إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد حسن عبد الغفار
  3. شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - هل للمعاصي صغائر وكبائر

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - هل للمعاصي صغائر وكبائرللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من رحمة الله عز وجل أن جعل المعاصي صغائر وكبائر، ولو كانت المعاصي كلها صغائر فقط لتساهل الخلق في أمرها، ولو كانت كلها كبائر لأصاب الناس حرج ومشقة. وإذا وقع المسلم في كبيرة من الكبائر فلا يسلب منه أصل الإيمان، بل يبقى في دائرة الإسلام، وأمره في الآخرة إلى الله، إن شاء عذبه على قدر معاصيه، ثم أدخله الجنة، وإن شاء غفر له وأدخله الجنة برحمته، ومن الغلو أن يقال: إن صاحب الكبيرة كافر مخلد في النار، ومن التفريط أن يقال: إنه مؤمن لا تضره المعصية ولا تؤثر في إيمانه.

    1.   

    اختلاف أهل العلم في انقسام المعاصي إلى صغائر وكبائر

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    اختلف العلماء في مسألة الكبيرة: هل في المعاصي كبائر وصغائر؟ وهل الذي يفعل الكبيرة كالذي يفعل الصغيرة؟

    فبعض العلماء قال: ليس ثمة خلاف بين المعاصي، وكلها شيء واحد، وبعضهم قال: كل المعاصي كبائر، وهؤلاء نظروا إلى عظمة من عُصي، أي: إلى عظمة الله جل وعلا.

    والذي عليه المحققون من أهل السنة والجماعة: أن المعاصي صنفان: كبائر وصغائر، وهذا يدل عليه الكتاب والسنة.

    أما في الكتاب فقد قال الله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [النساء:31]، فنص على الكبائر، فمفهوم المخالفة: أن غير الكبائر صغائر.

    وأيضاً قال الله تعالى: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ [النجم:32]، فنص على الكبائر، ونص أيضاً على اللمم، وهي الصغائر.

    إذاً: فالصحيح الذي عليه المحققون من أهل السنة والجماعة: أن المعاصي منها: الكبائر، ومنها: الصغائر.

    وأما من السنة: فقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الحج إلى الحج والعمرة إلى العمرة، ورمضان إلى رمضان، والصلوات الخمس، مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر)، فـ(ما) في قوله: (ما اجتنبت الكبائر) شرطية بمعنى: إذا اجتنبت الكبائر، والمقصود: أنه لما قال: (إذا اجتنبت الكبائر)، فالذنوب التي بين الصلوات، وبين الحج والحج، والعمرة والعمرة، تكفر إذا كانت صغائر، أما الكبائر فلا تفكر إلا بالتوبة.

    وأيضاً: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقول الزور)، فأهل السنة والجماعة اتفقوا على أن هناك كبائر وصغائر.

    1.   

    اختلاف العلماء في مرتكب الكبيرة

    الذي يرتكب الكبيرة، كأن يزني، أو يشرب الخمر، أو يأكل الربا، أو يكذب أو يشهد زوراً، هل هو مخلد في نار جهنم؟ أو يعذب ثم يدخل الجنة؟ وما هي أحكامه في الدنيا والتي لا بد أن نتعامل معه بها؟ اختلفت أقوال العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:

    القول الأول: قول الخوارج والمعتزلة.

    رأي الخوارج والمعتزلة في مرتكب الكبيرة

    فالخوارج قالوا: مرتكب الكبيرة، كشارب الخمر، والسارق، والزاني، كافر خارج من الملة، وبهذا قال مصطفى شكري .

    وحكمه في الدنيا: أنه يقتل، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه)، وإذا مات لا يغسل، ولا يصلى عليه، ولا توارث بينه وبين أهله من المسلمين، فإذا شرب الإنسان الخمر مرة فإنه يقتل، وإذا مات لا يغسل ولا يصلى عليه.

    أما المعتزلة فاستحيت من هذا القول وقالوا: إن من شرب الخمر أو زني أو ارتكب غير ذلك من الكبائر فإنه في الدنيا في منزلة بين منزلتين، لا كافر ولا مؤمن.

    وقولهم هذا كأنه استحياء من أن يقولوا: كفر، فقالوا: هو في منزلة بين منزلتين في الدنيا، حتى يفروا من مسألة قتله وعدم الصلاة عليه.

    أما في الآخرة: فقد اتفق المعتزلة والخوارج على أن من شرب الخمر أو زنى أو كذب أو سرق أو أكل الربا أنه خالد مخلد في نار جنهم، لا يخرج منها أبداً، واستدلوا على قولهم بأدلة من الكتاب ومن السنة.

    أدلة الخوارج والمعتزلة على أن مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن

    استدل الخوارج والمعتزلة على قولهم بأدلة أولها: أن الشارع -وهو الله عز وجل أما الرسول فإنه ناقل للشرع- ترع من مرتكب الكبيرة اسم الإيمان، وإذا نزع منه اسم الإيمان فقد وضعه في دائرة الكفر، وذلك كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن

    إذاً: فالزاني عند الخوارج والمعتزلة في الظاهر أنه كافر وليس بمؤمن بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب النهبة يرفع الناس إليه أبصارهم وهو مؤمن)، ففاعل الكبيرة ينزع منه اسم الإيمان، وهذا أول صنف من أصناف الأدلة.

    ثانيها: قالوا: إن الله جل وعلا جعل مآل الذي يرتكب الكبيرة إلى النار، لا إلى الجنة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة ديوث)، وقال: (لا يدخل الجنة نمام)، والديوث: هو الذي يرضى الخبث في أهل بيته، كأن يجعل امرأته تمشي في الشارع متبرجة مثلاً، فهذا من الدياثة.

    والنمام: هو الذي ينقل الكلام ليفسد بين الآخرين.

    أيضاً: يستدلون بحديث: (لا يدخل الجنة منان) وهو الذي يمن بالخير الذي يفعله، فالنبي صلى الله عليه وسلم بين أن هؤلاء لا يدخلون الجنة لكفرهم.

    ثالثها: البراءة من الذين يفعلون الكبيرة، كقول الرسول الله صلى الله عليه وسلم: (من غشنا فليس منا)، كالذي يغش في الامتحانات مثلاً، وقد رأينا أناس يغشون في امتحان الشريعة، فإن قيل له: (من غشنا فليس منا) قال: هذا تعاون على البر والتقوى، وليس بغش! والذي أتذاكر معه في الامتحان إنما يذكرني وأذكره!! وقد يقول: إن الغش شيء لا أعرفه، ولكن هذا يذكرني بما نسيت فقط فليس بغش.

    وإذا كان الشيء بالشيء يذكر فقد قال بعض أهل العلم: من غش في امتحانات البكالوريوس أو النظام فلا يجوز له أن يعمل بهذا البكالوريوس، والمال الذي يأخذه يمكن أن يكون مشبوهاً أي: فيه شبه.

    فكل منا يفتش في نفسه، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (من غشنا فليس منا).

    ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أنا بريء ممن جلس أو مكث بين أظهر المشركين)، فقد تبرأ النبي صلى الله عليه وسلم منه، ولا يتبرأ إلا من الكافر.

    إذاً: من غش أو جلس بين أظهر المشركين، أو طلب الذمة ممن جلس بين أظهر المشركين فهو من هذا الصنف.

    رابعها: أن النبي صلى الله عليه وسلم الذي نقل الشرع عن الله جل وعلا سمى الكبيرة والمعصية كفر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا ترجعوا بعدي كفاراً -بالتصريح- يضرب بعضكم رقاب بعض)، وقال صلى الله عليه وسلم: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)، وقال صلى الله عليه وسلم: (من حلف بغير الله فقد أشرك أو كفر)، أي: الذي يحلف بالنبي، وحياة أمه، ورحمة أبيه، كل هذا كفر.

    فهذه أدلة جيشوها وأثبتوا فيها أن كل مرتكب كبيرة كافر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سمى هذا الفعل كفراً، وتبرأ ممن فعل ذلك، وجزم بأنه: (لا يدخل الجنة نمام ولا قتات).

    وهؤلاء هم أهل الغلو والإفراط.

    رأي المرجئة في مرتكب الكبيرة

    في المقابل جاء أصحاب التفريط، وهم المرجئة، فلم يفرقوا بين كبيرة ولا غيرها، وقالوا: لو زنى وشرب الخمر وأكل الربا، فإيمانه كإيمان جبريل، لا يقل عنه قيد أنملة -كما يقولون- واستدلوا على ذلك بقول ناقل الشرع صلى الله عليه وسلم: (من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه دخل الجنة)، فقالوا: هذا الرجل الذي فعل الكبائر هو عند الله مثله مثل جبريل، طالما قال: لا إله إلا الله، محمد رسول الله.

    وأجود الناس في تطبيق مذهب المرجئة هم المصريون، حيث يقولون: طالما القلب نقي أبيض، والإنسان يقول: لا إله إلا الله، فمكتوب أنه مسلم ولو فعل أي معصية، فإن (لا إله إلا الله) تشفع له، وطالما أن قلب الرجل أبيض نقي فإيمانه كإيمان جبريل، كما ذهبت إليه المرجئة.

    وهكذا فإن أهل البدع إما في غلو وإفراط وإما في جفو وتفريط.

    رأي أهل السنة والجماعة في مرتكب الكبيرة

    إن أهل السنة والجماعة جاءوا بالحق البين، فهم وسط بين طرفين، حيث قالوا: مرتكب الكبيرة في الدنيا فاسق فاجر، له معاملات خاصة: فنحبه في الله على إيمانه وقوله: لا إله إلا الله، وعلى صلاته، ونبغضه بأكله للربا، كما نبغضه ونهجره لله جل وعلا للبدعة التي يبتدعها، وبالمعاصي التي يقترفها.

    وقالوا: ننظر إليه بعينين: عين الشرع، وعين القدر، فأما عين القدر: فلأن الذي قدر عليه أن يعصي، وكتب ذلك في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقه بخمسين ألف عام هو الله، فنقول: كتب الله عليه ذلك، والحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به غيرنا، ونبكي عليه، فربما كان أحدنا في مكانه.

    وأما النظر إليه بعين الشرع: فلأنه قد عصى الله فلا بد أن نعاديه ونبغضه، وعند النظر إليه بعين القدر فلابد أن نشفق عليه وننصحه، ونحمد الله أنا لسنا مثله، هذا كله في الدنيا.

    أما في الآخرة فمآله إلى الجنة، سواء عذب حتى نظف من هذه المعاصي والكبائر، أو غفر الله له من أول وهلة فأدخله الجنة دون عذاب، سواء زنى أو سرق أو أكل الربا.

    الرد على الدليل الأول للخوارج

    الخوارج هم أهل الغلو والإفراط، ولذلك قالوا: إن مرتكب الكبيرة كافر، واستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن). فدل هذا على نزع الإيمان من مرتكب الكبيرة.

    فإن رددت عليهم بقول الله: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزمر:53]، أو بقول الله تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ [آل عمران:135]، فسوف يقولون لك: نحن نوافقك على ذلك، فصاحب الكبيرة إذا ذكر الله واستغفر وتاب قبلت توبته.

    ولذلك لما كانوا في السجون إذا اغتاب أحدهم يكفر بذلك، ثم يخرج ويغتسل ويرجع تائباً إلى الله بعد ذلك، فكأنه تجدد دينه مرة أخرى,

    إذاً: فهذا لا يكفي في الرد عليهم، ولكن الجواب عليهم أن يقال لهم:

    لا نوافقكم على ذلك؛ لأن مراتب الدين ثلاثة: إسلام، وإيمان، وإحسان، فإذا أسقطتم الزاني من درجة الإيمان، فلابد أن ينزل إلى درجة الإسلام، لكنكم أنزلتموه من مرتبة الإيمان إلى الكفر، وهذا غير صحيح، فلكي يكفر العبد لابد أن ينزل من مرتبة الإحسان إلى الإيمان، ثم من مرتبة الإيمان إلى الإسلام، ثم يخرج من الإسلام إلى الكفر، وأنتم أخرجتموه من الإيمان إلى الكفر مباشرة، ولم تتدرجوا في مراتب الدين.

    فالعاصي قد ينزل من دائرة الإيمان إلى دائرة الإسلام، فإن قالوا: ما دليلكم على ذلك؟

    قلنا: دليلنا: أن المسلم هو الذي لا يخلد في النار، ومآله إلى الجنة، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، وإن زنى وإن سرق)، فالنبي صلى الله عليه وسلم أثبت له على الأقل أصل الإيمان الذي هو الإسلام، فالمسلم يدخل الجنة بأصل الإسلام وإن زنى وسرق، فالزنى والسرقة أسقطته من مرتبة الإيمان إلى الإسلام، لا إلى الكفر.

    ولذلك قال بعض السلف: إذا زنا المرء رفع إيمانه كالظلة عليه، ثم إذا رجع إلى ربه نزل إيمانه إلى قلبه كما كان.

    هذا هو الرد على النوع الأول من أدلتهم.

    الرد على الدليل الثاني للخوارج

    النوع الثاني من أدلتهم: هو أن الله جعل مآل مرتكب الكبيرة إلى النار في قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة ديوث) و(لا يدخل الجنة قتات) و(لا يدخل الجنة نمام) وفي قوله: (ثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه والمنان والديوث)، وقوله صلى الله عليه وسلم في المتبرجات: (صنفان من أمتي لم أرهما، لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها: صنف بأيديهم سياط، كأذناب البقر يعلون بها ظهور الناس، وكاسيات عاريات مائلات مميلات لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، رءوسهن كأسنمة البخت)، فهؤلاء لا يدخلون الجنة.

    والرد عليهم: هو أن دخول الجنة دخولان:

    الدخول الأول: دخول أولي بغير حساب ولا عذاب؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب قيل: من هم يا رسول الله! قال: الذين لا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون)، وفي رواية قال: (ومع كل واحد منهم سبعون ألفاً، فكبر عمر ، ثم قال: ويحثوا الله بكفه، ثلاث حثيات)، فالرحمن يحثوا ممن يدخلون الجنة بلا حساب، ثلاث حثيات. وهذه زيادة صحيحة.

    فهؤلاء يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وهذا دخول أولي.

    وفي حديث أظنه صحيح الإسناد: (أن الإسلام يأتي يوم القيامة فيتمثل لـعمر بن الخطاب ، فيأخذ بيده، فيحتج أمام ربه، فيقول: هذا الذي أعزني، فيأخذ بيد عمر فيدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب) وأرجو أن يكون صحيحاً، والغرض: هو بيان أن في الجنة دخولاً أولياً من غير حساب ولا عذاب!!

    الدخول الثاني: هو الدخول الثانوي، بعد التنظيف من الذنوب بالعذاب، حيث يدخل من غلبت سيئاتهم حسناتهم النار، حتى يحترقوا ويصيروا حمماً، فعندما يصيرون حمماً يخرجهم الله من النار، فيدخلهم في نهر اسمه نهر الحياة، فيحيون، ثم بعد ذلك يدخلهم الجنة، إذاً: فقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة نمام)، وقوله: (لا يدخل الجنة ديوث)، وقوله: (لا يدخل الجنة قتات)، وقوله في الكاسيات العاريات: (لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها) المقصود به: نفي الدخول الأولي، حيث جاءت القرائن بجيوشاً مجيشة، فأخرجت الدخول الثانوي وأبقت الدخول الأولي.

    فمن هذه القرائن: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من قال لا إله إلا الله مصدقاً بها قلبه دخل الجنة ... وإن زنا وإن سرق) وإن كان ديوثاً، بأن أراد الخبث لأهل بيته، أو شرب الخمر، لكن بشرط: أن يقولها -أي: كلمة التوحيد- صادقاً بها قلبه، أو مخلصاً لله جل وعلا.

    ومن القرائن كذلك: قول الله جل وعلا: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ [النساء:48]، فقوله: (ما دون ذلك) أي: دون الشرك، فيدخل في ذلك النمام، والقتات، وشارب الخمر، والزاني، والسارق، والمغتاب، والديوث، وكل هؤلاء قد يدخلون في مغفرة الله جل وعلا.

    فقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة ديوث) أي: لا يدخلها دخولاً أولياً، وقوله عن المتبرجات: (ولا يجدن ريحها) أي: أول الأمر، ثم بعد ذلك يجدن ريحها عندما يدخلن الجنة إن شاء الله.

    نسأل الله أن يجعلنا جميعاً من أهل الجنان، مع النبي صلى الله عليه وسلم في الفردوس الأعلى، هذا هو الرد على النوع الثاني من أدلة الخوارج القائلين بتكفير مرتكب الكبيرة.

    الرد على الدليل الثالث للخوارج

    النوع الثالث من أدلتهم: هو البراءة ممن يفعل الكبائر، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أنا بريء ممن مكث أو جلس بين أظهر المشركين).

    فتبرأ من الناس التي تقعد في لندن، وفي إنجلترا وأمريكا، وأسبانيا، هؤلاء الذين يعيشون من أجل الدنيا والدرهم والدينار، تبرأ منهم النبي صلى الله عليه وسلم منهم، فقال: (أنا بريء ممن جلس بين أظهر المشركين، قالوا: علامَ يا رسول الله! قال: لا تراءى نارهما)، أي: أن المؤمن لا ينبغي له الجلوس في مكان يرى فيه نار الكفار من ذلك المكان، للدلالة على بعد المسافة التي لابد أن يبتعد المؤمنون فيها عن الكفار؛ لأن الله جل وعلا يقول: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال:25] أي: أن الفتنة ستعم الكل.

    فالذين يعيشون في بلاد الغرب من أجل الدرهم والدينار وقعوا في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، تعس عبد الخميصة، تعس عبد القميصة، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش)، وفي رواية: (تعس عبد الزوجة).

    كما استدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: (من غشنا فليس منا).

    والمقصود: أن النبي صلى الله عليه وسلم تبرأ ممن فعل ذلك، فهل معنى ذلك أن صاحبه خرج من الملة؟ أم تبرأ من هذا العمل؟ إذاً: فيجاب على استدلالهم بأن التبرؤ، إما تبرؤ فخرج به صاحبه من الملة، وإما تبرؤ من العمل؟ والنبي صلى الله عليه وسلم إنما تبرأ من عمل المعصية، والذي يبين لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما تبرأ من عمل من يعصيه قول الله تعالى: فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ [الشعراء:216]، فدل على أن البراءة من العمل.

    إذاً: فقوله صلى الله عليه وسلم: (أنا بريء ممن جلس بين أظهر المشركين)، أي: من عمله، وقوله: (أنا بريء ممن غش)، أي: من عمله، فلم يتبرأ منه، فلا يخرج من دائرة الإسلام، وإنما يستحق العقاب بعصيانه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الحديث: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى)، أي: استحق العذاب، وهو في مشيئة الله جل وعلا.

    كما يحاب عليهم أيضاً بما فعله خالد بن الوليد رضي الله عنه عندما سمع أناساً يقولون: (صبأنا صبأنا)، يريدون أن يقولوا: أسلمنا، أسلمنا، لكن ما أحسنوا أن يقولوا ذلك، فقتل فيهم خالد رضي الله عنه، فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد ، اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد ، اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد).

    فتبرأ النبي صلى الله عليه وسلم من عمل خالد، ولكنه لم يتبرأ منه، فهل يجرؤ أحد أن يقول: إن خالداً في نار جهنم خالداً مخلداً فيها؛ لأن الرسول تبرأ من عمله؟ حاشا لله أن يكون ذلك، بل هو بإذن الله مع النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة. نسأل الله أن نكون معهم.

    الرد على الدليل الرابع للخوارج

    النوع الرابع من أدلتهم: هو أن المعصية سماها النبي صلى الله عليه وسلم كفراً، فقال صلى الله عليه وسلم: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، وقال: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر).

    فعلى قولهم هذا: فحرب الخليج بين الكويت والعراق كان العراقيون والكويتيون فيها كلهم كفرة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)! واستدلوا كذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ثنتان في أمتي هما بهم كفر -أي: فعلهما كفر- الطعن في الأنساب، والنياحة على الميت).

    ويجاب على هذه الأدلة بأن الكفر نوعان: كفر أكبر، وكفر أصغر.

    والذي يفرق بين الكفر الأكبر والكفر الأصغر هي القرائن المحتفة بالأدلة، فقوله صلى الله عليه وسلم: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، أي: يقاتل بعضكم بعضاً، فظاهر الحديث أن الذين يفعلون ذلك كفرة، ولكن قد جاءت القرائن وأثبتت لنا أنهم ليسوا بكفرة، وأن فعلهم كفر أصغر، وكبيرة من الكبائر، لكنها ليست بكفر أكبر.

    فمن هذه القرائن: قول الله تعالى: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا [الحجرات:9].

    ولما كان يخطب النبي صلى الله عليه وسلم بالناس دخل الحسن فافتن به النبي صلى الله صلى الله عليه وسلم، فنزل من على المنبر، وأخذه وضمه، وقال: (صدق الله: إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [التغابن:15]، فأخذه وضمه صلى الله عليه وسلم وقال: إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)، وهما معاوية ومن معه، وطائفة علي رضي الله عنه وأرضاه، فسماهم النبي صلى الله عليه وسلم مسلمين.

    إذاً: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، المقصود به: الكفر الأصغر لا الأكبر، فالذي حدث بين الكويت والعراق كان معصية، والمتقاتلون عصاة، ومن وافق على ذلك عاص، فالعراق باغية، والكويت لا بد أن تدفع الثأر عنه، فيدخلون تحت الآية: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا [الحجرات:9].

    وأما النائحة، فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم: (أنها تأتي يوم القيامة تطربل بطربال من زفت أو قار)، أي: أنها تعذب بمعصيتها حتى تزيد حسناتها على سيئاتها ثم تدخل الجنة، إذاً: ليست بكافرة؛ لأن الكافر يخلد في النار.

    لكن شيخ الإسلام ابن تيمية أتى بأمر يذهب العقول، ويجعل الإنسان يخشى على نفسه أن يقع في شرك، قال: قول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، قال: الشرك هنا عام، سواء كان أكبر أم أصغر، أي: أن الشرك الأكبر والأصغر لا يغفره الله جل وعلا.

    وإن كان في هذا الكلام بعض النظر، لكن ينبغي على المرء أن يخشى على نفسه أن يقع في الشرك الأصغر، فيحلف بغير الله ولو ناسياً، فإن فعل ذلك فلا بد أن يُكَفِّر، ويقول: لا إله إلا الله، حتى لا تكتب في صفحاته، فلا يغفر له على قول شيخ الإسلام ابن تيمية . سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، وأشهد ألا إله إلا أنت، وأستغفرك وأتوب إليك.