إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد حسن عبد الغفار
  3. شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - خصائص النبي والفرق بين المعجزة والكرامة

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - خصائص النبي والفرق بين المعجزة والكرامةللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد منَّ الله سبحانه وتعالى على عباده بأن شرع لهم الإسلام وهداهم إليه، واصطفى من خير خلقه من يبين للناس هذا الهدى والنور، وأيده بالمعجزات الدالة على صدق نبوته، لكي يؤمن به العباد، وينقادوا لدين رب الأرباب، وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، وخصها بخصائص وسمات لم تكن في الأمم السابقة؛ لكرامة هذا النبي عنده، ورحمة منه وفضلاً، فإن آمنت وصدقت علت وارتفعت وسادت، وإن كذبت وعاندت ذلت وهانت، وضربت عليها الذلة والمسكنة كما حصل للأمم من قبلها.

    1.   

    طرف من خصائص المصطفى عليه الصلاة والسلام

    إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71] أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    أما بعد:

    تكلمنا عن معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم وأن الله وهب لرسولنا ما وهب للأنبياء والرسل من معجزات، وقد خص الله النبي الكريم بخصائص غير التي أعطاها للأنبياء غيره صلى الله عليه وسلم، واليوم إن شاء الله نختم هذا الباب في الخصائص التي خصه الله بها.

    فمن الخصائص التي اختص الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم: أنه فضله عليهم، وجعله إمامهم، وذلك عندما أحيا الله جل وعلا له الأنبياء ليلة أسري به إلى المسجد الأقصى، نسأل الله جل وعلا أن يحرره من أيدي الغاصبين.

    الخاصية الثانية: عموم الرسالة، فما من نبي أرسله الله إلى قوم إلا وكانت دعوته خاصة بهم أي: لم تكن عامة، قال النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح: (وكان كل نبي يبعث إلى أمته خاصة وبعثت إلى الناس عامة -أو كافة-).

    وقد قال الله تعالى آمراً رسوله أن يقول للناس: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [الأعراف:158]، وقال: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا [سبأ:28]، فهذه خصيصة خص الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم على الأنبياء والمرسلين.

    أما الخصيصة التي اختصت بها هذه الأمة: فهي أن الله شرف هذه الأمة بأن تكون خير أمة أخرجت للناس، قال الله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ [آل عمران:110] فهي خير أمة مع أنها الآن في ذلة ومهانة، وذلك لأن قول الله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ليس على إطلاقه، وإنما هذه خصيصة لرسول الله وتشريفاً له، ولأمته، والله جل وعلا لم يجعل هذه الخيرية مطلقة، ولكن قيدها بقيود وسمات وصفات إذا وجدت وجدت الخيرية، كالحكم مع العلة، فالحكم يدور مع علته حيث دارت، فإذا وجدت وجد الحكم وإذا انتفت انتفى الحكم.

    إذاً: هناك سمات لهذه الأمة وصفات إذا وجدت وجدت لها الخيرية وعزت وانتشرت تشريعاتها في ربوع الأرض، وإذا انتفت هذه السمات والصفات انتفت الخيرية كما نعيش في هذا الواقع المر، فالغرض المقصود: هو أن نعرف السمات والصفات التي إذا اتسمت بها هذه الأمة كانت خير أمة أخرجت للناس.

    1.   

    الصفات المعقود عليها خيرية الأمة

    الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

    وأول سمة من هذه السمات: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال الله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وتطبيقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وليس وراء ذلك حبة خردل من إيمان). فخيرية الأمة مرتبطة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان هذا دأب الصالحين من هذه الأمة.

    وكان دأب رسول الله وصحابته أنهم لا يرون منكراً فيسكتون عليه، ولا يرون معروفاً إلا ويأمرون به، حتى في المكروهات والمستحبات، فعن ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه: أنه كان في السوق فشرى زيتاً وقبل أن ينقله من مكانه جاءه تاجر يشتري منه هذا الزيت بربح أكبر، فضرب رضي الله عنه وأرضاه على كتفيه منكراً عليه، وقال: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: إذا ابتاع أحدكم فلا يبعه حتى يستوفيه) أي: حتى يحوزه.

    حتى في الاجتهاد، أي: لو اجتهد عالم من علماء الصحابة فأخطأ ما كانوا يصبرون عليه، فهذا ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه كان يقول بحل نكاح المتعة، وما الفرق بين نكاح المتعة والنكاح المؤقت؟

    ونكاح المتعة: هو أن يتمتع الرجل بالمرأة مدة محدودة، مشروطة بينهما، ويفسخ العقد بعد انتهاء المدة، وهذا هو القيد، فإذا كانت مدة المتعة أسبوع فاليوم السابع يفسخ العقد، ويكون لها مهر يعطيها من استحل فرجها. هذا هو نكاح المتعة، وقد كان حلالاً ثم حُرِم.

    وقد حلل في خيبر وحرم فيها أيضاً، وذلك عندما بعث النبي صلى الله عليه وسلم علياً وقال: (حرم النبي صلى الله عليه وسلم لحوم الحمر الأهلية، وحرم نكاح المتعة، ثم أحل نكاح المتعة مرة ثانية، ثم حرم في الفتح) أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم حرمه إلى يوم القيامة بالنص، فحرم ثم حلل ثم حرم بعد ذلك إلى يوم القيامة، وإنما هذا لأن الصحابة رضوان الله عليهم كانت فيهم فتوة، فما كان يستطيع الواحد منهم أن يسافر شهراً، للقتال مثلاً وليس عنده نساء، فحلل لهم نكاح المتعة، ثم بعد ذلك حرم عليهم نهائياً.

    أما النكاح المؤقت فهو نوعان:

    النوع الأول: هو أن يؤقت في العقد مشترطاً فيه، كأن يقول: سأتزوجك شهراً، فهذا النكاح المؤقت بالشهر هو نكاح متعة.

    النوع الثاني: وهو أن لا يشترط في العقد أي وقت، لكن يضمر في نفسه الطلاق بعد شهر مثلاً فهذا اختلف فيه العلماء على قولين:

    القول الأول: قول الجمهور: إن العقد صحيح لا يشوبه شيء؛ لأن المهر مسمى والإيجاب والقبول والولي موجود، وإنما أضمر في نفسه الطلاق، فقال جمهور الفقهاء وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية: أن هذا العقد عقد صحيح.

    القول الثاني: وهو لبعض العلماء، قالوا: إن العقد لا يصح؛ لحديث: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) وهذا من حيث الأثر.

    وهذا هو الراجح الصحيح، فالذي يسافر إلى أوروبا من أجل أن يتزوج بامرأة لمدة شهر ثم يطلقها، فهو آثم ولا يصح له هذا العقد على الراجح؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى).

    أما من حيث النظر: فهل كل واحد منا يرضى أن أخته أو بنته تتزوج برجل على أن يتمتع بفرجها شهراً ثم يتركها ويذهب، فإن أضمر في نفسه شيء يقدح في العقد فإن العقد بذلك لا يصح، وهو بذلك يقع في الزنا لا محالة، بل إن بعضهم قال: لو يقع في الزنا وليس عنده مال ولا نكاح ولا يستطيع فله أن يبدل أخرى.

    إذاً فالمقصود: أن ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه كان يبيح نكاح المتعة، فقال علي بن أبي طالب: ألا يتق الله ابن عباس! أما علم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حرمها يوم كذا ويوم كذا.

    وأيضاً: زيد بن ثابت رضي الله عنه كان يقول: إن الجد يشترك مع الإخوة في الميراث أي: أن الجد لا يحجب الإخوة، فهل الحجب هنا حجب حرمان أم حجب نقصان؟ لو قلنا على المذهب الراجح: فهو حجب حرمان، ولو قلنا على التشريك: فهو حجب نقصان.

    والمهم في ذلك: أن زيد بن ثابت كان يقول: إن الجد مع الإخوة يشتركون في الميراث، وهذا قول الشافعي وقول جمهور العلماء، أما ابن عباس فكان يقول: ألا يتق الله زيد بن ثابت! أما يعلم أن الله جل وعلا سمى الجد أباً في كتاب الله، قال تعالى: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ [الحج:78]، وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ [يوسف:38] وإبراهيم كان جداً ليوسف عليه السلام.

    فكان ينكر المنكر رضي الله عنه.

    فالأمة خيريتها مرتبطة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالاستطاعة، فمن استطاع بيده ولم يأت بمضرة فلينكر بيده، ومن استطاع بلسانه فلينكر بلسانه، ومن لم يستطع فلينكر بقلبه.

    كان بعض أهل الفتوى وهو من أهل العلم يقول: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مقتصر باليد على الحاكم، وباللسان على أهل العلم والعلماء، وبالقلب على الناس العامة.

    مسألة: حدثت عندنا في مصر مشاحنة بين شاب وبنت فأخذها واغتصبها أمام الناس، فهل لو قلنا بقول هذا الرجل المقلد الذي لا يعلم شيئاً، أن العامي ينكر بالقلب ويمشي، والعالم إذا جاءه لا يضربه ويبعده، وإنما يقول له: هذا حرام اتق الله في نفسك، هذا كلام باطل، فالأمة خيريتها كلها ارتبطت بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه).

    ومن سمات الخيرية: تحكيم شرع الله، ولا بد أن نقارن بين الرعيل الأول الذين كانوا ينكرون المنكر ويأمرون بالمعروف، وبين هذه الأمة التي ضاعت منها الخيرية وذلت، وأهينت؛ لأن المعروف انقلب منكراً، والمنكر انقلب معروفاً، ترى المجون من الممثلين والممثلات، وأهل الكرة، وهؤلاء هم الذين يتكلمون في الدين، أما أهل الدين فهم خلف الظهر ويوصفون بأنهم متشددون، وإرهابيون، ويأتي الرجل الجاهل يتكلم في الدين هذا يجوز وهذا لا يجوز.

    ووجدت ممثلة ساقطة سفيهة كانت تقول: ما هو الفرق بين ابن لادن وشارون ؟ هذه جاهلة سفيهة سوت بين رجل رفع راية لا إله إلا الله ولم يعط الدنية في دينه، برجل كافر خنزير من أحفاد القردة والخنازير، وتقول: ما الفرق بينهما؟ هذا إرهابي وهذا إرهابي.

    وأشد منها سفاهة أخرى تتصل وتقول: هل نأخذ ديننا من الرجل الذي يقول: إن من يقول: إن الكرة الأرضية تدور فهو كافر؟ تقصد بذلك ابن باز الذي عقمت النساء أن تلد مثله، أعلم أهل الأرض على الإطلاق؛ لأنه جمع بين علم الحديث وعلم الفقه رحمة الله عليه، وجعله مع النبيين والصديقين والشهداء. فهذه السفيهة الجاهلة التي تؤثر على الجاهلات مثلها قالت: هل نأخذ ديننا من رجل يقول: من قال: إن الأرض تدور يكفر؟

    والشيخ ما قال هكذا، ولو نظرت إلى ما يقوله الشيخ لوجدت أن الرجل عنده من العلم ما يبين لك قوته العلمية، فالحاصل أن الشيخ يقول: الشمس تدور، وأهل الجغرافيا دائماً في المدارس يقولون: الشمس ثابتة، والأرض تدور، وهذا ظاهره تكذيب الله جل وعلا حيث يقول: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [يس:38] فالشيخ ابن باز كان يقول: الشمس هي التي تتحرك والأرض ثابتة لا تتحرك، وإذا نظرت إلى قول الشيخ لوجدت أن الرجل بصير العلم، فعنده من الكتاب ما يساعده على قوله، قال الله تعالى: وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ [النحل:15] فعلماء الجيولوجيا وعلماء الصخور والجبال قالوا: الجبل الأشم الشامخ الشاهق الذي طوله خمسة عشر متراً فوق الأرض، تحته ثلاثون متراً.

    فالله جل وعلا جعل هذه الجبال الشواهق رواسي حتى تثبت الأرض فلا تضطرب بالناس، فلا يستطيعون العيش عليها، وهذا من رحمة الله بالعباد، وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ [النحل:15] أي: لئلا تميد بكم، فالأرض ثابتة لا تتحرك، هذا من ناحية الأثر.

    أما من ناحية النظر: فلو قلنا: إن جبل أحد الذي في المدينة خلف المسجد النبوي -إذا كانت الأرض تدور- انتقل من المدينة إلى مكة أي: تغير من مكانه حين ينتقل من المكان الذي كان فيه بسبب الدوران، مع أننا ما زلنا نرى جبل أحد مكانه.

    أيضاً: لو أن الكرة الأرضية تدور لانقلب البعيد قريباً والقريب بعيداً.

    فمثلاً: الإمارات والسعودية بينهما مسافة خمسة وثلاثين كيلو، فلو كان الطيران يصل خلال أربع ساعات فإنه بعد انتهاء الدورة سيصل في ساعتين، وما زلنا طول حياة الطائرات نأخذها في أربع ساعات، لا يتأخر الثانية الواحدة، لكن وإن كنا نخالف هذا الكلام؛ لأن العلم الحديث أثبت أن الأرض تدور ولا مخالفة لقول الله تعالى: وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ [النحل:15] نقول: هو جعل الجبال الرواسي حتى لا تضطرب الأرض بمن عليها، فلا يستطيعون العيش عليها، وإنما تدور دون أن تتمايل وتضطرب بالناس.

    فالغرض المقصود: أن الرجل عنده من العلم وعنده من الأثر والنظر ما يقوي اجتهاده، فإن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر، فتأتي السفيهة تقلب المعروف منكراً، وتقول: نأخذ الدين من هذا الرجل.

    أنا جلست مع رجل أتكلم معه على معاملة شرعية فقلت له: هذه المعاملة لا تجوز شرعاً؛ لأنك تبيع ما لا تملك، والألباني قال في المسألة بكذا.

    فرد علي بأن الشيخ الألباني يعلم في الحديث وليس له سعة بالفقه، فجلست قدر إمكاني أذب عن الرجل؛ لأن الشيخ الألباني جبل، كما قال الذهبي في البخاري لما قال ابن حزم : إن البخاري مدلس. فقال الذهبي : أما البخاري فجبل لا يؤثر فيه شيء، كذلك الشيخ الألباني ، فذببت عن الرجل قدر إمكاني مع أنه ليس محتاجاً لمثلي أن يذب عنه، فجلس الرجل يستدل علي قال: ابن عثيمين يقول كذا، وابن باز يقول كذا، فاستدل علي بـابن عثيمين وبـابن باز فقلت له: هون على نفسك، تحتج بمن؟ قال بـابن باز وبـابن عثيمين. قلت له: هذه المعاملة التي تتعامل بها ابن باز يقول فيها: إنها ربا، وابن عثيمين يقول فيها كذلك، فقال: أنا لا آخذ العلم من رجل يقول: الكرة الأرضية لا تدور، ورمى الشيخ ابن باز وراء ظهره، بعدما كان قبل نصف ساعة يحتج بقوله، فنسأل الله أن يهدينا وإياهم إلى سواء السبيل، ويعلمنا وإياهم الشرع.

    والمقصود: أن هذه الأمة زلت إلا لأنها قلبت المعروف منكراً، والمنكر معروفاً، فأتت بالحرام وسمته بغير اسمه، فالخمر يسمى: مشروبات روحية، والرشوة: إكرامية، فهذه السمة لما ضاعت، ضاعت الخيرية من هذه الأمة.

    تحكيم شرع الله تعالى

    أيضاً: من الصفات التي تتعلق بالخيرية: تحكيم شرع الله، قال تعالى: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ [المائدة:49].

    وقال سبحانه: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44].

    فتنحية الشرع شغب وخراب، والمؤمنون لما مكن الله لهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وحكموا شرع الله جل وعلا، وأقاموا الحدود، وكانوا مثلاً رائعاً في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كان إذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإذا سرق فيهم الشريف تركوه، والذي نفسي بيده! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) فالنبي صلى الله عليه وسلم يقسم ويقول: والذي نفسي بيده لو أن فاطمة سرقت لقطعت يدها، تحكيماً لشرع الله جل وعلا، ولما سرقت المرأة المخزومية وأراد بعض الناس أن لا يُقام عليها الحد، وقام أسامة شفيعاً لها اشتد النبي على أسامة، ورد عليه بهذا الكلام: (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه يشتد على الناس تحكيماً لشرع الله جل وعلا، وكان يدخل على التجار؛ لأن هذا من الشرع، أي: المعاملة من الشرع ومن الدين، فيدخل عليهم عمر ويقول للتاجر: تعلمت البيوع؟ فيقول: لا، فيضربه بالدرة، ويقول: والله! ستقع في الربا لا محالة، وكان يذهب إلى أهله ويقول: إني آمر الناس بشيء فأنتم أول من تفعلوه، فإن تقاعستم جلدتكم.

    وكان أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه مطواعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، محكماً لشرع الله، يرى أن أمر الرسول لا بد له من النفاذ.

    فالغرض المقصود: أن تنحية الشرع سبب ذلت الأمة، أخذت دستورها من الناس بدلاً من شرع الله جل وعلا، فحكمت القوانين الوضعية، فكانت النتيجة أنهم ذلوا وأهينوا وخسروا، والذي نفسي بيده! أن هذه الأمة لن تقوم لها قائمة إلا إذا رجعت إلى كتاب الله، وإلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم فحكمت شريعة الله، والله لا بالغناء ولا بالتمثيليات ولا بالمسرحيات، ولا بالعاطفة، ولا بالتبرعات، ولا حتى بالعمليات الاستشهادية إن كانت لغير الله جل وعلا، والله الذي لا إله إلا هو! لن تستمطر هذه الأمة رحمة الله ونصره حتى ترجع إلى ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام.

    ومن سمات هذه الأمة التي علقت الخيرية بها، أنهم كانوا أزهد الناس في الدنيا؛ عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ازهد في الدنيا يحبك الله)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) .

    وقوله: (الدنيا ملعونة معلون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه). وكان عود الحصير يؤثر على جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    إباحة الغنائم لرسول الله ولم تبح لأحد قبله

    من الخصائص التي اختص بها الرسول صلى الله عليه وسلم: أنه أحلت له الغنائم، ولم تحل لأحد قبله، فكان الأنبياء قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تحل لهم الغنائم، فإذا دخلوا معركة وغنموا فيها شيئاً فإن هذه الغنيمة كان لها موضع يضعونها فيه، وتنزل نار من السماء فتأكلها، وما كانت حلالاً لأحد قبل النبي صلى الله عليه وسلم، فشرف الله النبي صلى الله عليه وسلم بأن أحل له هذه الغنائم، فقال صلى الله عليه وسلم: (وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لنبي قبلي) وهذا فضل الله على هذا الرسول.

    جعل الأرض مسجداً وطهوراً للنبي وأمته

    ومن الخصائص التي اختص بها الرسول صلى الله عليه وسلم: أن جعل له الأرض مسجداً وطهوراً، أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم يبين أن الأمم قبله ما كانوا يصلون إلا في البيع والصوامع، وليس عندهم مكان آخر يصلون فيه.

    أما هذه الأمة فقد خصها الله جل وعلا بأن أي امرئ أدركته الصلاة في أي بقعة من بقاع الأرض -إلا المقبرة والحمام- وكان معه ماء يتوضأ ويصلي، وإن لم يكن معه ماء فالصعيد الطيب طهور له كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ولو لم يجد الماء عشر سنين) فيتيمم ثم يصلي ولو عشر سنين، وهذه خصيصة ورحمة لهذه الأمة.

    نصر النبي على عدوه بالرعب

    ومن الخصائص التي اختص بها النبي صلى الله عليه وسلم أنه نصر بالرعب، فكان ما يسمع أعداء الرسول صلى الله عليه وسلم، وأعداء الله، بأن النبي صلى الله عليه وسلم يجيش الجيوش حتى يغزوهم إلا وأسلموا له قبل أن يغزوهم. قال عليه الصلاة والسلام: (نصرت بالرعب مسيرة شهر) .

    وقال تعالى: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ [الأنفال:12] فهذه خصيصة كانت للنبي صلى الله عليه وسلم، وقد زالت الآن من المسلمين وانقلب الحال، فنصر الكفار علينا بالرعب، ما أن تسمع في أي بلدة من البلاد الإسلامية بأن أمريكا أو روسيا تجيش الجيوش أو حتى فقط تتحرك في البحار إلا سلموا لهم المفاتيح والرجال والنساء، وسلموا لهم الأموال، فنصروا علينا بالرعب، فأذلنا الله جل وعلا؛ لأننا لم نفعل ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم، فما منا أحد إلا ويلهث وراء الكراسي أو وراء الدرهم والدينار، عبد الناس الآن الدرهم والدينار، يقول عليه الصلاة والسلام: (تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار، تعس عبد الخميصة، تعس عبد القطيفة، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش).

    وقال الله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ [الكهف:45] فأهل زماننا تمسكوا بهذا الهشيم، وبهذه الدنيا، فوضع في قلوبهم الرعب، والوهن، نعوذ بالله من ذلك، ونسأل الله أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً.

    تسوية الصفوف من خصائص الأمة وتركه من أسباب الفشل

    من الخصائص التي خص الله بها نبيه، وخص بها هذه الأمة: أن هذه الأمة تصطف كما تصطف الملائكة، وهذا أضعف شيء نتكلم فيه، فالأمة مهزومة الآن، أقسم بالله أن سبب هزيمة الأمة: هو عدم تسوية الصفوف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (استووا لا تختلفوا فتختلف قلوبكم) .

    وقال: (لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم، أو قلوبكم) .

    فالأمة لا تستوي الآن كما كان يستوي الصحابة رضوان الله عليهم، والنبي صلى الله عليه وسلم يبين أن هذه الخصيصة له، فيقول: (فضلت على الأنبياء أنا وأمتي بأننا نصطف في الصلاة عند مقابلة الله، كما تسوى الملائكة، وقد كانت الملائكة تسد الفرج، وكانت تكمل الصف الأول فالأول، تسوى المنكب بالمنكب والكعب بالكعب). فالأمة الآن لا تمتثل بهذا، حتى الإمام يقول: استووا رحمنا وإياكم، الله أكبر، فيكبر وليس له من الأمر شيء، وكأن الأمر لا يعنيه، أنا كنت أصلي بالناس في هذا المسجد، وأنا لا أستطيع أن أصلي حتى أرى أن الصف كله قد استوى: المنكب بالمنكب والكعب بالكعب، وأنا أسوي الصفوف إذ طلع علي رجل وقال: ما هذا؟ أترانا غنم، أنت تسوي غنم يا غنم، فقلت له: لستم غنماً لكني أفعل بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36] فعدم استواء الصفوف هو سبب هزيمة الأمة، فالأمة الآن لا تهتم حتى بالسواك، ولا بأي شيء من أمور الشرع، فهذه الخصيصة التي أضعناها ضعنا معها وذلت الأمة معها.

    الشفاعة العظمى

    آخر الخصائص التي خص الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم: الشفاعة، ما من نبي إلا ويقول يوم القيامة: نفسي نفسي، يشتد الكرب، ويعظم الخطب، وتقرب الشمس قدر ميل من رءوس الخلق، والناس يلجمهم العرق كل بعمله، فمنهم: من يكون العرق إلى كعبيه، ومنهم: من يكون إلى ركبتيه، ومنهم: من يكون إلى حقويه، ومنهم: من يصعد إلى صدره، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً، وكل الناس يذهبون إلى آدم في هرولة وفزع، فيقولون: أنت أبو البشر، اشفع لنا أن يقضي الله بيننا، فيقول: نفسي نفسي، اذهبوا إلى نوح، ونوح يقول نفس الكلام، اذهبوا إلى إبراهيم، وإبراهيم يحيل إلى موسى، وموسى يحيل إلى عيسى عليهم الصلاة والسلام، فيأتي الناس إلى عيسى عليه السلام فيقول: اذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أنا لها، أنا لها). وفي رواية يقول: (أمتي أمتي) لا يقول: نفسي نفسي، فيذهب فيسجد لله جلا وعلا، عند العرش فيحمد الله ويثني عليه بما هو أهل له، فيقال: يا محمد! ارفع رأسك وسل تعطه، واشفع تشفع، وهذه خاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم، فيشفع لكل الأمم أن يقضي بينهم حتى يرفع عنهم الكرب، هذه آخر الخصائص التي نذكرها مما خص الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    واجب الأمة نحو نبيها

    إذا علمنا أن هذا النبي هو سيد الأولين والآخرين، وأنه أكرم على الله من أي أحد من الأنبياء، فيجب علينا نحوه عدة واجبات:

    أولها وأهمها بل لا يتم الإيمان إلا بها: هو محبة النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من النفس، كما في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه من نفسه وهواه).

    وفي رواية: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين. فقال عمر يا رسول الله، أنت أحب إلي من الناس أجمعين، لكن من نفسي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يا عمر ، فقال: الآن يا رسول الله، قال: الآن يا عمر) أي أن عمر قال: أنت أحب إلي من نفسي، فلا يستقيم إيمان المسلم حتى يحب الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر من نفسه، ولما أيقين الصحابة بذلك ضربوا أروع الأمثلة في الفداء والتضحية دون نبيهم، لقول الله تعالى: مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ [التوبة:120] فـأبو بكر رضي الله عنه وأرضاه لما هاجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الغار أولاً خشية على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسد كل فتحة في الغار، وما بقيت إلا فتحة واحدة فسدها برجله رضي الله عنه وأرضاه؛ خوفاً على حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، ونام النبي صلى الله عليه وسلم على فخذه، حتى جاءت حية فلدغت أبا بكر رضي الله عنه وأرضاه، فخاف أن يوقظ رسول الله، فما خشي على حياته ولكن خشي على قلق رسول صلى الله عليه وسلم فما تحرك، حتى ذرفت عينه، فاستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح على رجله فبرئ رضي الله عنه وأرضاه.

    وكان يمشي عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم ثم يخشى من العدو أن يأتي من الخلف فيذهب خلفه، ثم يذهب إلى اليسار وهكذا؛ لأنه يعلم أن شمس الإسلام ستشرق مع هذا الرسول الكريم.

    وكذلك طلحة رضي الله عنه وأرضاه كان الرسول أحب إليه من نفسه فكان يقدم نفس النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه، وكان يقول: يا رسول الله! لا ترفع رأسك يأتيك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك يا رسول الله! أي: نفسي مقدمة على نفسك، ولما اشتد الخوف وتعالت السيوف على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ألقى بسيفه، وصد السيوف بيده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شلت يده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جاء أبو بكر وعمر : (دونكم صاحبكم فقد أوجب) أي: أوجب الجنة بما فعله فداءً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وما من صحابي إلا ويقول: فداك نفسي، فداك أبي وأمي يا رسول الله! حتى المرأة قيل لها: مات ابنك فتقول: ماذا فعل رسول الله؟ فرسول الله مقدم على أنفسهم.

    وفي عصرنا هذا مات الرسول صلى الله عليه وسلم، فنقدمه على نفسك بتقديم السنة عليها، والله! لو هددت أن تفصل رقبتك عن جسدك حتى تبتدع في دين الله فلا تفعل، بل فضل سنة النبي صلى الله عليه وسلم على هواك وعلى البدعة.

    ثانيها: طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36].

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى. قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى) .

    وقال الله تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ [النساء:80].

    وقال الله تعالى: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ [آل عمران:32] وكل آية فيها طاعة لله جل وعلا يقترن فيها طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وواجبنا نحو النبي صلى الله عليه وسلم يحتاج إلى محاضرات.

    1.   

    أوجه الاتفاق والافتراق بين المعجزة والكرامة

    المعجزة والكرامة اتفقا وافترقا فما هي مواضع الاتفاق وما هي مواضع الافتراق؟

    اتفقنا: في خرق العادة، وافترقا: في أن المعجزة يتحدى بها النبي أمته؛ تبييناً لصدق رسالته، وأما الكرامة: فلا يستطيع الولي أن يتحدى بها الناس ويقول: أوحي إلي، وإلا أصبح كذاباً.

    لكن المعجزة لم يطلبها النبي، وإنما أيده الله بها حتى يبين صدقه عند قومه.

    فالمقصود: اتفقا في خرق العادة، وافترقا في أن المعجزة يتحدى بها، والكرامة لا يتحدى بها.

    بعض الكرامات التي حدثت للأولياء

    هناك كرامات حدثت لأولياء الله الصالحين في عصر النبي، لما كانوا أولياء لله جل وعلا بحق.

    منها: أن أسيد بن حضير رضي الله عنه وأرضاه كان عند النبي صلى الله عليه وسلم بعد العشاء، وهذا يبين أن السمر بعد العشاء لا يجوز باللهو، إلا إذا كان الرجل مع امرأته، أو كان يتكلم في مصالح المسلمين وإلا فالسمر مكروه.

    فـأسيد بن حضير كان عند النبي صلى الله عليه وسلم واشتدت الظلمة، فخرج في ظلام دامس، فكان معه عصا، وهذه سنة النبي صلى الله عليه وسلم -أي: أنه كان يتكئ على عصا- وكان كل صحابي يتمسك بهذه السنة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد ومعه عصا ينكت بها، فأنارت العصا أمامه -أي: أمام أسيد- حتى وصل إلى بيته، وقيل: في رواية: كان معه صحابي آخر، وكان معه عصا فأنارت عصا هذا وعصا هذا بنور مشرق، حتى افترقا، فلما افترقا انقسم النور نصفين، نور مع أسيد بن حضير ونور مع الآخر.

    ومن الكرامات أيضاً: كرامة لـعمران بن حصين رضي الله عنه وأرضاه، فقد كانت الملائكة تذهب إليه فتسلم عليه، قال: فلما اكتويت انقطعت عني الملائكة؛ لأن الاكتواء ينزل المرء من درجة التوكل العليا إلى درجة أقل، فلا يكون من السبعين الألف الذين يدخلون الجنة من غير حساب ولا عذاب. قال: فلما انقطعت عن الاكتواء رجعت الملائكة فسلمت علي.

    ومن الكرامات أيضاً: كان عند أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه أضياف، فكان يضع لهم الطعام فلا يأكلون لقمة إلا وتنبت تحتها غيرها، فكلما أكلوا ازداد الطعام.

    ومن الكرامات: ما حدث لـسفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أنه لما كان في الجيش وكاد أن يظل رأى أسداً فقال له: يا أبا الحارث -كنية الأسد- إني سفينة مولى رسول الله، دلني على الجيش. فتحرك ذنب الأسد فأخذه حتى وصل به إلى الجيش، فلما وصل سفينة نظر الأسد إليه، وكأنه يسلم على سفينة، ثم رحل.

    من الكرامات أيضاً: ما حدث لـعمر بن الخطاب وهو يخطب في المدينة، فكشف الله له الحجاب فوجد سارية والجيش معه، وقد أحاط الروم بهم فقال: الجبل الجبل يا سارية! فبلغ الصوت إلى سارية، فأخذ سارية الجيش، أي: يتراجع إليه، فجعلوا الجبل خلف ظهورهم، فهزموا الروم.

    فلما رجعوا بعد شهر قالوا: والله! لقد كدنا أن نهزم شر هزيمة فسمعنا صوتاً يقول: الجبل الجبل يا سارية! فلما احتمينا بالجبل هزمناهم، وكان الانتصار لنا كرامة؛ لأنهم صدقوا الله فصدقهم، ولأنهم اعتزوا بدين الله فعزهم الله، وائتمروا بأمر الله، وتمسكوا بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فرفعهم الله جل وعلا.

    أعجب من هذا في الكرامات: ما حدث لـسعد بن أبي وقاص عندما هجم على فارس، وكان المخطط: أن عمر بن الخطاب هو الذي يخرج بالجيش إلى فارس من أجل أن يقضي على عرش كسرى، فاستشار الصحابة فأشاروا عليه: أن تخرج واحداً من الصحابة ولا تخرج أنت، من أجل أن يكونوا حماية لك؛ لأنك أمير المؤمنين، فأخذ بهذه المشورة وقال: نؤمر عليهم سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه، فأتمر سعد بن أبي وقاص وخرج بالجيش إلى أهل فارس، وكان بينهم وبين الصحابة نهراً، فجلس سعد بن أبي وقاص كثيراً فقال: يا سلمان ! أرشدنا -لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعين بـسلمان في مثل هذه الأحداث- قال سلمان : دعني ثلاثة أيام، فمر سلمان على الجيش ينظر فإذا به يجدهم يقيمون الليل ذكراً لله جل وعلا، ويقرءون القرآن كدوي النحل، وبالنهار يتدربون، أو صيام -أي: منهم الصائم ومنهم الذي يتدرب- ومنهم الذي: يذكر الله جل وعلا، ومنهم الذي يجهز خيله، فلما نظر في القوم قال: هؤلاء القوم النصر حليفهم، نظرت إلى قوم موسى فرأيتهم لا يدانون هؤلاء القوم، ورأيت الله جل وعلا قد شق لهم البحر نصفين كالطود العظيم، ومشوا في البحر، وإن هذه الأمة أفضل من أمة موسى، وإني أقول: اعبر البحر بخيولك وتوكل على الله يا سعد ! وإن الله سيجعل النصر حليفك.

    فقام سعد خطيباً في الناس، فقال: أيها الناس! انظروا إلي فإذا نزلت إلى الماء فكبروا وانزلوا ورائي، فأخذ فرسه وقال: باسم الله، الله أكبر، فمشى بخيله على الماء، فكبر الجيش فمشوا بالخيول على الماء، كأنهم يمشون على الأرض، فكان الخيل كلما تعب أنشأ الله له ربوة فاستراح عليها، ثم بعد ذلك يكمل المسير، حتى عبروا النهر، ودخلوا وأخذوا سواري كسرى، وحملوه على جملين من بلاد ما وراء النهر، وذهبوا به إلى الحجاز إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه.

    فكانت لهم مثل هذه الكرامات لأنهم امتثلوا لكتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم فسادوا الأرض.

    أما الآن فهل يمشي أحد على الماء، أو يذهب إلى شارون دون أن يراه أحد؟ لن تجد.

    بل هل تجد حتى دون الكرامات، فهل يرفع المرء يده فيستجاب له؟ لا يستجاب له، أقول والله! إن من أسباب هذا: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر) فإن سكتنا يرفع خيارنا أكف الضراعة إلى الله جل وعلا فلا يستجاب لهم، قال الله: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال:25]، ولكنها تصيب الكل.

    فأمة لا تعرف قدر نجاتها، لن تأتِ الكرامات لها، هؤلاء عرفوا قدر الرجال امتثالاً لقول الله تعالى: وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ [هود:3] فالله جل وعلا يعطي كل ذي قدر قدره، وكل ذي فضل فضله، ولذلك جعل الجنة درجات ومنازل؛ من أجل أن يفرق بين الناس، فقال تعالى: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ [القلم:35]، وقال سبحانه: أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [ص:28]، والصحابة رضوان الله عليهم وأرضاهم كانوا ينزلون الناس منازلهم، والنبي صلى الله عليه وسلم كان ينزل الناس منازلهم بالقول وبالفعل، فقدَّم أبا بكر رضي الله عنه وأرضاه في مرض موته وقال: (مروا أبا بكر) فلما قالت له عائشة: إنه رجل بكاء، قال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس، إنكن صويحبات يوسف) أي: تقلن شيئاً، وتضمرن غير الذي تقلن، فقال: مروا أبا بكر ؛ لأنه يعلم أن أبا بكر هو الذي يستحق هذه.

    و أبو بكر نفسه كان يعلم أصحاب الفضل فيؤت كل ذي فضل فضله، وينزل الناس منازلهم، وهو حتى على مرض الموت.

    فكتب يستخلف عمر فقام الناس فقالوا: يا أبا بكر، تجعل علينا هذا الشديد! ماذا تقول لربك إذا سألك؟ قال: لو سألني ربي أقول: جعلت عليهم خيرهم، وأتقاهم. فكان يعرف لكل ذي فضل فضله، فلما أنزل الناس منازلهم، أنزله الله جل وعلا منزلته وجعله فوق البشر.

    ووقف أبو سفيان وسهيل بن عمرو -سادة قريش على الإطلاق- على الباب ينتظرون الإذن من عمر وبلال نائم في بيته، ثم جاء بلال بعدما وقفوا ساعة، فلما علم عمر أن بلالاً على الباب قال: ائذنوا لـبلال ، فدخل بلال ، فقال أبو سفيان : العبد الأسود يدخل، ونحن سادة قريش نقف على باب عمر ، فقال سهيل بن عمرو وكان حكيماً: سبقك إلى الإسلام فسبق إلى المكان، فقام عمر يبين مكانة بلال فقال: بلال سيدنا، بلال العبد الأسود يقول عنه عمر الفاروق خير الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم وبعد أبي بكر: سيدنا، عرفوا منازل الناس فعرف الله جل وعلا لهم منزلتهم، وآتاهم من فضله فرفعهم على البشر.

    نسأل الله جل وعلا أن يردنا إليه رداً جميلاً، وأن يجعلنا ممن يتمثل بكتاب الله، وبسنة نبيه، وأن ننزل الناس منازلهم عملاً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يعرف لأهل الفضل فضلهم إلا أهل الفضل).