إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد حسن عبد الغفار
  3. شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - معجزات النبي صلى الله عليه وسلم

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - معجزات النبي صلى الله عليه وسلمللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين، وسيد البشر أجمعين، ومما يدل على فضله وكرمه وعلو منزلته عند الله أن الله أيده بالمعجزات الخارقة التي شملت كل ما أعطى الأنبياء قبله، فما من نبي سلف أعطاه الله معجزة إلا وأعطى نبينا ما يشابهها ويماثلها، ثم إنه خص بمعجزات معنوية وحسية فيها بيان زيادة فضله وشرفه عند الله جل وعلا.

    1.   

    معجزات الرسل

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    فقد تكلمنا على سياق ما روي في نبوة النبي صلى الله عليه وسلم وصدرنا الباب على أن الله جل وعلا يختار من عباده أنبياء لهم مميزات وصفات تفضل مميزات وصفات البشر، وبينا الفرق بين النبي والرسول، والعلاقة بينهما، وبينا مقامات ومراتب الوحي.

    الحكمة من تأييد الرسل بالمعجزات

    أقول: ما من نبي ولا رسول أرسله الله جل وعلا إلى قومه إلا أرسله لحكمة عظيمة، ومهمة جسيمة، وهي: إخراج الناس من عبادة الشيطان أو عبادة الأهواء أو عبادة الناس إلى عبادة رب الناس، سحب الناس بالسلاسل إلى الجنان، وإنقاذ الناس من النيران، فعندما يأتي الرسول إلى قومه فإن الناس من الأرض، والأرض مختلفة، فمنها ما يقبل الماء فيتشربه فينبت الكلأ، فهذا أنفع وأفضل الناس على الإطلاق.

    ومن الأرض: ما لا يشرب الماء ولا ينبت الكلأ، وإنما هو قيعان يأخذ الماء فيحفظه، فيأتي الناس وينتفعون من هذا الماء.

    ومن الأرض الثالثة: الأرض الملساء، التي لا تشرب الماء فتنبت الكلأ فينتفع الناس به، ولا هي تأخذ الماء فتحوطه حتى ينتفع الناس بالماء؛ فلذلك الرسول إذا أتى الناس فلتفاوت عقولهم وتفاوت نقاوة قلوبهم، منهم من يصدق قبل أن يرى أي آية، ومنهم من يجادل حتى يرى برهاناً، ومنهم من يجحد جحوداً بيناً، وعلى مر الدهور والعصور ظهر ذلك الأمر.

    فمن أجل ذلك أيد الله جل وعلا رسله بآيات بينات باهرات، حتى يتبين لهؤلاء القوم فيقبلون من النبي أو الرسول الذي جاءهم واسطة بين الله وبينهم، فالله جل وعلا حبا الأنبياء بمعجزات وآيات حتى يصدقوا عند قومهم.

    فخاتم الرسل وأفضل البشر على الإطلاق -كما قلنا: سيد ولد آدم على الإطلاق- هو رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع الله له كل هذه الخصال سبحانه وتعالى، فما من آية ولا معجزة حبا الله بها رسولاً إلى قومه إلا وترى شبه هذه المعجزة والآية موجودة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سنبين.

    1.   

    تعريف المعجزة

    المعجزة: هي كل خارقة للعادة يقصد بها التحدي أو مقرون بها التحدي.

    فالمعجزة: كل خارقة من خوارق العادات، لكنها مقرونة بالتحدي، وهذا القيد مهم جداً؛ حتى نفرق بين المعجزة وبين الكرامة.

    فالكرامة: خارقة من خوارق العادات لكنها ليست مقرونة بالتحدي، ولا صاحب الكرامة يقوى أن يتنبأ فيقول: أنا نبي، فهو كذاب بهذا، أما النبي فيقول: أنا نبي، ويأتي بالمعجزات ويتحدى بها عباد الله جل وعلا، يتحدى أن يؤتى بمثلها كما سنبين، فهذا هو معنى المعجزة والفرق بينها وبين الكرامة.

    1.   

    معجزات الرسول المشابهة لمعجزات الأنبياء

    معجزة غزوة الخندق ومشابهتها لمعجزات الأنبياء

    ما من نبي إلا وآتاه الله معجزة، فهذا نوح عليه السلام حباه الله جل وعلا أمام قومه معجزة بليغة جداً في عصره وهي السفينة، فكان يصنع السفينة على الرمال، فكان كلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه، أي: كأنهم يقولون: ماذا يصنع؟! أيظن أن هذه السفينة تسير على الرمال؟!

    ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس!

    فكانوا يستغربون ويقولون: جُن الرجل! وهي معجزة مخفية، والله جل وعلا بين هذه المعجزة عندما أمر السماء أن تهطل مطراً، وأمر الأرض أن تتفجر عيوناً قال تعالى: فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ [القمر:12].

    ثم بعد ذلك لما قدر الأمر، وغرقت الدنيا وما فيها ظهرت هذه المعجزة، فنجى الله جل وعلا نوحاً ومن معه على هذه السفينة.

    فهل هناك شبه في معجزات النبي صلى الله عليه وسلم بمعجزة نوح؟

    نعم، غزوة الأحزاب، فالله جل وعلا ابتلى الكفار فيها بريح عاتية تقلع الجذور من مكانها وتطاير الناس، وما بين المسلمين والمشركين إلا هذا الخندق، والريح لا تأتي بجانب النبي صلى الله عليه وسلم.

    كرامة أبي مسلم الخولاني ومشابهتها لمعجزة إبراهيم عليه السلام

    كذلك إبراهيم عليه السلام حباه الله آية عظيمة أمام النمرود وأمام أهل الكفر؛ لأنهم قالوا: الذي سفه آلهتنا لابد أن نكيد له كيداً ويحرق، فأضرموا النار وألقوه فيها، فلما ألقوه كانت المعجزة، فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل؛ فأتاه الغيث من الله جل وعلا، قال تعالى: قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء:69].

    حتى أن الوثاق والحبل الذي وثقوا به إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى السلام يحترق ولا تمس النار جسد إبراهيم! آية من آيات الله ومعجزة من المعجزات حتى يؤمنوا، ولكنهم قد طبع على قلوبهم.

    كذلك محمد صلى الله عليه وسلم حباه الله هذه الآية؛ ليبين عظم وشرف وعلو مكانة نبيه صلى الله عليه وسلم عنده وحباها الله لتابعي من أتباع رسول الله، وليس لرسول الله، وإذا كان الشرف يمس التابع فمن باب أولى أن ينسب إلى المتبوع.

    كان الشرف لـأبي مسلم الخولاني عند أن أخذه الأسود العنسي وأراد تعذيبه؛ فقال بعض القوم: لو تركت هذا الرجل فسيفتنهم ولكن اقتله، فأضرم النار وألقى أبا مسلم الخولاني فيها فلم يحترق! وكانت هذه آية عظيمة جداً وتكرمة الله لهذه الأمة.

    فهذه الأمة مشرفة بشرف ليس بعده ولا قبله شرف مثله كما سنبين ذلك، فأنبياء يصلون خلف آحاد هذه الأمة دلالة على شرف هذه الأمة، وهذه الأمة شرفها وعزها في تمسكها بكتاب ربها وبسنة نبيها صلى الله عليه وسلم، فإن تخلت عن سبب الشرف ذلت، وسنة الله لا تتبدل أبداً، فالله جل وعلا شرف هذه الأمة بـأبي مسلم حتى قال عمر بعد أن رآه: الحمد لله الذي أراني من أمة محمد رجلاً حدث له ما حدث لإبراهيم عليه السلام.

    مشابهة معجزات رسول الله لمعجزات موسى عليه السلام

    كذلك موسى عليه السلام حباه الله تسع آيات عظام، وأعظم هذه الآيات انقلاب المادة المحسوسة إلى شيء آخر، فالعصا يلقيها فتصبح ثعباناً حياً، قال تعالى: فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ [الأعراف:107-108].

    وقد حبا الله جل وعلا محمداً صلى الله عليه وسلم بما حبا به موسى وأكثر، فإن محمداً صلى الله عليه وسلم جلس بين أصحابه في غزوة من الغزوات فأخذ عصاً مثل عصى موسى فهزها فانقلبت سيفاً صلتاً، وهذه نفس المعجزة! فقال: من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فقال الزبير بن العوام حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا يا رسول الله! فأحجم عنه، ثم قال: من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فقام الزبير : وقال: أنا، فأحجم عنه، فقال الثالثة، فقام سماك بن خرشة رضي الله عنه وأرضاه أبو دجانة فقال: أنا يا رسول الله! فأعطاه الرسول صلى الله عليه وسلم هذا السيف، الذي كان عصا وانقلب بيد النبي صلى الله عليه وسلم سيفاً، فأخذه أبو دجانة .

    انظروا إلى هذه الهمة العالية! وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين:26] فـالزبير كأنه قال: لم أعطى الرسول صلى الله عليه وسلم هذا السيف لهذا الرجل وقدمه علي؟! لابد أن لهذا الرجل مزية على أصحابه، فقال: والله لأتتبعن هذا الرجل، فتتبع الزبير أبا دجانة فأول ما بدأت الغزوة تعصب أبو دجانة بعصابة حمراء، إذا رآها الأنصار قالوا: تعصب أبو دجانة بعصابة الموت.

    فأخذ سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمل بحقه، حتى إنه كان يقتل مقتلة عظيمة من أهل الكفر، ورأى رجلاً ملثماً، -هي امرأة- يتتبع الجرحى يجهز عليهم، فقام سراعاً إليه فلما علاه بالسيف ولول فإذا هي امرأة فقال: أستحي أن أجعل سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأس امرأة وتركها، فعلم الزبير أن هذا الرجل أخذ السيف بحقه.

    والمقصود: أن هذه الآية التي أوتيها موسى بانقلاب العصا إلى أفعى انقلبت العصا بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفاً صلتاً.

    كذلك من الآيات التي أوتيها موسى عليه الصلاة والسلام القمّل والضفادع والطوفان، حيث دعا على قوم فرعون فأنزل الله عليهم هذه الأوبئة والأدوية.

    وكذلك دعا الرسول صلى الله عليه وسلم على قومه فقال: اللهم عليك بهم، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف، فابتلوا بنفس هذه الأمراض استجابة لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم.

    مشابهة معجزات النبي صلى الله عليه وسلم لمعجزات عيسى عليه السلام

    كذلك عيسى عليه السلام حباه الله أيضاً بعض الآيات العظام، ألا وهي الطب، فكان يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، وكان يعالج مرضى الصرع والجنون فكانت آية عظيمة.

    كذلك: أكرم الله هذا النبي العظيم بنفس المعجزات؛ ليبين جلالة قدره وعلو مكانته عنده، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم عالج المرضى بمعجزة من المعجزات التي حباه الله إياها، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في الغار مع أبي بكر وكان في الغار ثغرات سدها أبو بكر بجميع ما عنده، حتى إنه ما وجد شيئاً إلا رجله في ثغرة من الثغرات فسدها برجله، فلدغته عقرب، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم نائماً على فخذ أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه، فلم يخرج صوتاً خوفاً من أن يوقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    أي رجل هذا الذي يفدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه؟! لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بيننا من منا من يقدم نفسه من أجله صلى الله عليه وسلم؟! والله ما أرى ذلك، وعندي الدليل في ذلك، وهو: أن موت النبي صلى الله عليه وسلم لا يعني موت سنته، ونحن نقدم الأهواء والعقول على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونقدم آراء أسافل الناس على سنته صلى الله عليه وسلم، فما رأيكم لو كان الرسول صلى الله عليه وسلم حياً؟ والله أعلم هل كنا سنؤمن به أم لا؟ ولكن فضل الله علينا عظيم، الغرض المقصود: بكى أبو بكر ونزلت دموعه على وجه النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقام النبي صلى الله عليه وسلم وعلم الخبر فمس بيده الشريفة رجل أبي بكر فكان أبو بكر كأنما نشط من عقال، أي: كأنه لم يصب بشيء!

    كذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيبر -اللهم أعد علينا خيبر يا رب العالمين! نسأل الله ربنا أن ينصر أهل الإسلام على أهل الكفر، ولكن لا تتوقعوا في هذه الأزمنة النصر إلا أن تعودوا إلى ربكم، والله لن ننتصر بقومية ولا حزبية، ولا بأغاني ولا بتمثيليات ومسرحيات، لن ننتصر بهذا قط، بل سننتصر بقوة الله وقوة الله لا تتنزل إلا على الذين اصطفاهم الله جل علا- أعاده الله علينا.

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لأعطين الراية غداً رجلاً يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله، فباتوا يدوكون ليلتهم أيهم يعطى هذه الراية)، وكان ممن تشرئب عنقه لهذه الراية عمر الفاروق ، فكان يتنافس على الخير، قال: وددت هذه الراية أن تكون لي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قيدها بقيدين مهمين: (يحب الله ورسوله) فهذا فيه دلالة على الصدق والإخلاص في قلبه، وقوله: (ويحبه الله ورسوله) فيه دلالة على مكانته عند الله وعند رسوله صلى الله عليه وسلم، المهم: (إنه لما جاء الصباح سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن علي فقالوا: يشتكي عينه، فجاء علي فتفل النبي صلى الله عليه وسلم في عينه، قال: فرأيت بها أشد ما أرى بالعين السليمة).

    وأيضا لما ذهب عبد الله بن عتيق رضي الله عنه وأرضاه فقتل أبا رافع الذي كان يهجي النبي صلى الله عليه وسلم، فعندما خرج من الباب سقط فكسرت ساقه؛ فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده عليها، فقام الرجل كأن ليس به بأس.

    1.   

    المعجزات الخاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم

    فرسول صلى الله عليه وسلم أوتي هذه المعجزات التي حبا الله بها الأنبياء، ثم خصه الله جل وعلا بمعجزات عظيمة مقسمة على ثلاثة أقسام:

    علم، ومعناه: الإنباء بالغيوب، وقدرة، ومعناها: ما يحدث حسياً ومادياً أمام الناس، واستغناء، ومعناه: أن يحدث له استغناء عما يفتقر له الناس كما سنبين، وهذا تقسيم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

    من المعجزات الخاصة برسول الله اطلاعه على عالم الغيب

    الأولى: مما خصه الله جل وعلا به: أن ينبئ بعلم الغيب، فكان النبي صلى الله عليه وسلم ينبئ بما يحدث في زمنه أو بعده بقليل حتى تكون معجزة، فأنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بهزيمة كسرى وعلو الروم، فقال تعالى: الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ [الروم:1-3]، ولذلك راهن أبو بكر على أن الروم ستغلب، وكتب الرهان مع قريش، والعلماء استنبطوا فقهياً أنه في هذه الحالات يجوز الرهان، أي: يجوز أن تراهن على أمر أنت متأكد تأكداً تاماً أنك ستفوز فيه، فـأبو بكر راهن على غلبة الروم؛ فحدث وغلبت الروم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لما تعقبه سراقة ، قال: (أين أنت يا سراقة عندما ترتدي سواري كسرى؟)، ففتح الله المدائن، وخربت فارس، وسواري كسرى أخذهما سراقة ، وبينها عمر رضي الله عنه وأرضاه فقال: مصداقاً لنبوءة النبي صلى الله عليه وسلم.

    ثم أنبأ بما يحدث بعد ذلك كما هو ماثل أمامنا في هذه العصور، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (بين يدي الساعة سنوات خداعة يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن الخائن، ويخون الأمين، وينطق الرويبضة، قالوا: يا رسول الله! وما الرويبضة؟ قال الفاسق أو قال: الفويسق يتكلم في أمر العامة) وهذا واقع مشاهد، فكثير ممن تصور بصورة العلم وتكلم عنه وليس أهلاً له، وكذا كثير ممن تكلم في أمور العامة ليس أهلاً لها، فالرويبضة والفواسق كثروا في عصرنا، والمستمعون لهم أكثر، كهمج الرعاع، كما قسمهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه حيث قال: الناس على ثلاث: عالم رباني، ومتعلم على سبيل النجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق. والناعق: الرويبضة، والذين يتبعونه هم العامة، والعوام هوام وهم الذين لا يميزون بين الحق وبين الباطل.

    كذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : (لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم، ويفشو الجهل، وينتشر الزنا).

    والآن نحن في هذه العصور قد قبض العلم؛ لأن الله جل وعلا لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العلماء، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء.

    وجبال أهل العلم ماتوا ورحلوا عنا، حتى أن شمس العلم كأنها غابت عنا، والساحة الآن أصبحت خالية خاوية من أهل العلم، فكل من ترون أو كل من تستمعون له أو كل من تصدر ما هو إلا داع، والدعاة الفارق بينهم وبين العلماء كما هو الفارق بين السماء والأرض، فالعالم يسيّر أمة، والداعي يؤثر في العامة، فالفارق بعيد، فالعالم هو الذي يرسم لأهل الدين والإسلام كيف يسيرون على نسق يرضي الله جل وعلا؛ فينتصرون بذلك، والداعي ما هو إلا جامع للناس حتى يستمعوا إلى العالم.

    كذلك: أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيختبئ كل يهودي خلف الشجر والحجر، فينطق الشجر والحجر يقول: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي خلفي تعال فاقتله).

    والراجح في ذلك والله أعلم: أن هذه المقتلة لن تكون إلا مع الدجال، ولن تكون قبله، فهذا الراجح والله أعلم وذلك عندما يفر الدجال من عيسى وينزل عيسى عليه السلام فيقتله، ثم يقتل المسلمون بني إسرائيل هؤلاء، وهذه تكون على مشارف علامات الساعة الكبرى.

    كذلك أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأشراط الساعة الكبرى بالمغيبات.

    المعجزات المعنوية

    الثاني من المعجزات: المعجزات المعنوية، ومن المعجزات المعنوية أكبر معجزة أوتيها النبي صلى الله عليه وسلم وأعظم معجزة له وهي القرآن، حيث نزل بلسان قومه، وكانت قريش والعرب أفصح الناس بلاغة ترتقي إلى السماء، كان الواحد منهم إذا جلس فقال شعراً حفظ الحاضرون كل هذا الشعر، فإذا سكت قاموا فرددوا عليه شعره الذي قاله، ويذكر أن بعضهم قام خطيباً في الناس وكان ألثغ لا ينطق، حرف الراء إلا بصعوبة، فكان لا يستطيع أن ينطق حرف الراء من مخرجه، فقام فنثر شعراً أمام الناس حوالي ألف بيت لا يوجد به حرف راء، من الفصاحة والبلاغة، فأنزل الله هذه المعجزة الكبرى بلسانهم وتحداهم بها، وهي القرآن بفصاحته وبلاغته؛ لأنه كلام الله جل وعلا تكلم به وسمعه جبريل، فأسمعه النبي صلى الله عليه وسلم، وأعجزهم الله بذلك قال تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:88] وقال تعالى متحدياً لهم : فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ [هود:13]، ثم تنزل وقال: (فأتوا بسورة من مثله)، ثم تنزل وأمرهم أن يأتوا بآية، ثم بين عجزهم فقال: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [البقرة:24].

    المعجزات الحسية

    أما المعجزات الحسية التي حبا الله النبي صلى الله عليه وسلم بها فهي كثر منها:

    أولاً: الإسراء والمعراج: فهذه من المعجزات الحسية التي وهبها الله لهذا النبي حتى يصدق بين قومه، قال تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ [الإسراء:1]، فهذه المعجزة شوش علينا أهل البدع والضلالة حتى لا نعتقد فيها أن تكون معجزة كبيرة من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم، فقال المعتزلة ومن وافقهم من أهل البدع: حادثة الإسراء ليس بالجسد والروح، بل بالروح، فلازم قولهم: أن الإسراء ما كان بالجسد وإنما كان بالروح فقط أي: كانت رؤيا منامية فقط.

    ونحن نرد عليهم بعدة أدلة، أولها: لو قلتم مناماً لضيعتم هذه المعجزة ولأبدتموها، ولكنها بالجسد والروح بالأثر والنظر، أما بالأثر فقد قال الله تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [الإسراء:1] فالباء هنا باء خطاب لا باء تبعيض يعني: جزء منه، وهي الروح؛ لأنه قال: (بعبده) وعبد مفرد مضاف فيعم العبد كلية، بجسده وبروحه، فأسرى الله بنبيه صلى الله عليه وسلم بجسده وبروحه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى.

    ثانيها: قال الله تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى [النجم:13-14] أي: رأى النبي جبريل عليه السلام على صورته مرة أخرى، فإذا رآه على صورته يكون بالروح أو بالجسد والروح وبأم عينه؟ بعينه، إذاً: كان المعراج بالجسد والروح، وكان يصعد إلى الله جل وعلا وينزل إلى موسى، فيكلمه موسى ويراجع ربه على الخمسين صلاة.

    فقوم قريش اعترضوا اعتراضاً شديداً جداً، وأرادوا أن يكذبوه أمام أبي بكر فقالوا: انظر إلى صاحبك يزعم أنه أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ونحن نضرب أكباد الإبل شهراً ذهاباً وشهراً إياباً حتى نصل إلى بيت المقدس ونرجع إلى مكة، وهو يقطعها في ليلة واحدة؟! فاعترضوا على الجسد والروح لا المنام، فهذه معجزة أيضاً حباها الله هذا النبي صلى الله عليه وسلم، وهي معجزة الإسراء.

    كذلك من المعجزات الحسية: نبع الماء من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث كانوا في صلح الحديبية قد قل الماء عندهم، سواء أكان للشراب أم للوضوء، فجاء جابر بن عبد الله رضي الله عنه وأرضاه بركوة فيها ماء لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والقوم عطشى ويريدون الصلاة، فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر جابراً أن ينادي على صحابته فجاءوا تباعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم وضع يده الشريفة على الماء فنبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتوضأ القوم وشربوا، فسئل جابر : كم عددكم؟ فقال: لو كنا عشرة آلاف لشربنا وتوضأنا، من كثرة الماء الذي نبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    كذلك من المعجزات الحسية التي حبا الله بها هذا النبي وميزه عن باقي الأنبياء: بركة الطعام في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي يوم الحديبية كان الرسول صلى الله عليه وسلم يربط حجرين على بطنه وكل صحابي من الصحابة يربط حجراً واحداً على بطنه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من شدة الجوع يربط حجرين على بطنه، وأبو طلحة سمع صوت النبي صلى الله عليه وسلم خافتاً فعلم أن هذا من شدة الجوع؛ فذهب فزعاً إلى أم سليم فأعد طعاماً، وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: تعال أنت والنفر الذين معك، وكانوا خمسة أو ثلاثة، فهو قال: خمسة يكفي بما عندنا من طعام، فصاح رسول الله صلى الله عليه وسلم في القوم: أن هلموا كل من كان موجوداً تعالوا، فكاد قلب أبي طلحة أن يطير، يقول: ما عندنا طعام من أين سيأكلون؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم بعدما أخذ صحابته إلى أم سليم قال: ائتني بالطعام، فأخذ الطعام ثم تفل فيه، وفي رواية أخرى: قرأ عليه ما شاء الله أن يقرأ، ثم بعد ذلك أمر أصحابه أن يدخلوا عشرة عشرة تباعاً، فيدخل العشرة فيأكلون حتى يشبعوا وتمتلئ بطونهم، ثم يخرجون ويدخل عشرة غيرهم، فيأكلون حتى تمتلئ بطونهم.. وهكذا، وهذا من بركة تفل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطعام، أو دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه.

    كذلك من المعجزات الحسية التي خص بها الرسول صلى الله عليه وسلم وكانت تنبئ وتعلم الناس بصدقه: أنه كان ما رفع يده إلا استجيب له.

    مثلاً: فـأبو هريرة كانت أمه كافرة، وكانت تسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء مرة أبو هريرة مغضباً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن به شيء فسأله، فقال: ادع لأم أبي هريرة ، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم لها، فذهب أبو هريرة يقرع عليها الباب فتلكأت، ثم بعد ذلك أدخلته، فوجد أنها كانت تغتسل، ثم تشهدت لله جل وعلا، وأسلمت بفضل دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم.

    كذلك الدعاء في الاستسقاء، فلما كان النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة جاء رجل فقال: يا رسول الله! هلك المال أو الأولاد والعيال ادع الله أن يسقينا، نزل القحط على المدينة فأشار الرسول صلى الله عليه وسلم ودعا الله جل وعلا؛ فجاءت سحابة فوق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم هطل المطر، وما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من على المنبر إلا وقد أغرقت المدينة بالأمطار.

    فهذه أيضاً من المعجزات التي حبا الله رسوله صلى الله عليه وسلم.

    من آخر المعجزات التي نتكلم عنها: هي انشقاق القمر، فقد كانت معجزة من المعجزات الباهرة لأهل قريش الذين تعنتوا حتى يؤمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ائتنا بآية، وألحوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستجاب الله لرسوله بهذه الآية، فانشق القمر قال تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ [القمر:1-2]، فانشق القمر؛ فنظر القوم إليه فإذا هو نصفين، شق عن يمين، وشق عن يسار! والأصل أنهم مع ذلك لابد أن يؤمنوا، فإن القمر قد انشق أمامهم فهي معجزة وآية من الآيات، فقالوا: لا، سحرنا محمد! ثم قال العاقل فيهم: إن محمداً لن يسحر جميع الناس، انتظروا الوفود التي تأتي من خارج مكة لعلهم رأوا القمر مكتملاً، فانتظروا الوفود فسألوهم، فكل منهم يقول: رأينا القمر انشق نصفين.

    وهذه آية أيضاً من الآيات التي حباها الله لنبيه صلى الله عليه وسلم تدل على صدقه، ولكن إذا أراد الله أن يغوي قوماً فلن تجد لهم هادياً، من قال تعالى: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:56].

    وقد جاء العلم الحديث يصدق بذلك فقيل: إنهم صعدوا سطح القمر فوجدوا آثار هذا الانشقاق لكن ما آمنوا: يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الروم:7]، فهم أغبي من الحيوانات؛ لأن الله أراهم آيات عظام حتى في الجسد، فهم يحللون الأوعية الدموية، ويرون عظم خلق الله جل وعلا في الإنسان، ومع ذلك لا يؤمنون.

    أختم من الآيات والمعجزات الباهرات التي أوتيها النبي صلى الله عليه وسلم: أنه ما كان صلى الله عليه وسلم يسير في مكان الشمس فيه حارقة إلا وترى النخل يأتي بعده أو الأشجار تأتي بعده لتظلله، وهذه هي المعجزة التي تكلم عنها الراهب بحيرا لما نظر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو صغير مع عمه أبي طالب قال: هذا سيد العالمين! هذا رسول رب العالمين! هذا رحمة للعالمين!

    فقيل له: كيف عرفت ذلك؟ قال: عرفته من آيات، ثم ذكر الآيات، قال: ما مر على العقبة إلا وكل شجر وحجر ساجد، وهذا لا يكون إلا لنبي، ثم ما جاء على شجر إلا وهو يظلله، يعني: كان القوم يجلسون والشجر يظللهم، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم، تركهم الشجر وظلل رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وعرفته بخاتم النبوة الذي هو كبيض الحمامة في ظهره.

    وأيضاً: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يختلي ليقضي حاجته بحث عن مكان يبعد فيه، فبحث مرة عن مكان حتى يقضي حاجته دون أن يراه أحد فلم يجد، فأخذ شجرة بغصنها يجرها وراءه، ثم أخذ الأخرى فمشيا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ضمهما ليكونا ساترين له صلى الله عليه وسلم، ثم قضى صلى الله عليه وسلم حاجته.

    فهذه بعض المعجزات التي حبا الله بها رسوله، فهي دلائل واضحات حتى يظهر صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذه الأمة، ولعلهم يستيقنون في ربهم فيعملون بسنته صلى الله عليه وسلم.

    يبقى لنا الكلام على الكرامات، وهل حدث لهذه الأمة كرامات أم لا؟ من أيام القرون الأولى إلى يومنا هذا توجد كرامات كثيرة جداً، حدثت حتى لـسفينة مع الأسد، والعصا التي أضاءت لـأبي رضي الله عنه وأرضاه، والملائكة التي كانت تسلم على عمران بن الحصين، كل هذه سنتكلم عنها.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.