إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد حسن عبد الغفار
  3. شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - أقوال أهل العلم والسلف في الإيمان

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - أقوال أهل العلم والسلف في الإيمانللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإيمان بالله تعالى ليس مجرد كلمة يقولها الشخص، أو اعتقاد يعتقده في قلبه دون أن تصدقه جوارحه، إنما الإيمان قول وعمل واعتقاد، فكل إناء بما فيه ينضح، فإن كان القلب مؤمناً حقاً فإن أثر ذلك سوف يظهر على جوارحه، ولنعلم أن الإيمان ليس بالتمني ولا بالتحلي، وإنما ما وقر في القلب وصدقه العمل.

    1.   

    المراد بالإيمان عند السلف

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    إخواني الكرام، ما زلنا مع الإسلام والإيمان والعلاقة بينهما، وندخل بإذن الله في مسائل مهمة جداً في الإيمان.

    وقد تكلمنا سابقاً عن معنى الإسلام والإيمان لغة وشرعاً، والعلاقة بينهما، وقلنا: إن الإسلام والإيمان إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا!! أي: إذا اجتمعا في الذكر افترقا في المعنى، وإذا افترقا في الذكر اجتمعا في المعنى، بمعنى: أن الإسلام والإيمان إذا جاءا معاً كان للإسلام معنى وللإيمان معنى آخر، فمعنى الإسلام: الأعمال الظاهرة، والإيمان الأعمال الباطنة، أي: الأعمال القلبية، كما جاء في بعض الأحاديث، وإن كان في إسناد بعضها كلام، فالإسلام يكون علانية والإيمان في القلب، وقلنا: إن بينهما عموم وخصوص، فكل مؤمن مسلم ولا عكس، فالإيمان عام في ذاته وخاص في ناسه، وأما الإسلام فعام في ناسه خاص في ذاته.

    والآن -إن شاء الله- نتكلم بالتوسعة عن أقوال أهل العلم والسلف في الإيمان:

    قلنا: إن ابن عبد البر نقل إجماع أهل العلم من السلف الصالح أن الإيمان قول وعمل، ورووا عن الشافعي أنه قال: قول وعمل ونية، وعن الثوري : قول وعمل ونية واعتقاد، وقال ابن عيينة : قول وعمل واعتقاد وسنة، وقلنا: معنى قول أهل العلم: قول وعمل، أي: قول باللسان وقول بالقلب، وعمل بالقلب وعمل بالجوارح.

    فقول اللسان نحو: لا إله إلا الله، قال الله تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة:136]، وفي الحديث الصحيح، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قل أمنت بالله ثم استقم)، وقال صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله)، أي: حتى يقولوا بألسنتهم، ويشهدوا أن لا إله إلا الله، وأيضاً: قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمه: (يا عم! قل كلمة واحدة أحاج لك بها عند الله)، وهذه الكلمة هي: لا إله إلا الله، فهذا هو قول اللسان.

    أما قول القلب: فهو الإقرار والتصديق، أي: بأن تستيقن في قلبك أن الله هو الخالق الرازق المدبر الآمر الناهي السيد المطاع، أنه لا معبود بحق إلا الله، ولا مستحق للعبادة على الإطلاق أحد إلا الله وحده لا شريك له، قال الله تعالى: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ [الزمر:33]، وقال جل وعلا: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا [الحجرات:15].

    أي: لا شك دخل في قلوبهم، بل آمنوا بيقين تام وأقروا بربوبية الله وألوهيته، جل وعلا.

    وأما وعمل القلب: فهو الإخلاص، وهو أصل أعمال القلوب، قال الله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:5]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، وقال صلى الله عليه وسلم، كما جاء كل ذلك في الصحيحين: (عن الله جل وعلا أنه قال: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)، نعوذ بالله من الشرك ومن أدنى الرياء.

    ومن أعمال القلوب: التوكل، قال الله تعالى: وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة:23].

    ومنها: المحبة، قال الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [البقرة:165].

    وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما)، وليس هذا موضع البسط في الأعمال القلبية.

    وأما عمل الجوارح، فكالصلاة والصيام، قال الله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43]، قال تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ [آل عمران:97]، أو (حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97]، قراءتان صحيحتان.

    أصناف الناس بالنسبة لتعريف الإيمان

    فهذا هو مجمل الكلام بالنسبة لتعريف السلف للإيمان، أي: أنه قول وعمل، والناس بالنسبة لهذا التعريف على أربعة أصناف:

    الصنف الأول: من توفر عنده قول القلب، فاستقر في قلبه يقيناً وجزماً أن الله هو الخالق الرازق المدبر الآمر السيد المطاع، الناهي المستحق للعبادة وحده، لكنه لم يتلفظ بلسانه، ولم ينقد بجوارحه ولا بقلبه، فهذا الصنف، هو كافر ظاهراً وباطناً، نحاربه حتى يقول: لا إله إلا الله أو يدفع الجزية، وفي الآخرة هو خالد مخلد في نار جهنم؛ لأنه استيقن في قلبه وجحد ولم ينقد بجوارحه.

    مثال ذلك: عم النبي صلى الله عليه وسلم، هو أول الأمثلة التي تقال في هذا الباب، فإنه استقر في قلبه يقيناً بأن دين النبي صلى الله عليه وسلم هو خير الأديان، وأن النبي صلى الله عليه سلم صادق مصدوق، وأنه يوحى إليه، وأن الله هو المستحق للعبادة، وأن هذا الدين هو أفضل الأديان على الإطلاق، ومع ذلك لم ينقد لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم لا لشرع الله، والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأنه في ضحضاح من نار جهنم.

    المثل الثاني الذي يبين لنا أن من استقر في قلبه يقيناً بالربوبية والإلهية وصدق بالرسول ولم ينقد له أنه من أهل النار: هو الوليد بن المغيرة ، فقد جلس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه القرآن، فلما سمع القرآن قال لـأبي جهل : والله لقد جلست مع الشعراء وليس هذا بشعر، وجلست مع الكهنة وليس هذا بتكهن، ومدح القرآن بالكلمات المشهورة المعلومة عنه، فكان أبو جهل يعلم أن هذا الرجل يحب المال، انظروا إلى الذي استحب الدنيا على الآخرة، وقدم الدراهم المعدودة الفانية على الآخرة الباقية، فقال أبو جهل : يا عم أو يا خال، قد رجعت من عند الناس، وقد جمعوا لك الأموال حتى تتكلم لنا في محمد، أو تقول فيه قولاً، فقال القول المشهور، كما جاء ذلك في سورة المدثر: إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ [المدثر:18-25]، فقال الله تعالى: سَأُصْلِيهِ سَقَرَ [المدثر:26]، عقاباً له؛ لأنه استيقن بقلبه أن هذا الكلام هو كلام الله، وليس من الشعر ولا من الكهانة في شيء، ومع ذلك طمس الله على قلبه، وطمس بصيرته، نعوذ بالله من ذلك، فإذا ختم الله على قلب أحد فقد انتهى أمره، وكانت نهايته إلى بوار، ولو اجتمع أهل الأرض على أن ينفعوه أو يهدوا قلبه فلن يفعلوا ذلك؛ لأن الأمر بيد الملك المقتدر.

    المثل الثالث: أبو جهل نفسه، وإن وردت القصة التي سأذكرها لكم بأسانيد ضعيفة، لكنها تبين ما لـأبي جهل من حقد دفين، وحسد كبير على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد قال: والله إني لأعلم أنه لصادق - أي: رسول الله صلى الله عليه وسلم- وأعلم أنه نبي، لكن كنا وبنو هاشم-يعني: نحن وبنو هاشم -كفرسي رهان، نتسابق في العلو والمنزلة والشرف، يقولون: منا كذا، ونقول: منا كذا، فقالوا: منا نبي، فأنى يكون لنا نبي، والله لا نصدقه أبداً.

    فهذا يدل على الحقد الدفين الذي في قلبه، فقد استيقن بصدق الرسول، ومع ذلك جابه الرسول وقاتله قتالاً عنيفاً، وصدق فيهم قول الله تعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل:14]، نعوذ بالله من ذلك، فقد استقر في قلوبهم الحق ولكن لم ينقادوا له.

    ورئيسهم في ذلك -وهو آخر مثل نضربه-: هو إبليس عليه لعنة الله، فقد استقر في قلبه بأن الله أمره أمراً، وهذا الأمر فيه مصلحه له، لكن الكبر والعناد جعلاه لم ينقد لله جل وعلا، وهو يعلم أن الله جل وعلا أمره بذلك ليختبر انقياده لأوامره جل وعلا، فإن هذا الأمر كان لتشريف آدم، لكن الأصل هو أن الله جل وعلا أراد أن يكشف المعلوم في إبليس، كما قال ابن كثير في تفسير قول الله جل وعلا: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ [البقرة:30]، قال: يعلم الله من إبليس أنه يجحد أمره وأنه يتكبر، فابتلاه بالسجود، فإبليس كان مستيقن بربوبية الله جل وعلا، وكان مستيقن بأن الرسول الذي بعث في الأمة حق، ومع ذلك يغوي الناس، وجحد بآيات الله جل وعلا.

    الصنف الثاني بالنسبة للإيمان: صنف أتى بقول اللسان، بل وانقاد بالجوارح، ولكن خلا قلبه من التصديق من الانقياد، نعوذ بالله أن نكون كذلك، وهؤلاء هم المنافقون، وقد وصفهم الله بقوله: فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ [التوبة:45]، شك كبير، كما قال تعالى حاكياً قولهم: وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ [هود:62]، وقال عنهم: مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ [النساء:143].

    فهؤلاء لهم ما لنا وعليهم ما علينا، في الدنيا، أي: أن لهم الأمان، وعصمة الدم، وعصمة المال، والغنائم والفيء تقسم عليهم، ولهم المناكحة منا والتوارث، ولنا المناكحة منهم والتوارث، ولكن في الآخرة هم في الدرك الأسفل من النار، قال الله تعالى: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء:145].

    فهؤلاء توفر فيهم قول اللسان، فقد قالوا: لا إله إلا الله، وكثير من الناس ممن تتعايشون معهم، قد طفح النفاق من قلوبهم، ونضح حتى في أعينهم، وعلى ألسنتهم بالكلام، فهؤلاء قد قالوا: لا إله إلا الله، بل وانقادوا، فهم يصلون معنا، ويستقبلون قبلتنا، ويذبحون كما نذبح، ويسبحون كما نسبح، وينفقون كما ننفق، وهم في الدرك الأسفل من النار؛ لأنهم لا يتحاكمون إلى الله جل وعلا، وإذا خلوا إلى بمحارم الله انتهكوها، وهم لا يقومون إلى الصلاة إلا كسالى، قال الله عنهم: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ [البقرة:8-9]، وقال في آية أخرى: يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء:142].

    الصنف الثالث بالنسبة للإيمان -الذي هو قول وعمل-: أناس توفر فيهم قول القلب، وهو التصديق والإقرار، وتوفر فيهم قول اللسان، لكن لم تنقد الجوارح ولم ينقد القلب، فقالوا: لا إله إلا الله باللسان، أقروا وبالقلب بأنه لا معبود بحق إلا الله، فهؤلاء هم الذين حدث فيهم الاختلاف، وهؤلاء هم الذين ندخل مع أهل البدع المعترك الدامي في الخلاف فيهم: هل هم مسلمون أم منافقون أم كفار؟ وسوف نرجئ هذا الخلاف العريض حتى نتكلم عن مرجئة الفقهاء، وكيفية نرد عليهم.

    الصنف الرابع: هؤلاء الذين حباهم الله ومنحهم: وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ [النحل:53]، منحهم الله قول اللسان، وقول القلب: التصديق والإقرار، وعمل الجوارح، وعمل القلب أيضاً، وهؤلاء ينقسمون إلى ثلاثة أقسام، وجاء تقسيمهم هذا في آية واحدة من كتاب الله، وهي قوله تعالى: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ [فاطر:32]، فأكثر المفسرين قالوا: الظالم لنفسه: هو الذي اقترف الذنوب والآثام، ومع ذلك هو مقر بخطيئته، ويعمل عملاً صالحاً.

    والمقتصد: هو الذي أدى الفرائض، وترك المحرمات ولم يرتق بالسنن.

    أما السابقون بالخيرات: فهم الذين أدوا الأوامر والفرائض، وارتقوا بالنوافل المطلقة والنوافل الراتبة، وانتهوا عن المحرمات.

    هذا تفسير أكثر المفسرين لهذه الآية، لكن عائشة رضي الله عنها وأرضاها فسرت الآية بطريقة أخرى، بأن السابق للخيرات: هو الذي ينفق ويصلي ويصوم، وقلبه وجل أن لا يقبل عمله عند الله جل وعلا، أي: يخشى من مكر الله جلا وعلا.

    والمقتصد: هو الذي يسارع أيضاً في الخيرات لكن أقل من الأول، ثم قالت لـعروة: أما الظالم لنفسه فمثلي ومثلك، هذا الكلام تقوله عائشة رضي الله عنها وأرضاها لـعروة ، الذي يعتبر أحد الفقهاء السبعة، وهو أكثر من روى عن عائشة ، وهو الذي وقف أمام الكعبة وقال: اللهم اجعل الناس تحمل عني الحديث، فحمل الناس عنه الحديث، وكان من الفقهاء المعدودين، ومع ذلك قالت له عائشة : أما الظالم لنفسه فمثلي ومثلك، نسأل الله العفو والعافية.

    نحن الآن في زمن الذي يصلي فيه الفرائض ويجتنب المحرمات دون المكروهات، ويترك النوافل، فهذا من أولياء الله الصالحين، فبحق: نحن أصلاً نحتقر أنفسنا أمام القوم الذين سبقونا، نسأل الله جل وعلا أن لا يفضحنا أمامهم.

    المقصود: أن الصنف الرابع من أهل الإيمان هم المؤمنون الذين توفر فيهم قول اللسان وقول القلب، وعمل الجوارح وعمل القلب، ولابد أن نعرف العلاقة بين عمل الجوارح وعمل القلب؛ لكي نقوى على فهم الخلاف فيما بعد، فإن هذه العلاقة إما علاقة تباين، أي: لا توجد علاقة بينهما، وإما علاقة تلازم وارتباط وثيق، بحيث لا يمكن أن ينفك أحدهما عن الآخر، فإذا زال عمل القلب زال عمل الجوارح، وكل إناء بما فيه ينضح، إن كان فيه خير نضح بالخير، وإلا فلا، والعلاقة بحق: هي علاقة تلازم وارتباط، وعلى ذلك أدلة من الكتاب والسنة وأقوال السلف.

    1.   

    أدلة التلازم الوثيق بين عمل القلب وعمل الجوارح

    الأدلة على أن التلازم وثيق بين عمل الجوارح، وعمل القلب من الكتاب والسنة، ثم من أقوال السلف:

    الأدلة القرآنية على التلازم بين عمل القلب وعمل الجوارح

    فأما من الكتاب: فقول الله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [البقرة:82].

    فما ذكر الله الإيمان في موضع من كتابه إلا وذكر قرينه العمل الصالح، إشارة إلى أن الإيمان الذي وقر في القلب لا بد أن يصدقه شيء في الظاهر، وهو العمل؛ ولذلك قال الله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال:2]، هذا في الداخل لا نعرفه ولا نراه، ثم قال الله: وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال:2]، والتوكل هذا عمل باطني، ثم قال تعالى: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [الأنفال:3]، فذكر الصلاة والإنفاق، وهذا عمل ظاهري؛ وذلك لأن هناك ترابط وثيق بين عمل القلب وعمل الجوارح.

    ومن الأدلة من كتاب الله قوله تعالى: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ [التوبة:11]

    فلأن التوبة عمل قلبي لم يكتف الله بذلك، ولم يرض بها فقط حتى يدخل المرء الإسلام، بل ربط التوبة بما يظهرها وهو العمل الصالح: كإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ولذلك قال العلماء: إن الفاسق لا تقبل شهادته إلا أن يتوب، وكيف تعرف توبته؟ يقول الجمهور من أهل العلم: إن التوبة تكون بالظاهر، فإذا استقام مع الناس في الصلوات، وكان يخرج الزكاة، وعلم باستقامة حاله وحسن خلقه، فهذه هي التوبة، أي: الأمر الظاهري، مع أن التوبة عمل قلبي، لكن لا بد من الأمر الظاهري؛ ليتبين ما في القلب.

    ومن الأدلة من كتاب الله قوله تعالى عن جزاء المحاربين وعن توبتهم: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة:33-34].

    اختلف العلماء في توبة المحارب الذي تقطع يده ويصلب وينفى من الأرض، أي: كيف تعرف؟ فـابن القاسم المالكي قال: لابد أن يذهب إلى الأمير ويشهر توبته، وهذا قول المالكية.

    وقال جمهور الفقهاء -وهو الراجح- إنه يقطن بيته، ويذهب إلى الصلاة في أوقاتها، ويحسن خلقه مع جيرانه ومع الناس فتعرف بذلك توبته.

    فهذه التوبة التي هي عمل قلبي، ظهرت على الجوارح في الخارج، كما قال الله تعالى في الآية التي ذكرناها سابقاً فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ [التوبة:11].

    وأيضاً قال الله تعالى -مبيناً أن تشابه الظاهر مرتبط بتشابه الباطن- قال عن اليهود لعنة الله عليهم: كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ [البقرة:118]، فربط الظاهر بالباطن، فلما تشابه الظاهر بالظاهر، تشابه الباطن بالباطن، وهذه دلالة على أن الترابط وثيق بينهما، وسنة الله لا يمكن أن تتبدل.

    أيضاً قال الله تعالى عن النفاق والمنافقين؛ لأن النفاق عمل قلبي، فمن أجل أن نعرفه قال الله تعالى لنبيه: وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ [محمد:30].

    فأنت تعرفه أولاً من خلال وجهه؛ لأن ما في القلب يظهر على الوجه، تراه فتقول: وجهك وجه منافق، أذكر شيخاً من مشايخنا أفنى عمره في الدعوة، جلس مرة فقال: رأيت من الناس مفتي من المفتيين، ورأيت النفاق ينضح على وجهه نضحاً.

    وثانياً: تعرفهم من خلال كلامهم، فبعضهم تسمعه يقول: هل نأخذ علمنا من رجل يقول: من قال: إن الأرض كروية يكفر؟ نأخذ العلم من هذا!، والله هذا نفاق بين، أو آخر يقوم علناً أمام الناس فيقول: أتريدون تحكيم الشريعة؟ تريدون قطع يد السارق، ما هذا التخلف، مع أن هذا حكم الله من فوق سبع سماوات، وحكم الرسول صلى الله عليه وسلم الذي قال: (والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)، فهذا نفاق ينضح، وآخر يقول: أتريدون جلد الزاني مائة جلدة؟ والله هذه وحشية.

    فهؤلاء أصبح النفاق ظاهراً على وجوههم وفي كلامهم.

    أيضاً: قال الله تعالى -منكراً على بني إسرائيل، ومبيناً أن الإيمان، أو الكفر الذي في القلب، لا بد أن ينضح في الخارج- وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة:93]، أي: إذا كنتم مؤمنين حقاً فلم عبدتم العجل؟ ولم أطعتم غير الله تعالى؟ بل هذا كفر في قلوبكم.

    أيضاً: من الأمور التي تبين ارتباط الظاهر بالباطن: أن الله سمى أعمال الظاهر إيماناً، قال الله تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ [البقرة:143]، فبإجماع المفسرين أنها الصلاة، وكما في حديث البخاري عن البراء -الطويل- وفيه أنه قال: (هي الصلاة)، وذلك حين حولت القبلة إلى الكعبة، فقال القوم: ما بال إخواننا الذين ماتوا، وما بال صلاتنا التي صليناها من قبل فقال الله جل وعلا تطميناً لقلوبهم: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ [البقرة:143]، فسمى الصلاة إيماناً.

    أيضاً: بين الله جل وعلا الارتباط الوثيق في كتابه بين الظاهر والباطن، وأنه إذا انتفى اللازم انتفى الملزوم، قال الله تعالى: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ [النساء:140] فبين الله جل وعلا أن هؤلاء الذين يجلسون في المجالس التي يكفر فيها بالله، أو يستهزأ فيها بآياته، أو بأوليائه الصالحين، دون إنكار، فإن هؤلاء من يجلسون معهم فيهم نفس الكفر؛ لأن القلب نضح وظهر ما فيه، فهو ساكت راض بهذا الكفر، فصاحبه كافر مثلهم.

    لذلك استنبط العلماء قاعدة مهمة جداً من قواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي قولهم: إن لم تزل المنكر فزل. أي: اخرج فلو جلست فأنت مثلهم؛ لأنك راض بفعلهم، فإن جلست مع شراب الخمر، ولم تنههم وتنكر عليهم، فأنت مثلهم، إن جلست مع الزناة ولم تنكر عليهم، بل ولم يتحرك قلبك غضباً لله جل وعلا فأنت منهم.

    فهذه أدلة من كتاب الله جل وعلا على أن الظاهر يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالباطن.

    الأدلة الحديثية على التلازم بين عمل القلب وعمل الجوارح

    أما الأدلة من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، فأشهر حديث هو ما في الصحيحين: وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله).

    وحديث آخر: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام يصلي قال: استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم)، فاختلاف القدم بالقدم والمنكب بالمنكب يؤثر في اختلاف القلب؛ لأن الظاهر يؤثر في الباطن، ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التشبه بأهل الكفر؛ لأن التشبه بهم في الظاهر يقود إلى التشبه بالباطن، قال صلى الله عليه وسلم: (لتتبعن سنن الذين من قبلكم، شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه)، وفي رواية: (لو وجد منهم من ينكح أمه، لوجد في أمتي من يفعل ذلك)، وقد وجد من كان يطأ أمه، والعياذ بالله.

    فهذه أدلة من السنة أيضاً على أن الظاهر يرتبط بالباطن، وأن القلب إذا وجد فيه إيمان فلابد أن ينضح على الجوارح.

    ولذلك قال الحسن البصري : الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل، وقال سعيد بن المسيب -وكثير من أهل العلم يرفعون هذا الأثر، والصحيح أنه من قول سعيد بن المسيب - وذلك حين دخل رحمه الله المسجد فوجد رجلاً يصلي، وأثناء الصلاة كان يلعب برأسه ولحيته، وينظر في يده، فقال سعيد بن المسيب : لو خشع قلبه لخشعت جوارحه.

    والنبي صلى الله عليه وسلم كان في سفرة من الأسفار، فصلى بالناس الفجر، فبعدما سلم وجد اثنين جالسين ولم يصليا، فقال لهما صلى الله عليه وسلم: (ألستما بمسلمين؟!)، فهو رآهما ما صليا، فقال هذا ليس بفعل المسلم الصادق؛ لأن المسلم في الباطن لابد أن يظهر هذا الإسلام وهذا الإيمان في الظاهر، ومن ذلك أداء الصلاة: (فقالا: يا رسول الله صلينا في رحالنا، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم)، هذا يبين أن المرء إذا دخل ووجد الناس يصلون فليصل معهم، (فقال: إذا صليتم في رحالكم فدخلتم المسجد فصلوا مع الإمام فهي فرض له ونافلة لكم).

    أيضاً: قال النبي صلى الله عليه وسلم لوفد عبد القيس: (آمركم بالإيمان بالله وحده) ثم فسر الإيمان بالله وحده بالأعمال الظاهرة فقال: (شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وأن تؤدوا الخمس من المغنم)، وكلها أعمال ظاهرة فسماها إيماناً.

    وأيضاً: قال النبي صلى الله عليه وسلم، كما في السنن: (لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن)، فجعل علامة إيمان الرجل أنه يحافظ على الوضوء، وقال صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: (الوضوء شطر الإيما).

    وأيضاً: جعل النبي صلى الله عليه وسلم الأمانة من الأعمال الظاهرة، أي: أن تأمن الشخص على مالك، وعلى نفسك، وعلى عرضك، فقال صلى الله عليه وسلم: (لا إيمان لمن لا أمانة له)، وأهم الأمانات هي الأمانة في الدين، الأمانة بينك وبين ربك جل وعلا، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ [الأنفال:27]،

    وكم منا قد خان الله، فما منا من أحد إلا وقد خان الله ورسوله، فلو نظر أحدنا في نفسه لوجد أنه وجد بدعة لم ينكرها، فهذه خيانة لله ورسوله، أو وجد انتهاكاً لحرمة من حرمات الله جل وعلا فلم يتكلم ولم يغيره أو لم يدع لأخ له مسلم في ضيق من أمره، أو لم يتعاون معه على البر والتقوى، فهذه خيانة لله ولرسوله، نعوذ بالله من ذلك، فالأمانة أمانة مع الله أولاً، ثم أمانة مع الرسول، ومن الخيانة التي خنا بها الرسول صلى الله عليه وسلم ما نرى من الموالد والرقص والطبل وهذه المهاترات التي يحسب أصحابها أنها احتفالات برسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن على سكوت، فلم نذهب لننكر ونغير، والله هذه خيانة لرسول الله، وكم منا من ترك سنة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم ويحسب أنه على شيء.

    ثم هناك أمانة مع نفسك، وذلك أنك إذا كنت وحدك فلا تخن نفسك وتظلمها فتنتهك محارم الله، فالأمانة مع النفس أن تجعلها قدر الإمكان تستقيم على دين الله جل وعلا.

    ثم هناك أمانة مع الغير، وهذه قد ضاعت عند كثير من الناس في زماننا هذا، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فتجد الأخ يسرق أخاه، والأخت تسرق أختها، وإذا ذهبت إلى المحاكم وجدت الكثير من أصحاب هذه المشاكل، نسأل الله أن يغفر لنا ويرحمنا، آمين يا رب العالمين.

    وكان بعض السلف يقول: من لا أمانة له لا إيمان له، وأختم بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة، والحياء شعبة من شعب الإيما).

    فهذه كلها دلائل على أن الإيمان الظاهر يرتبط بالإيمان الباطن، أو أن الأعمال الظاهرة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالباطن.