إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. محمد حسن عبد الغفار
  4. سلسلة أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة
  5. شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - سياق ما روي عن النبي في دعائم الإيمان وقواعده

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - سياق ما روي عن النبي في دعائم الإيمان وقواعدهللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كل من أتى بكلمة التوحيد، واعتقد معناها، وعمل بمقتضاها، واجتنب نواقضها فهو المسلم، له ما لنا وعليه ما علينا، ثم إن زاد في أعمال البر والإحسان ارتفعت درجته وزاد إيمانه، وإن عصى بأي نوع من أنواع المعاصي مما لا يخرجه من الإسلام كتلك النواقض العظام، فقد نقص إيمانه عند ذوي العرفان، ثم يعذب في النار على قدر معاصيه ومآله إلى الجنان، لا كما تقول المعتزلة والخوارج من كونه بعصيانه مخلداً في النيران، فهذا ادعاء ترده السنة والقرآن.

    1.   

    جماع الكلام في الإيمان

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] ،

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71]

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    إخوتي الكرام، مع باب جديد في كتاب شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، وهناك معترك دامٍ بين أهل السنة والجماعة وبين أهل الفرقة والضلالة.

    1.   

    تعريف الإسلام لغة وشرعاً

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ جماع الكلام في الإيمان.

    سياق ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في أن دعائم الإيمان وقواعده: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان ].

    الإسلام لغة: الاستسلام المحض، والإذعان والخضوع التام لله جل وعلا، قال الله مادحاً إبراهيم عليه السلام: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [البقرة:130] وذلك لأنه استسلم وانقاد لأوامر ربه سبحانه، ثم قال: إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [البقرة:131] أي: استسلمت الاستسلام المحض لله جل وعلا، ولذلك لما أوحى إليه ربه أن يذبح ابنه قال: سمعت وأطعت، فقال تعالى مخبراً عنه: قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى [الصافات:102]، فكان الخضوع التام من إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما أفضل الصلاة وأزكى السلام.

    وقد جمع الله تعالى بين الاستسلام والإحسان فقال تعالى: بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ [البقرة:112] فالاستسلام والخضوع التام أصل من أصول الإحسان في عبادة الله جل وعلا.

    ويبين تعالى أن كل ما في السماوات والأرض قد خضع واستسلم استسلاماً تاماً له جل وعلا، فقال: وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا [آل عمران:83] وهذا هو الخضوع التام لربوبية الله جل وعلا.

    معنى الإسلام منفرداً عن الإيمان ومقترناً به

    وأما الإسلام شرعاً فله معانٍ كثيرة؛ لأن الإسلام يذكر في كتاب الله جل وعلا منفرداً ومقترناً.

    فإذا أطلق الإسلام في الكتاب منفرداً كان معناه الدين كله بمراتبه الثلاث: الإسلام والإيمان والإحسان، قال الله تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ [آل عمران:85] فالإسلام هنا يقتضي الإسلام والإيمان والإحسان، وأيضاً قال الله تعالى: وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3] فهاتان الآيتان أثبتتا أن الله تعالى إذا ذكر الإسلام في كتابه منفرداً فإنه يكون بمعنى الإيمان والإحسان جميعاً.

    ويذكر الإسلام مقترناً كذلك، وكثيراً ما يقترن بالإيمان، فإذا اقترن الإسلام بالإيمان كان للإسلام معنى وللإيمان معنى، فإذا ذكر الإسلام مقترناً بالإيمان قصد به الأعمال الظاهرة أي: أعمال الجوارح من ركوع وسجود وصدقة وزكاة وحج، فكل هذه من أعمال الجوارح، ودليل ذلك أوضح ما يكون في كتاب الله، قال الله تعالى: قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات:14]، فخص القلب بالإيمان، وقال: قُولُوا أَسْلَمْنَا فالإسلام هو قول اللسان، واللسان من الجوارح، فإذا اقترن الإسلام بالإيمان كان بمعنى الأعمال الظاهرة.

    وأشهر من ذلك في الدلالة حديث جبريل المشهور: أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (أخبرني عن الإسلام، قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة) إلى آخر الأعمال الظاهرة، ولما سأله عن الإيمان ذكر له الأعمال الباطنة.

    1.   

    تعريف الإيمان لغة وشرعاً

    أما الإيمان فيأتي في اللغة مطلقاً بمعنى التصديق، قال الله تعالى حاكياً عن إخوة يوسف: وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ * قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ [يوسف:16-17] يعني: ما أنت بمصدق لنا ولو كنا صادقين.

    وله في اللغة معانٍ كثيرة، وأهل البدع يتمسكون بهذا التعريف فقط كما سنبين.

    والإيمان يتعدى بنفسه، ويتعدى باللام، ويتعدى بالباء، فإذا تعدى بنفسه فمعناه: التأمين، أي: من الأمان، تقول: أمنته، ضد خوفته، قال الله تعالى: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش:3-4]، وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما توعد).

    والإيمان أيضاً مشتق من اسم الله جل وعلا (المؤمن)، والمؤمن اسم من أسماء الله جل وعلا، يتضمن صفة كمال وهي صفة الأمن، بمعنى: أن الله جل وعلا اسمه (المؤمن)؛ لأنه يؤمن عباده من الخوف والفزع يوم القيامة، كما قال تعالى: وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ [النمل:89]، فهذا هو مقتضى اسم الله المؤمن.

    ويتعدى الإيمان كذلك بالباء، فتقول: آمنت بالله أو آمنت برسول الله، قال الله تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ... [البقرة:136] إلى آخر الآيات.

    ولما جاء الرجل يستنصح النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قل: آمنت بالله ثم استقم)، فتعدى الإيمان بالباء، وصار معناه: التصديق، قال تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ أي: صدقنا بالله، بمعنى: صدقنا بوجود الله جل وعلا، وأنه مستو على عرشه، وآمنا بربوبية الله، وأنه خالق رازق مدبر آمر ناهٍ، وصدقنا بأن لله أسماء حسنى وصفات عُلى، وأنه لا إله إلا الله ولا معبود بحق إلا هو سبحانه، ومعنى آمنت برسول الله: أي: صدقت بأنه مرسل من قبل الله جل وعلا، وصدقت برسالته التي أوحيت إليه.

    ويتعدى باللام الإيمان -وهذا النوع مهم جداً- قال الله تعالى: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ [العنكبوت:26]، فجاء بمعنى الاتباع، فلو تعدى الإيمان باللام كان معناه الاتباع والانقياد، قال الله تعالى: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ فلم يتبع أحد إبراهيم عليه السلام في دعوته إلا لوط عليه السلام، وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي [العنكبوت:26]، فتقول: آمنت لله أي: أذعنت وخضعت وانقدت لأحكام الله ولأوامره، ولا يمكن أن أعترض على أمر من أوامره سبحانه، وآمنت لرسول الله أي: اتبعت الرسول فلا أتعبد عبادة إلا وأنا متبع فيها الرسول صلى الله عليه وسلم.

    وأجمل الشافعي معنى الإيمان بمعانيه الثلاثة في كلمة واحدة، فقال: آمنت بالله، وبما جاء عن الله، وعلى مراد الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، وعلى مراد رسول الله.

    أما تعريف الإيمان شرعاً: فهو التصديق المقرون بالانقياد والإذعان، فالتصديق المقرون بالانقياد والإذعان، فيه دلالة على أن من وقر في قلبه إيمان فلا بد أن يتضح على ظاهره.

    معنى الإيمان عند انفراده عن الإسلام واقترانه به

    ويأتي الإيمان أيضاً منفرداً ومقترناً، فإذا جاء الإيمان منفرداً كان معناه كلية الدين مثل الإسلام تماماً، ولو جاء مقترناً كان له معنى آخر غير المعنى الظاهر، وهو المعنى الباطن، ودليل ذلك قول الله جل وعلا: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال:2] فهذه أعمال باطنة.

    ثم قال: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [الأنفال:3] فهذه أعمال ظاهرة.

    إذاً: فهذه الآية أثبتت أن الإيمان إذا انفرد كان بمعنى الدين كله ظاهراً وباطناً.

    وثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (آمركم أن تؤمنوا بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ أن تشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيموا الصلاة، وتؤتوا الزكاة، وتصوموا رمضان، ثم قال: وتؤدوا الخمس من المغنم).

    فهذه أعمال ظاهرة أيضاً، فإذا أطلق الإيمان دخل معه الإسلام والإحسان؛ لأنه مرتبة من مراتبه، أما إذا اقترن بالإسلام فيدل على الأعمال الباطنة فقط، قال تعالى: قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات:14]، وفي مسند أحمد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الإسلام علانية، والإيمان في القلب)، وفي حديث جبريل المشهور: (سئل النبي صلى الله عليه وسلم: ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن -أي: بالقلب- بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره).

    وفي رواية أخرى (قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله).

    إذاً: فالإيمان إذا اقترن بالإسلام كان معناه الباطن.

    1.   

    العلاقة بين الإسلام والإيمان

    إذا عرفنا تعريف الإسلام والإيمان لغة وشرعاً فإنه يستلزم منا أن نبين العلاقة بين الإسلام والإيمان، فالإيمان والإسلام بينهما عموم وخصوص من وجه، بمعنى أن الإيمان أعم من جهة ذاته، والإسلام أعم من جهة ناسه، فالإيمان في نفسه إسلام وزيادة، والإسلام أعم من الإيمان من جهة ناسه؛ لأن المسلمين كثيرون والمؤمنين قلة.

    والإيمان هو ما وقر في القلب ولكن لابد أن يصدقه العمل بالجوارح، فإذا صلح القلب صلح الجسد وصلحت الجوارح.

    أما الإسلام في ذاته فهو الأعمال الظاهرة فقط، كقوله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله)، وقال صلى الله عليه وسلم: (يا عم! قل لا إله إلا الله كلمة واحدة أحاج لك بها عند الله جل وعلا) فالإسلام أعمال ظاهرة فقط، أما الإيمان فباطن، لكن الأعمال الظاهرة ترتبط به، فكل مؤمن مسلم ولا عكس؛ لأنه قد يكون مسلماً لكنه منافق في الباطن، والعياذ بالله.

    إذاً: فالإسلام والإيمان بينهما عموم وخصوص، فالإيمان أعم من جهة ذاته والإسلام أعم من جهة ناسه، ويرتبطان بارتباط وثيق جداً، فلا انفكاك بين الإسلام والإيمان، فإن المسلم لا يقبل إسلامه عند ربه جل وعلا إلا إذا كان معه أصل الإيمان وأصل التصديق وأصل الانقياد القلبي، وأيضاً المؤمن لا يقبل عند ربه إلا إذا كان معه أصل الإسلام وهو شهادة أن لا إله إلا الله، وشيء من أعمال الجوارح كما سنبين.

    1.   

    القائلون بأن الإسلام والإيمان شيء واحد وأدلتهم والرد عليها

    هذا الذي تقدم من العلاقة بين الإسلام والإيمان هو ما عليه جمهور أهل العلم، بخلاف البخاري وطائفة من أهل العلم فإنهم قالوا: بل الإيمان هو الإسلام، والإسلام هو الإيمان ولا فرق بينهما. واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة جداً، وأقوى هذه الأدلة هو قول الله تعالى: فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الذاريات:35-36] فذكر الإيمان أولاً ثم ذكر في نهاية الآية الإسلام مع أن البيت واحد وهو بيت لوط عليه السلام، فدل على أن الإيمان يساوي الإسلام، والإسلام يساوي الإيمان ولا فرق بينهما، والرد عليهم من ثلاثة وجوه:

    الوجه الأول: اختلف الأصوليون فيما إذا اختلف المقطوع به مع المظنون به، فما الذي يقدم؟

    والجواب: يقدم المقطوع به طبعاً، وعندنا أدلة قاطعة بنص صريح أن الإيمان يختلف عن الإسلام كما في الحديث الصحيح: (جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أخبرني عن الإسلام فقال: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وتقيم الصلاة..) إلى آخر الأعمال الظاهرة، قال: (فأخبرني عن الإيمان) وما أحاله على الإسلام، وهذا فرق قاطع بينهما بنص قاطع فقال: (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته ....) وهذه أعمال قلبية.

    وهذه الآية الكريمة التي استدل بها الإمام البخاري وغيره التأويل فيها محتمل، فيكون دليلهم مظنوناً لا مقطوعاً، وحديث جبريل نص قاطع فيقدم المقطوع على المظنون.

    الوجه الثاني: نقول: وإذا رددنا عليك بأن المقطوع يقدم على المظنون، وأن عندنا تفسيراً لهذه الآية:

    فأول تأويل فيه أننا نقول: إن كل مؤمن مسلم ولا عكس، فإن كان مؤمناً متصفاً بالإيمان صح وصفنا له بالإسلام، فيكون في الآية الأولى: فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات:35] الذين هم بيت لوط عليه السلام، وقوله: فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الذاريات:36] هم بيت لوط عليه السلام أيضاً، فلما كان وصفهم في لفظ الآية بالإيمان فمن باب أولى أن يصفهم بالإسلام.

    والوجه الثالث: نقول: إن المؤمنين في الجزء الأول من الآية هم أناس معينون، والمسلمون في آخر الآية هم أناس آخرون، قال تعالى في الآية الأولى: فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات:35] أي: لوط وبناته، فهم الذين آمنوا بالله جل وعلا واستسلموا له ظاهراً وباطناً، وهم المؤمنون الخلص، وقال في الثانية: فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [الذاريات:36] فخرجت زوجة لوط عليه السلام من الآية الأولى؛ لأنها لم تكن من المؤمنين الخلص كلوط وبناته، وناسب دخولها في الآية الثانية من حيث الظاهر؛ لأن المقصود بالإسلام فيها الشعائر والأعمال الظاهرة فقط، وبهذا يتضح جلياً أن هناك فرقاً بين الإسلام والإيمان وليس كما قال الإمام البخاري وغيره من أهل العلم رحمهم الله تعالى.

    إذاً: فالصحيح الراجح أن هناك فرقاً بين الإيمان والإسلام، وأن الإيمان أعم من الإسلام.

    1.   

    أقوال السلف في الإيمان

    قال ابن عبد البر : أجمع أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أن الإيمان قول وعمل واعتقاد.

    وقال الشافعي : كل من أدركتهم من التابعين وتابعي التابعين يقولون: الإيمان قول وعمل ونية.

    و قال الثوري : الإيمان قول وعمل وقصد واعتقاد.

    أما شيخ الإسلام ابن تيمية فقد أجمل وقال: كل هذه التعريفات تساوي تعريف أن الإيمان قول وعمل، أي: قول باللسان وقول بالقلب، وعمل بالجوارح، وعمل بالقلب.

    قوله: (قول باللسان) أي: كأن تقول: لا إله إلا الله، فلا يمكن أن تدخل في دائرة الإسلام حتى تشهد أن لا إله إلا الله، إلا الأخرس، فإن الإشارة تقبل منه، لكن إذا كان يستطيع النطق والكلام فإن الإسلام لا يقبل منه بحال من الأحوال إلا أن يقول: لا إله إلا الله، حتى وإن أقر في قلبه بالإيمان، قال الله تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ يعني: قولوا باللسان.

    والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا -أي: باللسان-: لا إله إلا الله).

    ولما جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمه وهو على فراش الموت (قال: يا عم! قل: لا إله إلا الله -أي: باللسان- كلمة أحاج لك بها عند الله جل وعلا) فلا إله إلا الله هي قول اللسان.

    أما القول الثاني فهو قول القلب: وهو التصديق التام والانقياد والإقرار والإذعان لله جل وعلا، قال تعالى: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ [الزمر:33].

    شبهة والرد عليها

    لو قيل: من كان مصدقاً بقلبه لكنه لم ينطق بشهادة الحق بلسانه، فإنه يعتبر في الآخرة مؤمناً، بدليل قوله تعالى: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا [الإسراء:25] وقوله صلى الله عليه وسلم عن مضغة القلب: (إذا صلحت صلح الجسد كله) فهل هذا الكلام صحيح؟

    الجواب: من كان كما ذكر يعتبر كافراً في الدنيا فيقتل مثل الحربي، وهو في الآخرة في جهنم خالد مخلد فيها أبداً، وأوضح مثال هو عم النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان يعتقد أن دين النبي صلى الله عليه وسلم خير الأديان، فقال: لولا الملامة لأقررت بها عينك، فمنعه الكبر الذي في قلبه أن ينطق بكلمة التوحيد، وقال: والله لا يعلو استي بحال من الأحوال، فهو في ضحضاح من النار خالداً مخلداً فيها أبداً.

    وكان إبليس أيضاً من أشد الناس إيماناً بالوعد والوعيد، ومن أشد الناس إقراراً بربوبية الله جل وعلا، فقد قال: قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ [الحجر:39-40]، فقد كان مقراً في قلبه، ومع ذلك لم ينفعه هذا الإقرار فهو في جهنم خالداً فيها أبداً.

    وقال الله تعالى عن فرعون ومن معه : وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل:14].

    إذاً: فإقرار القلب وتصديقه إن لم يصاحبه تلفظ باللسان فلا ينفعه لا في الدنيا ولا في الآخرة.

    وأيضاً: لابد مع اعتقاد القلب من عمله وعمل الجوارح، فعمل الجوارح: كالذكر وقراءة القرآن والركوع والسجود والصدقات والزكاة، وعمل القلب: كالاتباع والتوكل والإخلاص والمحبة، قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [البقرة:165].

    وقال صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما)، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.