من هذه الكبائر، وبقي منها مسألة السحر؛ لأنها وردت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (اجتنبوا السبع الموبقات) فذكر منها (الإشراك بالله، وعقوق الوالدين والسحر) والسحر أيضاً من الكبائر.

    السحر تعريفه وأقسامه

    السحر في اللغة: كل ما خفي سببه، وهو قسمان:

    سحر حقيقي، وسحر تخييلي.

    القسم الأول: السحر الحقيقي: وهو نوعان:

    النوع الأول: سحر يستخدم فيه الساحر الاستعانة بالشياطين، كما قال الله تعالى: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ [البقرة:102]، فهذا النوع فيه استخدام الشياطين والجن، حيث يستمتع به الإنس، ويلبي له رغباته في الإضرار بالآخرين، أو في جلب المنفعة له أو دفع المضرة عنه، في شيء لا يستطيعه البشر وهو في قوة الجان، وهذا ليس بدون مقابل؛ لأن الجني لا يمتع الإنسي بهذه الطلبات إلا وهو أيضاً يتمتع منه، فيجعل هذا الآدمي يشرك بالله، ويعمل المنكرات، ويقدم القرابين للجن، وهكذا يستمتع كلاً منهما بالآخر، وهذا مصداقاً لقول الله تعالى: وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ [الأنعام:128]، فقوله جل وعلا: اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ [الأنعام:128]، فيه دلالة واضحة على أن الإنسي يستمتع بالجني وأيضاً الجني يستمتع بالإنسي، حتى في أمر الجماع، فإن الجني يشارك الإنسي في ذلك، وليس هذا مقام التفصيل في هذا الموضوع.

    النوع الثاني من أنواع السحر الحقيقي: استخدام الساحر للعقاقير والأدوية، يعني: يضعها في مشروب ويقدمه للذي يريد أن يسحره، فتقع في معدة الرجل، فيتأثر به بدنه وعقله وذهنه، وحياته كلها تنقلب رأساً على عقب، وترى ذلك بالتجربة، فإذا قرأ المعالج على الذي شرب السحر، فإن معدته تغلي كالمرجل، فيرى تحركات غريبة في معدته، وهذا من أثر السحر.

    فالنوع الأول من القسم الأول هو من أكبر الكبائر؛ لأنه شرك أكبر، فالساحر يستعين بغير الله جل وعلا، ونحن شرطنا في الاستعانة بغير الله جل وعلا شروطاً:

    أن يكون المستعان به حياً حاضراً قادراً، وذلك حتى تكون هذه الاستعانة غير شركية، أما إن كان غائباً، مثل الشياطين والجن، فهذه الاستعانة كفرية شركية، ويتدرج به المرء من الشرك الأصغر إلى الشرك الأكبر، فهذه من الكبائر، ويدخل هذا النوع في الخلاف المشهور بين العلماء: هل الكبائر لها مكفرات من الأعمال أم لا؟

    وقلنا: إن هذه المسألة فيها قولان لأهل العلم: أحدهما: أن الأعمال تكفر الكبائر، بدليل حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (هل يبقى من درنه شيء؟) فإن كان بسبب ثواب يوم وليلة لا يبقى من درنه شيء، فكذلك الأعمال تكفر الكبائر.

    أما النوع الثاني من القسم الأول فهو ظلم ليس بشرك.

    القسم الثاني: السحر التخييلي: وهو ليس سحراً حقيقياً، وإنما هو خفة يد، أو خفة حركة، فهو يسحر الأعين، لا يقلب الحقائق، وهذا كما قص الله علينا في سحرة فرعون، فإنهم كانوا لا يقلبون الحقائق، يعني: أن الحبال لم تقلب حيات حقيقة، بل كانت محشوة بزئبق، وكانت تتحرك أمام الناس، ولذلك قال الله تعالى: فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ [الأعراف:116]، فهذا النوع أيضاً من المنهي عنه؛ لأن فيه تزييف وتزوير وغش، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من غشنا فليس منا)، فهو أيضاً من الكبائر.

    إيذاء الجار

    ثم ذكر بعد ذلك مسألة الجار، وأن إيذاءه من الكبائر، واستدل على ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (والله لا يؤمن! والله لا يؤمن! والله لا يؤمن! قالوا: من يا رسول الله؟! قال: من لا يأمن جاره بوائقه).

    وهناك حديث آخر يدل على لعن الذي يؤذي جاره، فإن النبي صلى الله عليه وسلم -كما في مسند أحمد - جاءه رجل فقال: يا رسول الله! جاري يؤذيني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (خذ أمتعتك وضعها في وسط الطريق، ففعل، فكان كلما مر عليه أحد يقول: يا فلان، من فعل بك هذا؟! فيقول: جاري، فيقول: لعنة الله على جارك، فكل من يمر عليه يلعن جاره)، فهذا فيه دلالة على أن إيذاء الجار من الكبائر، ويدخل أيضا الخلاف: هل تكفرها الأعمال أم لا؟

    ويبدو لي أن الإمام العلامة -أي: المؤلف- يرى أن هذه الكبائر لابد لها من توبة، وأن هذه الأعمال يمكن أن لا تكفرها، وهو بذلك كأنه ينحو نحو الجمهور، أي: أن الكبائر لابد لها من توبة، ولذلك عقب بعدها بذكر أحاديث وآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم في وجوب التوبة، وتقديم التوبة عن المعاصي، ووجوب استحلال المسلمين بعضهم من بعض قبل نزول الموت، فبدأ يتكلم عن التوبة بعد أن تكلم عن الكبائر، وكأنه يشعر بأن هذه الكبيرة لا تمحى ولا تكفر إلا بأن يأتي المرء ربه جل وعلا بتوبة نصوح.

    1.   

    التوبة

    التوبة لغة: مأخوذة من تاب يتوب، أي: رجع يرجع، فهي من الرجوع.

    والتوبة شرعاً: هي الرجوع إلى الله جلا وعلا بصدق وعزم وحزم، وهي الإقلاع عن الذنب خوفاً من الله -أي: ليس استحياء من البشر مثلاً، أو خوفاً على مكانة أو وجاهة- والعزم على عدم فعل هذا الذنب.

    التوبة

    التوبة لغة: مأخوذة من تاب يتوب، أي: رجع يرجع، فهي من الرجوع.

    والتوبة شرعاً: هي الرجوع إلى الله جلا وعلا بصدق وعزم وحزم، وهي الإقلاع عن الذنب خوفاً من الله -أي: ليس استحياء من البشر مثلاً، أو خوفاً على مكانة أو وجاهة- والعزم على عدم فعل هذا الذنب.

    حكم التوبة

    التوبة واجبة، فقد أوجبها الله على كل المؤمنين قاطبة، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا [التحريم:8]، فهذا أمر، والظاهر في الأمر الوجوب، وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ... [التحريم:8]، إلى آخر الآيات، وأيضاً قال الله تعالى آمراً عباده المؤمنين: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31]، وقال تعالى: وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الحجرات:11]، فقسم الناس إلى قسمين:

    تائب وظالم، فيدل ذلك على أن الذي لا يحدث لذنبه توبة، فهو ظالم، بعيد عن الله جل وعلا.

    أيضاً في السنة قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين بالتوبة، فالصحابة الذين هم أجل الناس وأعظمهم قدراً عند الله جل وعلا، قد أمرهم الرسول أن يكثروا من التوبة، فقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم -كما في صحيح مسلم عن الأغر بن عبد الله المزني - أنه قال في مجلس الصحابة: (يا أيها الناس! توبوا إلى الله، فإني أتوب إلى الله في اليوم سبعين مرة).

    وفي الصحيح أيضاً عن ابن عمر: أنهم كانوا يعدون للنبي صلى الله عليه وسلم أكثر من سبعين مرة، أي: يستغفر الله ويتوب إليه، فقد كان يأتمر بأمر الله عند أن قال له: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا [النصر:3].

    فالتوبة مأمور بها كل مؤمن، حتى وإن لم يستحدث ذباً، فإنه يستغفر لتقصيره في طاعة الله؛ لأن التقصير في طاعة الله ذنب، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء وخرج منه يستغفر الله، فقال: (إنه ليران على قلبي).

    والعلماء استنبطوا من ذلك أنه إذا دخل الخلا لم يذكر الله جل وعلا بلسانه، فكان يستغفر الله عندما يخرج، مع أن قلبه ذاكر لله جل وعلا، ولكنه يستغفر بعد الخروج لأن لسانه كف عن ذكر الله جل وعلا، وقد كانت وصيته صلى الله عليه وسلم: (اجعل لسانك رطباً بذكر الله جل وعلا).

    جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا رسول الله! عبد يذنب الذنب، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: يكتب عليه، يعني: يكتب أنه أذنب الذنب، فقال: يا رسول الله! أرأيت لو استغفر، قال: يغفر له، قال: ثم أذنب، قال: يكتب عليه، قال: ثم استغفر، قال: يغفر له، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله إن الله لا يمل حتى تملوا)، يعني: كلما فعلتم الذنوب ثم استغفرتم فإن الله سيغفر لكم.

    وأيضاً في مسند أحمد ورد (أنه جاء رجل مستغفراً ربه فقال: إني قد أذنبت ذنباً، فقال الله تعالى: عبدي علم أن له رباً يأخذ بالذنب ويغفره، اشهدوا أني قد غفرت له، ثم عاد فاقترف نفس الذنب مرة ثانية بعد أن عزم على الإقلاع، ثم جاء فقال: رب إني قد أذنبت ذنباً فاغفر لي، فقال الله جل وعلا: عبدي علم أن له رباً يأخذ بالذنب ويغفر، اشهدوا أني قد غفرت له، ثم جاء الثالثة، فقال الله تعالى: عبدي افعل ما شئت ثم استغفرني فسأغفر لك).

    ولا عجب في ذلك، فإن الله جل وعلا يفرح أشد الفرح بتوبة العبد المذنب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولأتى بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر الله لهم).

    وفي الصحيح أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الله أشد فرحاً بتوبة العبد من أحدكم كانت معه راحلة في وهدة من أرض قاحلة، ما فيها شيء، وكانت الراحلة عليها زاده ومتاعه فرحلت عنه، فعلم أن الموت سيأتيه، ثم ذهب إلى ظل شجرة يستظل بها وهو ينتظر الموت، فنام ثم استيقظ فوجد الراحلة أمامه، فمن شدة الفرح قال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك)، والله جل وعلا يعذره؛ لأنه من شدة الفرح قد يحدث الذهول للمرء، فلا يؤآخذ على ما يقول.

    فالله جل وعلا أشد فرحاً بتوبة العبد من هذا الذي فرح بقدوم راحلته إليه، والمراد التوبة الحقيقية، فيجب أن نحث أنفسنا وغيرنا على التوبة.

    والتوبة ليست بجهد منا، بل إنما التوبة من الله جل وعلا، فالتوبة محفوفة بتوبتين:

    توبة قبلية، وتوبة بعدية، وكلاهما من الله جل وعلا، لكن التوبة البعدية هي قبول توبة العبد، قال الله تعالى عن الثلاثة الذين خلفوا: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا [التوبة:118]، أولاً: تاب عليهم، أي: أودع في قلوبهم التوبة، وبعد ذلك: مكنهم أن يرفعوا الأيدي، وأن يتذللوا ويتضرعوا ويخضعوا لله جل وعلا توبة إليه، فيقبل هذه التوبة، فالتوبة محفوفة بتوبتين توبة قبلية من الله جل وعلا، وتوبة بعدية هي منه سبحانه أيضاً، أي: قبول توبة العبد التي هي في الوسط.

    شروط قبول التوبة

    ولكي تقبل التوبة يجب أن تتوفر فيها شروطها، وهي ثلاثة إذا كان الذنب بين العبد وبين الله، وأربعة إذا كان الذنب يتعلق بحق آدمي على التفصيل الآتي:

    الشرط الأول: الندم على ارتكاب المعصية، فلا يتصور في عبدٍ مصر على معصية، يتغنى بها، ويباهي بها الناس، ويحارب الله جل وعلا بها، وينشرها بين الناس، أنه يتوب، أو أنه يريد أن يتوب.

    فالذي يتوب بحق هو الذي لابد أن يكون في قلبه الحسرة والألم على أنه تجرأ على محارم الله جل وعلا، فالندم أول شروط التوبة، كما في مسند أحمد عن ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الندم توبة)، فحتى تكون التوبة مقبولة عند الله لابد أن يتوفر فيها الندم.

    وعندما أقول: للتوبة شروط حتى يقبلها الله، فهذا يعني: أنه إذا اختل شرط منها فإنها غير مقبولة عند الله جل وعلا، فإن كانت الشروط خمسة، وأتى بأربعة، فإنها لا تقبل عند الله جل وعلا.

    الشرط الثاني: الإقلاع عن الذنب، فإن العبد إذا قال: أريد أن أتوب، أو أنا نادم على ما فعلت، وهو مصر على ذنبه، فهذا مستهزئ والعياذ بالله، وقد يصل إلى الكفر؛ لأنه يقول: أنا أريد أن أتوب، وهو يزيف هذا في قلبه بحبه لهذه المعصية، كما ورد عن بعضهم أنه يدخل ليزني ويقول: التوبة يا رب، فهذا استهزاء، وقد يصل به إلى الكفر، فلابد من الإقلاع عن الذنب، وهذا هو الشرط الثاني للتوبة، حتى تكون مقبولة عند الله جل وعلا.

    الشرط الثالث: العزم على عدم فعل هذه المعصية، أي: العزم على عدم الرجوع للمعصية، وإلا فلا يكون صادقاً عند الله جل وعلا.

    وهذه الشروط إذا كان الذنب بينه وبين الله جل وعلا، أما إذا كان الذنب في حق للآدمي، فلا بد من شرط رابع ينضم إلى هذه الشروط الثلاثة، والقول فيه كالتالي:

    الشرط الرابع: إرجاع الحق إلى صاحبه، فلا تكتمل التوبة في عبد غصب أو سرق أو اغتاب أو سب أو شتم، حتى يتحلل من ذلك، وحتى يرد الحقوق إلى أهلها، فيتحلل مما بدر منه بلسانه من سب أو شتم أو غيبة، وذلك بطلب السماح من الشخص الذي ظلمه، هذا هو الشرط الرابع، له صور:

    الصورة الأولى: أن يكون قد اغتاب امرأ مسلماً في مجلس، فتوبته لابد أن تتوفر فيها الشروط الثلاثة أولاً، أما الشرط الرابع، فعند الجمهور أنه لا تكتمل التوبة حتى يذهب إلى الذي اغتابه، فيقول له: قد اغتبتك، وأنا أتحلل منك، أي: اقتص مني، أو سامحني، فإن أبا بكر رضي الله عنه وأرضاه لما سب عمر بعد غضبه منه، ذهب إليه ليستسمحه، فـعمر لم يرض، أي: أن أبا بكر أراد أن يقتص عمر منه، أو أن يتحلل مما فعل مع عمر وأيضاً ورد أنه سب بعض الأنصار فقال الأنصاري: يغفر الله لك، فقال أبو بكر : لابد أن تقتص مني، الآن تسبني؛ لأنه يعلم أن التوبة لا تكون إلا بذلك، قال: يا أبا بكر لا أقتص منك، يغفر الله لك.

    فالغرض المقصود: أنه لابد أن يتحلل، والجمهور استدلوا على ذلك بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان له عند أخيه مظلمة فليتحلل، فإنه ليس ثمة درهم ولا دينار يوم القيامة، ولكن الحسنات والسيئات)، فعلى عرصات يوم القيامة ليس هناك دراهم ولا دنانير، بل هي حسنات تؤخذ من المغتاب أو من الغاصب أو من السارق أو من القاتل، تؤخذ من صحيفته إلى صحيفة هذا الذي وقع في حقه أو عرضه.

    لكن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله له قول آخر، غير قول الشافعية والمالكية والحنابلة والأحناف، وقوله هذا ترجيح للرواية الأخرى عن الحنابلة، حيث قال: إن المغتاب لا يذهب ويتحلل ممن اغتابه، بل له أن يتوب إلى الله جل وعلا، بأن تتوفر فيه الشروط الثلاثة، ثم بعد ذلك يذهب إلى المجلس الذي اغتاب فيه نفس الرجل، فينشر محاسن هذا الرجل، وحجته في ذلك حجة عظيمة؛ لأنه يغوص في المعاني، وينظر إلى مقاصد الشريعة، فقد قال: لو ذهب الرجل إلى الذي اغتابه وقال له: اغتبتك، أو سببتك، أو انتقصت من قدرك، لحدثت المشاحنة والمشاجرة بينهما، ويمكن أن تصل إلى القتال، فإن العرب قديماً كانوا يقتتلون على جمل أو فرس أو أي شيء، فما بالك بالمسبة، فنظر رحمه الله إلى ذلك وقال: حتى تتآلف القلوب، ويكون الوئام منتشراً بين الناس، فلا يذهب ولا يتحلل منه لكن يستغفر الله، ويدعو له، ثم ينشر محاسنه بنفس المجلس الذي سبه فيه.

    ونحن نقول الراجح من ذلك هو التفصيل، وهذا التفصيل يكون على أمرين:

    الأمر الأول: هو أن تنظر في حال الذي وقعت في حقه الغيبة، فتنظر فيه وفي شخصيته وأخلاقياته ودينه، فإن كان تقياً ورعاً سليماً مسامحاً، فهذا وجب عليك أن تذهب إليه، وتتحلل منه، وتصرح له أنك وقعت فيه؛ لأنه بدينه وورعه وتقواه، سيسامحك، أو يقول لك: أقتص منك الآن، ولن تحدث المشاحنة بعد ذلك؛ لأنه يعلم من دين الله جل وعلا أن الله سبحانه وتعالى ينظر إلى القلوب: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا [الإسراء:25].

    ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يخرج عليكم رجل من أهل الجنة، فخرج رجل، في المرة الأولى والثانية والثالثة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: يخرج عليكم رجل من أهل الجنة، فيخرج نفس الرجل)، فـعبد الله بن عمرو بن العاص، ذهب إليه لينظر اجتهاده في العبادة، فوجده في الليل نائماً، فقال: لعله إذا أرخى الليل سدوله قام الرجل يصلي لله جل وعلا، فقد شهد له النبي بالجنة، فوجده نائماً طوال الليل، ثم في النهار قال ابن عمر: يصوم النهار، فلعله بالصوم بلغ ما بلغ، فما وجده صائماً، فلما استشكل عليه هذا الأمر، كيف لا تقوم الليل، ولا تصوم النهار؟ والنبي صلى الله عليه وسلم قد شهد لك بالجنة، فقال: والله يا هذا ليس عندي كثير صيام ولا صلاة، ولكني أبيت وليس على أحد في قلبي شيء، وهذا مصداقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر: (يدخل الجنة أناس أفئدتهم كأفئدة الطير)، فهذا يجب على المرء أن يتحلل منه، فيذهب ويقول له: سببتك في مجلس كذا، وأنا أريد أن أتحلل منك؛ لصريح قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من كان له عند أخيه مظلمة فليتحلل منه؛ لأنه ليست ثمة درهم ولا دينار يوم القيامة، بل هي الحسنات والسيئات).

    الأمر الثاني: أن يكون الرجل ليس بهذه الصفات، أي: ليس دينا ولا ورعاً ولا تقياً، بل رجل قلبه غليظ، وهو سريع الغضب، كما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم: (سريع الغضب بطيء الرضا)، فهذا -عملاً بمقاصد الشريعة- لا يجوز لك أن تتحلل منه، أي: لا يجوز لك أن تذهب إليه وتقول: أنا سببتك، أو اغتبتك أو وقعت فيك؛ لأنه سيأتي بمفسدة أعظم من المصلحة المرجوة، والقاعدة الفقهية تقول: إن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، فإن كانت المصلحة أن يتحلل منه حتى لا تكون هذه الغيبة في صحيفته، فإن المفسدة أعظم، وهي التقاتل والتدابر، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، ولعل الله يرضي هذا الشخص يوم القيامة فيعطيه من حسنات غير حسنات هذا الرجل، ويقول خذ بيد أخيك وادخل الجنة.

    الصورة الثانية: رجل أكل على رجل آخر مالاً، أو أكل أموال الناس بالباطل، سواء في معاملة تجارية، أو في قضية نصب، أو قضية غصب، فحتى تكتمل التوبة، فلا بد من أن توفر الشروط الثلاثة، والشرط الرابع أن يتحلل من صاحب المال، وقد اتفق العلماء على أنه يجب عليه أن يرد هذا المال لصاحبه، فإذا ذهب إلى الرجل فلم يجده، فإنه يرده إلى الورثة، فإن لم يجد هذا الوريث، فيعطي الذي بعده، فإن لم يجد له ورثة، ولا يستطيع أن يصل إلى هذا الرجل -الذي يريد أن يرد عليه الحق- فله في ذلك طريقان:

    الطريق الأول: أن يتصدق بهذا المال لهذا الرجل، يعني: ينوي أن هذه الصدقة لهذا الرجل الذي أخذت منه المال ولم أجده، وهذا بشرط أنه لم يجده، فإن وجده وفعل ذلك، فإنه يضمن، يعني: لو أخذ مالاً من عمرو، ثم أراد أن يتوب، ولم يبحث عن عمرو حتى يرد له المال، بل تصدق به بنية أنه عن عمرو، ثم خرج عمرو وظهر، فإنه في هذه الحالة يضمن له هذا المال، ويجب عليه أن يرده لعمرو؛ لأن شرط التصدق عنه أن لا يجده أولا يجد له وريثاً، فإذا توفر هذا الشرط وتصدق عنه فلعل الله جل وعلا أن يرضيه يوم القيامة بهذه الصدقة، كما ورد عن ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه أنه اشترى جارية، ثم قام ليعطي المال أو حق الجارية للرجل فلم يجده، فبحث عنه وجد في البحث فلم يجده، فقال: اللهم هذه الصدقة عن رب الجارية -أو حاكم أو مالك هذه الجارية- فتصدق بها، وقال: فإن رضي في الآخرة بهذا الصدقة، فهي له، فإن لم يرض فهي لي، ويأخذ من حسناتي ما يكفيه لهذا الثمن أو لحق الجارية.

    الخلاف في توبة القاتل

    الصورة الثالثة: القتل، وهذه الصورة مشكلة، وفيها خلاف كثير بين العلماء، يعني: رجل قتل نفساً مسلمة، فأراد أن يتوب، فهل له توبة؟ وما شروطها؟

    نقول: مسألة قاتل النفس المؤمنة عمداً، وهل له توبة أم لا؟ اختلف العلماء فيها على قولين:

    القول الأول: لـزيد بن ثابت رضي الله عنه وأرضاه -معلم ابن عباس - وهو لـابن عباس رضي الله عنه وأرضاه، أنه ليس له توبة، ولأصحاب هذا القول في ذلك أدلة من الأثر ومن النظر:

    أما من الأثر فقالوا: قال الله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93].

    فهذه الآية صريحة، وهي من أقوى الأدلة على خلود القاتل في النار، وإن كان مسلماً، كما أن فيها قوله تعالى: وَلَعَنَهُ ، واللعن: أصله الطرد من رحمة الله جل وعلا.

    وقالوا أيضاً: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -كما في الصحيح-: (لا يزال المؤمن في سعة من دينه ما لم يصب دماً حراما)؛ لأنه من الإفساد في الأرض.

    ويستدل لهم أيضا بالقياس: وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم -كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين- أنه قال: (من قتل نفسه بحديدة فهو بحديدته يتوجؤها في نار جهنم، خالداً مخلداً فيها، ومن تحسى سماً فهو في نار جهنم يتحساه، خالداً مخلداً فيها)، فهذا قاتل نفسه، ونفس الغير تساوي نفسه، فالعلة مشتركة، إذاً: فالقياس صحيح، ولذلك قال الله تعالى: وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء:29].

    والعلماء لما تلكموا في قاعدة الإكراه قالوا: إن الله جل وعلا رفع عن المكره الإثم إلا في القتل والزنا، فلو أكره على شرب الخمر يشرب، ولو أكره على أن ينطق كلمة الكفر ينطق، ولو أكره على الزنا لا يفعل؛ لأن عرض أخيه مثل عرضه، ولو أكره على القتل فإنه لا يفعل بالاتفاق؛ لأنهم قالوا: إن نفسه ليست بأولى من نفس أخيه، فبالقياس على هذا الحديث أن يقال: إذا كان قاتل نفسه في نار جهنم، خالداً مخلداً فيها، فقاتل غيره يأخذ نفس الحكم، وهذه أدلة قوية جداً لهذا الفريق.

    أما دليلهم النظري فقالوا: إن التوبة للقاتل لا بد أن تتوفر فيها أربعة شروط: الشروط الثلاثة المعروفة، والشرط الرابع أن يتحلل، وكيف يتحلل وهو قد أزهق روح أخيه ولا يستطيع ردها؟ فيتعذر عليه -نظراً- أن يتحلل، ونحن قلنا: إن التوبة في حق الغير لا يمكن أن تقبل عند الله جل وعلا حتى تكتمل الشروط الأربعة، وهذا يتعذر عليه أن يتحلل، ويتعذر عليه أن يرد الروح في هذا الجسد، فقالوا: فإن كان باب التحلل والأداء مغلق، فقد تعذر عليه التوبة، فلا توبة لقاتل.

    القول الثاني: قول الجمهور من الفقهاء والمحدثين، وهو أنهم قالوا: للقاتل توبة، وعندنا أدلة من الأثر ومن النظر:

    أما من الأثر: فقد قال الله تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا [الزمر:53].

    فالذنوب: جمع معرف بالألف واللام فيفيد العموم، أي: كل الذنوب، فيدخل فيها القتل، ويدخل فيها الشرك كذلك، لكن بشرط أن يكون تائباً، والذي جعلنا نقيد هذا القيد أو نشترط هذا الشرط -مع أن ظاهر الآية العموم: يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا - هو قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، فيغفر ما دون ذلك لمن يشاء، أي: دون الشرك كالقتل، فهو دون الشرك.

    إذاً: القتل يدخل في نص الآية بأنه في مشيئة الله جل وعلا، فإذا كان في مشيئة الله فالنتيجة عدم الخلود في نار جهنم؛ لأن الكافر الذي يخلد في نار جهنم لا يدخل في مشيئة الله جل وعلا، أي: إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، بل هو معذب حتماً بنص قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ، فإذا كان القاتل تحت المشيئة، فهو لا يخلد في النار، إذاً: فله توبة.

    واستدلوا أيضاً بقول الله تعالى: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان:68-70]، إذاً: فليس له التوبة فقط، بل يبدل الله سيئاته حسنات فوق ذلك.

    لكن الفريق الأول ردوا عن الاستدلال بهذه الآية، فقد قال زيد بن ثابت رضي الله عنه: كنا نرى اللين في هذه الآية: إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ، قلنا: حتى قاتل النفس، حتى المشرك، حتى الزاني، إذا تاب يبدل الله سيئاته حسنات، هذا لين عظيم جداً، ثم نزلت الشدة في هذه الآية: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا .

    فهو رضي الله عنه يلمح بأن هذه ناسخة للآية الأخرى، وهذا الذي صرح به ابن عباس -أي: لمح زيد وصرح ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه- حين قال: لا توبة للقاتل، فقالوا له: كيف تفعل بهذه الآية، فقال: هذه الآية منسوخة، هذه كانت في أقوام من أهل الكفر يزنون ويشربون الخمر، ويقتلون ويسرقون، فجاءوا يسلمون في مكة، فاشترطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغفر لهم ما قد سلف، فنزلت هذه الآية في مكة: إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا [الفرقان:70]، ثم نزلت آية النساء في المدينة، والمتأخر ينسخ المتقدم، أي: ما نزل في المدينة ينسخ ما نزل في مكة، هكذا قالوا، وسنبين كيف ردوا عليهم.

    واستدلوا أيضاً بقول الله تعالى: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى [طه:82].

    وجه الشاهد قوله: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ [طه:82].

    ووجه الدلالة: أن (من) تعتبر من الأسماء المبهمة، أي: أنها اسم موصول بمعنى الذي، وهي من ألفاظ العموم، فمعنى الآية: أي أحد تاب، سواء أكان مشركاً، أم كان قاتلاً، فإن الله يغفر له ما دام قد تاب من ذنبه: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى [طه:82].

    قالوا: وعندنا من الأحاديث ما يثبت ذلك، أولها ما ورد: (أن رجلاً من بني إسرائيل قتل تسعة وتسعين نفساً، ثم ذهب إلى راهب -عابد- فسأله: هل لي من توبة؟ قال: قتلت تسعة وتسعين نفساً، ليس لك توبة، فقتله، فأكمل به المائة -وهذا فيه دليل على أن الفرق كبير بين العابد والعالم، فشتان شتان بين القمر وسائر النجوم، فإن العالم وريث النبي صلى الله عليه وسلم، فهو كالقمر والعابد كالنجوم، والفرق بينهما كبير- ثم ذهب إلى عالم، فقال: قتلت مائة نفس، هل لي من توبة؟ قال: ومن يمنعك من التوبة، اذهب إلى أرض كذا فإن فيها أناساً صالحون فاعبد الله جل وعلا معهم، فذهب الرجل ليتوب إلى الله، فقبض في الطريق)، إلى آخر القصة، فالمقصود: أنه قد قتل مائة نفس ومع ذلك فإن العالم دله على التوبة، وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك.

    لكن يشكل علينا أننا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه القصة حدثت في بني إسرائيل، فكيف نستدل بها على ما نحن فيه؟

    نقول: الخلاف الأصولي كبير في مسألة: هل شرع من قبلنا شرع لنا أم لا؟ فـالشنقيطي وغيره يرجح: أنه ليس بشرع لنا على الاتفاق، لكن الصحيح الراجح ما قاله الجمهور، وهو أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يأت من شرعنا ما ينسخه.

    ومثال النسخ ما جاء في الطهارة، فقد كان في زمن بني إسرائيل إذا وقعت النجاسة على الثوب، فإنهم يقرضونها ويقطعون مكانها، لكن الله جل وعلا خفف علينا، وجعل في الماء طهوراً لنا.

    واستدلوا من الحديث أيضاً بحديث عبادة ابن الصامت رضي الله عنه وأرضاه قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا نزني، ولا نشرك بالله، ولا نقتل أولادنا، إلى آخر ما قال، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (فمن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به فهو كفارة له).

    فإذا كان كفارة له فهذه توبة، فهو لا يخلد في النار، فوجه الشاهد: قوله: فهو كفارة له، ووجه الدلالة أنه لا يخلد في النار.

    واستدلوا أيضاً بحديث رواه الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (قال الله تعالى: عبدي! إن أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً -هذا قيد وشرط مهم جداً- ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لقيتك بقرابها مغفرة)، وجه الشاهد: قوله: بقراب الأرض خطايا.

    ووجه الدلالة: أن خطايا نكرة في سياق الإثبات تفيد الإطلاق، أي: يدخل في ذلك كل الخطايا ما عدا الشرك؛ لأنه اشترط بعد ذلك عدم دخوله.

    إذاً: فهذا الحديث أيضاً حجة لمن يقول بأن القاتل له توبة؛ لأنه مهما أتى الله جل وعلا بأي ذنب غير الشرك فإن الله يتوب عليه، فإنه سبحانه سوف يأتيه بقرابها مغفرة.

    وهناك أحاديث كثيرة استدلوا بها على أن القاتل له توبة، ولكن نكتفي هنا بما ذكرنا.

    أما استدلالهم من النظر، فقد استدلوا بقياس الأولى، حيث قالوا: المشرك أو الكافر له توبة، ومعروف أن الشرك أعظم الذنوب، وهو أكبر الكبائر، فما بالكم بالأقل منه، يعني: الكافر الذي أشرك بالله جل وعلا له توبة، وفتح الله له الباب على مصراعيه أن يتوب، فمن باب أولى ما هو دون الشرك مثل القتل، فالقتل دون الشرك.

    لكن زيد بن ثابت وابن عباس قالا: ليس هذا القياس صحيحاً؛ لأن الشرك فيه حق محض لله جل وعلا، والله جل وعلا الأصل في معاملته مع العباد المسامحة والمغفرة، كما ورد أن رحمته سبقت غضبه، فهو جل وعلا يقدم الرحمة على العقوبة، فلذلك فتح للمشرك أبواب التوبة، أما بالنسبة لمسألة القتل فإنه تعلق مع حق الله حق للعبد، لهذا فالقياس غير صحيح، وهذا صراحة رد قوي على النظر.

    لكن نحن نقول: إن الله جل وعلا إذا سمح في حقه فإنه سيرضي الذي قُتل.

    فالراجح الصحيح من هذين القولين هو قول الجمهور: أن للقاتل توبة، وأنه إذا تاب تاب الله عليه، وذلك للأدلة الكثيرة التي سردناها سالفاً.

    وإليك الردود على الاستدلال بالأدلة التي يظهر منها أن القاتل خالد مخلد في نار جهنم:

    الرد الأول: قد قرننا سالفاً بأن النار ناران: نار تفنى، ونار لا تفنى، والنار التي تفنى هي نار الموحدين، وأهلها يخرجون منها بعدما صاروا حمماً، فيلقون في نهر الحياة، ثم يدخلون الجنة.

    إذاً: فهذا يكون التأويل الأول: أي: أنه خالد بخلود النار، وعلى هذا فمن قال: إن النار تفنى، فقد أخطأ، والصنعاني بين الردود في ذلك، وكذا الشيخ الألباني أيضاً.

    والصحيح الراجح ما رجحه ابن القيم : أن نار الموحدين هي التي تفنى فقط.

    الرد الثاني: التقدير، أي: تقدير الكلام، وهنا له تقديران: التقدير الأول: أن قوله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا [النساء:93]، أي: إن جوزي بهذا الجزاء فهو يخلد، فإن لم يجازى بهذا الجزاء فلا يخلد، وهذا التأويل صرف عن ظاهر الآية، لكن هناك دليل يقويه وهو كلام أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، الذي روى الحديث، والراوي أعلم بما روى، فهو راوي حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي فيه: (من تحسى سماً فهو في نار جهنم يتحساه، خالداً مخلداً فيها، فسألوه: يا أبا هريرة ، خالداً مخلداً فيها، قال: هذا جزاؤه إن جوزي به)، فـأبو هريرة هو الذي علم مكمن الحديث، والراوي أعلم بما روى.

    التقدير الثاني: الإضمار، فقد قال بعض العلماء: إنه يوجد في الآية إضمار لاستثناء المشيئة، يعني: من قتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها إلا أن يشاء الله، أو إلا أن يعفو الله جل وعلا، وهذا الاستثناء وإن كان له حظ من النظر، لكن لا يوجد عليه دليل.

    الرد الثالث: أن الإخلاف في الوعيد يصح ويجوز على الله، لكنه سبحانه لا يخلف في الوعد، فإن الله سبحانه إذا توعد بالنار وبالعقاب، فله أن يخلف ويسامح على ذلك؛ لأن هذا من كرمه ورحمته، ورحمته قد سبقت غضبه، لكن الوعد لا يجوز على الله أن يخلفه؛ لأن هذا حق جعله الله على نفسه، كما في الصحيحين عن معاذ رضي الله عنه أنه كان رديف النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (حق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً)، فهو حق جعله الله على نفسه، والله جل وعلا لا يخلف الميعاد.

    الرد أو التأويل الرابع: أن هذا الوعيد هو في الذي استحل، يعني: قول الله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا [النساء:93]، أي: من قتل مؤمناً مستحلاً دمه، يعني: كأنه أحل ما حرم الله جل وعلا.

    وصراحة هذا أضعف التأويلات؛ لأنه لو استحل ولم يقتل فهو كافر وخالد مخلد في النار؛ لأنه أحل ما حرم الله جل وعلا، فهو إن قتل أو لم يقتل واستحل فهو من أهل النار، وهنا النزاع ليس في الاستحلال، إنما هو في الفعل نفسه.

    التأويل الخامس: وهو التأويل الذي رجحه شيخ الإسلام ، ورجحه أيضاً ابن القيم وعلماؤنا في الحجاز، وهو أن الآية على ظاهرها: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا، لكن نقول: لكل حكم لابد من توفر شروط وانتفاء موانع، فالحكم هنا هو الخلود، لكن لا بد له من مقتضي، والمقتضي هنا هو القتل العمد، لكن حتى يثبت الحكم فلابد من انتفاء الموانع، فهل هناك موانع تمنع من الخلود في النار؟ نقول: نعم، فقد جاء المانع القاطع، بالنص الصريح غير المحتمل، ألا وهو كلمة التوحيد، فالتوحيد مانع من الخلود في النار بنصوص كثيرة جداً، منها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه دخل الجنة)، وفي الحديث الصحيح أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة)، فهذا على العموم، وقال صلى الله عليه وسلم: (حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً)، فجاء المانع وهو التوحيد، فمنع من الخلود في النار، إذاً: فالقاتل تحت مشيئة الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، وهذا هو الراجح الصحيح.

    ثمرات التوبة

    أول ثمرات هذه التوبة وأفضلها وأعلاها وأقواها: حب الله للتائبين، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة:222]، فالذي يتوب إلى الله جل وعلا محبوب عند الله، فإنك إذا تبت إلى ربك جل وعلا رفعك إلى عليين، وذكر اسمك عند أشرف الخلق، ألا وهم الملائكة، كما في الصحيح، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله جل وعلا إذا أحب عبداً نادى في السماء: يا جبريل! إني أحب فلاناً فاحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: يا أهل السماء! إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبونه، ثم يكتب له القبول في الأرض)، فإذا أحبك الله جل وعلا أدخلك الجنة، وإذا أحبك الله جل وعلا سدد خطاك، ومنعك من كل خطيئة ورذيلة، وإذا وقعت في السفه أو المعصية، رفعك الله جل وعلا بعدها إلى توبة، بل إلى درجة أكبر، وكان سمعك الذي تسمع به وبصرك الذي تبصر به ويدك التي تبطش بها، جمع ذلك كله حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال الله تعالى: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بأحب إلي مما افترضته عليه -فأحب شيء الفرض- وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)، فأي درجة فوق هذه الدرجة، فبعد تتابع النوافل، يصل العبد إلى درجة المحبوبية، هذه الدرجة -أوصلنا الله وإياكم إليها- لا ينزل العبد منها أبداً، يعني: إذا ارتقى إلى درجة المحبوبية، فإنه لا ينزل منها، ولا يشكل علينا أنه يعصي؛ لأننا نقول: إن الله سيلهمه التوبة، ويكون بحالة أحسن من الأول، ألم يأتكم نبأ المهدي المنتظر؟ كيف سيقود الأمة، وقد كان متخلفاً عنهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يصلحه الله في ليلة)، يعني: قبل ذلك لم يكن بنفس الجهد الذي صار إليه؛ لأنه بعد هذه الليلة سارع في الخيرات، ولسان حاله يقول: وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى [طه:84].

    ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: (كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به).