إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد حسن عبد الغفار
  3. شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - الإيمان يزيد وينقص

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - الإيمان يزيد وينقصللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من عقيدة أهل السنة والجماعة: أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأن الناس يتفاوتون في التصديق والإيمان، والإيمان قول وعمل، قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح. أما مسألة الاستثناء في الإيمان فأهل السنة مختلفون فيها على أقوال عدة.

    1.   

    زيادة الإيمان ونقصانه

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    ما زلنا مع شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للعلامة اللالكائي في باب: جماع الكلام في الإيمان، وقد سبق الكلام على الإسلام والإيمان والعلاقة بينهما، وبيّنا فصل الخطاب في تعريف الإيمان لغةً وشرعاً، وبينا أيضاً أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين ظاهر الإيمان وباطنه.

    وسنتكلم هنا عن الاستثناء في الإيمان، وعن زيادة الإيمان ونقصانه فأقول: باب جماع ما قيل في الإيمان والكلام على أن الإيمان يزيد وينقص.

    إن الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، فيزيد بكل طاعة يطيع المرء بها ربه جل وعلا حتى يصير كالجبال، فيعيش المرء بجسده مع الناس وروحه في السماء مع الملائكة.

    وأيضاً ينزل الإيمان بسبب المعاصي حتى يتسفل المرء، فيعيش بجسده مع الناس وهو بروحه مع الجن والشياطين في سابع أرض.

    قال بعض السلف: يزيد الإيمان حتى يصير كالجبال، وينقص حتى يصير كالهباء.

    أجمع أهل السنة والجماعة خلافاً للمرجئة على أن الإيمان يزيد وينقص، ثم اختلفوا فيما بينهم في محل الإيمان هل هو القلب أم العقل.

    والصحيح: أن محل الإيمان هو القلب، والإيمان الذي في القلب قول وعمل، فقول القلب هو التصديق، وعمله هو الانقياد والاتباع واليقين.. إلى آخر هذه التسلسلات.

    ثم اختلفوا فيما بينهم: هل زيادة الإيمان تكون في التصديق أم في الأعمال فقط؟ وقد اتسعت دائرة الخلاف بين أهل السنة والجماعة، وهو خلاف لفظي، والراجح: أن الإيمان يزيد في التصديق وينقص، ويزيد في الأعمال الظاهرة وفي أعمال القلوب وينقص.

    الأدلة على تفاوت التصديق

    إن تصديق الملائكة لا يساويه تصديق أحد من الخلق، فتصديق الصحابة الكرام لا يداني تصديق الملائكة الذين رأوا كمال الله جل وعلا، وجماله وعظمته وآثار قوته وجبروته.

    وأيضاً فتصديق الصحابة الكرام لا يداني تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أُوحي إليه، وكذلك تصديق التابعين لا يساوي تصديق الصحابة، بل إن الصحابة الكرام يتفاوتون فيما بينهم في التصديق، فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه سبق الجميع؛ لتصديق قلبه بالله جل وعلا، وبما أوحاه الله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم.

    وهذه أمثلة تبين لك زيادة التصديق وعلوه إلى السماء:

    فـأبو بكر رضي الله عنه وأرضاه وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بعلو التصديق، وذلك لما غاضب أبو بكر عمر رضوان الله عليهما، فجاء أبو بكر وحسر عن ركبته، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إليه وقال: (أما صاحبكم فقد غامر)، وعلم أن هناك مشاحاة بينه وبين أحد الصحابة، فلما جاء عمر بعده نظر النبي صلى الله عليه وسلم إليه مغضباً وتمعر وجهه، وعُرف الغضب في وجه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: (هلا تركتم لي صاحبي؟! صدقني وكذبتموني)، فشهد له النبي صلى الله عليه وسلم بعلوه في التصديق.

    وأيضاً: ظهر علو تصديق أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه على الصحابة بما فيهم عمر وعثمان وعلي في مواقف كثيرة جداً.

    منها: لما مات النبي صلى الله عليه وسلم قال عمر من قال: (إن نبي الله قد مات علوته بسيفي هذا، إن رسول الله ذهب إلى ربه وسيرجع كما ذهب موسى إلى ربه ورجع، ثم دخل الصديق بعلو صدقه في قلبه على النبي صلى الله عليه وسلم فبكى، ثم قبل النبي صلى الله عليه وسلم بين عينيه وقال: طبت يا رسول الله حياً وميتاً، ثم خرج على الناس فقال: أيها الناس! من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم قرأ قول الله تعالى: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ [آل عمران:144].

    فخر عمر رضي الله عنه وأرضاه مغشياً عليه؛ لأنه لم يحتمل الموقف، لكن تصديق أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه كان أقوى فثبت في هذا الموقف؛ لذلك فالعلماء حينما يفاضلون بين الملُهم وبين الصديق فإنهم يقولون: الصديق أعلى مقاماً من الملهم، فـعمر كان ملهماً بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إن كان في هذه الأمة ملهم فهو عمر بن الخطاب)، لكن الصديق لم يحتج إلى إلهام؛ لأن قلبه ناصع، فيجري الحق على قلبه دون إلهام.

    ودليل ذلك أيضاً: أن أبا بكر رضي الله عنه وأرضاه وافق كلامه كلام النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية، وأما عمر فلم يتحمل هذا الموقف فقال: (يا رسول الله! ألسنا على الحق؟ قال: نعم، قال: أليسوا على الباطل؟ قال: نعم، قال: فلم نعطي الدنية في ديننا؟! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنا رسول الله ولن يخذلني الله جل وعلا، ثم رجع عمر وقال: أذهبُ إلى أبي بكر لعله يؤثر في رسول الله، فذهب إلى أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه فقال: يا أبا بكر ! ألسنا على الحق؟ قال: بلى، قال: أليسوا على الباطل؟ قال: بلى، قال: فلم نعطي الدنية في ديننا؟! فقال أبو بكر بتصديقه التام المجرد في قلبه الناصع، مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: هو رسول الله ولن يخذله الله، والزم غرز رسول الله صلى الله عليه وسلم).

    فهذا يدل على التفاوت في التصديق القلبي بين الصحابة رضوان الله عليهم وأرضاهم.

    وأيضاً: مما يدل على التفاوت في الإخلاص والمحبة، قول عمر رضي الله عنه وأرضاه لما استعلى يقينه بربه: والله إني لا أحمل هم الإجابة -أي: إجابة الدعاء- ولكني أحمل هم الدعاء، فإذا رفعت يدي لله جل وعلا فإن الله سيقبل دعائي يقيناً؛ عملاً بقول الله تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60].

    فاستيقن بقول الله تعالى، فقال: والله إني لا أحمل هم الإجابة؛ لأني على يقين منها؛ لأن القائل هو الله، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا [النساء:87]، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [النساء:122].

    واستعلى يقين خالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه لما شرب السم أمام ملك الروم أو الفرس، واستحضر قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من قال: باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم لم يضره شيء).

    فاستيقن في هذا وعلم النتيجة يقيناً ثم وقف أمام الرجل وأخذ السم وقال: أشرب هذا أمامك ولا أموت، فأخذ السم وقال: (باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم) وشرب السم ولم يحدث له شيء.

    وكذلك همم الصحابة علت لما علا اليقين والتصديق في قلوبهم، فجاء رجل في غزوة أحد أو في غيرها للنبي صلى الله عليه وسلم وقال: (يا رسول الله ما يضحك الرب؟ فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: أن تتقدم مقبلاً غير مدبر، وتخلع درعك وتقدم نحرك أمام الأعداء، فتقاتل حتى تقتل في سبيل الله، قال: أيضحك الرب من ذلك؟ قال: يضحك الرب من ذلك، قال: يا رسول الله، إذاً: لن نعدم خيراً من رب يضحك، ثم أخذ الدرع فألقاه، وأخذ السيف ودخل حين حمى الوطيس يقاتل في سبيل الله، وقدم نحره حتى قتل في سبيل الله)، ونحن على يقين أن الله سيضحك له يوم القيامة، ثم ينال رحمات الله في الفردوس الأعلى إن شاء الله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، نحسبه كذلك بإذن ربنا الجليل، وقبح الله المبتدعة الذين ينفون صفة الضحك.

    حال الصديقين وحال المنافقين في غزوة الخندق

    لقد فصل الله بين صف الصديقين وصف المنافقين في غزوة الخندق، لما تألب الناس من مشارق الأرض ومغاربها على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، حتى إنه لم يستطع أحد من الصحابة أن يقضي حاجته، وعندما ظهرت كدية كبيرة وهم يحفرون الخندق ولم يستطيعوا أن يفعلوا لها شيئاً، جاء النبي صلى الله عليه وسلم فضربها حتى فلقها نصفين، ثم قال: (الله أكبر، أعطيت الكنزين: الأحمر والأصفر)، يعني: بلاد فارس والروم.

    فلتصديق ويقين وإيمان الصحابة صدقوا النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ [الأحزاب:22].

    أما المنافقون الذين في قلوبهم ريب فقالوا: مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا [الأحزاب:12]؛ لأن الريب يملأ قلوبهم.

    فالإيمان يزيد وينقص، ومحله القلب، فيزيد بالتصديق، بأعمال القلب من إخلاص ومحبة ويقين وتوكل على الله جل وعلا، وهناك أمثلة كثيرة جداً في التوكل، فمنها: حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً).

    وكما فعل كثير من الصحابة كان يكتفي بقوت يومه؛ لأنه يعلم أن الرزق بيد الله، وكان الحسن البصري تاجراً فكان يعرض بضاعته فإذا اكتفى بقوت يومه انتهى، وقال: الحمد لله، وأخذ تجارته، قالوا: يا رجل يأتي الناس إليك لتربح في التجارة، قال: علمت أن رزقي بيد ربي ولن يصل إلى غيري فاطمأن قلبي.

    1.   

    أدلة زيادة الإيمان ونقصانه من الكتاب والسنة وآثار الصحابة

    الإيمان إذا علت بشاشته في القلب أصبح أصحابه يعيشون بين الناس بأجسادهم وأرواحهم هناك مع الملائكة في عليين، والأدلة على زيادة الإيمان ونقصانه من الكتاب أدلة متوافر متضافرة، وأيضاً هناك أدلة من السنة متوافرة متضافرة على ذلك.

    أما أدلة الكتاب: فيقول الله تعالى: وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى [مريم:76].

    وقوله جل وعلا: لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ [الفتح:4] وقوله جل وعلا: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [التوبة:124] وقوله جل وعلا: الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا [الأنفال:2] وكل هذا من كتاب الله جل وعلا.

    وأيضاً: قصة إبراهيم تبين لنا أن علو مقام الإيمان يصل بعد ذلك إلى الطمأنينة، قال إبراهيم عليه السلام كما قال الله عنه: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة:260] يعني: أعلى ما يكون من مقامات الإيمان أن تصل إلى الطمأنينة.

    والآيات بنفس النسق كثيرة جداً.

    أما السنة النبوية: فهناك أحاديث كثيرة تدل على ذلك، منها: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم منكن).

    الشاهد قوله: (ناقصات عقل ودين)، ووجه الدلالة أن ما كان قابلاً للنقصان فهو يقبل الزيادة.

    وفي حديث الشفاعة الطويل: (ويخرج من النار من كان في قلبه مثقال كذا ومثقال كذا..)، حتى وصل بها في التناقص إلى مثقال ذرة، فهذه دلالة على أن الإيمان يقل ويقل إلى أن يصل إلى مثقال ذرة من الإيمان.

    ومنها أيضاً: في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)، وفي رواية أخرى قال: (ما أبقى من مثقال حبة خردل من إيمان بعد هذا) يعني: الإنكار بالقلب.

    وأيضاً: حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)، فتتفاوت هذه الدرجات، فهي سبعون درجة من الأولى إلى الأخيرة التي هي أعلاها، فكلما قرب المرء منها علا إيمانه، وكلما قرب من الإماطة قل إيمانه أو قلّت درجات الإيمان عنده.

    ومنها أيضاً: حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (يتراءى أهل الجنة كما تتراءون النجوم) يعني: يتراءى أهل الدرجة الأقل مع الدرجة الأكبر كما تتراءون النجوم.

    فهذه من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الدالة على ذلك، وهناك أحاديث كثيرة على هذا النسق.

    أما الآثار: فمنها: قول ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه في دعائه (اللهم زدني فقهاً ويقيناً وإيماناً) يعني: أنه كان يدعو الله جل وعلا أن يزيده إيماناً.

    وكان أبو موسى الأشعري رضي الله عنه وأرضاه يقول: (الفقيه حق الفقيه هو الذي يتعاهد إيمانه نقص أم زاد) فالفطن الذي يجعل لنفسه ساعة ينظر في إيمانياته علت أم انتقصت، وما هي الأسباب التي يعلو بها الإيمان فيأخذ بها، وما هي الأسباب التي ينقص فيها الإيمان فيبعد عنها.

    ولذلك كان وهب بن منبه كما في مسند الإمام أحمد يقول: على المرء أربع ساعات، منها ساعة يخلو بنفسه يتدبر أمره ينظر علا إيمانه أم قل.

    وكما في شعب الإيمان عن ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: (تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن، فزاد الإيمان على إيماننا) يعني: ازداد إيماناً على إيمان بالقرآن.

    وكان عمر بن الخطاب يجتمع في حلقات العلم والذكر ويقول للصحابة: (هلموا نذكر الله ساعة) أي: تعالوا وأقبلوا.

    وأيضاً في حديث حنظلة رضي الله عنه وأرضاه لما قال: (نافق حنظلة فخرج أبو بكر وخرج عمر فقالا: ما بالك؟ فقال: أجلس عند رسول الله فكأني أرى الجنة والنار، فإذا رجعت إلى بيتي عافست النساء والأطفال نقص الإيمان، فقالا: والله نحن كذلك، فلما ذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ...) إلى آخر الحديث.

    الشاهد أنه لما قال: (نافق حنظلة ) يعني: الإيمان نزل من علوه إلى النفاق.

    وأيضاً قال ابن أبي مليكة من التابعين: (أدركت ثلاثين صحابياً من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كل واحد منهم لا يقول: إن إيمانه كإيمان جبريل، ويخشى على نفسه النفاق) ووجه الدلالة: أن الواحد منهم لم يكن يقول: إن إيمانه وصل إلى إيمان جبريل؛ لأن التصديق متفاوت، فجبريل يكلم الله جل وعلا والله يكلمه، وينظر إلى جبروت الله جل وعلا، فالإيمان عنده أعلى ما يكون.

    إذاً: فالإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، فعلى كل امرئ منا إذا زل أو إذا عصى الله علم أن الإيمان قد قل فلا بد أن يتعاهد إيمانه قلبه، فيتوب إلى الله توبة نصوحاً؛ لأن الله يفرح بتوبة العبد أشد من فرح المرء الذي أشرف على الهلاك فوجد النجاة، فالله يفرح بتوبة العبد ويرتقي العبد بهذه التوبة إلى الله جل وعلا فيعلو إيمانه أيضاً.

    وأيضاً من الأحاديث التي تثبت الزيادة والنقصان في الإيمان قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن)، فهذا فيه دلالة على أنه لما يزني المرء فإن إيمانه ينقص، ويكون كالظلة مرتفعاً عنه حال الزنا، فكلما ارتكب المرء المعصية أو اتبع هواه على شرع الله جل وعلا فإن إيمانه يقل، وكلما اتبع أوامر الله جل وعلا وآثر الله وأوامره على نفسه وشهوته وهواه فإن إيمانه يعلو ويرتقي إلى الله جل وعلا.

    1.   

    مراتب الإيمان عند الزيادة والنقصان

    للإيمان ثلاث مراتب عند الزيادة والنقصان:

    المرتبة الأولى: مطلق الإيمان، وهي أدنى مرتبة، وهي التي تمنع المرء من الخلود في النار، يعني: ينقص الإيمان شيئاً فشيئاً إلى حد يمنع المرء أن يخلد في نار جهنم.

    وهذه المرتبة هي التي يكون فيها مطلق الإيمان أو أصل الإيمان موجوداً، وينجو صاحبها من النار، وهذه تستنبط من حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (أن الله يأمر الملائكة بأن يخرجوا من النار ممن فيهم علامات الصلاة لم تحترق، فتخرجهم الملائكة، والمؤمنون يشفعون فيخرجون من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان) وفي هذا دلالة على أن معهم أصل الإيمان الذي هو أدنى مراتبه.

    المرتبة الثانية: الإيمان الواجب أو الإيمان الكامل أو الإيمان المطلق، وهذه المرتبة هي التي ينجو صاحبها من النار، ويدخل الجنة بعد الحساب، والإيمان المطلق الواجب هو الذي أدى صاحبه الواجبات وترك المحرمات، وترك النوافل واقترف المكروهات، وهو لا يأثم؛ لأن المكروه لا يأثم فاعله ويثاب تاركه، وعكسه المستحبات.

    وهذا يستدل له بحديث الأعرابي الذي دخل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (آلله بعثك؟ ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله افترض عليك خمس صلوات في اليوم والليلة، قال: أعلي غيرها يا رسول الله؟ قال: لا، قال: والله لا أزيد -ثم ذكر له النبي الزكاة ثم الصوم ثم الحج- فقال: أعلي غيرها؟ قال: لا، قال: والله لا أزيد عن ذلك ولا أنقص، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أفلح وأبيه إن صدق)، وفي رواية: (دخل الجنة إن صدق).

    فالنبي صلى الله عليه وسلم بين أن الرجل إذا قام بالواجبات وترك المحرمات فإنه يدخل الجنة بعد المحاسبة.

    المرتبة الثالثة: هي المرتبة التي يدخل أصحابها الجنة من أول وهلة، فلا حساب عليهم ولا عذاب، وهذه المرتبة مرتبة الإيمان المطلق: الواجب والمستحب، وهؤلاء هم الذين أتوا بالواجبات وتركوا المحرمات، ثم أتبعوا الواجبات بالنوافل وأتبعوا ترك المحرمات بترك المكروهات.

    وهؤلاء الذين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم يدخلون الجنة بغير عذاب ولا حساب، ووصفهم بقوله: (هم الذين لا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون) وهم سبعون ألفاً. وفي رواية أخرى قال: (مع كل واحد منهم سبعون ألفاً) أيضاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، هذه المرتبة الثالثة التي نختم بها مراتب الإيمان، وأصحابها يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، نسأل الله أن نكون جميعاً منهم.

    1.   

    حكم الاستثناء في الإيمان

    الجزء الثاني الذي نتكلم عنه في باب الاستثناء في الإيمان، كأن تقول: أنا مؤمن إن شاء الله، وهذا الأمر زلت فيها الأقدام حتى بين أهل السنة والجماعة، فقد حدث خلاف عريض بينهم، وهي على أقوال كثيرة نحصرها في أربعة أقوال:

    القول الأول: قول الجهمية ومرجئة الأحناف الذين قالوا: إن الاستثناء في الإيمان لا يجوز، فعندهم لو قال المرء: أنا مؤمن إن شاء الله، فهو كافر، مع أن مرجئة الأحناف التكفير عندهم بعيد، لكنهم قالوا: لو قال: أنا مؤمن إن شاء الله فهذا يكفر بذلك؛ لأنه بالاستثناء كأنه شك في دين الله، والله جل وعلا يقول: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا [الحجرات:15] أي: لم يشكوا، فليس هناك ثمة ريب ولا شك، فهذا قول مرجئة الأحناف.

    والجهمية قالوا: لا يجوز أن يقول المؤمن: أنا مؤمن إن شاء الله، ولو قال بذلك فهو شاك في دين الله ويكفر.

    والشافعية قالوا: يجوز الاستثناء في الإيمان، ولذلك من الطرائف أن الأحناف قالوا: يجوز للحنفي أن ينكح الشافعية قياساً على أهل الكتاب؛ لأن الشافعية يقولون: يجوز للمرء أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله.

    القول الثاني: قول الشافعية وجمهرة من أهل السنة والجماعة: وهو أنه يجب على المرء إذا سئل: أنت مؤمن؟ أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، ولا يقول: أنا مؤمن بالجزم، فالأحناف وأصحاب القول الأول لابد عندهم أن يقول: أنا مؤمن، جزماً، أما أصحاب القول الثاني فنظروا للمآل والمستقبل والآخرة، فقالوا: وجب عليه أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، واستدلوا على ذلك بقول الله تعالى: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الكهف:23-24].

    وأيضاً قالوا: لنا في ذلك أدلة أخرى وهي أن الذي يقول: أنا مؤمن، جزماً، قد زكى نفسه ووقع في المحذور، وقد قال الله تعالى: فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [النجم:32].

    وهناك قول آخر: وهو إذا قال: أنا مؤمن دون أن يقول: إن شاء الله، فأي مراتب الإيمان يكون فيها، العليا أم الوسطى أم الدنيا؟ وهذا مخالف لطبيعة الإنسان، فالإنسان ظلوم جهول، والإنسان ينسى ويخطئ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)، فهو إذا لم يلتزم بفعل الواجبات وترك المحرمات يكون كاذباً في دعواه.

    إذاً: فأصحاب هذا القول نظروا للمآل؛ لأن المؤمن جزماً يكون منتهاه إلى الجنة، لكن لا أحد يجزم أنه في الجنة، فـأبو بكر نفسه رضي الله عنه وأرضاه قال: (لو وضعت اليمنى في الجنة وبقيت اليسرى خارجها فإني لا آمن مكر الله) وعمر بن الخطاب الفاروق -وما أدراكم ما عمر- يقول: (لو نودي في عرصات القيامة: أن كل من في عرصات القيامة يدخل الجنة إلا رجل لقلت: أنا) فلا يأمن أحد مكر الله جل وعلا.

    وفي الحديث: (أن رجلاً من بني إسرائيل كان يمر على صاحب له يعصي الله جل وعلا فينصحه في الله، وكان لا يأخذ بالنصيحة، فلما تضايق منه قال له: والله لا يغفر الله لك، فقال الله: من ذا الذي يتألى عليَّ -أي: من ذا الذي يقسم؟- قد غفرت له وعذبتك).

    فالمآل يعلمه الله جل وعلا، ويدل لذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم يصبح المرء مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً)، وقال: (القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء)، ولذلك كان يقول: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) فرسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه يدعو الله جل وعلا أن يثبت قلبه، فالمآل إلى الله جل وعلا لا يعلمه أحد.